الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

الثأر

Share

قلت له : هات ما وعدت ، ثم اسرعت إلى المدفأة ، لانعم جسمى بالدفء في هذا اليوم القر . وكان لهيب النار ينعكس على وجه العمدة ، فيبدو أحمر كجمرة نار ، لان هلكة الغسق قد تسللت إلى الكوخ الحقير ، وان كانت الشمس لم تغرب بعد .

وانتهزت سكوته ، فصرت استعرض لنفسي ؛ ما شاهدته حين رجوعنا إلى الكوخ ، كشريط السينما : فيالها من مأساة مروعة ، يقول العمدة ان هذه المرأة التى رأيت وجهها كوجه الاموات ، وآثار الحزن الشديد والألم المحض بادية على محياها كانت فى ترف ونعيم وسعادة . رأيتها تطيل النظر إلى قصرها الحزب البائد . لا أدري لماذا ينتقمون ؟ . الفائدة ترجى من ورائه ؟ !

كلا ! لا أدري وراءه الا اشباع شهوة لا أكثر ولا أقل آه ! لو كنا نمعن النظر فيما نحن مقدمون عليه من دمار وخراب ، اذن لاقلعنا عنه . لكن أين امعان النظر في العواقب ؟ وأين التفكير السليم في تحطيم المستقبل ونحن نفقد عقلنا الذي به نفكر ؟ اذن فهو يبدو طبعيا ، فكيف نقاوم الغريزة .

نعم ان الله لا يهمل امرا مهما كبر او ضؤل . انظر إلى القصاص ، اليس هو انجع دواء للقلوب المظلومة المفجوعة فى فقيدها ؟ اوليس هو احسن بلسم للعواطف المجروحة . . ؟ ولكنى مالى استطرد هذا الاستطراد كله ؟ مالى أعالج الانتقام فى هل هو غريزة ام لا ؟ فاذا كان غريزة فما عليه لو أطاع غريزته . دعنى من هذا كله !

وهنا فتح العمدة فاه . ولكنه لاذ بالصمت مرة اخرى اذا لم يسعفه صوته سرت فى بدني قشعريرة برد انتفضت لها انتفاضة وريقة فى مهب الريح فطوقت المدفأة بكلتا ذراعي . وارهفت السمع الى تساقط الرذاذ على زجاج النافذة فخيل لى ان اسنانها تصطك من الزمهرير . وهناصاح العمدة : نعم الآن ابر بوعدى يا سيدي ! آرايت تلك المرأة التى كانت جالسة ازاء ذلك القصر الخرب في كوخ من القش وسط هبوب الزعازع الباردة ؟ نعم يا سيدي ! انها كانت مالكة ذلك القصر الفخم ، وصاحبة تلك السهول المنبسطة أمامها المجدبة الآن . ولقد كانت خضراء كبقعة من السماء أو صفحة من البحر ، وكان وكان منظر الزنبق والرياحين تخيل الى الناظرين ان المجرة تنقل فى النهار الى الغبراء من ثوب السماء القشيب فى الليل . نعم اذكر جيدا ذلك اليوم المشئوم الذى تبدأ منه هذه المأساة التى تنفطر لها أشد القلوب قسوة ؛ فقد كان يوما عسيرا على وعليها . وكان أول يوم نشعر منه بلذع الم الفراق والبين . كنا نعلم انه سائر الى خير مما هو فيه ، ولكننا لم ننس كذلك ان البعد عن الاهل والدار يقلب كل فرح الي نوع من الغم والهم

دعيت يوما الى القصر فخلت ان خطابا وصل من أحمد ولما كنت انا الوحيد الذي يعرف القراءة والكتابة في القرية فمن المحتم ان اطلب . ولكنني ما كدت

افتح باب السور ، حتى رأيت احمد يهرع إلى ، فيستقبلنى ويعانقني معاانقة الاخ للأخ . برغم ما كنت اعهد منه من الغطرصه والكبرياء فعجبت لامره وقلت لنفسي ربما ألانه ما كان بلاقيه من رؤسائه من ترفع وكبر ولم يمهلنى اتفكر في سر تحوله هذا التحول العجيب افي مدى ستة اشهر ، اذ سرعان ما فاء الى بيته كانه خائف من شئ . فزاد صنيعه من عجبى لامره ، وقلت لعله كان ينطوي على سر رهيب اراد ان يبوح به إلى ، فخانته الشجاعة وادركه الخور فلم يستطع فقفل هكذا مسرعا

ولكن مامعنى حذره هذا ؟ وماسر نظراته الشارد وعينه الحيري ؟ ! اذن ان الواجب يقضي على بان اكشف الغطاء عن هذه لاسرار ، لادخل الاطمئان الى قلبه . وكانت ظلمة الليل أخذت تبسط اجنحتها على الافق ، وان كان ضوء النهار لم يستسلم بعد .

