فى تلك الأنواع من الحقب الثورية التى نعيش فيها اليوم ، فان التفكير فى الدور الذى تلعبه الثقافة فى العلاقات الانسانية ينبغى ان يأخذ فى حسبانه احساس الشعوب بمساهمتها النشيطة فى عملية اتخاذ القرارات التاريخية واقلاعها بسهولة عن أساليب الحياة والتقاليد العتيقة . وتنطوى الثقافة على أكثر أوجه التغير تنوعا ، وترابطا فى الاغلب ، فى المؤسسات السياسية الاجتماعية فى المجتمع ، انها عملية تجمع متعددة السببية تلعب فيها عوامل وأحيانا حوادث كثيرة ، أدوارا حاسمة . وليس هناك مجتمع يستطيع أن يصمد أمام ضغط هذا العالم سريع التغير دون أن تمضى ثقافاته التقليدية فى عملية تغير نفسها . ان ضغوط تقنية الانتاج والنظام الاقتصادى الذى تقيمه والمناخ المعنوى والثقافي الذي تفرضه على المجتمع المعاصر ، قد وصلت الى درجة من القوة جعلت من الصعب على ثقافاتنا التقليدية أن تقاومه دون تغييرات .
ومن المستحيل أن نعكس التنوع ، بل وربما التعدد المتناقض أحيانا ، وفى الاتجاهات الثقافية لاى مجتمع فى دراسة واحدة قصيرة . ولذا فقد اخترت هنا أن ابحث فى الدور الذى لعبته الثقافة وتلعبه فى المجتمعات السودانية المعاصرة . ولقد أعطيت هنا أمثلة عن الدول ذات التعددات المتشابهة كما هو الحال في فلسطين وافريقيا الجنوبية ، حيث بقيت هناك مواجهات ثقافية وسياسية بين الأهالى الأصليين الشعوب العربية أو الافريقية من ناحية واليهود أو الاقليات البيضاء المهاجرة من ناحية اخرى ، لكن هذه الأمثلة اعطيت بطريقة عابرة ولم يكن الهدف منها احقاق العدل فى هذه المواقف البالغة التعقيد والتى قد تتطلب فى حد ذاتها معالجتها فى دراسة منفصلة
التجربة السودانية :
عندما يتحدث الناس عن الفروق الثقافية فى بلد والصعوبات التى تسببها هذه الفروق لاستقرار ووحدة الامة ، فان الناس دائما ما يرتكبون خطأ شائعا
عندما يظنون أن الثقافة شىء يعتز به الشعب أكثر من اعتزازه بأي ملكية أو ممتلكات اخرى . وتأسيسا على تجربتنا فى السودان وحكما بالمواقف المتخذة فى أماكن أخرى ، حيث توجد سمات ما يبدو أنه تصارع ثقافى ، فان الفروق الثقافية تخدم كاثراء لحياة الامة اكثر من كونها سببا لصراعاتها وقد ترفض جماعة ثقافية موقفا دينيا معينا لكونه يمثل تهديدا لاسس معتقداتها التقليدية التى بنت عليها نظامها الاجتماعى . وربما تقبل جماعة ثقافية أخرى وضعا اقتصاديا لانه اما انه يعزز هيكلها التقليدى أو أنه لا يشكل تهدديد لايمانها بالملكية الشخصية .
