ان اول ما يتفق عليه الفيلسوف والتدين ، هو الدعوة الى الخير والذود عن حماه - ونعني بالخير ، تطبيق الايمان به بالطرق الناجعة - ومن هنا نرى انه ليس في الامكان ان يكون هنالك تشاؤم مطلق فى أى دين أو أية فلسفة فهذا الايمان بالخبر لا بد ان يعتمد على تفاؤل مكين لا تزعزعه الظواهر المتناقضة وهذه الشفقة على الغير بالبحث عن خيرهم لا يمكن ان تصدر عن قلب قانط يشل الحركات ويقتل جذور الاصلاح - والخير لا يكون مجردا بل يتميز بضده ، ولا معنى له الا بمقابلة مظاهره بمظاهر الشر المتنوعة - فالخير اذن هو محاربة كل انواع الشر بالحث على الفضيلة باصنافها - فلا بد أن يكون هنالك حرام لكي نفهم الحلال ، و لابد من الرذيلة لنقدر الفضيلة حق قدرها ولا يمكن ان تقوم حياة أخلاقية بدون ان تصطبغ بهذه الازدواجية التى لا ينتهى لصراع بين عناصرها . وكل هذه المعانى الاخلاقية تعبر عنها احسن تعبير ، وتلخصها تلك العبارة الاسلامية المشهورة عندنا ، وهي " الامر بالمعروف والنهي عن المنكر " .
أليس الارشاد الى الصلاح وظيفة المتدينين والحرص على الاصلاح غاية الفلاسفة ؟ افالايمان بالقلب هو " أضعف الايمان " ونحن محجوجون دائما ما لم لعمل يعلمنا - ومخالفة المبادىء ليست من شيم الاحرار فكما ان الدين علم وعمل في آن معا ، ولا يكون المؤمن مؤمنا الا بالجمع بينهما ، فكذلك الفلسفة تكون فلسفة بالمعنى الكامل الا اذا اتبعت الاقوال بالاعمال
وهذه النزعة الاخلاقية هى الجوهر الاصلى فى الفلسفة والدين - والوحدة بينهما فى النظرة كاملة على هذا الصعيد - فشعورنا بالايمان فى الدين لا يختلف عن شعورنا بالايمان فى الفلسفة ، والاعمال التى يمليها علينا هذا الايمان فى كلا الميدانين واحدة - فما هو الفرق ، نفسيا ، بيني في ايمانى بالتطور ومعناه ، وتاثير هذا الايمان على ما اقول وافعل ، وبينك فى ايمانك انت بالله ووثوقك به فيما تاخذ وتدع مع نفسك ومع غيرك ؟ الواقع ان التحليل النفسى لا يفرق بين هذا النوع وذاك ما دامت دواعيهما ، وظواهرهما ، ونتائجهما فى تشابه كامل والتباعد بين الحقلين في هذا الموضوع لا يقره الا ضعاف النظر
ولبس البحث عن الحقيقة وقفا على العلماء وحدهم ، وحتى حقيقتهم فهي حقيقة طيبعية تهم العالم الخارجي اكثر من اهتمامها بالانسان ونوازعه - ولو انصفنا
لقلنا ان كل عمل يقوم به الانسان انما هو للبحث عن الحقيقة ، وان كانت هذه الحقيقة يختلف ظاهرها باختلاف الباحثين عنها . فالتاجر لا يقوم بتجارته ال لتحقيق ايمانه بفائدة هذا العمل المثمر ، وكذلك فى كل صنوف العمل التى تقوم بها ، اذ ان الحقيقة هى فى تحقيق الايمان بما نعتقد - فانى عندما اقوم بهذا العمل او ذاك أتحصل على خبرات عديدة يمكن لى القول بانها حقائق مفردة تؤدى بى الى الحقيقة الكاملة التى افهم من خلالها مشاكل ومشاكل غيرى . والحقيقة عند الناس هى النفعية لما نقوم به من اعمال ، وما تحققه هذه الاعمال من مكاسب شخصية ، آجلة ، بقطع النظر عن خيرها او شرها - وهو مما يفسر لنا قسوة الامثال العامية ، والتشاؤم الجذرى الذى تجده فى الادب الشعبي لان الاعتماد على طبيعة الحياة الواقعية وحدها لا يمكن له الا ان يقودنا الى مثل هذه النتائج المنطقية التى لا تبعث على السرور . فلا دخل اذن للخير واللشر فى الحياة العلمية ، كما ان اثرهما فى الحياة اليومية الفردية لجل الناس ضعيف .
