بشرفنى ان اقدم اليوم فى نطاق لجنة الدراسات الاشتركية (*)هذا العرض الممهد للحديث فى شؤون الثقافة فى مجتمعنا التونسى . ولا اظن انه يخفى على احد من الاخوان ان الخوض فى شؤون الثقافة ومحاولة التعمق فى البحث عن اسرارها وملابساتها سواء من حيث جوهرها او فيما يتعلق بمختلف صور تطبيقها . قلت ان مثل هذا الدرس عسير وشاق . ذلك ان مفهوم الثقافة قد كان ولا يزال مفهوما صعب الحصر والتحديد وثيق الصلة بالتيارات الفكرية المختلفة متطورا بتطوراتها فى الزمان والمكان . على اننا وان صعب علينا بعض الشئ ان نجد تحديدا مضبوطا للثقافة بوجه عام - وذلك لان الثقافة فى جوهوها ظاهرة حية متطورة متجددة تابي الحصر والتقييد - فانه بامكاننا من خلال التعرض الى خصائص الثقافة فى مظاهرها الاجتماعية والانسانية ومحاولة معرفة الاهداف والمرامى التى تسعى الى تحقيقها والوظيفة التى يمكن ان تقوم بها ، بامكاننا ان نحيط شيئا فشيئا بهذا المفهوم وان نخرج فى شأنه بفكرة على جانب من الوضوح :
1 ( ما هى الثقافة ؟
اذا ما رجعنا الى النظرة التقليدية لمفهوم الثقافة وجدناها تتميز عند القدماء بميزتين هما الاستقرار والحصر . فالثقافة عندهم هى مجموع ما يتحصل لدى الانسان المتعلم من مختلف المعارف والعلوم فيما يتعلق بالانسان والطبيعة والغيبيات . يضاف الى ذلك شىء من الاطلاع على ميادين الفنون من حيث تطورها التاريخي بالخصوص
وهذه الثقافة الحاصلة عندهم على طريق التعلم المدرسي فى غالب الاحيان والمرتبط ارتباطا متينا بمفهوم الاثر المكتوب او المحفوظ تكون طبعا من خصائص النخبة القليلة المتعلمة مقصورة عليها دون سائر الشعب . اما صور الثقافة الشعبية فلم يكن لها كبير اعتبار
ثم تحولت الامور شيئا فشيئا مع تقدم الزمن واضطرت التيارات الفكرية الى مسايرة التغييرات الجذرية التى طرأت على الشعوب في الميادين الاقتصادية
والاجتماعية والتي بدلت وجه الانسانية واقرت مصير الانسان الجديد وازالت كثيرا من المسافات والفروق داخل المجتمعات وخارجها .
فالحديث عن الثقافة اليوم هو الحديث عن قضية الانسان فى مظاهره المتعددة المتداخلة باعتباره فردا يعيش داخل مجموعة وطنية معينة وباعتباره ايضا وفي نفس الوقت فردا ينتسب الى المجموعة البشرية الكبرى
والثقافة اليوم قبل كل شئ وعي وتوعية . 1- هي أولا وعي يتطلب من ذوى الكفاءات فى ميدان الانتاج والخلق ان بعودوا بالنظر وبالتحسس والممارسة التى تراث مجتمعاتهم وكنوز حضاراتهم الحية يملاون منها صدورهم ونفوسهم ويتفاعلون بعناصرها الخالدة فيهم ، ثم يستمدون منها قوة على الخلق وعلى الزيادة فى اثراء التراث الذى وصلهم
2 - والثقافة ايضا وبالخصوص توعية اذ ان اساس الثقافة اليوم هو ذلك الانتشار والتغلغل في الناس اللذين لا معنى للثقافة بدونهما . والعمل الثقافي هو ربط بين حاضر الامة وماضيها . وهو نفاذ الى قيمها الحضارية الدائمة ، وهو تهذيب وتثقيف للكائن الاجتماعى حتى يتمكن من ادراك مواطن الجمال في تراثه القومى وفي تراث البشرية وحتى يبلغ من دقة الاحساس وصفاء العواطف ما يسمح له بالتاثر بالجمال وبالخير وما يعينه على تنمية مواهب الخلق والابداع فى نفسه وما يجعله كفيلا بالانطلاق الى اسمى مراتب النبل البشرى
ومن هنا تتضح لنا اهمية الثقافة بالنسبة لحياة المجتمعات ، فهى ليست مطلقا مجرد مجموعة من الاثار الفكرية والفنية انتجتها بيئة أو بيئات معينة بل الثقافة جو حى يسود المجتمع ومحيط مكهرب يعيش فيه افراد هذا المجتمع فيبعث فيهم باستمرار شرارة الحياة المتجددة ويصل فى كل لحظة بين ماضي الامة وحاضرها ومستقبلها ، كما يصل في كل لحظة ايضا مصير هذه الامة بمصير ابناء البشر فى كل مكان
ومن اهم خصائص هذه النظرة للثقافة انها تجعل الثقافة سلوكا اجتماعيا واسلوبا فى الحياة . لان ثقافة من هذا النوع تجعل الانسان يندفع الى اكتشاف واقع اجتماعى معين والى وعيه سواء فى وضعه التاريخي الفعلى او فى وضع اسمى يتصور له فى نطاق القوة ويعمل على تحقيقه . ومن هذه الناحية تصبح وسائل الثقافة من أفكار وفنون ادوات اما لتركيز اسس المجتمع والمحافظة على نظمه او بالعكس لتقويض هذه الاسس والعمل على تبديل الهياكل الاجتماعية التى تجاوزتها الحياة . وهكذا يمكن للثقافة ان تكون عامل تاليف وتوحيد فى المجتمع كما يمكن ايضا ان تكون عامل تفكيك وتحطيم . نعم يمكن للواقع الثقافي في مجتمع ما ان يكون لبنة تساهم فى قيام هيكل الحياة الجديدة او ان يكون حجر عثرة فى سبيل التقدم فى مختلف قطاعات الحياة
وهنا نصل الى نقطة هامة يمكن ان نعود اليها فى مناقشاتنا وهى نوع الصلة التى يحب ان تكون بين ما يسمى " عالم الافكار " وما يسمى " عالم الاشياء" فى مجتمع من المجتمعات اذ ان نوع هذه العلاقة بين ما هو موجود فى الواقع الاجتماعى او حتى الطبيعي من جهة وبين ما يوجد فى اذهان افراد المجتمع والمثقفين منهم بوجه خاص ، قلت ان نوع هذه العلاقة هو الكفيل بجعل الثقافة فى هذا المجتمع تتجه وجهة ايجابية او سلبية . هذا ولا يخفى ما يوجد بين الواقع المادى وبين النظم الفكرية من تفاعل عميق حتى ان بعض الاشتراكيين يقول ان النجاح الاقتصادى هو احسن معيار لسلامة الافكار
