ان المتتبع لسير نشاطات الثقافة التونسية يكتشف حقيقة مرة ، كل الناس على اختلاف المشارب والافكار مقتنعون بأننا نعيش ضحالة فكرية فى البلاد التونسية ، وسأحاول فى هذا البحث الوجيز أن أتبع وأترصد الاسباب التى جعلت من تونس التى حق لها ان تفخر وتفاخر بكل ما انتجت من عقول تركت بصمات حبة على الثقافة العربية الاسلامية ولا أبالغ اذا قلت : انها تركت بصمات على الثقافة العالمية مع العلامة عبد الرحمان بن خلدون . ولكن مع الاسف الشديد اننا نعيش منذ فترة غير وجيزة نقصا نتاجيا فى العديد من الانواع الادبية فهذا نزار قبانى يسأل عن رأيه فى الشعر التونسى ويجيب بكل بساطة (( اختشوا يا ناس هو انتم فيه عندكم شعر )) ويسأل أحد الروائيين العرب عن الرواية التونسية (( هو فيه عندكم رواية )) . وبصوت ينتابه الخجل والحياء أو التعصب وغريزة الدفاع عن النفس ، (( نعم فيه عندنا رواية )) يؤكد السائل . هل فعلا اننا نعيش ضحالة فكرية ثقافية أم أن الاخوان فى المشرق يريدون أن يتجاهلونا عن قصد أو عن غير قصد ! ؟ ونحن عندما نجيبهم ننقسم الى فريقين ، فريق ينفى الثقافة فى تونس ويعتبرها مجرد هراء أو كلام فارغ لا يمت الى الثقافة بصلة وهؤلاء أسميهم اصحاب النزعة العدمية أو النزعة النافية اذ أنهم يعيشون على الخيبة واليأس على أمل أن ينزل علينا الوحى الذى نزل على غيرنا من الشعوب العربية فيجعلنا فى طليعة العرب نتاجا ثقافيا وخصوبة مادة وجودة أسلوب وبهذا يبررون هروبهم من الساحة الادبية ويكتفون بالتهكم والسخرية والنقد السلبى الذى هو فى النهاية اكبر دليل على عجزهم وعدميتهم وكسلهم الفكرى متخذين من المقاهى منبرهم المفضل .
والنوع الثانى أو الفريق الثانى ينطلق من المبدأ الغريزى المعروف بالدفاع عن النفس ، وهؤلاء يدافعون عن كل ما ينتج دفاعا أعمى دون تحليل أو تدعيم
بأدلة علمية صحيحة . هؤلاء دفعهم تعصبهم الاعمى للثقافة التونسية الى الدفاع حتى عن النتاج الردئ الذى هو فى النهاية يسئ الى سمعة الثقافة التونسية أكثر مما يرفعها ويجعلها فى صف الثقافة الحق .
وهذه النزعة التعصبية (( التميزية )) ساعد على انتشارها تبنى الروح الانعزالية فى السياسة التونسية خلال الستينات بتشجيع وتسيير من بعض المسؤولين الذى بنى سدا منيعا على الحدود التونسية ضد كل ما هو عربى ، وبذلك انعزلت الثقافة التونسية فى هذا الصراع ، وبما انها لم تشارك بقيت وبكل بساطة الثقافة التونسية فى هذا الصراع ، وبما انها لم تشارك بقيت وبكل بساطة متخلفة عن تلك الثقافات ، اذ أن الصراع - كما هو معلوم - يغنى ويثرى رغم السلبيات التى يمكن ان تنجر عنه ، فهذه سنة الطبيعة وهذا ناموس الكون , وكل شئ فيه صراع والصراع لا يسمح بالبقاء والاستمرار الا لمن كانت له القدرة على ذلك ، قدرة الصمود ونفس المواصلة ولهذا نكون قد ارتكبنا جرما فى حق ثقافتنا الوطنية وجرما آخر فى حق ثقافتنا القومية التى نعد عن جدارة رافدا من أهم روافدها فى المغرب العربى .
