الحياة الفكرية واثرها :
يعتقد البعض ان العرب لم يصلوا إلى درجة علمية مثل ما وصل : اليه الغرب ولم يقدموا للانسانية مجهودا حضاريا فيما يتصل بالحياة العلمية والنظرية وانه لم يكن من العرب علماء مثل ما للغرب من علماء امثال كبلر وباكن وفراداي وغاليليو وغيرهم .
ومن خطل الرأى ان يقع هذا الاعتقاد فى نفوس الكثير منا موقع الصحة والتقبل له على ظاهره المشوه وعلى حقيقته المعكوسة . وحينما نستجمع الصور الحقيقية لتصور الصلة التى جعلت هذا الاعتقاد سائدا ومقبولا عند البعض نجدها تنحصر فيما يقدم لهذه المجموعة من دراسات ونظريات وهي مشوبة بمفاهيم واساليب فيها الشكل الايدلوجى المستورد من الخارج . وهذه الايدلوجية المستوردة لا تعدو ان تكون معولا يقصد به هدم معنى اعتقادنا بتقدمنا في غابر التاريخ .
ولو رجعنا إلى المفاهيم والواقعية لوجدنا قيمة مجهودنا الحضارى تتجسد فى كيان متطور مرت عليه عواصف ورياح هوجاء وبقى يتحدى الزمن وينطق بما لديه من ماضى عتيد وقيمة عالية . ذلك هو فكرنا العربى وأدواره فلقد اتى على هذا الفكر حين من الدهر اتبعت فيه قوة الانتاج ومدى العمل الجبار لخلق حياة حضارية ذات كيان متطور :
وإذا تفهمنا الوقائع التاريخية واستجمعنا صورها الحقيقية وتقصينا للاحداث التى
بها الفكر العربى خرجنا بعديد من الصور للدور الذى لعبه فى تطوير الحضارة الانسانية بأساليب نظرية وعملية فاحتلت ثقافتنا صدر المكان وقامت بارهاص الاسس القوية لبناء حضارة اوروبا التى لم يذكر التاريخ لها شيئا قبل القرن الخامس عشر بيد أن المستشرقين من علمائهم دأبوا بما فى الامكان من جهد لترجمة الكتب العلمية العربية الى اللاتينية لتكون مراجع لبداية النهوض الذى شمل اوروبا حينما بدأ الوعى القومى ينساق اليها بتياراته من طليطلة وقرطبة فلم تكف الدراسة فى اكسفورد وباريس لاستيعاب العلم ومستلزمات الحياة الحضارية فالحياة العلمية مشلولة فى نطاق لا يتفق مع الرجل الاوروبى الذى دعي بتاثير المعارف العربية فراح يطلب الاستزادة من مدارس اسبانيا العربية . ولقد كان البرت الكبير والقديس توما الاكوينى وروجر بيكون علماء بعدما
تتلمذوا على علوم العرب ومعارفهم . . ونقلوا عنهم النظريات العلمية واستدلوا بتجرباتهم العملية . يقول المسيو رينان ان البرت الكبير مدين لابن سيناء بكل شئ والقديس توما الاكويني مدينا للعالم العربى ابن رشد فى فلسفته وآرائه . فأسبانيا العربية كانت تضم نيفا وسبعين مكتبة عربية بالاضافة إلى المدارس المختلفة العلوم والمعارف ولم تكن تلك المدارس على كثرتها محدودة بتعاليم دينية فحسب . بل كانت تطفح بجميع الاساليب العلمية . وكانت على جانب كبير من التسامح العقائدى حيث سار خلفاؤها اى اسبانيا على النهج التسامحى الذى اسسه الخليفة العباسى هارون الرشيد . فقد عهد الى يوحنا بن ماسوية وهو نسطورى مسيحي بتولى رئاسة مدارسه . فالتسامح العربى وصل الى درجة عالية جعلت قائد معركة العرب ضد الصليبيين - صلاح الدين الايوبى يرسل الى عدوه الاول ريتشارد قلب الاسد الجليد لما وطأته الحمى لتجفف عنه وطأة المرض مع ان الصليبيين لم يعتقدوا ذلك فقد اعتقدوا ان العرب لا يهمهم غير الولوع فى الدماء وامتصاصها . وقد كان الفارق الكبير جدا والصورة واضحة جعلت في نفوس الغزاة الاثر الكبير لما لاقوه بحكم احتكاكهم بالجنود العرب فلم يجدوا منهم الا الفروسية الكامنة والشجاعة البالغة والعطف على الماسورين بعكس ما يرونه فى انفسهم من همجية وبربرية . وتبيينا للواقع وانصافا للتاريخ نرى لزاما علينا ايضاح ما كانت عليه الهمجية الاوروبية والفورمان من الفظاظة وامتصاص الدماء وخشونة المعاملة والهمجية الوحشية الرهيبة .