أما عند الفيلسوف والتدين فلا يمكن فصم الخير عن الحقيقة ، ولا معنى للحقيقة لديهما الا اذا كانت خيرة ، وترجع الفئتان كل ما فى الكون الى عنصر الخير - وهذا لا يعنى انهم يتعامون عن الشر ، بل كل ما فى الامر انهم يحاولون التغلب عليه بكل ما استطاعوا من قوة ووسيلة . لذلك تراهم يرون الخير فى الجمال النفسي ، أى العدل المطلق فى الظاهر والباطن ، وما هذه الا غاية بعيدة يجب العمل على تحقيقها . . . والجمال النفسى الذى اساسه كمال المروءة ، وحسن الادب هو ما يشترك فى الوصول اليه كبار العباد ، وكبار الحكماء ايضا . وليس من الصدفة ان اطلق العرب على الفيلسوف لقب الحكيم فى كثير من الاحايين - فالانسان الكامل هو ذلك الذى يجمع فى نفسه بين هذا الثالوث الموحد ، واعني به الخير ، والحق ، والجمال - والفلاسفة والمتدينون لا يقرون بالتفريق بين هذه العناصر الثلاثة - والواقع ان التفريق بينها من الصعب جدا تحديده من الناحية الاخلاقية - فالفيلسوف والمؤمن كلاهم يعتقد بان الخير معناه الحق ، ومعناه الجمال فى آن معا . وكذلك الشأن بالنسبة لكل فرع من فروع هذا الثالوث الظاهرى - اما المبدأ الآخر الذي يتفق عليه الفلاسفة والمتدينون فيتمثل فى محاولة الشمول فى النظرة الى الكون والحياة فهم يؤمنون بان النظر الشامل هو الذي يعيننا على الفهم الصحيح ويزيد ايماننا تمكنا ، فيه نعرف نعمة العلم ، ونتجنب نقمة الجهل اذ ان هذا الوضوح فى النظرة يقود الى الفعالية فى التنفيذ ، والصبر على المكاره فى سبيل تحقيق ما نصبو اليه من مفيد .
وما الاختلاف فى الوسائل التى يعتمدها الفيلسوف والمؤمن في الوصول الى اكتناه الحقيقة الا ظاهرى ، وليس هو بالحد الذى لا يمكن اجتيازه ، وان كنت عادة ما ترانا نعلن ان المتدين يعتمد على نص مقدس ، وحكمة علوية ،
والهام الآهى ، ولا يمكن له ان يزيد او ينقص فى كلمات النص او يغير من ترتيب عباراته ، بينما نجد الفيلسوف افي حل من هذا الامر اذ انه لا يعتمد الا على النظر الاجتهادى ، والشعور الوجدانى - لكن هذا لا يمنع المتدين من اعمال فكره فى النص المقدس ، كما لا يمنع الفيلسوف من الاستشهاد بالاحاديث النبوية والآيات السماوية - ومن المعروف ايضا فى تاريخ الفكر البشرى اننا نجد من كبار الفلاسفة من كانوا من كبار المتدينين ، وهذا بالنسبة لاكثرهم - كما ان التدين لم يمنع الكثير من اصحابه عن الاتيان بالنظريات الفلسفية العميقة المتميزة
ولا تقل شخصية المتدين فى ايمانه عن شخصية الفيلسوف فى نظره . نعم ، ان كل دين متأثر بشخصية صاحبه ، فروح الدين المسيحي تخالف روح الدين اليهودى او الدين الاسلامي مثلا - ولكن هذا لا يمنع المعتنقين لهذه الاديان من فهمها فهما يوافق مداركهم ، ومواهبهم وظروفهم . فمعاني الكلمات تختلف عند اصناف المتدينين وافرادهم . فمعنى الخير عند الغزالي المتصوف مثلا ، هو غيره عند ابن قتيبة القاضى الفقيه ، او عند الجاحظ المعتزلي الاديب - وقل مثل ذلك بالنسبة لما تعنيه الكلمات عند اصحاب المذاهب الفلسفية - فما الاديان الا اطارات تضع فيها ما نجده فى أنفسنا بالاعتماد على اقوالها وتعاليمها - وبهذا فهي لا تقتل عنصر الشخصية فى التعبير والتفكير ابدا عند " العلماء " بها .
ولو بحثنا عن غاية الغايات في كلا الميدانين لوجدنا ان " الصالح العام " هو مبتغي كل منهما - فصلاح الفرد بمفرده او على حساب غيره ، لا يكون صلاحا لانه ينقص من شمول العدل الذي هو اساس كل حياة جديرة بالتقدير من طرف المفكر ، والمؤمن ايضا ولما كان العدل فى القول والعمل ، هو الوازع الاكبر فى نفس الحكيم والمتدين ، وهو الطريق السوى الوحيد لتحقيق الصالح العام في نظرهما ، فان الوحدة فى التفكير والعمل بينهما ، هنا ايضا ، تكاد تكون كاملة ، اذ ليس فى استطاعة الفيلسوف او المؤمن ان يقنع بما عنده لنفسه . ولا يمكن له ان يحيا ، ويموت غيره - فهو يرى انه لا بد له من عمل شئ لفائدتهم ، ولا بد له من انقاذهم ولو كرهوا ، وعاقبوه اشد العقاب على تدخلاته فى شؤونهم ، وانتقاداتهم لاوضاعهم واحوالهم - وهو يشعر انه خلق لتبليغ رسالة مقدسة - وفي النضال عن هذه الرسالة والعمل على نجاح انتشارها يكمن سر الحكيم وسر المؤمن