وأضيف شيئا آخر ولربما يقال لان مرة ، فى الحقيقة للاخوان الجزائريين دور كبير فى جعلنا نتعصب لثقافتنا التونسية اكثر من اللازم لدرجة ان نرى فيها الكمال فبدأوا بتفخيم وتعظيم كل النتاج الثقافي التونسي غثه وسمينه آملين بذلك تحطيم (( المونبول )) المصرى أو القاهرى اذا صح التعبير لمحاولة الرفع من شأن ما كتب فى تونس أو ما نشر فيها ونحن نرفض فكرة (( المونبول )) اذ ان الثقافة ليست حكرا على دولة دون اخرى او على شعب دون آخر ولكننا لا يمكن ان ننكر ما قامت به مصر ومثقفوها من خدمات جليلة للثقافة العربية الاسلامية وبالنهاية لا نطمح الى هدمها بل الى منافستها منافسة نزيهة شريفة لكى تعم الفائدة على المتكلمين بالضاد وتتطور هذه الثقافة التى عاشت فترة طويلة فى الظلمات والتكلس وتعيش الآن مرحلة تحد حضارى لم يسبق لها أن مرت به طوال تاريخها .
أنا شخصيا لست من انصار العدميين او المتعصبين انا اقول بكل صدق وموضوعيا : إن ثقافتنا تعيش مرحلة قحط ولا أقول : احتضار ، فنقرأ هنا وهناك
بعض الاعمال سواء فى ميدان المسرح أو الرواية او الشعر فتبعث فينا الامل بالمستقبل ، كل ما تحمل هذه العبارة من ترقب وانتظار بكل ما تحمل من أمل فى النتاج والعطاء فى سبيل الرقى بثقافتنا الوطنية الى مصاف الثقافات الاخرى بثرائها وخصوبتها وعطائها .
وأقول بكل فخر واعتزاز : إن البنية التحتية ( L' infrastructure ) موجودة وراسخة فى بلدنا ( دور شعب ، دور ثقافة ، دور شباب ، مسارح , قاعات سنما ، مكتبات ) وهى انجازات تجعلنا نأمل خيرا فى هذه المكتسبات الشعبية . ان سيطرة الاجهزة الرسمية ( البنية الفوقية ) على البنية التحتية وتوجيهها توجيها فوقيا رسميا جعل من الثقافة التونسية ثقافة مشهدية ( Culture spectacle ) تبحث باستمرار عن ردة فعل الجمهور وتقدم له ما يرتضيه فانساقت وراء التهريج والاضحاك وعدم الجدية والتعمق فى التحليل للمواضيع المطروقة ، وهذا حسب رأيى عائق كبير من عوائق تطور الثقافة التونسية وبذلك لم نصل الى المستوى المطلوب الذى نطمح اليه ونصبو لبلوغه .
وهنا لا بد ان اشير الى اسباب تكون فى جملتها عبارة عن اقتراحات قابلة للنقاش ولا ادعى انها آراء ناضجة وجاهزة ولكن افتح قلبى لكل من اراد ان يناقشنى فى هذا الموضوع اذ اننى قرأت فى العديد من المنشورات الثقافية التى تشكو خاصة من غياب النقد الادبى فأنا أقول ليس بغياب النقد فقط بل حتى بغياب ادب بأتم معنى الكلمة وعموما ثقافة متقدمة نستطيع ان نخلق بها جيلا قادرا على مسايرة ركب التقدم الحضارى :
1 - ان غلاء الورق وبالتالى غلاء مشتقاته يسبب الكثير من الاتعاب للمثقف التونسى أو لمن أراد ان يتثقف . فالكتاب التونسى مرتفع السعر بل أذهب الى أبعد من ذلك فأقول ان سعره مشط ، وهذه صيحات اطلقت فى مناسبات عديدة وسمعها المسؤولون ولا شك ان الاخ محمد مزالى الاديب قبل ان يكون سياسيا سيعير هذا الموضوع المزيد من الاهتمام ولا نشك فى أن اهتماماته كثيرة وكثيرة جدا .
تصوروا أن رواية محمد الصالح الجابرى (( ليلة السنوات العشر )) وهى رواية من الحجم المتوسط سعرها ديناران وستمائة مليم ، بينما يتقاضى العامل حوالى دينارين وثمانى مائة مليم فى اليوم . كيف نريد من هذا العامل أن يشترى - وهو فى هذه الحالة - رواية او كتابا بهذا السعر الفاحش وأصر
على صفة فاحش اذ أن الكتاب عندنا فى تونس يساوى على الاقل ضعفى الكتاب فى المشرق . وهنا نلح ونكثر من الالحاح على أن يتخذ المسؤولون قرارا فى هذا الشأن خاصة وان الحكومة تضم عنصرين من كبار المثقفين فى تونس ومن اكثر الذين تعاملوا مع النشر والتأليف والمطالعة وهما الاخوان محمد مزالى والبشير بن سلامة .