هذه اخوانى بعض من اهم جوانب الظاهرة الثقافية سقتها هنا لتساعد على النقاش ولتمهد للانتقال الى النظر فى الوضع الثقافي كما يظهر فى مجتمعنا التونسى
11 ) الثقافة فى تونس :
تتميز الثقافة فى تونس بانها ظاهرة عريقة اذ ان هذه البلاد انتجت منذ اقدم العصور من الادباء والمفكرين ومن الفنانين ما جعل الشخصية الثقافية التونسية موجودة فى كل العصور رغم انها كانت تندرج احيانا ضمن ثقافات الامم الفاتحة والغازية التى تعاقبت على هذه البلاد فى مختلف عهود التاريخ
وقد كان موقع بلادنا الجغرافي في مفترق طرق العالم القديم مقيدا من جهة لانه يمكن من التفتح ومن الاتصال بمختلف الحضارات وخطيرا من جهة اخرى لانه يهدد بتلاشي الشخصية التونسية وذوبانها
لكن الشخصية الثقافية التونسية استطاعت ان تثبت فى وجه الاعاصير بل واصبحت الثقافة التونسية فى وقت من الاوقات عاملا من اهم عوامل المقاومة والصمود فى وجه الاجنبى الدخيل
ويمكن ان نقول ان الثقافة التونسية اخذت تظهر منذ الاستقلال فى صورة ثلاثة مظاهر كبيرة ومتداخلة .
1 ( الثقافة المتأثرة بوجه خاص بقدماء الكتاب العرب وبالكتاب الشرقيين المعاصرين وهي النزعة التى سميت احيانا بنزعة التمشرق
2 ( الثقافة المتأثرة بوجه خاص بكتاب الغرب ومفكريه وفنانيه ، وهي النزعة التى عرفت بالتمغرب على ان كلا من هذين النزعتين الثقافيتين هى لا محالة الى زوال الا في العناصر الخالدة التى يمكن ان تهضمها الشخصية الثقافية التونسية .
وهما زائلتان لانهما بنيتا فى الاصل على فراغ كان موجودا فى ميدان الثقافة التونسية هو الآن بصدد الزوال . كما بنيتا على شعور بالنقص فى مستوى الحياة الاقتصادية والاجتماعية بالنسبة الى البلاد الاجنبية وخاصة
البلاد الاوروبية التى كان يحد من مفعول اشعاعها الثقافي انها كانت مصدر هيمنة سياسية واقتصادية بالنسبة الينا .
ويمكن ان نشير هنا الى مسألة الاتصال بين مختلف الثقافات الانسانية وامكانية تفاعلها وتلاقحها على انى اكتفى بان اقول ان هذا الاتصال والتلاقح يثير مشاكل عديدة اهمها علاقات القوة المادية بين المجتمعات المتصلة ببعضها بعض ونسبة المحافظة على ان يكون التلاقح والاخذ بين الثقافتين متبادلا في نطاق التقدير المتبادل حتى تحافظ كل ثقافة على جوهرها واصالتها
3 ) اما المظهر الثالث من مظاهر الثقافة التونسية الحاضرة فهو مظهر الثقافة التونسية الاصيلة المتفجرة عن اعماق الانسان التونسى والتى تتجه اولا وبالذات الى مجموعة الامة التونسية ، وهذا لا يعنى طبعا انه يجب ان تبقى في حدود القومية الضيقة :
أ - الاختيارات الثقافية الكبرى فى تونس : 1 ) العناية بالثقافة :
لا يمكننا ان نفهم المجهود الكبير الذى يبذله المسؤولون عن مصير الامة اليوم في ميدان الثقافة الا اذا عدنا فادرجناه فى السعى الحثيث والمجهود العام الذي يبذل من اجل رفع مستوى الانسان فى هذه البلاد والعمل على التقدم فى جميع الميادين وعلى ضمان المناعة والازدهار لهذا الوطن
فهذا المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة يقول في خطابه بتاريخ 7 نوفمبر 1962
"لئن كان للانسان حهاز هضمي يتطلب الغذاء فان له ايضا فكرا وروحا يتطلبان الثقافة . . . " ويقول ايضا :
" ان الاساس المادى يجب ان يكون موجودا(...) ولابد لنا فى الوقت نفسه من توجيه الشعب نحو المسائل الادبية ونحو الثقافة بصفة عامة حتى يكون لنا انتاج فكرى وجدانى كفيل بابراز شخصيتنا والمحافظة عليها لذا اهتممت بهذا المجال الذى كان مهملا لم يمسه النظام وانشأنا كتابة دولة خاصة بالاشراف على هذا المحال الهام . وهذه خطوة جديدة وتنظيم لم يكن لنا به عهد . فالمسسائل الادبية كانت متروكة للافراد . . "
وفي الكلمة التى القاها الرئيس الحبيب بورقيبة يوم 29 جويلية 1967 بملتقى " هواة الادب " بسقانص عاد الى التأكيد على اهمية الثقافة وعلى وجوب احترام التوازن فى مختلف ميادين التنمية فقال :
"القصد من المعركة التى نخوضها هو تلافى ما فاتنا فى جميع الميادين بان عصور الانحطاط ، لاننا نعتقد انه لو وقع الاقتصار على تحسين حالة الفرد المادية واعتبر ذلك هو الهدف الوحيد دون اعطاء النواحى الروحية والفنية والادبية ما تستحقه من عناية لكان هذا السلوك نكبة على الامة ولما سارت فى طريق التقدم والرقي الحضارى الحق ، فنحن لا نتصور الحضارة بدون تنمية كل الملكات وكل الامكانيات معا حتى نكيف المواطن التونسى ونضمن له المناعة والمستوى المشرف . وكل تقدم فى ميدان يؤثر فى سائر الميادين "
وفي هذه الكلمات الموجزة دلالة كافية على منزلة الثقافة عندنا وشعور المسؤولين بتونس باهميتها
ضمان التثقيف لجميع ابناء الشعب :
لقد كانت الدولة العصرية منذ مدة غير بعيدة تعتبر نفسها مسؤولة عن تمكين افراد الامة من الحصول على المعرفة بطريقة عقلية جدلية داخل المدارس والمعاهد المعدة لهذا الغرض . اما تحصيل الثقافة فقد كان من خصائص الافراد . اما اليوم فقد اصبح من واجب الدول المتحضرة - ومنها الدولة التونسية - ان تلتزم بان تضمن لجميع مواطنيها امكانية " ممارسة العالم الحي الذي يعيشون فيه ، عالم الثقافة التى يحياها الانسان فى كل يوم" وهذه سبيل جديدة " تمكن المواطنين من الاتصال بكنوز ثقافتهم بطرق ليست فى غالب الاحيان طرق المعرفة التقليدية " .
