الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الثقافة بين التقليد السلبى والانسلاخ, فى مجتمع " العالم الثالث "

Share

لئن كان مفهوم الثقافة وتحديد مداها وآفاقها من القضايا الجدلية المزمنة ، بموجب ما يبسطه كل تعريف أو تحديد من مشاكل تعود جلها الى عدم توازن المحصول مع المعطيات العامة ، فان مقتضيات التطور الفكرى الحديث ونزعة العقل البشرى الى المنطق الموضوعى إطلاقا ، كل ذلك يجعل الباحث يعرض عن الخوض فى ماهية الثقافة وجوهرها معتبرا ذلك ضربا من البذخ الفكرى المجرد الذى قد يصطبغ بصبغة من الترف تتناقض وإياه مقتضيات الواقع الانسانى المتجدد ، بل ترفضه جذريا متطلبات الفرد فى مجتمعات " العالم الثالث " .

على أن الناظر فى مدلول الثقافة عامة ، والمستقرىء لدلالاتها المتنوعة عبر مراحل التفكير البشرى تستتوقفه ظاهرة طريقة فى تاريخ المجتمع الألمانى الذى كان أقل المجتمعات خوضا فى جدلية الثقافة وماهيتها ، وإنما قصارى أمره انه نظر فى عللها ومسبباتها ، كما نظر فى غايتها الموضوعية ، ولعل ذلك يرجع الى أن المفهوم الرامز للثقافة والمتصور المرتبط به يمثلان حصيلة تأليفية ، ذلك ان لفظة " ثقافة " فى اللغة الألمانية تعنى فى آن واحد ما تعنيه لفظة ثقافة عندنا فى مدلولها الغامض ، وما تعنيه لفظة أدب فى مدلولها الخاص ، وما تعنيه أيضا لفظة حضارة فى مضمونها الشامل

فما من شك إذن أن الشمول الذى يصطبغ به مدلول الثقافة هو قائم على جذور تاريخية مردها جميعا الى المضمون الجدلى والتفاعل العضوى الدائم بين عناصره ومولداته القائمين على تشعب الظواهر البشرية فى نطاق الكائن الفردى أو الكيان الجماعى

نتبين إذن كيف اتسع المجال المعنوي لمدلول الثقافة فشمل الجانب الوجدانى فى الانسان وما له من عوالم شعورية وعاطفية وكلها تفيض فى بوتقة

" الأدب " وشمل أيضا الجانب العقلانى وما له من مقتضيات المنطق الموضوعى والتفكير العلمى المطلق ، ومدار كل ذلك العلم وما يفرزه من مخترعات التصنيع ومبتكرات التكنولوجيا ، كما شمل أخيرا كيان الفرد فى مجتمعه ومدى ترابطه مع الواقع الحى المعاش ، سواء فى المستوى المادى المحسوس المندرج فيه عالم الاقتصاد ، أو فى المستوى النظرى المجرد المفضى إليه واقع السياسة والاختيارات المذهبية ، ومصب كل ذلك انما هو ما يعرف بالايديولوجيات فى عالمنا اليوم .

فاذا انصهرت كل تلك العناصر التى قدمنا ، واذا سلمنا بترابطها العضوى أمكننا ان نتساءل : هل باستطاعة ثقافة ما ان تكون صالحة لتكوين كل إنسان - مهما كان منبعه ، وأيا كانت مكيفاته الظرفية - فتكون إذن وديعة لدى البشرية يحفظها الفرد فتكمل كيانه على وجه من الوجوه ؟

ننا بهذا السؤال نطرح مشكل الثقافة الحديثة بأكمله ، بل مشكل نوعية الثقافة وغايتها الموضوعية ، ذلك أنه اذا تسبب العلم وتقدمه والمكانة المتزايدة التى يحتلها التفكير العلمى فى عقل الانسان الحديث وحياته فى مأزق للثقافة فانه يستحيل على أية ثقافة ألا تجد نفسها فى وضع متأزم