2 - هيمنة العمل الاعلامى على العمل الثقافى ويعود ذلك الى عقلية سائدة تطمع فى الجنى السياسى السريع اليومى لكل فعل وبالتأكيد فان الاعلام يحقق مثل هذا الطموح ، أما الثقافة فتحتاج إلى صبر وأناة ، ان العقلية نفسها أعدمت الفاصلة - التى من المفترض أن تكون واضحة وكبيرة - بين الثقافة والاعلام ، واصبح التعامل مع الكلمتين الممارستين كمرادفين لمعنى واحد ( و لا غرابة فى ذلك فالاعلام والثقافة كانا مندمجين فى وزارة واحدة ) وكانت الثقافة تستحضر فى المناسبات الاحتفالية لتشارك فى جوقة الافراح فلا تقوم الا بدور مظهرى ليس هو دورها الاساسى والجوهرى .
(( هذه الظاهرة ساهمت فى مسخ معين للثقافة كمارسة فكرية ووجدانية متميزة وتبديل دورها الاساسى الهادف الى تأسيس عميق الجذور وطويل الامد فى العقل والوجدان الجمعى ، وتحويلها ( الثقافة ) الى عمل اعلامى وتحريض سريع الانتاج وسريع الاستهلاك . ومثل هذا الامر لا ينتج ثقافة رديئة فحسب وانما ايضا اعلاما ردئا وتحريضا سطحيا ودون ان نفكر ان للثقافة مردودها التعبوى والتحريضى نستدرك فنقول : انها لا يمكن ان تلعب هذا الدور الا بكونها ثقافة وليس فى كونها ثقافة تحريضية )) .
الصفة الرسمية التى ورثتها الثقافة التونسية منذ فترة وظل يلاحقها زمنا طويلا ولعل فصل الاعلام عن الثقافة ذو دلالة فى هذا الشأن ونرجو من الاخ البشير بن سلامة المسؤول الاول عن الثقافة حاليا ان يدفع الثقافة بعيدا عن الاعلام ما أمكن الى ذلك سبيلا حتى نتخلص من هذا المرض المزمن الذى عانت وتعانى منه الثقافة التونسية والعربية عموما .
3 - التشجيع الذى كان فى الماضى لا يسند الا لاصحاب اتجاه معين فى التفكير والثقافة لكننا لاحظنا هذه السنة تحولا هاما فى خطاب الاخ البشير بن سلامة فى حفل توزيع الجوائز التشجيعية للانتاج الثقافى بالنسبة لسنتى 1981-1980 فأكد على تعدد الآراء فى الثقافة الذى يغنى ويثرى أكثر مما
يسئ ، والتعددية فى الآراء اصبحت حقيقة واقعة فى المجتمع التونسى وهى حق لا محالة أصبحنا نحسد عليه فى العالم العربى والعالم الثالث , ومما لا شك فيه ان تعدد الآراء لا يعنى بالضرورة السب والشتم والقلب وانما يعنى أن رؤية الأشياء تختلف من واحد الى آخر لكن عندما يواجه الوطن محنة ما لا بد أن تلتقى كل الآراء ، كل الافكار للدفاع عن الوطن ومكتسباته الديموقراطية الغالية على كل تونسى ، على كل مثقف تونسى بالخصوص ، والتاريخ يعطينا أمثلة كثيرة على ذلك ، فالشعب يكون متحمسا للدفاع عن وطنه عندما تكون له مكاسب ينبغي عليه ان يحافظ عليها , مكاسب فى الحرية والديمقراطية والكرامة ، وهنا لم يعد مكان للتخاذل اذ تهون التضحية مهما كلف ذلك . ولنا عبر كثيرة من التاريخ ، فهذه فرنسا فى الحرب العالمية الثانية اكبر دليل على ما نقول ، فعندما احتلت باريس من طرف الالمان شعر كل الفرنسيين على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية ومشاربهم السياسية بواجب الدفاع عن الوطن بواجب صيانة الديمقراطية أمام الفاشية الغازية ، بواجب الدفاع عن الحرية فى وجه الظلم والطغيان النازيين .