ولكى تتمكن الدولة من ضمان التثقيف لجميع افراد الامة فانه يجب تركيز العمل على نقطتين اساسيتين : هما اعداد المواطن لتقبل الثقافة من ناحية وجعل الثقافة فى متناول الجمهور من ناحية اخرى
قسم 1 : اعداد المواطن لتقبل الثقافة :
1) محو الامية : رهان يشرف هذه الامة : ان عجز قسم من الامة عن القراءة والكتابة هو من اكبر عوائق النهضة والتقدم سواء فى ميدان الثقافة او فى سائر الميادين
ولذلك فانا نرى ان كل المجتمعات التى عزمت على تلافى تاخرها والانطلاق فى سبل الحياة الكريمة قد اولت مشكلة محو الامية قدرا كبيرا من اهتمامها وجهودها .
وفي تونس تصدت الحكومة منذ سنوات لبحث هذا المشكل وتوفير الحلول الكفيلة بمحو الامية تدريجيا حتى زوالها التام
وقد اصبح مجهود مقاومة الامية يكتسي صبغة حملة قومية يشرف عليها رئيس الدولة بنفسه منذ اكتوبر 1966 .
ويعتمد هذا المجهود على مراكز الدراسة الموزعة فى انحاء الجمهورية . وهذا العمل لا يقتصر على تعليم القراءة والكتابة والحساب فقط وانما يسعى ايضا باستعمال عدد من الوسائل الثقافية السمعية والبصرية او غيرها الى تلافى التخلف الثقافي الموجود عند الدارسين او حتى عند غيرهم من سكان الارياف بالخصوص وان كان بعضهم يعرف القراءة والكتابة .
والملاحظ ان ارادة الدولة فى تعميم الانتفاع بهذا العمل الهام قد جعلتها تبحث عن انجع الطرق فى تطبيقه وذلك بإجراء تجربة 1 نموذجية بقرية تازركة وبالعناية فى نفس الوقت بعملة المعامل ووحدات الانتاج فى القطاع المنظم من ناحية وبسكان الارياف والقرى من ناحية اخرى
وهذا المجهود يرمي في حقيقة الامر الى هدف يجمع بين التعليم والثقافة والتكوين الاخلاقي ويلتقى فى هذه الغاية مع كل الجهود المبذولة فى ميدان التربية والتكوين العقلي والفكرى للانسان التونسى حيثما كان
11 ) العناية بوسائل نشر الثقافة فى الجماهير :
(أ) فنون المشاهدة العمومية 1- المسرح يعد المسرح من اهم وسائل تثقيف الجماهير ، وقد كان دائما محل عناية المسؤولين التونسيين بوجه عام ورئيس الدولة على وجه الخصوص
ومن جهة اخرى فان المواطن التونسى لم يكن فى اى وقت من الاوقات معرضا تماما عن المسرح حتى فى عهد الاستعمار والتخلف
ويمكن ان نقول ان الهياكل المسرحية متوفرة نسبيا ببلادنا فهناك مسارح محترمة فى المدن الكبرى على الاقل وهناك عدد من الفرق المسرحية المحترفة والهاوية وتبذل كتابة الدولة للشؤون الثقافية والاخبار مجهودا كبيرا فى اعانة هذه الفرق وفي تركيز الفرق المدرسية بالخصوص والاخذ بيدها . كما تبذل مجهودا فى تكوين الممثلين الناشئين سواء بمركز التكوين المسرحي او بالخارج احيانا .