وقد لصقت بالسودان ، فى السنوات التالية مباشرة على الاستقلال وخلال سنوات الحرب الأهلية ، سمعة سيئة باعتبارها بلدا تقوم فيه الحرب بين ثقافتين ودينين ضد بعضهما . وكان يقال ان الاسلام والعروبة قد ضمتا صفوفهما ضد المسيحية والافريقية . ولا أظنني ، بعد أحداث عام 1972 التى أنهت الحرب الاهلية فى السودان ، فى حاجة الى أن أثبت هنا كم كان هذا الاعتقاد خاطئا . ان تسوية مشكلة السودان الجنوبى وتحقيق الوحدة الوطنية فى السودان ، مؤشر على أن التنوع الثقافي يقدم أساسا جيدا للاثراء والاستنارة القوميتين . لكنه ، على أية حال ، من أجل أن تنجح الاتصالات الثقافية بين الجماعات فى تأكيد الوحدة الوطنية ، فانها يجب أن تقوم على أساس من الاحترام المتبادل للمواقف الثقافية لكل جانب وممارساته . أما إذا فرضت هذه الاتصالات بالقوة أو بوسائل تمييزية كما هى الحال بين اليهود والعرب فى الشرق الاوسط ، أو كالحالة بين البيض والافارقة السود فى افريقيا الجنوبية ، فمن المحتم أن يحدث فشل فى الاتصالات الثقافية .
ان الصورة المشوهة التى ابتلى بها المجتمع الدولى فيما يتعلق بالمشهد الخاص بالوطنية السودانية ، يمكن أن نجد لها تبريرا فى كل من التعقيدات المتصلة بهذا المشهد الوطني نفسه وفي الاساليب التى حاولت بها الحكومات الوطنية فى ذلك الوقت ممارسة جهودها من اجل تسوية قضايا الخلافات الوطنية . فقد حاولت حكوماتنا الوطنية أن تقيم نوعا من نظام الحكومة التحررى الاوروبى الغربى توجهت فيه الاحزاب السياسية نحو احساس زائف بالقومية . وتم استيعاب الحقوق السياسية للافراد فى الاستقلال كمثل أعلى نبيل . وكنتيجة لهذه التجربة ، فقد كان علينا فى هذه البلد أن نخوض تجربة ما تزينى التحرري الايطالى الكبير الذى منح النظام الليبرالى فى الحكم عناصر موقوته . إن جوزيبى ماتزينى ، الذى نقل الحركة الليبرالية إلى أرضية
القومية ، توصل إلى ان " المنفي هو حضانة الوطنية ، كما ان الكبت هو مدرسة الليبرالية " . وقد استنتج ان الجماعات الوطنية قد تشترك فى نفس التطلعات الوطنية من اجل الاستقلال ، لكنهم ان لم يشتركوا فى الارضية المشتركة حول الثقافة القومية ، والتنمية السياسية والاجتماعية ، فان كبريات نظريات الليبرالية لن توجد بينهم بالضرورة
ان فحص النظم السياسية فى حقبتنا الاولى من الاستقلال فى السودان تكشف عن ان الاطلاق الذي اعطى لنظرية القومية دون ايلاء تفكير كثير للافراد الذين تكون الامة منهم ، قد انكر كلا من الوحدة الوطنية التى هى نتاج الديمقراطية ، والحرية القومية التى تنتمى الى نظرية الحرية . وكان السودان أمة حاولت أن تجعل المبادئ القومية الهيمنة فوق كل شئ اخر ، وقد تأسست على التفوق المستمر للارادة الجماعية ، التى زاولناها من جانبنا ، رغم أن ذلك لم يكن ضروريا من قبلنا ، والتى كانت شرطا لازما لوحدة الامة لابد أن يختلف معها أى تأثير آخر ، ولم يكن لاى التزام أن يجد أى صلاحية ضدها . وكما لاحظ اللورد اكتون ذات مرة :
ان مثل هذه الامة مؤسسة على تحدى التحرك المعدل للقضايا الخارجية ، للتقاليد والحقوق القائمة . انها تلغي حقوق ورغبات السكان ، وتستوعب مصالحهم المتشعبة فى وحدة زائفة ، وتضحى بميولهم وواجباتهم المتعددة فى سبيل مطلب الوطنية الاعلى وتسحق كل حقوقهم الطبيعية وكل الحريات المعترف بها من اجل هدف تبرئه نفسها " .