وهنا دوي في الفضاء صدي طلقتين ناريتين وعقبتهما صرخة مكبوتة . . فصحت مذعورا وأنا أهرول نحو القصر ، وكان الالغاز قد تكشفت ! !

وقفت بالقرب من سرير أحمد وهو يلفظ أنفاسه الاخيرة ، لان الطلقتين قد اصابتا قلبه وكتفه ، فنزف الدم غزيرا . ولم يصل الطبيب الابعد ان اصبح العلاج بدون جدوى . وكنت أحس باحشائى تنقطع من الالم والحزن العميق .

آه يا سيدي ! استطيع ان اقول لك ان الموده لم تكن على مايرام ببني وبينه ، ولكنني كم كنت مخلصا لهذه الاسرة ، وكم كنت اود ان لا يفجعها الله في محبها الوحيد

صدقني يا سيدى ان هذه المرأة قد جعلتنى عبدا لها لما فطرت عليه من مكارم الاخلاق وان ابنها كان كقطعة من قلبي لما كنت اشاهده لى من الاحترام منذ نعومة أظفاره حتى بلوغه شرخ الشباب وعنفوانه .

فويل لي إذا لم أفد هذه الاسرة بدمي ومهجتي ، ولكن يكذب الانسان حين

يقول : أفدى بنفسي فلانا . فاين هو الفداء ؟ . الاأنها كلمات لا يقولها الا كل جبان كاذبا . أولا ترانى حيا أعيش ، وهم تحت أكداس التراب ؟ !

وكنت ارى الاوفق استبقاء " جميل فى القرية ولكنها أصرت اصرارا عجيبا على ارساله ليتقلد منصب أبيه فى الجيش ، لا اكتمك انها كانت حقودا فكانت ترمي الى الانتقام من وراء تقلده المنصب فسيكون قاتل ابيه بالقرب منه ، ليستطيع ان يثار منه ذا ما أتيحت له الفرصة ولقد افهمت ابنها ان اباه لا يذوق الراحة في قبره حتي يراق دم قاتله ، فكنت اعجب لقلب هذه المرأة الذي يلين تارة فيدر الشفقة والحنان ، ثم يقسو أخرى فيقتبس غرائز الوحوش فى حب الافتراس كنت اراها تفرك يديها وتقول : اه ! ! لو كنت رجلا لاريتك كيف اهشم راسه القذر . فكنت اقول فى نفسي . ان هذا الجنس اللطيف الناعم الملمس الرقيق البدن الذي لا تعرف الخشونة سبيلا الى جسمه البض ، يحمل قلبا كقلب الوحش اذا ثار . أذن فلا ينبغي ان تخدعنا ظواهر الاشياء فلا نحكم على شى حتى نعرف كنهه

رحل جميل برغم معارضتى الشديدة فى سفره . وكنا نتلقى منه كل اسبوع خطابا أو خطابين وقفت خطاباته بعد ثلاثة اشهر فجأة فساورنا قلق شديد واصبحنا نظن الظنون حتى تهيات بنفسي للسفر لاستطلاع الحقيقة . ولكن وا اسفاه الحقيقه المرة لقد وصلت الينا في القرية ولما ابرحها ، لقد لقى حتفه مثل أبيه ! اي قلب امراة يتحمل منية الزوج والابن في ايام معدودة فكانهما لم يكونا ؟ واى عين ترى اسرة تنهار في ظرف عشرة أشهر ؟ ! اه ! يا سيدي قرات لهاخطاب صديقه الذي ينعيه فكانها لم تسمعه وكان مقلتيها تحجرتا فلم تجردا بدمعة واحدة " تواري الاثنان معا " - هذه الكلمات الثلاث التى نطقت بها بعد فراغي من القراءة !