لكن مشكلة المسرح بتونس هى فى الحقيقة مشكلة المسرحية التونسية . فلقد كان المسرح منذ ظهوره حوارا وجدلا فى شؤون الجماعة التى يبرز فيها ولها . ولذا كان متين الصلة بحياة الامة يواكبها فى تطوراتها ويكون شاهدا على ازماتها ومعبرا عن الامها وامالها ان المسرح هو الحياة ، والحياة جد وجهد مستمر ومعاناة من الامم والافراد
لمنزلتها فى هذا الكون وابراز للفترات والحالات الثرية الزاخرة بمعانى الانسانية من تاريخ الاجيال المتعاقبة . والمسارح هياكل يجب ان يسود الجماهير فيها الخشوع ازاء ما يرونه من ايات الجمال والفن . نعم يجب ان يكون الاقبال على المسرح نوعا من الاقبال على الصلاة ، تلك الصلاة الصادقة التى تنهى عن الفحشاء والمنكر وتزكى النفس من الادران
فهل يوجد اليوم فيما يعرض عندنا من الانتاج المسرحي ما هو كفيل بمثل هذا التقدير والاجلال من طرف الجماهير الشعبية والمثقفين ؟ وهل يجد المتفرج التونسي اليوم في معظم ما يقدم اليه من المسرحيات معالجة للمشاكل الجوهرية التى تعترض امته وهل يلاقي صدى لجهاد شعبه المرير من اجل الحياة الكريمة سواء فى حاضره او فى ماضيه القريب ؟ كل هذه اسئلة بالنسبة للمسرح التونسي تمثل مشاكل لم يقع بعد التوصل الى فضها رغم انها تخامر - فى اعتقادى - كل مسؤول وكل مثقف بهذه البلاد
على ان حل هذه المسائل يكتسى صبغة اكيدة لان الاسراع بايجاد الحلول فى هذا الميدان هو شرط اساسي لبعث السنن والتقاليد المسرحية بين الجماهير ولضمان تطور المسرح التونسى نحو مستقبل زاهر
ومن جهة اخرى فان المسرح بتونس - بالاضافة إلى ضعف مضمونه وموضوعاته فى غالب الاحيان - يشكو ايضا قدرا لا باس به من ضعف الاساليب وجمود الشكل . فبلادنا اليوم تعيش - كما يعيش العالم كله - فترة انسانية ثورية تغيرت فيها الحياة المادية والفكرية تغيرا جذريا وتبدلت مراتب القيم ومقاييس الفن والجمال . ولا بد للمسرح اذا هو اراد ان يواكب الحياة ان يتطور فى مضامينه وفى اساليبه ايضا . ولذلك وجب تشجيع الباحثين عن الاساليب الفنية الجديدة وعن الطرق التعبيرية الطلائعية سواء فى ميدان المسرح او غيره من ميادين الفن
وهنا ناحية اخيرة تتمثل فى ان النشاط المسرحي بتونس يتميز بانه يصطبغ احيانا بشئ من الازدواج - فى العاصمة على الاقل - ذلك اننا نعرض فى كل سنة عددا من المسرحيات الاجنبية تقدم باللغة الفرنسية بالمسرح البلدى . وهذه طبعا ظاهرة طيبة مبدئيا لكنه يجب ان نحتاط لها حتى لا تؤدى احيانا الى شىء من الاخلال بمجهودنا الثقافى
1) يجب ان تكون هذه العروض المسرحية الاجنبية اللغة ذات صبغة تكميلية بالنسبة للحركة المسرحية التونسية التى يجب ان تبقى موضع الجهود الاساسية
2 ) يجب ان يحتاط من مزاحمة هذا المسرح الاجنبى لحركه المسرح التونسي سواء من حيث استعمال اجهزة المسارح او من حيث اقبال الجمهور
3) يجب كذلك وبالخصوص السهر على الا تكون هذه العروض الاجنبية ( الممتازة بحكم تقدم المجتمعات التى انتجتها ) شعورا عند قسم من الشعب بانهم يكونون نخبة ممتازة ولو ثقافيا .
4 ) هذه المسرحيات الاجنبية اللغة لا تثير فى غالب الاحيان قضايا اجتماعية او حضارية قريبة من القضايا التى نلاقيها فى بلادنا او فى غيرها من البلاد النامية وذلك لانها تعبر عن ظروف وملابسات خاصة ببلدان غربية متقدمة ومصنعة منذ طويل فهى من هذا الباب محدودة الفائدة الا اذا كانت تصور نماذج بشرية خالدة صالحة لكل زمان ومكان . اما المتعة الفنية التى تحصل منها للمثقف التونسي الذي حذق الفرنسية فهى ناشئة بدون شك عن عملية تحول مؤقت او دائم الى جو من الحساسية المكيفة والتقاليد الفكرية المركبة بموجب طول ممارسته للغة هذه البلاد الاجنبية وتاريخها واعلام حضارتها
وهذا ليس معناه اننا ندعو الى قطع الصلة بتراث الامم الاخرى وانما هى دعوة الى زيادة في الضبط عند الاختيار ثم هى بالخصوص دعوة الى نقل هذه الاثار الاجنبية الى لغة البلاد حتى تكون حقا موضع انتفاع بالنسبة للجماهير .
وهكذا يتضح لنا بوجه عام ان المسرح يمكن ان يكون من اهم مؤسسات اعداد افراد المجموعة لتقبل الثقافة والتفتح لها فى البلاد النامية اذ روعيت فيه بعض الشروط التى تضمن استمرار صلة الجماهير به واقبالها عليه
2 )السينما
هذا هو الفن الثاني من فنون المشاهدة العمومية . وهو فن حديث لكنه من اشد الفنون اثرا فى الجماهير ومن اجداها فى نشر الثقافة بين افراد المجتمعات وقد عرف الجمهور التونسي الظاهرة السينمائية منذ زمن طويل ويمكن ان نقول ان السينما هى من الوسائل التثقيفية التى تلاقي اقبالا كبيرا من طرف التونسيين عليها على اختلاف درجاتهم الثقافية ومستويات عيشهم .
الا انه يجب ان نشير الى بعض الميزات نجدها فى صلة الجمهور بالانتاج السينمائى المعروض بالقاعات التونسية .