هكذا نتبين كيف يتحتم تجاوز النظر فى قضية الثقافة من حيث ماهيتها وموضوعها وأبعادها وما الى ذلك من التحديدات الموغلة فى التجريد والمنتهجة منحى النظريات التعميمية ، وهو ما شغل به جل من تناولوا مسألة الثقافة وخاصة فى مجتمعات " العالم الثالث " فانساقوا مع النظر المجرد عن الواقع حتى غرقوا فيه فانتهوا الى بسط قضايا لعلها الى المشاكل الكاذبة اقرب منها الى المشاكل الحق فاذا تجاوزنا هذا الضرب من النظر والتحليل وجهنا القضية وجهة أخرى أكثر ملاءمة لمنطق العقل البشرى الجديد وأبعد تكاملا مع مقتضيات الفرد فى مجتمع " العالم الثالث "

هذه الوجهة إنما تتمثل فى اعتبار الثقافة كلا لا يتجزأ ، ثم النظر فى نمايتها الموضوعية بتقييمها فى ذاتها أولا والبحث عن مدى تلاؤمها مع واقع الفرد البشرى فى محيطه الحياتى

فاذا ما ارتبط المشكل باطار مضمونى ، وهو ما قد يعدل من نزعة المفكرين وميول المحللين ، وكلهم درجوا على الخوض فى ماهية الثقافة دون حصيلتها الموضوعية ، فانه يتحتم تحديد الاطار الظرفى فى حديه المكانى والزمانى ، ذلك أن ظاهرة الثقافة وما علق بها من خصائص نوعية إنما اكتسبت دلالات

تمييزية فى مجتمعات اصطلح عليها فيما اصطلح ببلاد " العالم الثالث ، ولما كان هذا المفهوم مقترنا بواقع بشرى حديث فان المشكل يتحدد - الى جانب الظرف الجغرافى - بظرف زمنى وهو عصرنا الحاضر

لئن كانت ظاهرة التكتل البشرى فى صلب جماعات ترتبط ارتباطا عضويا وتتنازع غلبة حب البقاء قديمة قدم الانسان فان هذه الغريزة البشرية قد اكتست لأول مرة فى تاريخ الانسانية شكلا فريدا منذ مطلع القرن العشرين . هذا الشكل يتمثل فى ما يمكن ان نصطلح عليه بالتحزب الاقتصادى ، وهو مفهوم ما أن تبلور متصوره حتى عزل مفاهيم الارتباطات الأخرى من تحزب دموى قبلى ، وتحزب جنسى شعوبى ، وتحزب دينى روحانى ، فان لم تعزل تلك الأصناف المختلفة من التكافل عزلا تاما فلم تعد لها على الاقل طاقة منافسة للتحزب الاقتصادى الجديد

واقتضت جدلية التاريخ أن يعيد القرن العشرون ما أحدثه سابقا من اختلال فى توازن علاقات التجمعات البشرية بموجب ظاهرة الاستعمار التى هى نفسها نشأت عن اختلال توازن جزء من المجتمعات البشرية بموجب انفجار الطاقة التجارية ، واذ ذاك تواضع الناس - وليس ذلك منا ببعيد - على ان يطلقوا على هذه المجتمعات البشرية مصطلحا مشتركا ، على ما بينها من اختلاف المعطيات وتنافر الظواهر بل وتناقض العناصر العضوية فيها . وهكذا حشرت تلك الشعوب فى مفهوم واحد وهذا المفهوم هو جوهريا مفهوم اقتصادى اذ لا رابط اليوم بين شعوب العالم الثالث * إلا واقعها الاقتصادى ، أما الروابط العضوية الدموية والروابط الجنسية الشعوبية والروابط الدينية الروحية فمنعدمة أو تكاد .

عندئذ قيل - كما أسلفنا " محترزين " - شعوب العالم الثالث ، وهو مصطلح يقوم على منطق عددى ليس فيه من الآراء القبلية إلا الترتيب الزمنى فى النشأة والظهور ؛ وكان قد قيل " الشعوب المتخلفة " ، وهو مصطلح معيارى عام ، يشمل حكما حضاريا يتضمن بلا شك فيما يتضمن تقييما اقتصاديا ميزته انه يسمى الأشياء بأسمائها دون مواربة أو مغالطة ، ثم خيف من قسوة الحقيقة وصدمة التصريح بها فاصطلح على تلك المجموعة من الشعوب بمصطلح " الشعوب السائرة فى طريق النمو وهو نوع من التعبير التفاؤلى الذى يقره واقع هذه الدول حسب التطور الوجيز الذى