جاء الشتاء ببرده القارس ، وعادت الامطار لهطولها الغزير ، فامتلأت القيعان والبحيرات بالماء ، فعاد اليها البط أفواجا أفواجا وخرج الصيادون - مثلك يا سيدي الى القري زرافات ووحدانا ، فكان الفلاحون يرحبون بضيوفهم ، وينزلونهم فى اكواخهم ويساعدونهم راجين ان ينفحوهم بشئ من النقود عند اوبتهم ، وجاء الى قريتنا اربعة شبان وسيمو الوجوه حسنو الهذام . تبدو عليهم مظاهر الابهة والغني فأردت ان انزلهم فى منزل يليق بهم فلم أر سوى قصر هذه الاسرة البائدة تخدمهم فيه هذه المرأة الشاحبة عساها تجد قوتها من قيامها بلوازمهم فقد هاجمها الفقر من كل صوب ونضبت مواردها جمعاء وفي مساء اليوم التالي بينما كنت جالسا امام بيتي اذ رأيتها مهرولة الى بيتي فقمت واستقبلتها فامسكت بيدى وقالت لى اتبعني فتبعتها ولم أنبس ببنت شفة فاجلستني على حصير وقالت : بعد ان آوى الشبان الى فراشهم الوثير استدعاني كبيرهم وقال لى : هل تعرفين عجوزا شمطاء فى هذه القرية قد مات عنها بعلها وابنها مقتولين منذ امد مديد ؟ ! اننا نروم مساعدتها فقلت له : ولماذا تخصون هذه العجوز بالاحسان دون غيرها ؟ فقال : كان جدى وزوج هذه المرأة ضابطين زميلين فى جيش الملك . وقد توثقت بينهما عرى الصداقه ونمت بينهما المودة مع مر الزمان فصارا لا يفترقان الا غرارا ولكن القدر اراد فصم صداقتهما ولا مرد لما اراده القدر فاختصما مرة لشئ تافه واغوى الشيطان زوج هذه العجوز فاغمد حسامه فى صدر جدى فقضى لحينه ولم تستطع السلطات ان تثبت عليه التهمة فاطلقت سراحه وكانه قد فطن الى ان ابي لا بد ان يثأر منه فلاذ بالفرار ولم يمهله والدي بل تبعه الى قريته هذه وترصد له خارج صور داره عند مجرى الماء فلما جاء الرجل يغترف الماء ليتوضأ اطلق عليه ابى رصاصتين اخترقتا قلبه فارتمى جثة هامدة اما ابي فقد اطلق ساقيه للريح . ولحسن الحظ نجا.

وكان لهذا الرجل ابن وحيد جميل الطلعة صغير السن تقلد منصب ابيه بعد موته ، فاوجس ابى منه خيفة فاراد أن يلحقه بابيه . وكان فتى طيب القلب سهل القياد ، تخدعه المظاهر ، ففاز أبي بصداقته فى مدة وجيزة ، فدعاه إلى داره ، فلم يتردد الفتى ولم مخامره أي شك فقبل الدعوة . ولكنه لم يخط خطوتين داخل الدار حتى قابله ابي بسيف مسلول ، ففهم ما يعنيه فقابله بالمثل . وهنا حمى وطيس المبارزة بينهما فصرع أبى وارتمي هو ايضا بجانبه يخوض في دماء جراحه فاسلما الروح ولم يشعر بهما احد لاننا دفناهما في حديقة دارنا . . ولهذا نريد ان نمد المعونة لهذه المرأة النعسة التى لم يبق من أسرتها احد . وهنا انحدرت من عينها على وجهها دمعتان لاحظتهما قبل أن تبادر الى مسحهما . فقلت لها وانا أظهر الاطمئنان : أعلميهم بنفسك واخرجى من راسك جميع ما مر عليك . فانى لارى الخير فى وجوه هؤلاء الفتيان . ولعلهم ينقذونك من مخالب هذا الفقر المدقع . فاجفلت راجعة ولم تجبني باية كلمة . فظننت انها وافقت على ماقلت .

انحدرت الشمس نحو الغروب وأسرعت فوارت وجهها بين الارض والسماء وسرعان ما داهم الظلام بجيوشه الجرارة الارض . واخذ يستولي عليها رويدا رويدا . فكان القصر يبدو لى كطيف قبل برهة اما الآن فقد توارى بين الظلمة والضباب . وقمت الى كوخي وارتميت على سريري واسلمت نفسي للكري لكنه أبى أن يحتضنى . وكلما أردت ان القي بنفسي في أحضان النوم طرحنى الأرق وابعدني عما أريد . فلما يئست قمت الى النافذة استنشق نسيم الليل النقي واذا بي أسمع صراخا وعويلا وارى لهيب النار يعلو من القصر فيناطح السحاب ، فاسرعت بالخروج من كوخي واسرعت نحو القصر وانا استنجد بالناس ووصلنا اليه بعد ان  اكلته النيران بمن فيه .

وهنا لاحظنا هذه المرأة تدور حول اكوام الرماد وهي تصفق بيديها وترضم عقيرتها فتقول : لقد بادوا كما بدنا .

ثم خاطبت الناس بصوت جهورى وقالت : انا التى أشعلت النار بيدى هاتين في القصر انا التى أغلقت الباب على الفتيان . ولما سمعت صرخاتهم خفق قلبي بالفرح . فؤدى يغمره المرح الان انتقمت فاعملوا ما شئتم : فاني رويت شهوتى وارضيت ضميرى .

وهنا سكت العمدة فقلت له : هذة ثمرة الانتقام بعد ان تنهار اسرتان عظيمتان .

المدينة المنورة

اشترك في نشرتنا البريدية