ان ثمن الحرية غال وغال جدا ولذلك لا يمكن التفريط فيه ولا المساومة عليه لاى شخص كان ومهما كان الثمن ، فالقضية قضية حياة او موت بالنسبة للمثقف ، ينبغى الا نخاف من النهج الديمقراطى ، فالديمقراطية هى الدعامة الاساسية للاستقرار والخلق والابداع وكلنا يرغب فى الاستقرار والخلق والابداع . ان تفاعل الآراء والافكار والاتجاهات ان دل على شئ فانما يدل على درجة الوعى التى بلغها المجتمع .
ان مقولة الفكر المستورد التى نسمعها كثيرا وسمعناها فى الماضى اكثر تدل على انغلاق المجتمع وانعزاليته وهذا مناف للتعددية فى الفكر . لاننا فى الحقيقة نتعامل مع الفكر كما نتعامل مع (( البطاطا )) والملابس واطارات السيارات فنقول هذه (( بطاطا )) مستوردة وهذه محلية ، وهذه ملابس مستوردة وهذه محلية ، وهذه اطارات مستوردة وهذه من صنع محلى ، كفانا ترديد مثل هذه الكليشهات البعيدة عن الروح الديمقراطية فالفكر لا يستورد أو يصنع محليا مثل بقية الاشياء الاستهلاكية أو غير الاستهلاكية ، الفكر ملك للانسانية وكل الانسانية لها حق التصرف فيه ، ولم نر من يضع على الفكر عبارة (( ماركة مسجلة ( marque deposec لماذا نستعمل مثل هذه العبارات التافهة التى تنتقص من فكرنا بمحاولة عزله عن الفكر الانسانى العام .
فالعزل عن المحيط الانسانى قضاء على هذا الفكر نفسه ، وبذلك نبرر المقولة القديمة كل (( ممنوع حلو )) فندفع شبابنا الى التعلق بكل ما هو ممنوع ، لماذا المنع ؟ لماذا التقييم الفوقى ؟ لماذا لا نترك للناس حق القراءة والاطلاع ثم التقييم ؟ لنترك لهم اتخاذ القرار الفصل فيما يمكن ان يقرأ او يهمل ، فالشعب التونسى اصبح على درجة من الوعى بحيث تسمح له بالتمييز بين الغث والسمين ، بين ما فيه فائدة للقراء وبين ما هو عديم الفائدة والجدوى ، وبالتالى لا يسمح لمن ينوبه بأن تتخذ قرارا باسمه او يتحدث بلسانه او يفكر عنه او ان يميز بدلا منه والتحارب دلتنا فى العديد من المناسبات ، بقدر ما تشدد قوانين الرقابة على الفكر والثقافة بقدر ما يتزعزع الفكر والثقافة الرسميين وتجربة ربيع براغ سنة 1968 اكبر دليل على ذلك ، وليعتبر من أراد العبرة . ولا بد من قول الحقيقة فى هذا المجال اذ صرنا نسمع مع الاخ محمد مزالى والاخ البشير بن سلامه اطروحات جديدة منذ توليهما السلطة ، فالاخ محمد مزالى اكد فى العديد من المناسبات على حرية الفكر وحرية الاديب وحرية الثقافة ( سواء فى اجتماع المجلس الاعلى للثقافة او فى حديثه لمجلة كل العرب ) والاخ البشير بن سلامة أيضا بمناسبة توزيعه الجوائز الثقافية على الفائزين هذه السنة وكلها بوادر طيبة تشجع كل من أراد أن يكتب او يخلق او يبدع فى اى مجال من المجالات الثقافة زيادة على المكافأة المالية التى قررت وزارة الثقافة اسنادها دون مراعاة لاية حساسية سياسية أو ايديلوجية معيارها الوحيد هو الجودة والجدية والاضافة الى الثقافة التونسية حتى نستطيع تحقيق (( الاقلاع الثقافى )) (والعبارة للعروسى المطوى) .