حصل فى صلبها ، على ان المصطلح لم يخرج عن المدار الاقتصادى كما هو بيديهى ، وقد أسلفنا علل هذه الظاهرة العامة فى القرن العشرين

على ان بعض علماء الاجتماع من المدرسة الأمريكية الجديدة - وقد ازدهر لديهم علم حديد هو مزيج بين علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الاجناس البشرية وغيرها فسموه علم الانثروبولوجيا - قد بدا له ان يدل على ان هذه الدول إنما هى سائرة نحو التخلف لا نحو النمو بموجب تضاعف الفوارق التكنولوجيا بينها وبين دول العالم " الآخر " ، فكلما أرادت شعوب العالم الثالث تدارك خطوة من خطوات الحضارة الجديدة لم تحققها الا وقد قفزت الدول المصنعة أضعاف ما تداركته الشعوب الأخرى

وليسنا بصدد نقد ما نستعرض ولكن الانحراف باد فى هذا الضرب من الشطر التشاؤمى ، ولعلة هو الذى استفز نزعة رد الفعل النفسى والظواهر النفسية عند البشر تسير ، كما تعلم ، من الضد الى النقيض فأطلق على هذه المحموعة البشرية عبارة " الدول النامية " ، وهو نوع من الكياسة اللفظية التى بموجبها يقال للأعمى " بصير ، كما قال العرب من فيا للادام ، وقد آذت العبارة سمعهم واستفزت تطيرهم ، ملحا : تفاؤلا بالطيب والملاحة ، فتنوسى ما أوتى من أجله بذلك ، فراح العربى يبحث عما بدفع عنه شبح التطير فسمى الملح ربحا وعاد البعض الآخر الى الادام وهكذا التاريخ

عندئذ اتضحت معالم التفكير السلبي فى هذه المجتمعات ، مما يفضى حتما إلى الانسلاخ كظاهرة سوسيولوجية . إذ من مقومات التفكير السلبى ما وقفنا عليه بعد من خاصية الاغراق فى البحث النظرى المجرد عن مقومات الثقافة وحقائقها الجوهرية المحض ، وهي ظاهرة إن تأكد علينا الاحتراز فى تعميمها ، فلا مجال للتردد فى إطلاقها على المجتمعات العربية اليوم ، ومن يدرى ؟ لعل ذلك يعزى إلى ان الحضارة العربية فى جوهرها حضارة لفظية للفظ فيها سلطان قوى ينبه فيستفز ثم يحرك فيغالى

وأما المظهر الثانى من مظاهر هذا التفكير السلبى - ولعله اعم وأشمل - فيه كما مهدنا متمثل فى ظاهرة تقبل التآويل المختلفة لحقيقة هذه المجموعات البشرية تقبلا سلبيا ليس إلا . وسواء فضلنا مصطلح العالم الثالث عن

مصطلح العالم المتخلف ، أو خيرنا عنهما معا عبارة العالم السائر فى طريق النمو ، أو جبذنا مفهوم " العالم النامى " فان كل تلك المتصورات انما هى مسلطة تسليطا لانها منزلة من الخارج ، وكأنما هذه الشعوب ، على كثرتها واختلافها وغزارة حضاراتها ، لم تتأهل اليوم بعد لان تعرف نفسها بنفسها

وللتفكير السلبى مظهر أقصى يتجسم معه الانسلاخ وهو اقبال الفرد فى هذه الشعوب عادة على محصول ثقافة العالم المادى المصنع إقبال المتعطش النهم الى حد التهالك والفناء ، وليست تلك الظاهرة بأوضح ولا أغرب مما هى عليه عند المتعلمين المثقفين المفكرين ، ترى الواحد منهم يقبل كالقرم على ثقافة هي من طينة غير طينته فيتفاعل معها تفاعل الصوفى فى خمرة حضرته ، وقد فاته أن الفكر المطلق نسيج وهم وخيال ، وليس الفكر إلا كائنا مقيد الحدود فى الزمان والمكان بل فى المكان والزمان ، وما عصير الفكر إلا كائن متدرج نحو الفناء .

لقد جاء ماركس فأقام صرح المادية الجدلية - وان شئت قلت المادية التاريخية أو حتى الجدلية التاريخية - وكان ما عمله فى أصل نشأته امتدادا للاتجاه التاريخى الذى اقامه هيجل ، فربط الحوادث بأسبابها وبكيفية تأثير النشاط الانسانى فيها .