وفي الاحداث المتغيرة في السودان اقامت ثورة مايو 1969 حكومة مصالحة وطنية . وقد تغير نظام الحكومة نفسه بطريقة تقدمية ، فقد تم احداث توازن بين الاسباب الخارجية للانقسام ، وتحققت الوحدة الوطنية . وكشفت لنا عملية المصالحة عن أن خلافاتنا لم تكن عرقية صرفة - كما هو الحال بين العرب والافارقة السود من ناحية ، ولا كانت دينية صرفة ، كما هى الحال بين الاسلام ضد المستحبين من ناحية اخرى . بل ولا كانت الخلافات ثقافية صرفة كما حاول الكثيرون من المراقبين تصويرها .
وقد نظر بعض الدارسين الى الصراع فى المسرح السودانى فى ضوء آخر وحاولوا على أية حال أن يجدوا أسبابا للصراع فى أشياء اخرى غير الثقافة وقد كتب البروفيسور على مازورى على سبيل المثال :
" ان تراوح السودان فيما بين العرب والافارقة له علاقة بتراوح العرب انفسهم فيما بين افريقيا وآسيا " واضاف أن " العرب ، بوصفهم جنسا ،
يعتبرون تحديا للتصنيفات القارية ، لتوزعهم على ما هم عليه على كلا جانبي ما يقسم آسيا عن افريقيا " .
وفي المضمون السودانى على الاقل ، فان المرء يجب أن يتفق مع البروفيسور مازورى فى أن العرب كجنس ، لا يمكن تصنيفهم بسهولة كأسيويين أو أفارقة بعبارات مطلقة .
والدور العربى فى افريقيا ، على الاقل فى افريقيا المعاصرة ، هو دور المشاركة الكاملة فى القضايا الجيدة فى صالح افريقيا . وقد استطاع اسلافنا السابقون فى حركة التحرر الافريقية والقيادة ، أن يدركوا الدور المفيد الذي لعبه العرب فى التاريخ المعاصر لافريقيا . وفى حديثه عن الدور العربي فى تشكيل حركة الافريقية الشاملة نجد المرحوم توم مبويا الكينى ، وأحد مؤسسى وأعمدة الافريقية الشاملة ، يقول ذات مرة :
" من واقع تجربتى فى المؤتمرات الافريقية الشاملة ، ومن مراقبة اهتمامهم بالشؤون الافريقية الشاملة ، توصلت الى ايمان بان الغالبية العظمى من العرب فى شمال افريقيا ينظرون الى أنفسهم على أنهم أفارقة . وقد حدث من جانبنا اعتراف متزايد وقبول بالعرب كافارقة .
ولاحظ البروفيسور مازورى على نفس موضوع الافريقية الشاملة ، أن تراوح العرب كشعب ، لا هو اسيوى كلية ولا هو افريقي كلية ، كان عاملا حاسما فى اسباغ نوعية التناقض على حركة الافريقيين الشاملة ، بكونها افريقية التمركز فى نواياها وافرو آسيوية فى بعض نتائجها .
وقد وجد بعض الدارسين السودانيين ، بالرغم من النقاش الساخن الذي اجتاح البلد خلال الحرب الاهلية ، ان من السهل الاتفاق على الروابط الثقافية والعرقية للجموع العربية والافريقية ، اكثر من الاتفاق على ما قد يجدون في القضايا الاقتصادية والسياسية للصراع . وقد كتب البروفيسور مدثر عبد الرحيم عن عروبة السودان يقول :
" ان العروبة هي رابطة ثقافية لغوية غير عرقية تربط الاجناس العديدة ببعضها " .