4 - بدا لى انه من المفيد ان ألاحظ أن الرياضة التى كان من المفروض ان تكون فى خدمة العقل والجسم والروح ظهرت كانها بديل للثقافة والقراءة والمطالعة واصبحت الرياضة مرضا بالغ الخطورة على مجتمعنا وخاصة كرة القدم التى اصبحت مصيبة على البلاد ، يخسر (( الرياضى التونسى )) فتغضب جماهيره وينهالون تكسيرا وتهشيما على مواقف الحافلات فى شارع الحرية والشعب التونسى بتمامه وكماله يتحمل الخسائر . ان مرض كرة القدم الذى اصبح ينهش النفوس والعقول فى المجتمع التونسى ، هذه ليست رياضة و لا روحا رياضية ، بعيدة عن النزاهة وانفتاح العقل ، هذه التى نراها ونطبقها انما فهى رياضة مريضة اصبحت تشكل خطرا على البلاد والعباد ، ولا غرابة فى ذلك فالرياضة تتمتع بنصيب الاسد فى وسائل الاعلام وخاصة التلفزة , فحصص كرة القدم كثيرة وكثيرة والحمد لله بيتما مناقشة ( كتاب مفتوح ) تلغى لسبب بسيط وهو كثافة المادة الاخبارية . لقد اطلقت صيحات عديدة
فى هذا المحال عسى ان تسمعنا وسائل الاعلام الرسمية والتلفزة خاصه لكن لا حياة لمن تنادى .
ان كرة القدم فى تونس اصبحت ظاهرة اجتماعية ينبغى التنبه اليها ودراستها والاشارة بكل وضوح الى المضاعفات التى يمكن ان تنجر عنها وظاهرة عبادة كرة القدم هذه نراها واضحة المعالم فى الدول التى عرفت الفاشية والدكتاتورية ، فألمانيا وابطاليا واسباننا ، وافريقيا وأمريكا الوسطى والجنوبية ولذلك ارتبطت ظاهرة عبادة كرة القدم بالسياسة فى هذه البلدان وأصبحت تستعمل لتخدير الشعوب .
اصطررت الى ابداء هذه الملاحظة اضطرارا اذ اننى لاحظت عند الشباب التونسى تعلقا مفرطا بالرياضة وكرة القدم الى درجة الهلوسة مماجعلهم يهملون القراءة والمطالعة والتثقف . ان كثرة التعلق بكرة القدم بعثت عند الشباب التونسى نوعا من الشوفينية والتعصب الاعمى الذى لا يترك مجالا للحوار والنقاش فيكون العنف هو الوسيلة الوحيدة للتخاطب .
أنا لست ضد الرياضة والرياضيين ، أنا لست ضد كرة القدم لكن المرض بدأ يستفحل فى العقول والتصرفات فأصبح خطرا حتى على مستقبل الرياضة فى تونس التى من المفروض ان تدرب الانسان على تمالك الاعصاب والامتياز بالروح الرياضية العالية لكننا فى ملاعبنا وشوارعنا ووسائل اعلامنا نرى غير هذا . والخطأ كل الخطأ هو أن نجسم كل الرياضة فى كرة القدم ولاعبيها ونجعل منهم نجوما لامعة فى سماء هذه البلاد أكثر من رجال الثقافة والادب .
5 - أما المعضلة الاخيرة التى أعاقت الثقافة التونسية وجعلتها تتخبط فى بحر من التناقضات وهو غياب الهوية الوطنية ( L' identite Nationale ) اذ ان المجتمع التونسى يعيش منذ الاستقلال نوعا من الضياع او التذبذب اللغوى ان صح التعبير . ينبغى ان نلاحظ منذ البدء ان تونس هى البلد الوحيد فى المغرب العربى الذى لم يعط كاتبا باللغة الفرنسية يستحق عن جدارة هذا الاسم ان الحماس للفرنكفونية فى بداية الاستقلال وبعده جعل مستقبل الشعب التونسى من ناحية الهوية اللغوية غير واضح مما شجع على تمزق شخصية الفرد التونسى ، مجموعة تدعى انها من أصل بربرى وأخرى انها من اصل فنيقى وثالثة من أصل عربى ، هذا التجزؤ داخل المجتمع التونسى واللغة الفرنسية
التى سيطرت على دواليب الدولة ومؤسساتها جعلت نسبة كبيرة من سكان البلاد يتساءلون (( من نحن ! ؟ )) .
