باب الكوخ يفضى الى الزقاق الترابى مباشرة . قبالة الباب جدار تزدحم فوق بياضه الشاحب كتابات وشعارات مختلفة ، منها ما هو مخطوط بعناية ، ومنها ما هو مكتوب على عجل . على جانبى الزقاق الترابى الضيق أكواخ متلاصقة يخيل للناظر اليها أنها تتدافع بحنق بسبب ضيق المكان . كان باب الكوخ مفتوحا . فتح الطفل النائم داخل الكوخ عينيه مع بداية النهار ، ولكن الهدوء الشامل فى الداخل والخارج اعاده الى ما يشبه الغفو ؛ كان مغلق العينين يقض الاحاسيس ، ضوء الشمس المتسلسل بين منافد الزقاق يلج عبر الباب المفتوح ويقنعه أخيرا بأن الليل قد انتهى . رفع رأسه عن المخدة قليلا . نظر حواليه دون أن يصوب نظراته نحو شئ معين . نادى أمه فلم يحظ بجواب ، نادى اخته مريم ثم أخاه أحمد ، لا شئ سوى الصمت .
الصمت فى كل مكان . صمت غير مالوف . حتى محتويات الكوخ المبعثرة والتى اعتاد على ثرثرتها ، تبدو خرساء تماما . ثمة قدر من الغبار المتطاير تلوكه أسنان الشمس على مقربة من الباب . عرك عينيه بيديه الاثنتين . عاد يتطلع حواليه وهو يحك خاصرته . تذكر وهو يوزع نظراته فى الفراغ أنه سمع أو خيل اليه بأنه سمع صراخا حادا أثناء نومه ثم هدأ كل شئ هدوءا شاملا . جلس وسط فراشه وهو موزع النفس بين رغبات عدة . نادى أمه ثانية بصوت عال يشبه البكاء . إنها موجودة فى مكان ما على مقربة من الكوخ وستأتى اليه حتما لتغسل وجهه ويديه ونصف جسمه الاسفل . أزاح الغطاء الرقيق عن ساقيه وانتصب واقفا وسط الفراش . تثاءب طويلا وهو يرفع يديه المقبوضتين نحو طرفى رقبته . جميع محتويات الكوغ مبعثرة ومرمية فى غير أماكنها . من الصعب الاهتداء الى المكان الذى
اعتادت أمه أن تحفظ فيه الخبز . لقد تشاجر أخواه بدون شك كعادتهما قبل أن يغادروا الكوخ الى أزقة المخيم ليلعبا مع اترابهما لعبة القتال . لماذا لا تصل الى سمعه صيحات الاطفال من الازقة ؟ . القذائف الفارغة والمختلفة الاحجام التى جمعها اخوه ورتبها فى احدى الزوايا تنتشر على نحو فوضوى تقدم نحو باب خلفى صغير ووقفت فوق العتبة الحجرية . أمسك ذكره المنتصب بأصابع يديه وصوبه بعناية نحو الخارج ثم أطلق بارتياح وهو ينظر الى البول المزبد فى حفرة الرمل الصغيرة . عاد يبحث فى جنبات الكوخ عن الخبز أو عن أى شئ يؤكل . انتبه الى ان نصف جسمه الاسفل عار تماما . ستأتى أمه بعد قليل لتعتنى به وتلبسه ثيابه وتطعمه ثم ينطلق الى الازقه ليلتقى بأترابه . ولكنه جائع جدا . عاد ينادى أمه وأخويه . جلس على طرف الفراش . أبصر بورقة الى جانبه فالتقطها وطواها ، ثم بسطها ثم عاد فطواها وبسطها ثانية ، ثم فركها بيده بعصبية ، ثم بسطها وقطعها قطعا صغيرة نثرها حوله . أرسل نظراته عبر الباب الى الخارج . الكتابات السوداء على الجدار المقابل تشد انتباهه . كان بعض شباب المخيم يتشاجرون بأصوات عالية بسبب هذه الكتابات . فى أعلى الجدار وفوق بعض الكتابات عدد من صور الاشخاص الملصوقة بدون أى نظام .