ولو ان الدكتور عبد الرحيم ، وغيره من الدارسين السودانيين الذين كانوا يكتبون ابان الصراع فى السودان ، لم يوفروا الرابطة والانسجام اللذين كانا موجودين بين الثقافات داخل البلد ، فقد كان مرد ذلك الى كونهم يعملون تحت
ضغط التحريف الدولي لقضايا النزاع السودانى . وربما كان يبدو ، فى الظروف التى كانت قائمة آئنذ ، أمرا غير طبيعي أن نبحث عن عقلانية وصحة احكام يطلقها الافراد على أمور محيرة الى هذا الحد مثل الثقافة
وقد عملت السنوات الاخيرة من قوميتنا ، برغم حدة الحرب المتصاعدة ، على تسليط الضوء على الاعتراف الذي توصل اليه الدارسون بحتمية توحد السودان وهو الامر الذي توصلنا فيما بعد الى قبوله - سودانا واحدا لا يجرى فيه البحث عن الانسجام السياسى والاقتصادى فحسب ، بل عن وجوب ضمان احترام المبراث الثقافي لكل جماعة عرقية ايضا . وقد اعترف الدارسون السودانيون الشبان بهذه الحقيقة ، مثل الدكتور فرنسيس دينق ، عندما كتب عن التجمع الثقافي في السودان واى دور يمكن أن يلعبه فى تحقيق الانسجام لا بين السودانيين العرب وغير العرب فحسب ، بل ايضا بين العرب والأفارقة فى القارة الافريقية ، فقال :
ان الموضوع بالنسبة للسودان ليس انكار العروبة ، وانما التأكيد على الصفات التى توحد . . ففي حين انتج التعرب والاسلام تطابقا زائدا مع الاسلام والحضارات العربية ، فانهما قد قدمتا توافقا واندمجتا على طول الخطوط الافريقية الموجودة من قبل فى الاديان ، والثقافات ، والاعراق " .
وقد ضاعف الدكتور عبد الرحيم الدليل الذي قدمه عن حقيقة ان الثقافة العربية أيضا تنتمى هنا مع التوجه العلمي عن تسوية الخلافات فى داخل البلد وفي الواقع في داخل القارة وذلك عندما قال :
" يختلف الشمال عن الجنوب في أنه فى غالبيته المسيطرة مسلم وعربى ، فى حين ان الجنوب " وثنى " أساسا وهو الى حد أقل بكثير اما مسلم او مسيحى . ومع ان ذلك على اية حال قد ينظر اليه عن حق على انه أرضية كافية للمطالبة بوضع خاص للجنوب داخل اطار سودانى متحد ، فانه لا يشكل حجة معقولة لشق السودان الى دولتين مستقلتين . فالدولة الحديثة ، وخاصة في افريقيا ، ليست ولا يمكن ان تقوم على اساس الدين أو التجانس العرقي أو حتى الثقافي ، لكنها تنبني ، فوق كل شىء ، على مجتمع مصالح وأهداف اناس - برغم أنهم قد يختلفون فى أوجه معينة - فانهم في العصر الحالى قد التقوا عبر حدود قارية وليس عبر حدود قبلية أو دينية صرفة فحسب
ويضيف الدكتور دينق ، الى هذا الرأى ، مؤكدا بقوله :
" ان الاعتراف بثنائية السودان ، والتركيز على عروبة الشمال ليس على أية حال بالاسس المفيدة للوحدة . فالعرب وغير العرب ، والافارقة والاسيويون والدول النامية ، وجمهرة من الشعوب الاخرى ، تتعاون وتتحد تحت شعارات تخدم مصالحها المشتركة . وتحت مثل هذه الشعارات ، فان الجنوب يسعده أن يصطف مع العرب وان يدعم وحدة السودان مع الدول الاخرى من اجل تعزيز الولاءات الاوسع التى تتطلبها الظروف الحديثة فى افريقيا ، بل الواقع في العالم . وعلى السودان أن ينمي شعارات توحيدية ، وهناك الكثير من الامور المشتركة بين الجنوب والشمال لا تحتاج الا الى كشفها " .