ان ازدواجية اللغة أو بالاحرى هذا التفرنس الذى فرض على الادارة التونسية بدعوى مسايرة ركب الحضارة والتقدم جعل من الشعب التونسى لا يحس بانتماءاته القومية واللغوية . ضمن هذا المناخ من تذبذب للشخصية وضياع للهوية القومية واهتزاز للذاتية اللغوية خلق عند الشعب التونسى شيئا اسمه ضبابية الفكر ، وعدم وضوح الرؤية الثقافية لديه . بتشجيعات رسمية من الفرنكفونيين أصبحنا نتشبت بكل ما هو فرنسى ، بكل ما يمت بصلة الى ديغول أو بودلار أو سارتر واعتبرناهم رمزا للتقدم بينما أهملنا الجاحظ وأبا حيان وأبا الفرج واعتبرناهم عنوانا للتخلف . والمشكلة كل المشكلة هى أننا إلى الآن لم نستطع أن نكتشف أن اللغة الفرنسية أصبحت متخلفة - مع احترامنا الكامل لها - بالنسبة للانقليزية ، اذ أصبح من المفروض - على الاقل الآن - أن ندخل اللغة الانقليزية الى مدارسنا عوض اللغة الفرنسية .
وصفوة القول : إننا سنظل على هذه الحالة من التذبذب الفكرى والثقافى واللغوى وسوف تبقى ثقافتنا على هذا المستوى من الضحالة اذا لم نحدد بوضوح - على مستوى الممارسة - هويتنا الوطنية وبالتالى اللغوية وسوف نبقى فى دوامة التفرنس او التعريب والخوف كل الخوف هو ان نبقى ضائعين بين لغتين أو بين هويتين ، والقضية تتعقد باستمرار اكثر فاكثر . انه يصح علينا تطبيق المثال العامى القائل : (( حاول الغراب ان يتعلم مشية الحمامة فاضاع مشيته ومشية الحمامة وبقى يقفز قفزا )) . وتلك هى مأساتنا فى الثقافة التونسية . لا أريد أن يفهم من كلامى أننى ضد اللغة الفرنسية ، انما اردت التنبيه فقط الى الاخطار والمضاعفات التى يمكن ان تنجر عن مثل هذه الممارسات وقديما قال الجاحظ : بقدر ما يتعمق الانسان فى لغة اجنبية بقدر ما يبتعد عن لغته الاصلية .
عندما اطلقت هذه الصيحات لم أرد أن أقول : إنها صيحات احتضار انما اردت أن أنبه الى مشاكل وعراقيل تقف فى وجه المثقف التونسى والثقافة التونسية . والحق يقال ان ثقافتنا بعد توفر البنية التحتية اللازمة لتطورها ، وهبوب تلك النسمة الديمقراطية على أرضنا الطيبة ، كل هذه عوامل مشجعة وتجعلنا نأمل كل خير من ثقافتنا التى نريدها مركز اشعاع فى المغرب العربى كما كانت من
قبل ورافدا من أهم روافد الثقافة العربية ، ولا غرابة فى ذلك فتاريخنا شاهد على ذلك . نريد ان نعطى دفعا جديدا للثقافة التونسية كانت وما زالت فى أشد الحاحة اليه ، نريد ان نلغى العوائق والشوائب التى تقف حجر عثرة فى وجه الثقافة التونسية حتى تسترجع مكانتها المرموقة فى خضم هذه التناقضات العربية وهذه الصراعات الفكرية . نريد ان نساهم مساهمة نشيطة فى عملية الخلق والابداع فى الثقافة العربية ، نريد ان نأخذ وان نعطى فى الآن نفسه ، لا نريد ان تقتصر على الاستهلاك دون مركبات نقص ، نريد ان تؤدى دورنا كاملا على ركح الثقافة العربية ولنا القدرة على ذلك وأملنا كبير فى المستقبل ان تحقق الثقافة التونسية اقلاعها وتتخطى صعابها وعراقيلها وبذلك تضمن لنفسها المساهمة والاثراء مع الثقافات العربية الاخرى بصوتها العربى الافريقى المتميز ولا أقول المتفرد .