كان الصراخ الذي سمعه أثناء نومه قويا حادا حتى خيل اليه ان سقف الكوخ قد أطبق على ارضه . نهض عن طرف الفراش وتقدم نحو الباب المطل على الزقاق . أشعة الشمس تزداد حدة . فرك عينيه وجلس فوق عتبة الباب . الشمس تلسع وجهه وساقيه تحرك بجسمه نحو حافة الباب حيث يوجد قليل من الظل . قدماه العاريتان تلامسان رمل الزقاق الحار . أسند ظهره الى الفراغ وهو يعقد أصابع يديه حول احدى ركبتيه . بعض الوجوه البادية فى الصور الملصوقة قبالته فى أعلى الجدار تعبر مخيلته على نحو غير واضح تماما . فك اصابع يديه وهو يصلح جلسته فوق عتبة الباب ليحفظ توازنه . احساسه بالجوع يزداد حدة ، بل هو احساس بالجوع وبالظمأ فى وقت واحد . لقد تأخرت أمه بالعودة . الزقاق خال تماما من الناس على غير عادته . لا شئ سوى بقع الشمس الموزعة هنا وهناك وما ترسمه من خيالات على جدران الاكواخ . ملمس الرمل يدغدغ أسفل قدميه . أين اختفى الناس ؟ ربما كانوا مختبئين من الطائرات فى كل مرة كانت تأتى فيها الطائرات كانت أمه تلتقطه من الزقاق على عجل وتغور به فى مكان ما فى باطن الارض . لماذا لا يتصايح الاطفال فى الازقة والمسارب كعادتهم ؟ انهم يلعبون لعبة القتال ، وفى لعبة القتال يخفى المتحاربون انفاسهم حتى لا
بنتبه العدو الى أماكنهم . انهم هناك فى المنعطف القريب حتما . سيتسلح بقطعة طويلة من الخشب ويفاجئهم . سوف يصرخون من الرعب .
نهض من مكانه بحماس ليبحث عن قطعة خشب فى زوايا الكوخ . ما من شئ من محتويات الكوخ فى مكانه . أزاح كرسيا خشبيا فوجد تحته ابريقا من البلاستيك مقلوبا على جانبه . تذكر انه عطشان جدا . تناول الابريق بيديه وأدخل فوهته الصغيرة فى فمه وأطبق شفتيه بقوة ، ثم رفع الابريق عاليا وهو يحنى رأسه الى الوراء قدر استطاعته فانحدرت من الابريق بعض النقاط القليلة . زاد من احناء رأسه الى الوراء وهو يمص الفوهة فترة من الوقت ، وعندما شعر بالتعب أعاد رأسه الى وضعه المستقيم وفوهة الأبريق باقية بين شفتيه ، عض الفوهة برفق ثم أخذ يحرك رأسه والابريق صعودا وهبوطا والفوهة دائما بين شفتيه . هدا قليلا ثم عاد يعض على الفوهة بقوة ، ثم أبعد الابريق عن فمه وهو يحدق بفوهته ثم رماه بعيدا .