وقد كان من المستحيل ، حتى مع سياسات المقاطعات المغلقة التى اتبعها البريطانيون تجاه الجنوب ، كبح التأثيرات الثقافية بين السودان الشمالى والجنوبى عن بعضهما ، ولو نحينا جانبا الزواج ونظام ملكية العقارات فى الشعبين ، فان المرء لا يحتاج الا الى أن ينظر الى التأثيرات اللغوية والملابس وغيرها من التأثيرات التى كانت متداولة على طول الحدود ، لكى يدرك فى الواقع انه يوجد هناك مما يوحد فى السودان ثقافيا اكثر مما يفرق
وكما قلنا من قبل ، فان من الصعب تصنيف شعب السودان على اساس عرقي مميز . فالسودان هو افضل برهان حي على حقيقة أن العروبة تضم خليطا زنجيا . ويمكن ملاحظة هذا التقارب فى الثقافة والخليط الجنسي للعرب والافارقة حتى فى أماكن مثل الولايات المتحدة الامريكية بين الامريكيين السود ذوى الاصل الافريقي . ولا بد ان السودانيين هم الذين التقوا بالامريكيين السود فى لحظة انتفاضتهم السياسية فى الولايات المتحدة وخلقوا المشاعر الطيبة السائدة حاليا بين الامريكين السود والعرب . وينظر الامريكيون السوء الى العرب على انهم انسباؤهم المباشرون ، بل ربما اخوتهم . ويشبه السودانيون العرب الامريكيين السود . ان الامريكين السود الذين يسافرون الى افريقيا يعودون الى الولايات المتحدة بانطباعات افضل عن الخليط العرقي لافرو عربى ، وذلك عندما يزورون السودان . وقد قال و . أ . ب . ديبوا وهو واحد من الآباء الامريكيين السود المؤسسين للافريقية الشاملة ، ذات مرة عن السودان :
" ان اى واحد يسافر الى السودان ، يعرف أن معظم " العرب " الذي التقى بهم ذوو جلود سوداء ، بل سودا بالفعل أحيانا ، ولهم فى الغالب ملامح وشعور شبه زنجية ربما تكون نوعيتها زنجية تقريبا . فالواضح اذن فى افريقيا
ان تعبير " عرب " غالبا ما يؤدى الى سوء الفهم . لقد كان العرب على درجة من التماثل مع الزنوج بلغت حد رسم خط مطلق للون "
وقد توجه سودانى جنوبى الى الولايات المتحدة لاول مرة فى الستينات عندما كانت الحركة السوداء فى أمريكا تحتل رؤوس عناوين صحافة العالم وحرص على الذهاب الى حي هارلم فى مدينة نيويورك ليشاهد بعضا من أقربائه المضطهدين المناضلين . واصطحبه البعض الى هناك ، وبعد أن سار فى شوارع هارلم لمدة ساعات دون أن يبدو أنه قابل السود ، التفت الى اصدقائه السودانيين وسألهم :
" أين الزنوج ؟ " فقيل له أن كل الناس الذي كان يقابلهم هم الزنوج فأجاب بخيبة أمل شديدة " لكن هؤلاء الناس عرب . كيف يمكن لهم أن يسموا أنفسهم زنوجا ؟ " . وكان بالطبع قد ترك وراءه فى السودان أهله ذوى الجلود السوداء يحاربون العرب ذوى الجلود السمراء
ويمكننا أن نورد أمثلة لا حصر لها على ذلك النوع من الحيرة التى خلقها هذا الخليط العرقي والثقافى الجيد فى السودان
وفي شوارع لوزاكا استوقف أحد أهالى زامبيا واحدا من اصدقائى السودانيين الشمالين ، كان يعرف أنه سودانى لكنه ظنه سودانيا جنوبيا ) اسود ( . وقال الرجل من زامبيا فى عبارات متعاطفة مليئة بالشفقة " يا أخي ، ان العرب يعاملونك بالفعل بشكل بالغ السوء - اليس كذلك ؟ " وتساءل السودانى الشمالى بكل ادب : " لو انك قابلت سودانيا عربيا ، فكيف نميزه عن السودانى الاسود ؟ " . فأجاب الرجل من زامبيا بكل ثقة أن العربي أبيض ، وهو على درجة من البياض مثل جمال عبد الناصر او بورقيبة . فأجابه السودانى الشمالي بان السودانى العربى على درجة من السواد " مثلى أنا نفسي بل حتى أكثر سودا " .