فمثلا في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي وبعد ان تدهورت القوة الاسلامية
فى الاندلس وضعف مركزها قام الاسبانيون بحركة ارهابية ذات معاني تنطوي على عمل انتقامي من اولئك الذين ادخلوهم في حكم الدولة العربية الكبرى فقتلو وعذبواونكلوا وشتتوا وحكموا التشريع الهمجى الرهيب حتى لم يبق مسلم واحد ينطق بالضاد واصدروا القوانين الكثيرة ذات الطابع الانتقامى البحت فمثلا اصدر فيليب الثاني قانونا يقضي بأن يقوم المسلمون بترك كل ما يمت الى مقدساتهم الدينية وشعائرهم العقائدية بصلة . وتحت ضغط الارهاب تحتم عليهم ان يتعلموا اللغة الاسبانيه ويهجروا كل ما يمت الى العربية ومعانيها بصلة . وجاء بعده رئيس الاساقفة الاسباني المسمى شيمنس وقام باحراق المخطوطات العربية التى قيل انها تبلغ حوالى بضع وثمانين الف كتاب محاولا بفعيلته هذه ان يطمس الآثار العربية من على اديم اسبانيا ولم يذكر انه لم ولن يمسح ذلك المجد من صفحات التاريخ وان ما تركه العرب من آثار عمرانية ورسومات هندسية بقيت وستبقى رمزا كبير : ينطق مع مرور الزمن بما للعرب الفاتحين من بطولات واثار فكرية فتحت لاوروبا طريق نهضة صناعتها الحاضرة وكانت نتيجة المسلمين الرواد الاوائل في تاسيس تلك النهضة الاوروبية وكسر شوكتهم وتشريدهم نهائيا وارسالهم ارقاء الى المناجم الامريكية هذه نتائج الهمجية المطلقة الرهيبة ليست محدودة بزمن سابق بل هي متاصلة وغريزة موروثة ونكاد نلمسها اليوم تمثلها بربرية فرنسا فى الوطن العربي الجزائر وبنزرت ووحشية البرتغال في انجولا فلم يبق مع تلك الاركان المتداعية والهياكل المتآكلة غير البربرية والوحشية وامتصاص الدماء فالمنصف للتاريخ يرى الفارق كبيرا جدا بين العرب وفتوحاتهم وحضارتهم
والأوروبيين في استعمارهم ووحشيتهم الرهيبة :
اما من الناحية العلمية فعندما نتصور حالة اوروبا فى القرنين التاسع والعاشر ندرك حقيقة الوضع الاجتماعي وكيفية الحياة الاوروبية بوجه عام وندرك بعد ذلك الاستقصاء ان اوروبا كانت قابعة في ابراج التأخر العلمي والادبي وفي اثناء ذلك كانت تتهادى لترى البصيص المشع عليها من سماء افق طليطلة . ويمكن القول بان . اول عالم اوروبي ذهب الى اسبانيا هو اديلار ادف بات ومن بعده جيراروف كريمونا وقد عمل هذان العالمان في نشر الترجمة من العربية الى اللغة اللاتينية وكانت كتبهما على جانب كبير من الاهمية حيث انها استوعبت جميع المحتويات العلمية العربية والادلة والتكاليف العملية والنظريات المختلفة فى الفلسفة والادب ولا شك ان التمازج الذي حصل بين الثقافة العربية القحة والثقافات الأخرى فى البلاد التى فتحها العرب كان له الاثر الكبير في ارهاص الاسس الكبيرة لتكوين حضارة ايدلوجيتها من العالم المتمازج و كان هناك علوم كبيرة تركها الرومانيون طي النسيان والتنكر واعتبرتها الديانة المسيحية منكرا تحرمه تعاليمها الدينية فجاء العرب الفاتحون واحتضنوا تلك المعارف بعد التمازج فاكتسبوا من العالم الهلييني بعضا من الفنون الطبية والرياضية وعملوا كبير جهد لاسباغ كيان تطوري عليها يخرج بها من بداءتها الى صقلها وابداء الجوانب المتبقية من مفعولها واساليبها واخذوا يضا الترقيم الحسابي وعملوا على تحسين الطريقة الجبرية حتى وصلت الى فنها الحالي مستساغة للباحثين والمحدثين ولما اصبحت اسبانيا هي المنار الاول في اوروبا وتجسدت فيها حضارة العرب ووصلت اوج عزها
وكمالها قام الرئيس الشماسي دومينيك جوند مسالفى برئاسة مدرسة المترجمين فى طيطلة وعمل مع بعض العلماء الاوروبيين على ترجمة كتب ابن سيناء والفارابى واضرابهم الى اللاتينية وكانت هذه الكتب هى المراجع الكبرى فى الطب العربي والفلسفة وعلوم الفكر . والشئ الذي لا يفوتنا ذكره هو ان هؤلاء المترجمين لم يقتصروا على ترجمة الكتب العربية خاصة بل قاموا بترجمة الكتب اليونانية مثل كتب جالينوس واقليدس وارسطو وغيرهم الى اللاتينية وكانت هذه الكتب اليونانية مترجمة من اصلها الى العربية وما تبعها من شروحات وتعليقات للعلماء العرب وقد كان هذا السبق للعالم العربي هو محل التنكر اليوم من الغرب وقد تشدقوا بانهم عرفوا علوم اليونان بواسطة كتاب جالينوس الذي يبحث في تفصيلات الامراض السارية وكتاب ابولونيوس في المخروطات ونسوا وتناسوا ان الفضل الاول للعرب الذين ترجموها وعلقوا عليها وشرحوا اسرارها وغوامضها واخرجوها مراجع سهلة بشروحاتهم وتهذيباتهم . وقد رد المسيو ليري على هذا التنكر فقال ما نصه : إذا نحن محونا العرب من التاريخ اذن لتاخرت نهضة اوروبا فى الآداب عدة قرون وبقيت تلك الكتب مراجع تدرس فى المدارس والجامعات زهاء ستة قرون او تزيد . وكانت كتب العالم العربي ابن سينا الطبية تدرس في جامعة مونبيلية حتى اواخر القرن الثامن عشر واول القرن التاسع عشر وكانت كتب بن رشد الفلسفية وارائه موضع الاعتبار والاعجاب فى الجامعات الاوروبية . وقد امر لويس الحادي عشر بتدريس المذهب الفلسفي لذلك العالم العربي العظيم .
للبحث صلة