ويقبل "فتى المجتمع الثالث على رائد المادية فيقف مذهولا أمام منطق جدلى طريف ، فكل شئ مرتبط بغيره ، وكل شئ يتغير ويتغير باستمرار وكل تغير فى الحجم يجر حتما تغيرا فى النوع ، ومحرك جميع التغييرات هو تصارع الأضداد داخل المادة . فيقع الفتى المفكر ، ويتقمص الرداء ويقول : هو الحق . واذا بالحق ذو شمول ، هو قبس الهدى فى التفكير والعمل وهو نبراس الرأى فى السلوك وفى النقد وكذلك فى الخلق . ثم تراه بعد يوم أو بعض يوم قد فتر عزمه على الحكمة العملية ، إذ شق على نفسه ان تروض عليها ، فيتبدد العمل ويبقى النظر الفكرى المجرد بذخا وترفا .

ثم يعبر الفتى الطريق فيستوقفه فرويد : باعث علم النفس ورائد مدرسة التحليل النفسى ، فاذا الحضارة الانسانية عنده غريبة الشأن ، طريقة المنطق ؛ هى ، كما علمت ، حصيلة كبت يسلطه المجتمع على الفرد فيروض بموجبه غرائزه الفطرية . . . ثم يلج به فرويد عوالم جديدة اكتشفها فاستغلها فى تفسير الظواهر التاريخية والحضارية والنفسية فمن عقدة أوديب الى ظاهرة الليبيدو ، ومن عالم الاحلام الى ازدواجية الكائن فى حقيقته بين عالم الوعى

وعالم اللاوعى . ثم إذا بالرغبات المكبوتة فى اللاوعى تطفو حتما فى الاحلام والصرع والسكر والجنون وكذلك فى الخلق الفنى مطلقا .

فيؤمن فتانا " المثقف المفكر " برائد علم النفس وبمدرستيه - القديمة والجديدة - وهو على دينه الاول ماض ، وفاته ان بين هذا وذاك طلاقا غير رجعى

ثم يتخطى الصعاب فيعبر سبل سيبيريا والصين وقد لا يقع فى قبضة أولئك ولا هؤلاء واذا به وجها لوجه مع ماركوز ، ولا مناص له من لقائه فهو حي يرزق ، ثم إنه رائد الثورية المعاصرة فهو الأب الروحى لانتفاضة " ماى 68 " وهو المغذى الايديولوجى لحركات الرفض والانفجار فى جامعات الولايات المتحدة وبرلين وغيرها ، ثم إنه يغرى المتطلع الحيران لا سيما من تأرجح قلقا متذبذبا بين المادية وبين علم النفس ، فعنده الحل الذى يوهم باخراج المفكر من تناقضاته ، ذلك أنه قد جمع فى فلسفته بين أوجه من الجدلية التاريخية ومظاهر من علم النفس فى أثره " الجنس والحضارة ، فاستطاع التأليف بين المتناقضات المتعددة لبقيم فلسفة حديثة إن هي إلا جدل أفرزه المجتمع التكنولوجيا الحديث فى الولايات المتحدة خاصة ، حيث طغت الآلة على الانسان وقد اخترعها ليستعين بها على الطبيعة ، فاذا هى ترضخه لنواميس مقتضياتها القاهرة ، واذا الانسان هو الآخر آلة ، واذا الخالق مخلوق ، والمادة آلهة لا تغلب .

وما صيحات ماركوز إلا محاولات لانقاذ الانسان مما بيده بغية تحريره من نافور الحضارة المادية الجديدة ، وهذا الانسان العبد هو انسان الولايات المتحدة وبعض دول العالم المصنع حيث بلغت الحضارة الصناعية أوجها ، بل تجاوزته واذا تجاوز الشئ حده انقلب - كما علمت - الى ضده ، ومن القواعد المقررة منذ قرون أن الحضارة تفرز ما يفسدها ، لما تحمله فى صلب طياتها من بذور تناقضاتها التى تؤول بها الى التحطيم الذاتى وهو ضرب من التآكل المؤدى الى الفناء .