ان هذه الامثلة القليلة تبين درجة الارتباك الذى تسببها الحيرة العرقية والخليط الثقافي فى السودان ، للعالم بأسره
السودان اليوم
ان السودان الحديث ، باعترافه بحتمية التنوعات فى دولتنا ، يقوم على مبدأ ان الامة أساسية ، لكنها ليست بالضرورة العامل الاسمى فى تحديد شكل
الدولة . ان الدولة السودانية منظمة الان وفقا لنظرية التنوع فى الوحدة والانسجام في الوحدة ، لا التطابق والالتحام . وهي لا تهدف الى تغيير تعسقى . وإنما الى احترام حذر لظروف الحياة القائمة . إنها تطيع القوانين ونواتج التاريخ لا التطلعات نحو مستقبل مثالي.
ان نظريات وممارسات ثورة السودان الحديثة تنظر الى الدولة على اعتبار انها حصن للحكم الذاتى لا مصدرا للطغيان . ويقوم تنظيم الدولة على تحقيق توازن المصالح ، ومضاعفة المساهمات والعطاء للناس ، وعلى قيود ومساندة رأي مشترك ومتحد . وهي تسعى الى منح الحرية للناس ، لانها تعلم أن الحرية تحصن على التنوع وان التنوع يحفظ الحرية بتقديم وسائل التنظيم
ان كل السودانيين المستنيرين الذين رعوا وتابعوا الاخطار التى تعين علينا فهرها ، والتضحيات التى تحتم علينا تقديمها ، لكى نحفظ وحدة بلدنا يشعرون أن تعايش ثقافاتنا المتعددة تحت لواء نفس الدولة ، يعد من ناحية اختبارا لهذه الوحدة ، كما انه أفضل تأمين لحريتنا .
مواقف اخرى
لو اننا نظرنا الى المواقف الثقافية فى أماكن أخرى من العالم الثالث ، فلن بتكرر بالضرورة فى كل الحالات ذلك الوضع المشوه . فسوف نجد فى الشرق الاوسط مثلا تفسيرات سهلة للصراع تتمثل فى احتلال عسكرى بحت من جانب شعب لشعب آخر . ولا يلعب الصراع الثقافي أى دور فى هذا الصدد
ونجد فى الموقف الشرق الاوسط . ان الفلسطينيين يتحدون اسرائيل باستمرار فى منافسة ثقافية سلمية بعرضهم على الاسرائيليين فرصة لان يقيموا - بالاشتراك مع الفلسطينيين - دولة ديمقراطية ثنائية القومية ، ثنائية الثقافة ، فى فلسطين ، يستطيع فيها كل من العرب واليهود - كجماعات ثقافية - أن يعيشوا فى انسجام وان يسمحوا لثقافاتهم المتعددة بالتعايش والتنافس السلمي فى اثراء نوعية الحياة فى الدولة الجديدة . وترفض اسرائيل هذا التحدى السلمي من اجل التعايش
وفي افريقيا الجنوبية ، فان المادية والعرقية هما اسباب صراع المجتمع هناك . فالبعض في افريقيا الجنوبية لا يبذلون الا جهدا قليلا لاخفاء موقفهم المادى والعرقي تجاه جماعات الاغلبية فى المنطقة .