وقف وسط الكوخ لا يدري ماذا يفعل . عادت صورة الاطفال المختبئين فى المنعطف القريب الى ذهنه . اطلق من فمه أصواتا قصيرة متسارعة تشبه صوت طلقات الرصاص . سيخيف الاطفال كثيرا . توجه نحو الزقاق دون أن ينتبه أن نصف جسمه الاسفل ما زال عاريا . وقف بمحاذاة الجدار المقابل وهو يلتفت حواليه . لا اثر لاى مخلوق على الاطلاق . انها الطائرات كيف نسيته أمه ؟ تقدم ببطء دون أن يبتعد عن الجدار . ثمة رائحة غريبة لم يدر كنهها أو يعرف مصدرها . أسنان الشمس تنهش رأسه ووجهه . توقف قليلا ونظر الى الوراء . تذكر انه سمع أثناء الليل أصواتا عالية فاختبأ فى حضن أمه تحت الغطاء ، وشعر لشدة التصاقه بحضن أمه أنه دخل الى احشائها فاطمأن وعاد الى رقاده . عاد يتقدم نحو المنعطف بخطى بطيئة . ابصر فوق الرمل خطا شديد السواد وسريع الحركة من النمل الكبير الحجم . كان الخط الاسود يبدأ من ثقب فى الجدار المقابل ثم يعبر الزقاق ويغيب فى المنعطف . كانت امه تردد دائما بان النمل ، إذا هجم ، لا يبقى على شئ فى المنزل . وضع احدى يديه بحركة غريزية على أعضائه التناسلية وهو يبتعد بضع خطوات الى الوراء . نادى أمه بصوت مرتعش . نادى اخويه . عاد يحدق فى حبال النمل المتشابكة ذهابا وايابا . أخواه يلعبان مع اطفال المخيم لعبة القتال .
تناول من على الارض حصاة صغيرة وقذفها نحو الخط الأسود المتحرك بسرعة . الخط الاسود يضطرب بعنف ويتسع ثم يعود الى انتظامه .. تقدم
بحذر . يجب ان يفاجئ الاطفال ويخيفهم ، ثم يأتى بهم جميعا لمحاربة النمل وابادته . تحاشى أن يدوس على النمل بقدميه العاريتين . الذباب ملاحقه بتشبت بزوايا عينيه حيث يتكاثر النمل يتكاثر الذباب دائما . يجب ان يسرع قبل ان يشن الاطفال هجومهم فتفشل خطته . مد ذراعه اليمني الى الامام وجعل قبضة يده شبيهة بالمسدس . تقدم ببطء حذر ولدى وصوله الى حافة الجدار انعطف بسرعة وهو يطلق من فمه صيحات متسارعة ، ثم خفت صوته فجأة ، ثم اختفى تماما ، بينما بقيت شفتاه متفرجتين . لقد قتل الجميع .
الجثث تملأ الزقاق الضيق . وقف مشدوها وقد استبدت به الرغبة بالبكاء . نظر الى الجثث المتراكمة والجثث المفردة بعينين زائغتين وهو يحاول طرد الذباب عن وجهه . تلك أمه . أمه بالذات . لم يعد مهتما بالجثث الاخرى . تلك أمه . كانت عارية الصدر عارية الساقين . الذباب والنمل يحجب وجهها . حدق فى ثدييها ، وانحدر بنظره الى حفرة سوداء كبيرة وسط بطنها مليئة بالنمل والذباب والدم . انطلقت من بين شفتيه حشرجة خافتة (( ماما )) . بحث بعينيه فى جميع الاتجاهات عن كائن حى . لقد جاءت الطائرات فى الليل وقتلت الجميع . من جمع القتلى فى هذا المكان بالذات ؟ بحث عن أخويه فلم يجدهما . اقترب من امه فتناثر الذباب والنمل على نحو مخيف . تراجع قليلا الى الوراء . ثم عاد واقترب منها ثانية . انحنى ولمس يدها بحذر وهو يناديها باكيا . ما زال الخاتم الابيض فى اصبعها حاول طرد الذباب والنمل على وجهها فكانت تبتعد قليلا ثم تعود . عاد يحدق فى ثدييها العاريتين ثم فى الحفرة السوداء المخيفة وسط بطنها . ماذا جرى لها ؟ . ثمة مزق من ثوبها متغلغلة وسط الحفرة السوداء ، ربما من تلك الحفرة خرج فى الليل من أحشاء أمه وعاد الى فراشه بعد أن هدأت أصوات الجن . حرارة الشمس تزداد حدة . الرائحة الغريبة التى أحس بها قبل قليل تملأ أنفه وفمه وعينيه . لا يريد الابتعاد عن أمه .