لذلك صاح ماركوز بالشباب عامة والطلبة خاصة وقد يئس من العمال حيث استقر لديه أنهم أصبحوا أول المدعمين للنمط الحضارى الجديد ، اى ان المغذى الاول للنظام الرأسمالى فى عالم اليوم حسب ماركوز انما هو العامل نفسه فحاءت صيحته مقامة على فلسفة تحطيمية مباشرة هى فلسفة الرفض الاكبر القائم دوما على مبدإ الاعتراض

ويقبل مفكر العالم الثالث على هذا الرائد الجديد فيأخذه الاعجاب ويبهره الرفض والتحطيم واذا بعالمه الفكرى والنفسى والشعورى يغزي غزوا لا مرد له . . . واذا به يعتنق دينا جئ به لانقاذ بعض الناس من تخمة الحضارة التى جعلتهم عبيدا للتقدم ، ونسى أنه من عالم نخر كيانه جوع الحضارة فكان عبدا للتخلف ، وما زال ، وتناسى أن ترميم القائم أهون فى درب الحضارة الاول من دك صرحه بهدم ينوى البناء .

على أن ذاك المثقف نفسه ليس فى مأمن ، وهو يتقمص الأردية الفكرية بعضها مع بعض وبعضها على بعض ، من إغراء منهج جديد فى البحث استقام شيئا فشيئا فلسفة فى الوجود ونظرة شمولية لنواميس الكيان الجماعى فى المجتمع البشرى حتى غزا أو كاد يغزو كل أفنان شجرة المعرفة الانسانية فى عصرنا الحاضر ، وذلك المنزع هو الهيكلية

وللهيكلية - كمنهج فى البحث وكنظرة للوجود - شأن طريف فقد نبعت عن ازدهار علم اللغة الحديث الذى يعتبر ان اللغة كائن حى متكامل البنية مترابط الهياكل فى صلب كل لا يتجزأ ، ولذلك قام التيار الهيكلى يهدف الى تحليل الانسجام الباطنى بين العناصر المكونة للظاهرة الاجتماعية - مهما كان نوعها - فالهيكلية اذن نفى لسلطان الفكرة فى تاريخ الانسانية اذ هى تبوئ الروابط بين الاشياء الفضل على معنى الاشياء ذاته ، وهذا الترابط فى منطق الهيكليين راضخ حتما للتحليل العقلانى . وهكذا استقام قانون التبعية الباطنية

ولما التجأ رواد هذا التيار الجديد الى معطيات بعض العلوم الصحيحة وخاصة الرياضيات الحديثة ، يستعينون بها علي استبطان بنية الظواهر الحياتية وتقنين قواعدها ، ازداد مذهبهم سحرا وإغراء .

فلا مناص من أن يقع فتانا من جديد كما وقع من قبل ، وكيف له ألا يقع ولما بتعلم سبل الرؤية المتحررة . فقد درج على نمط من التفكير التنازلى التقبلى السلبى

وقد تعجب من المثقف بيننا إذ يكون ظواهريا ألليفا لهيجل ، وماديا وفيا لماركس ونفسانيا طيعا لفرويد ورافضا معترضا على حنين لماركوز ، وانما العجب فى ان تراه يجمع بين ما تنافر من تلك الميول بعض التنافر ، على أن

العجب يبلغ بك منتهاه عندما ترى الفرد الواحد ماديا هيكليا فى نفس الحيز الزمنى بل وفى نفس الحيز الدلالى : والمادية - كما علمت - دياكرونية زمانية ليس للشئ فيها معنى الا بربطه بعلله ، والهيكلية سنكرونية آنية جوهر الاشياء عندها فى بنيتها لا فى دوافعها ، فتلك حركية وهذه قرار

فالثقافة عندنا - نحن ابناء ذلك " العالم " - تنشأ وتزدهر فى حيز التفكير السلبى ، فتنسلخ بذلك انسلاخا يتعرى به المرء فاما أن يكون معقم الفكر ، وإما ان يكون مخصى الحضارة ، وإما أن يكون متاجرا بالتناقض وهو منتهى الاذعان ، وإن عن لك شك فى ذلك فانظر فى الحقيقة وتتبع انبناء عوالم المثقف ، فان وجدت بين عالم الفكر لديه وعالم القول وعالم الفعل تطابقا فقل هو التفكير الايجابى ، ولا تتوهمن ان للاصالة حدا آخر غير ذاك ، وإن لم نتطابق تلك العوالم فاعلم انه الاجهاض

اشترك في نشرتنا البريدية