ولم يكن الامر في افريقيا الجنوبية يحتاج الى ذكاء كبير من جانب الاقلية البيضاء لادراك ان التطورات السياسية السريعة التى تحدث فى افريقيا شمالى نهر زامبيزى في أوائل وأواخر الستينات ، لم تكن لتترك افريقيا الجنوبية دون ان تمسها . ان اطلاق البيض للنار على الافارقة فى شاربفيل فى شهر مارس 1960واندلاع الثورة فى انجولا فى شهر فبراير 1961 أمور كان يجب أن توضح للاقلية البيضاء فى افريقيا الجنوبية ان التغير السياسي محدق وحتمى
وعلى الرغم من كل هذه التحذيرات الواضحة والمعلنة في افريقيا الجنوبية ، فان اذلال الثقافة الافريقية والافريقي نفسه ، استمر طيلة السنوات الخمس عشرة الماضية عماد سياسة البيض وعلاقاتهم مع السود
خاتمة
لقد رأينا أن التنوع الثقافي في السودان ، مقبول كأساس للوحدة الوطنية لانه يتوازن مع الاحترام المتبادل للمواقف الثقافية الخاصة بكل جماعة ، على أساس النظر الى هذه المواقف على انها اثراء لحياة الامة ، هذا بالاضافة الى السماح بالمشاركة المتساوية بين الجميع فى حياة الامة المادية والسياسية ، الاجتماعية والاقتصادية . والخلاصة التى توصلنا اليها فى القضية السودان هى أن التنوع الثقافي يضمن الوحدة القومية القوية ولا يعوقها . انها قضية أناس من أمة واحدة يقبلون ويفعلون ما قال عنه الرئيس السنغالى سنجور ذات مرة :
" يجب على كل شعب أن يقيم نظامه الخاص فى الحرية السياسية والثقافية والاجتماعية بواسطة قواه الخلاقة الذاتية " .
ولكننا نجد أن هذه الخلاصة ، فى الشرق الاوسط وافريقيا الجنوبية ، سلبية للاسف ، فالعلاقة فى هذين المكانين لم تقم على أساس المنافسات الايجابية الثقافية والمادية . لقد قامت على اساس التشريد الطويل لجماعات بواسطة جماعة أخرى من خلال استعمال القوة ، أو من خلال الحرمان المادي والسياسي . وفي كلتا هاتين الحالتين ، فان العلاقة قامت على أساس أن جماعة واحدة تعامل باحتقار من جانب الاخرى ، ويتم تذكيرها يوميا بوضعها الادنى
وعلى الرغم من أنه قد جرت محاولات مؤخرا لنزع فتيل هذين الموقفين فى الشرق الاوسط وافريقيا الجنوبية ، فاننا لا يمكننا التوصل الى خلاصة أن
الظروف الضرورية من اجل التعايش الثقافي والسياسي قد تم تقديمها لخلق وحدة وطنية فى هاتين المنطقتين . ان أولئك الذين لهم دور فى امكانيات تسوية هذين الموقفين من بين العرب فى الشرق الاوسط والافارقة السود فى افريقيا الجنوبية ، تملؤهم ذكريات اذلالهم الشخصى ناهيك عن القصص التى نقلت اليهم أثناء نضوجهم عن اذلال آبائهم وأهلهم . ان تجاربهم هذه هامة للغاية في صياغة مواقفهم تجاه اية تسويات قد تعرض لهذين الموقفين
وفي رأي المتواضع فيما يتعلق بالمواقف فى الشرق الاوسط وافريقيا الجنوبية ، فانه لا النجاح الذى حققه العرب ضد اسرائيل فى حرب 1973 ولا التغيرات التحويلية فى الاقاليم البرتغالية فى افريقيا الجنوبية ، كلاهما لم يخلق لنا الجو الكفيل بأن نأمل أن يكون الانسجام الثقافي فى هاتين المنطقتين قد تم تزويده بالظروف اللازمة له لكى يخلق وحدة وطنية .