أ ) الجمهور التونسي يستهلك باستمرار انتاجا سينمائيا غير تونسى . ب ) اغلبية الجمهور التونسى تميل الى الافلام ذات الصبغة التجارية وبهذه الصورة فان اقبال عدد كبير من المواطنين على قاعات السينما وكثرة ممارستهم للافلام لا تؤدى الى جميع ما يمكن ان يؤمل من نتائج فى ميدان التثقيف ورفع مستوى المواطن وتربية حاسة الجمال فيه . ويمكن ان نلمس بوضوح فى هذا المثال العلاقة المتينة التى تربط بين
ميدان الفن والثقافة وبين الملابسات الاقتصادية . اذ ان الاقتصار على عرض افلام تثقيفية ذات مستوى جيد لا يمكن اصحاب القاعات من تسديد نفقاتهم فضلا عن الارباح الضرورية لضمان بقاء مشاريعهم وعملها
ثم ان تربية ذوق الجمهور وحمله على الاقبال على الافلام الجيدة العميقة لا يمكن ان يتوفر الا بعرض عدد كبير من هذه الافلام التثقيفية التى ليس من شأنها فى هذه الفترة على الاقل ان تضمن الارباح الكافية حتى ان الامر يكاد يفضي بنا إلى نوع من الدور والتسلسل لا مخرج لنا منه الا بالالتجاء الى توجيه سينمائى مضبوط مدقق
وقد قامت كتابة الدولة للشؤون الثقافية والاخبار بمجهود فى هذا الميدان اذ انها عمدت الى تشجيع الهياكل والمنظمات التى تعنى بالسينما وبنشر الثقافة السينمائية مثل الجامعة التونسية لنوادى السينما وجمعية الشباب السينمائى التونسي وغيرها . على ان المشاكل لا تزال عديدة فى هذا الميدان
ومن جهة اخرى فانه كان من المتحتم على المسؤولين عن شؤون السينما ازاء تحكم جماعات الموزعين العالمين فى السوق السينمائية تحكما كاملا بسبب تحالف الشركات العالمية واحتكارها الافلام ، قلت كان من المتحتم ضمان رصيد من الافلام الكلاسيكية المحترمة يقع اشتراؤها لاستغلالها فى حملات سينمائية تثقيفية تقام في نطاق الشعب الدستورية والهياكل الثقافية الحكومية فى كامل الجمهورية وبالاضافة الى ذلك فقد كان من المتأكد السعى الي بعث صناعة سينمائية تونسية تخدم فنا سينمائيا تونسيا يصور واقعنا ويستجيب لحاجياتنا . ويندرج في هذا المجهود الاخير انتاج بعض الافلام التونسية وبعض الاشرطة الوثائقية
على اننا لجانا احيانا في سبيل الاتصال بانتاج بعض البلاد التى لا تعرض افلامها عندنا الا نادرا لجأنا الى تنظيم اسابيع خاصة بانتاج البعض منها كما خصصت قاعة من قاعات العرض بالعاصمة للافلام التى ليس لها صبغه تجارية بارزة تلك التى تعتمد على الفكرة او على الفن قبل كل شئ
اما المهرجانات السينمائية ذات الصبغة الدولية التى اصبحت تعقد بتونس فانها تقوم على مبدأ صالح لكن بشرط ان يكون فى انعقادها ببلادنا معنى بالنسبة للسينما التونسية اى ان تكون مساهمتنا فيها جدية ومحترمة وان تكون ذات فائدة بالنسبة لقسم كبير من الشعب
(3) حفلات الموسيقى وعروض الفنون الشعبية :
هذا النوع من اهم فنون المشاهدة العمومية او هو فن يجد ببلادنا تجاوبا
عميقا فى نفوس الجماهير بمعناها الواسع . ويعتمد هذا الفن على الموسيقى والانشاد فى الغالب وقد يتخلل ذلك رقص فردى او جماعى موقع لا يشارك فيه الجمهور
وهذه الحفلات موجودة بتونس منذ زمن طويل وهي داخلة فى تقاليد التونسيين على اختلاف اصنافهم . ولكنها كانت عندنا فى القديم حفلات خاصة فى غالب الاحيان تقام فى المناسبات السعيدة داخل المنازل ولكنها لم تكن مجرد حفلات عائلية .
وكانت هذه الحفلات تختص احيانا بصبغة كلاسيكية اندلسية تونسية كما كان يقع بالرشيدية وقد تختص بصبغة شعبية فولكلورية فتعتمد عندها على الايقاع وبعض آلات النفخ القديمة ويكثر فيها الرقص - وقد نجدها تكتسي احيانا سواء فى المنازل او فى بعض الزوايا صبغة دينية واضحة تعتمد على الانشاد والتوقيع على الدف .
اما اليوم فالحفلات الموسيقية تعتمد على فرق عديدة الافراد والآلات ، يقل فيها التخصص فيما عدا بعض القطع الفولكلورية التى يستعمل لها المزمار او المزود بصورة خاصة .
ويمكننا هنا ان نتساءل عن حظ هذه الحفلات والعروض من رسالة التثقيف والفائدة التى يمكن ان تحصل للجماهير من مشاهدتها .
والحقيقة هى ان الخدمة التى يمكن ان تؤديها الحفلات الموسيقية والفلورية بانواعها لسد حاجة الجماهير للثقافة ولتربية ذوقها الفنى قلت ان هذه الخدمة يمكن ان تكون جليلة اذا نحن احسنا اختيار ما نقدمه للجمهور من عناصر الجمال المسموع والمرئى مما يمكن من تدعيم الصلة الطبيعية بين الشعب وبين تقاليده الجمالية فى ميدان الموسيقى والغناء والرقص وهي تقاليد متأصلة فى صميم الشعب التونسى . فكلما كان مستوى الحفلات الموسيقية والعروض الغنائية والراقصة جيدا وثريا كلما كانت الاوقات التى تقضيها الجماهير فى مشاهدة هذه الحفلات والعروض اوقاتا تزيد فى رصيد المتفرج من رقة الاحساس وسلامة الذوق ومن القدرة على الانطلاق إلى آفاق رحبة من السمو ومن اخلاص الانسان لانسانيته فى فترات فريدة تمتزج فيها النفوس وتتحد الارواح وتزول الى حين حدود الزمان والمكان
ولا تكون هذه الاوقات كذلك الا اذا كانت المادة الفنية المعروضة فيها على الجمهور تتسم هى اولا بالاصالة والسمو وتحمل الى الجمهور شحنة من المشاعر والعواطف الرائعة سواء كان ذلك بالنسبة الى الموسيقى الكلاسيكية او الشعبية او العصرية او كان بالنسبة الى فنون الايقاع او المشاهد التعبيرية او الرمزية .
هذه هي اهم فنون المشاهدة العمومية باعتبارها وسائل تساعد علي اعداد المواطن لتقبل الثقافة ويجب ان تكون هذه الوسائل التى ترتكز على فنون المسرح والسينما وحفلات الموسيقى والرقص وغير ذلك من الفنون الشعبية ، قلت يجب ان تكون هذه الوسائل متكاملة متكاتفة فى عملها من اجل بلوغ نفس الاغراض كما انه لا يمكننا اليوم ان نتصور فن المسرح مثلا او الفنون الموسيقية مقصورة فى اداء رسالتها الثقافية على وسيلة الاتصال المباشر بالجماهير في القاعات المخصصة لهذا الغرض . ذلك ان تطور حياة الانسان وتقدم البحث العلمي قد مكن البشر من وسائل جديدة للاتصال ولتلقي المعارف والفنون : اعني بذلك اجهزة الاتصال اللاسلكى من اذاعة وتلفزيون
ب - الثقافة والوسائل السمعية والبصرية : الاذاعة والتلفزة :
تعد الاذاعة والتلفزة اليوم من اهم الوسائل لنشر الثقافة بين الجماهير ورفع مستواها وتتميز هاتان الوسيلتان بانهما من عوامل تلقى الثقافة بصورة جماعية وان كان هذا التلقي للثقافة لا يكتسي في غالب الاحيان صبغة عمومية بل صبغة عائلية .
