ليس من الغلو فى شئ التقرير بأن مجلة (( الفكر )) التونسية تجربة رائدة فى الفكر العربى الحديث باعتبارها أولى ثمار الاستقلال ، يقترن صدورها زمنيا بمرحلة جديدة لحياة شعب صنع حريته بالدماء . والفترة التى ظهرت فيها هى بحق فترة حاسمة لبلاد المغرب العربى الكبير ، وشائكة بالنسبة للمشرب العربى بسبب تلك الهزات الانقلابية العنيفة والثورات الاستقلالية ، والمتأمل فى خارطة أحداث المغرب والمشرق فى ذلك الوقت ، يدرك حقا ، معنى الفترة الحاسمة التى أشرنا اليها . ومما يزيد طرافة ميلاد (( الفكر )) التونسية هو أنها لم تكن وليدة انبتات كبعض الدوريات التى عرفنا ، ولا هى مشروع فكر تطفلى نسى أصحابه وجودهم المغترب لينتصبوا دعاة حكمة وأطباء جراحة للمجتمع بل كان من الدافع لوجودها فكرا ، أساسه الواقعية الاجتماعية بمختلف أبعادها ، وطبيعة التطلع الى الامام . وهى تونسية الميلاد ، عربية التفكير ، انسانية المرامى ، تنشد التجديد فى التأصيل والأصالة فى التفتح ، اعتقادا من باعثها ، أن الاخلاص للفكر فى أشمل قيمة ، وأسمى معانيه خير ضمان لبلوغ الهدف (!) وبالمعطيات تلك تهيكل مسارها فى دوائر هى تونس أولا والمغرب العربى ثانيا ، والعرب والاسلام ثالثا ، ثم افريقيا والانسان حيثما كان وهى الدائرة الكبرى التى تحيط بكل الدوائر .
و (( الفكر )) بهذا التحديد موقفية وموقفيتها مدروسة لان تلك الدوائر حلقات يلحم بعضها بعضا . وليس من الاجحاف فى شىء أن تكون نقطة البدء
بى ولكنها لا تقف عند حدي . وهذا ما كان يعوز التفكير العربى الحديث مما جعل المعادلة فى مجتمعاتنا مغلوطة واحيانا مقلوبة قلبا لان المنطق السليم أن تعرف نفسك واذا حققت لنفسك مرحلة كهذه أمكن لك أن تعرف وتعرف لانك قطعت شبوطا فى المنهج الفكرى السليم الذى لا شك سيمدك بعناصر فكرية سليمة تتوفق بها الى المنهجية العلمية المنشودة للبناء والتحقيق الحضارى .
ومن الطبيعى أن تنصب (( الفكر )) والحالة هذه على توضيح الاهداف فى المجتمع التونسى الانتقالى بما فيه ، وبما يتطلب من عمليات الفرز والتخليص ثم التحفيز نحو مرحلة التتكون الحضارى باعتباره بداية القسمات الحقيقية للحصول على الهوية المنشودة التى تلغى أثناء دورانها المتنامى ، الفراغ المذهبى والنحل المهلكة ، استنادا الى المثل التى لا يتيسر لها وجود الا بالفكر والفكر وحده . وهذا هو المساغ المستمد منه شرعية الوجود والنضال ، والتوفق الى فتح منافذ لم تلبث أن أصبحت مضامير مهمة وميادين شاسعة فى رحاب البحث العلمى بمفاهيمه الفكرية المختلفة ، التطورية ، ومفهوم الحرية فى أبعادها المتنوعة وبخاصة فى الجانب القومى والاجتماعى ، وشعار وحدة المغرب العربى على أرضية من الأصالة والتفتح وقطاع التربية والتعليم ، وقضية الشباب والثقافة والالتزام فى الادب ثم جدية التخطيط الاقتصادى وجدوى ارتباط كل ذلك بعضه ببعض فى هيكلية واحدة .
وفى الوقت الذى كان الفكر العربى وتفكير أربابه عموما فكرا مستوردا للاصول والمناهج نجد التفكير الادبى والمذهب منصبا على تلقى تيارات الشرق والغرب يعرف بها ويفسرها وقد يتبناها أو فى أحسن الظروف يقف دون واجهاتها كاصحاب الاشهار الساهرين على خدمة تلك الواجهات ، نرى (( الفكر )) مجمعا أو قل مضمارا للفكر والفن . ولكن أى فكر ؟ وأى فن ؟
ان الفكر الذى نعنيه هو الفكر الذي يستمد وجوده (( الماهى )) من الواقع الايجابى المعيش ، حسا ومعنى ، وينشط فى اطار من المعطيات البيئية والظرفية الحضارية بحيث لا يقدم للقارئ المتلقى الا ما خلص بحثا ونقدا ، ولا يقوم بعملية الريادة ، لا بغاية التوريد ولا التصدير ولا بدافع الانبهار أو الذوبان ، لانه لو حصل هذا لكان الفكر فى مستوى البضاعات بينما الوظيفة العلمية انما هى الكشف عما تجنه المحيطات الاخرى والتنقية الممحصة فان وجد ما به
حاجة أو ضرورة كان مقبسا ، تكمل صوغه الاضافة الحضارية التى تصبح عملية بنيوبة من أجل نهضة صحيحة المسار ، ومادة من المواد فى التركيبة الحضارية المنشودة . ومن هنا يتبين لنا كيف قامت (( الفكر )) بما نسمية بمرحلة البذر الانمائى والتلقيم والتطعيم التفاعلى وقد استغرق من عمرها قرابة العشرين عاما قامت (( الفكر )) فيها بمهمة مرحلية فى الاسماع والتبليغ والذود ثم الترشيد والتبشير بمضامين جديدة لحمتها الأصالة (2) والتفتح . وكم من دورية عربية طلبتها فوقعت دونها ، وصارعت عتو الزمن العربى المأزوم هزيمة ، فانطوت به أو تناهت مضغوطة حشوا ، منهوكة بالانبهار المذهبى .
أما الفن المعنى فى (( الفكر )) فهو الذى لم يتخذ له شعارا انفصاميا فى العنوان ، وتلك ايماءة ايمانية ذكية من مؤسس هذه الدورية ، ففى الوقت الذى جعل كثير من المفكرين (( الدوريين )) عن وعى أو عن غير وعى ، فاصلة وحدا بين الفن والفكر فان مجلة ((الفكر )) بالايحاء المضمونى أقرت بأن الفكر هو عنصر كل عمل وبالتالى فان الفنون الجميلة ومنها الادب بما تعنيه هذه الكلمة ، عنصره الاساس انما هو الفكر باعتباره القطب الذى تدور عليه المعارف ويدور عليها وبالتالى فلا بد من القول بناء على ما تقدم ، بأن (( الفكر )) معناه تعانق الفكر العلمى بالفكر الفنى وتمازح كل بكل . ومعنى هذا أن الفن الحق ومنه الادب لن يكون فنا الا اذا جاء على ضوء اشراط التفكير العلمى الخلاق بعيدا عن زي الايديلوجيات والمصطلحات التقليدية للمذاهب المطروحة فى سوق الترويج . ومن هنا السر فى وضوحية ما تطرحه (( الفكر )) اذ تقرأ فى يسر وتفهم فى يسر ، ونسلس لها القياد فى يسر أيضا ونصل معها الى الحلول المثلى . ان دعوات الفكر تصدر دائما عن غير تمذهب مسبق لالتزام ايديلوجى مخطط له ، وانما هى دعوة فى الاصلاح تتخذ من الواقع أرضية ، ومن الادلة ما يفرضه العقل السليم وطنية وقومية .