وفي الوقت الحاضر ، والى ان تتاح للمرء الارضية الكافية لان يعتقد أن المواءمة بين الجماعات أمر ممكن ، وخاصة فى افريقيا الجنوبية فان الامل الوحيد هو أن يكون ما قاله ذات مرة الرئيس الراحل الدكتور كوامي نكروما عن افريقيا الجنوبية ما زال يثبت صلاحيته :
هناك حادث فى التاريخ . . يمكن ان ينجح فى تحويل بوصة واحدة من التراب الافريقي الى امتداد لاية قارة أخرى "
وكان الدكتور نكروما يشير الى سياسات الضم الفرنسية فى الجزائر والادعاءات البرتغالية القائلة بأن أنجولا وموزنبيق كانتا جزءا من البرتغال وكان الدكتور نكروما على حق فيما يتعلق بالجزائر ، اذ ان الفرنسيين اعترفوا فيما بعد بان الجزائر كانت عربية وافريقية وليست فرنسية . كما أنه أيضا - كما ثبت - على حق فيما يتعلق بالاقاليم البرتغالية فى افريقيا .
ان سيادة الشعب ، فى فلسطين كما فى افريقيا الجنوبية ، معزولة ومحطوط من قدرها . وما زالت شعوب فلسطين وجنوب افريقيا تقاوم الادارات الاجنبية . والحركة ضد هاذين النظامين شعبية ، وتلقائية ، وقومية . وهي موجهة ضد مؤسسات اجنبية . وقد أخذت شعوب فلسطين وافريقيا الجنوبية على عاتقها طرد جيوش الدخلاء الاجانب وأفكارهم . وتلك حركات ثورية وطنية . وهي ليست حالات تنوع ثقافى فى أمة واحدة كما شاهدنا فى المثال السودانى .
ان شعوب فلسطين وافريقيا الجنوبية لا يرفضون التنوع الثقافي . فقد هبوا ضد غزاتهم دفاعا عن أراضيهم وحقوقهم الشرعية فى حكم انفسهم إنهم يرفضون أن يحكمهم مغتصبو أرضهم وسلطتهم . وذلك نضال من اجل الشرعيةلا من أجل التوفيق الثقافي والوحدة الوطنية . وواجبنا هو دعمهم وان ناخذ بيدهم الى النجاح .
أما فيما يتعلق بمثلنا الاساسي ، وهو السودان ، فنحن نجد ان تعدد الثقافة والتجمعات العرقية فى السودان ، لم ينتج عنه مجتمع ثفافى منسجم التوازن فحسب بل انه قدم ايضا مجتمعا معتدلا من الناحية السياسية من ذلك النوع الذي سوف تحتاجه شعوب المنطقة . ان نظم الحكم السودانية ، مهما كان تشكيلها وقيادتها ، لا يمكن ان تصل فى تشددها الى ذلك النوع من نظم الحكم الفاشية أو الاستبدادية الذي نجده فى أماكن أخرى . كما ان المرء لا يجد حقيقة أية أمثلة تفسخ فيها المجتمع السودانى الى فوضى الفساد الذى تراه متاحا في عدة ارجاء من الكون . ولا بد أن أسباب هذا الاعتدال تكمن فى المزيج الثقافي والثراء الذي وهب اياه المجتمع السودانى والذى ينتج اثارا متزنة على شخصية الافراد الاعضاء فيه .
ولو اننا قلنا ان عالم التكنولوجيا والاتصالات السهلة هذا يجب أن يحاول ان يحيا سويا كلما زاد اقترابه من بعضه ، فانه ؟؟؟ علينا ان نصل الى خلاصة مجملها أن السودان فى تلك العبارات المحددة للتوافق والانسجام الثقافى هو اليوم أقرب الى الكمال الذى نتطلع اليه . فهو يضم جماعات عرقية وثقافية متعددة دون ان يضطهدها كذلك فانه يمكننا ان نصل الى خلاصة اخرج هي أن أولئك الذين لم يحدث لديهم خليط عرقي أو ثقافى ، لم يصلوا بعد إلى درجة الكمال . ووفقا لما يذهب اليه قول قديم ، فان الدولة غير القادرة على ارضاء الاجناس المختلفة والثقافات المختلفة ، تحكم على نفسها بالفناء الدولة التى تعمل على طردها أو استيعابها أو تحييدها انما تدمر حيويتها . ! والدولة التى لا تضمها اليها ، تفتقر إلى الاسس الرئيسية للثروة الانسانية