ويحب ان نلاحظ ان اثر الاذاعة هو الان اوسع فى الجماهير من اثر التلفزة من حيث الكم وذلك يعود طبعا الى قدم وجود الاذاعة ببلادنا وحداثة عهد انشاء التلفزة التونسية كما يعود الى ما حققه العلم من الاكتشافات فى سبيل توفير اجهزة التقاط اذاعية تتميز بصغر الحجم وزهيد الثمن من ناحية كما تتميز بالخصوص باستقلالها عن موارد الطاقة الكهربائية الثابتة التى قد لا تكون دائما متوفرة فى جميع البقاع
على انه قد وقع تلافي قلة عدد اجهزة التلفزة نسبيا وذلك بجعل مشاهدة التلفزة تكتسى صبغة عمومية فى قاعات تابعة للشعب الاشتراكية الدستورية او فى دور الشعب ودور الشباب والمدارس وحتى المقاهى حتى انه يمكن ان نقول اليوم ان التلفزة قد دخلت في تقاليدنا الى حد بعيد .
والاذاعة وسيلة تثقيف جوهرية بالنسبة لمجتمعنا اليوم اذ انها اصبحت تكون جزءا من حياة المواطن التونسى في اى جهة كان من تراب الوطن . ولقد قامت الاذاعة بدور عظيم فى التعريف بالتراث الثقافي القومي سواء كان موسيقيا او ادبيا او تاريخيا مكنت الشعب من ممارسة اثار الكثيرين من فنانينا وادبائنا .
كما ساعدت الاذاعة ومازالت تساعد المواطن التونسى على مواكبة مجهود الامة وتفهم ابعاد الاعمال التى يقوم بها الانسان التونسى من اجل ان يضمن للجماعة البشرية التى تعيش فوق هذه الرقعة من الارض حياة دائمة الكرامة مستمرة التقدم .
ويمكن ان نجزىء الانتاج الاذاعي الحاضر الى الاقسام التالية ( 1الانتاج الموسيقى والغنائى أ ) تساعد الاذاعة اولا على احياء التراث الموسيقى القديم وعلى ايقاظ العواطف إلى ما يتضمنه هذا التراث سواء كان اندلسيا او تونسيا ، حضريا او ريفيا او بدويا من روائع الجمال
ب) من اركان الانتاج الاذاعي الاغنية التونسية الحديثة . وهذه الاغنية فى الغالب نتيجة مجهود ثلاثي يقوم به الشاعر والموسيقار والملحن والمطرب المؤدى
1) كلمات الاغنية التونسية :
إذا اعتبرنا ان الحكم للأشياء او عليها يكون باعتبار النسبة الغالبة عليها فانه علينا ان نقول ان كلمات الاغنية التونسية لا تزال ضعيفة وهذا الضعف يعود في العادة الى سببين لهما علاقة بموضوع الاغاني
الاول منهما هو ان ناظمي الاغاني الغرامية يعجزون فى كثير من الاحيان عن ابتكار المعاني المعبرة عن العواطف العميقة والصور الوجدانية الطريفة فتاتى نصوص الاغاني الغرامية فى الغالب باردة خالية من اى توقد يكرر بعضها معاني البعض ، بل وتأتى التعابير نفسها مرددة معادة مملة .
- اما النزعة الثانية في الاغنية التونسية فهى نزعة تجديدية غير موفقة لانها تظفر بالموضوع ويعوزها الفن الضرورى لابراز الفكرة فى قالب جميل
ومعظم اغاني هذا النوع الثاني تعمد الى الالتزام الاجتماعى او السياسي وتسعى الى خدمة فكرة جديرة بالتقدير . لكنها محاولات تقصد فلا تصيب لانها ترتكز على قوالب ثقيلة لا صلة لها احيانا بالفن بل ان من شانها ان تنفر الجماهير من المعانى التى تدعوهم اليها .
- ويوجد نوع ثالث من الاغاني اشير اليه هنا على سبيل الذكر فحسب وهو نوع الاغنية الفكهة ، ونحن فى هذا الميدان نعيش على رصيد قديم لم يوفق شعراؤنا إلى اثرائه اذ ان معظم ما طلع علينا من جديد فى هذا الباب انما هو انتاج فاتر لا يحرك ساكنا .
على ان هذا لا يعنى ان كل انتاجنا الغنائي غير صالح لكنى اقصد ان نسبة الاغاني الجيدة من حيث الكلمات هى نسبة ضئيلة
2- التلحين
لقد اظهر الملحن التونسي في عدة مناسبات انه قادر على وضع الحان فى مستوى جيد تتجاوب مع مشاعر الجمهور التونسى وتحرك عواطفه
لكن الملحنين التونسيين يميلون فى كثير من الاحيان الى حلول السهولة بل ان بعضهم لا ينظر الى عمله الفنى بكامل الجد فينشا عن ذلك كسل وانتاج يتميز بالقلة وعدم التعمق والبحث
وهذه ظاهرة خطيرة بالنسبة لمستقبل الشعور فى الجماهير التونسية . فقد بقى ذوق الجمهور التونسي مكيفا مدة طويلة بما يتهاطل عليه يوميا من الانتاج الغنائى الشرقي . ولقد اراد المسؤولون التونسيون تحطيم هذه الدائرة المفرغة بايقاف هذا الغزو وفسح المجال امام فنانينا . فاذا هم لم يحسنوا الاضطلاع برسالتهم في هذا الباب ولم يغتنموا هذه الفرصة السانحة فانهم سوف يعتبرون مقصرين فى حق انفسهم وفى حق ثقافة امتهم
ج ) توجد بالاضافة الى هذا الانتاج الغنائى والكلاسيكى والحديث بالاذاعة محاولات قليلة فى تاليف المعزوفات الموسيقية التعبيرية المتأثرة احيانا بمنهج الموسيقى الغربية . كما توجد محاولات طيبة فى ميدان تاليف الابيريت وموسيقى المصاحبة .
11 الانتاج المسرحي بالاذاعة والتلفزة .