جلس فوق التراب قرب صدرها العارى دون ان ينتبه الى ان نصف حسمه الاسفل عار أيضا . لم يعد النمل يخيفة ، ولا الذباب المتشبث بالحاح بزوايا عينيه وزاويتى فمه يزعجه . انه بالقرب من أمه ، بل يكاد أن يكون فى حضنها ، وكلتا ثدييها بمتناول يده ومتناول فمه ، لماذا ماتت أمه ؟ وكيف ماتت ؟ ؟ لو كان كبيرا ، أو كان أبوه وأخوه الأكبر موجوديين فى المخيم باسلحتهما لما ماتت أمه ، ولما مات أخواه ، ولما مات جميع
هؤلاء ليصبحوا مرتعا خصبا للنمل والذباب . عاد يحاول طرد النمل والذباب عن وجه أمه ، يريد أن يرى عينيها ، ولكن النمل والذباب لا تأبه له لانه صغير ، ولانه لا يحمل سلاحا ولكنه سيكبر حتما ، سيصبح قادرا على حمل السلاح وعلى استعماله باتقان . الرائحة الحادة جعلت عينيه تدمعان بغزارة . الرجل الراقد على مسافة بضعة أمتار من مكان أمه تبدو أسنانه القليلة الصفراء كمن يضحك مكرها . جميع شعرات لحيته بيضاء ، واحدى قدميه بدون حذاء . تفحص وجوه بعض الراقدين حوله . دم أسود وتراب ونمل وذباب .
انطلق صوته بالبكاء رغما عنه استمر يبكى ثم تحول بكاؤه الى أنين متصل . عاوده الاحساس بالجوع والعطش . نظر الى الثدى القريبة منه . الذباب يحجب الحلمة الضامرة ويتوزع على الثدى . تذكر فوهة الابريق الجافة . مد يده الصغيرة وطرد الذباب عن الثدى بحركة عصبية حتى تعبت يده فتركها تستريح على طرف الثدى . خيل اليه انه يسمع أصواتا بعيدة . بعض الذبابات تؤذى أصابعه فحرك يده ووضعها فوق الحلمة الضامرة . الاصوات البعيدة تقترب . أسنان الشمس تنهش وجهه . عندما يكبر سيقاتل حتى الشمس . مال برأسه وأسنده الى ذراع يده التى تحمى الثدى من الذباب ، اغلق عينيه ثم فتحهما بصعوبة . الحفرة السوداء فى بطن أمه تتسع وتعمق الى ما لا نهاية . الحشرات تتحول إلى كائنات رهيبة لا وجوه لها . الدماء تتفجر بغزارة وتملأ الحفرة السوداء ثم تغمر كل شئ .
الموتى ينهضون من أماكنهم . لا نمل ولا ذباب ولا دماء . أمه تحضنه برفق . أخواه يتصايحان مع أطفال الزقاق . الطائرات تعود فجأة وتقصف المخيم بعنف . الاجساد والحجارة والخزائن وارغفة الخبز وجرار الماء تتناثر فى جميع الاتجاهات . نداءات وصيحات حادة تملأ فضاء المخيم . أمه تلتقطه وتهرب به وباخويه بعيدا . ومع الخوف يزداد التصاقا بحضن أمه ويتشبت بصدرها . حلمة الثدى تستقر فى فمه فيشعر بالاطمئنان . شفتاه تطبقان على الحلمة . اللبن الدافىء يتدفق بغزارة فى فمه ويتوزع فى جميع انحاء جسمه انه يكبر بسرعة و يغدو رجلا فلا يجرؤ الذباب على الاقتراب منه . أسنانه تعضان حلمة الثدى برفق . لا يريد الابتعاد عن الثدى . لا يريد الابتعاد عن الثدى . وعندما شعر ، وسط الصياح ، بجسمه يرتفع فى الهواء كان طعم لبن الثدى ، او ما يشبه طعم لبن الثدى ، يملأ فمه .