المسرحيات التى تقدم للجمهور عن طريق الاذاعة لا تختلف كثيرا عن معظم ما يقدم بقاعات المسرح من حيث الموضوعات . فهى فى الغالب مسرحيات اجتماعية متوسطة القيمة الفنية او قطع من نوع الكوميد بتخذ فيها الاضحاك غاية فى حد ذاته وقد تصاحبه دروس اخلاقية مباشر او غير مباشرة . وسواء تحدثنا عن المسرحيات الطويلة او عن المنوعات المسرحية او عن المسلسلات المختلفة فان اعظم عقبة نصطدم بها هي مشكل التأليف وقد رأينا ذلك في حديثنا عن مشاكل المسرح ، والحقيقة هى انه ليس لنا اليوم فى تونس كتاب مسرحييون بالمعنى الصحيح انما اقصى ما نجده فى هذا الباب هو بعض افراد من الممثلين او من رجال التعليم او من مختلف الموظفين يهوون الكتابة المسرحية ويستعملونها كوسيلة اضافية للارتزاة يستعينون بها علي مواجهة متطلبات الحياة المادية
وفيما يتصل بالاذاعة والتلفزة فان هناك الى جانب مشاكل التاليف مشكلة الاخراج الاذاعي والتلفزي ومستوى الممثلين وقدرتهم على حسن اداء ادوارهم
على ان تجربة الاذاعة والتلفزة فى هذا الباب قد اوضحت ان توفر الانتاج المسرحي الجيد والمستوى الفنى الجيد فى الاخراج والتمثيل يمكن من الوصول الى عرض تحف فنية رائعة على جمهور الاذاعة والتلفزة ( مثلما كان الشان بالنسبة
إلى بعض مسرحيات الشهر التى اخرجها محمد عزيزة او بعض المسرحيات المتلفزة ) .
111 البرامج الادبية بالاذاعة :
الاحاديث : تتعرض في غالب الاحيان الى الحركات الادبية والفكرية التى ظهرت ببلادنا خلال فترات مختلفة من تاريخها . وتوجد احاديث لها صبغة اشمل من الادب التونسى تتعرض الى نواح طريفة من تاريخ الفكر العربى بوجه عام . كما تقدم الاذاعة احاديث فى التاريخ التونسى والفن المعماري والتقاليد الاجتماعية ببلادنا
2) البرامج الثقافية : هي منوعات ومناقشات وعروض ادبية وثقافية وفنية تعرض بالخصوص الاحداث الفكرية التى تعيشها البلاد اليوم من خلال ما يصدر من نشريات وما يقدم من مهرجانات مختلفة
وان كان دور الاذاعة فى تتبع الحياة الفكرية فى الميدان الادبى والمسرحى مثلا دورا هاما فان للتلفزة امكانيات اوسع فى عرض مظاهر الحياة الثقافية فى ميادين الرسم الفني والحفلات الموسيقية والعروض الفلكلورية وتاريخ الفن المعمارى والاثار وحتى النشاط السينمائى
كما يمتاز جهاز الاذاعة والتلفزة بكونه مدرسة لنشر اساليب العمل الثقافي بين اجيال الشباب سواء عن طريق حصص الاطفال او عن طريق حصة " هواة الادب " .
ويجب ان لا ننسى في ختام هذا العرض السريع ان حصة مثل حصة المرأة هي ايضا في كثير من الاحيان ذات اثر ثقافى لا ينكر بالنسبة الى مستمعيها
ملاحظة :
فى ختام حديثنا عن الوسائل السمعية البصرية يجب ان نشير الى وسيلة ثقافية هامة - وهي سمعية لا بصرية - يمكن ان يكون لها مستقبل زاهر فى بلادنا اعنى بذلك وسيلة الاسطوانة الثقافية . وقد شرع بعد فى اعداد العدة لاستغلال هذه الوسيلة التثقيفية الهامة على نطاق واسع
ج الثقافة والوسائل المطبوعة : النشر والتوزيع لقد كان الكتاب منذ القديم رمزا للثقافة فى كل الحضارات العظيمة ، ولكن فكرة الكتاب كانت دائما فى القديم مقترنة بفكرة النخبة الاجتماعية . فقد كان الكتاب في القديم مخطوطا نادرا لا تقدر على التصرف فيه الا الخاصة من العلماء واولى الامر
وحتى بعد الثورة التى حدثت مع اكتشاف الطباعة وتعدد الكتب فان الكتاب يصب النخبة القادرة على القراءة والكتابة اما جماهير الاميين فلم يكن للكتاب عندها وجه استعمال مفيد
وفي مجتمعنا اليوم ، وباعتبار نظرتنا الى الثقافة على انها جهود متكاملة متظافرة ترمي الى غرض واحد ، فان للكتاب قيمة كبيرة جدا .
فمن الاكيد ان يفرض الكتاب التونسي نفسه على الجماهير فى هذا الظرف بالذات .
فالكتاب التونسي كتراث صورة من حضارتنا العريقة وثقافتنا الاصيلة يجب ان تبرز الى الوجود
والكتاب التونسي كحاضر صورة من واقعنا الذي نعيشه ، من جهادنا وطموحنا وامالنا صورة يجب ان تبرز وان تبقى آية من آيات منزلة الانسان فى هذا العصر
والكتاب التونسي محاسبة لانفسنا واشراق كاشف لنا مراحل مسيرتنا . والكتاب التونسي اخيرا فرض لوجودنا وبناء لتبادلنا الثقافي مع غيرنا من الشعوب على اساس التعادل والتكافؤ والافادة المشتركة ، بدلا من الخضوع للغزو الفكرى والقناعة بمنزلة المستهلك البسيط
ولكي يكون موقع الانتفاع بحركة نشر الكتاب التونسي عظيمة فانه لابد من الاتجاه معا الى مصدرين :
1) التراث التونسى المخطوط :
توحد بالبلاد التونسية عشرات الالاف ان لم نقل مئات الالاف من الكتب التونسية المخطوطة . ويوجد قسم كبير من هذه المخطوطات بمكتبات خاصة على ملك افراد .
ويبدو ان هذه المخطوطات التى هى على ملك خواص تتميز بقيمتها العظيمة حتى إذا قيست بانفس ما يوجد فى المكتبات الحكومية ، وذلك لانها خلاصة قرون من الاختبارات ولاسباب اخرى يطول شرحها .
وانه من ابسيط واجبات هؤلاء الخواص ان يسمحوا لمصالح الدولة المختصة بهذا الميدان ان تقوم بتصوير هذه المخطوطات على اشرطة تحفظ بدار الكتب الوطنية مثلا وتزيد فى تسهيل نشر هذه الكتب التى هى تراث للمجموعة
2) حركة التاليف الادبي بتونس :
اقل ما يقال في الكتابة الادبية بتونس انها ليست غزيرة . ولئن بدت منذ مدة بوادر نهضة أدبية فانها ما فتئت بوادر محتشمة .
والجدير بالملاحظة ان اكثر الادباء انتاجا او على الاقل اشهرهم انتاجا منشورا هم الشعراء اذ اننا لا نفتا نرى بين الفينة والأخرى ديوانا يبرز الى الوجود .
اما كتاب القصة الطويلة فهم قليلو الانتاج رغم ما رصد لهم من التشجيعات المادية والجوائز . فعدد القصص الطويلة التى نشرت لا يتجاوز العشر فيما اعلم . اما المسرحية التونسية فعبثا تحاول العثور عليها فى اسواق الكتب
والغريب انك كثيرا ما تسمع المسؤولين عن دار النشر يعبرون عن رغبتهم فى الظفر باثار الادباء التونسيين المعاصرين لنشرها . ثم يحدثك اكثر من كاتب او شاعر عن كتبه المخطوطة التى يتمنى ان يراها مطبوعة فى ايدى القراء غير انه يبدو ان كثيرا من كتابنا وخاصة منهم الناشئين انما ينظرون الى بنات افكارهم بعين الهوى التى لا ترى سوى المحاسن
3) الادب التونسى والمجلات :
لقد قامت المجلات الثقافية والادبية منذ زمن طويل بدور هام جدا فى تاريخ الحركة الفكرية ببلادنا ، ومكنت عددا كبيرا من كتابنا من تادية رسالتهم الانسانية حتى فى عهود الاستعمار رغم صعوبة الظروف وقلة الوسائل وقد بقيت اسماء بعض هذه المجلات لامعة فى الافق الثقافي التونسى كالعالم الادبي والمباحث والندوة والتجديد
واليوم ومنذ فجر الاستقلال السياسي تقوم الحركة الفكرية والأدبية بتونس على كاهل مجلة هي اكبر مجلات تونس وهى " مجلة الفكر " التى استطاعت ان تكون رمزا للعمل الثقافي الجدى المبنى على طول النفس والساعى الى رفع مستوى الانسان
وان فى دوام هذه المجلة واستمرارها لرمزا وبشرى لمستقبل الثقافة والادب بتونس لان الحركة الادبية التونسية لم تكن فى يوم من الايام مفتقرة الى شئ كافتقارها الى طول النفس
ويجب ان نشير هنا الى نشأة مجلات دورية مختصة بفن من فنون الادب واهمها مجلة قصص الفتية .
4) الثقافة والمجلات المختصة ببعض الاصناف الاجتماعية .
يوجد عدد من المجلات المختلفة تقوم بدور هام بنشر الثقافة فى اوساط
معينة من المجتمع التونسي تتوجه اليها بالذات فمنها مجلات اتحاد الشباب التونسي ( وهما مجلة " الشباب " ومجلة " عرفان " ) وغيرهما . الا ان هذه المجلات ليست ثقافية صرفا ولكن دورها هام ودقيق بحكم خصائص الجمهور الذي تتجه اليه . ومثل هذه المجلات شديدة الحاجة الى عناية اهل الذكر بها والى اعانة المسؤولين اياها
5) التوزيع ، وظيفة ثقافية :
لا معنى لنشر اى انتاج ادبى او اى تراث ثقافى اذا لم يعقبه مباشرة توزيع شامل وسريع بين جماهير المستهلكين وذلك هو الاساس لعملية نشر الثقافة .
والناحية التجارية فى التوزيع هامة لكنها ليست الغاية الجوهرية التى تخضع لها سائر العوامل ، فعملية التوزيع هي وظيفة ثقافية يجب ان تستجيب لحاجة لدى الجماهير . فمن واجب جهاز التوزيع ان يكون دائما محتاطا لتلبية هذه الرغبة الجماهيرية فى احسن الظروف مناسبة لها . اى ان لا يكون ذلك قبل قيام هذه الرغبة ولا بعد فتورها
د بنوك الثقافة : المكتبات والمتاحف (والمعارض)
هذا هو القسم الرابع والاخير من وسائل نشر الثقافة فى الجماهير . وقد اطلقنا عليه هذا العنوان لان المكتبات والمتاحف هى فى الحقيقة مستودعات لحصيلة تراث الامة فى مختلف مراحل تاريخها فى ميادين المعارف والفنون ولكنها ليست مستودعات لتجميد هذه الكنوز بل هى ايضا مصارف تضع على ذمة الجميع كل ما انتجته عبقرية الاجيال الماضية والحاضرة ليكون موضع تبادل واستفادة ومصدر حياة متجددة مستمرة ، ومصدر ثروة متزايدة مع كل جيل .
1) المكتبات : دور تعلم وتثقف وعمل
- المكتبات القارة ، مكتبات كبرى محورها المكتبة الوطنية التى يجب ان نتميز بالشمول ودقة التنظيم ، وحولها مكتبات الكليات وغيرها من المكتبات المختصة بالاطفال او غيرهم
ويجب ان توجد مكتبات بكل المدن والقرى تتناسب مع الوظيفة التى يجب ان تقوم بها .
- المكتبة المتجولة : فى شكل حافلات متنقلة تمر بالارياف والقرى الصغيرة بعد فترة معينة وتمكن السكان من استعارة كتب مختلفة لمدة معينة .
وهذه المكتبات المتجولة هى نوع من اقتباس الاسلوب التجارى لغرض ثقافى اذ هي تقوم بزيارة الاماكن البعيدة لتوصل الى سكانها هذه البضاعة الثقافية التى اصبحت حاجتهم اليها كحاجتهم الى الماكل والملبس
2) المتاحف :
هى تاريخ حي وحضارة الاجيال تحدث عن نفسها والمتاحف فى الغالب قارة لا تتنقل بسهولة لذلك فانه ينبغى الاكثار منها فى كل مكان وحث الناس وخاصة الشباب على التردد عليها والتفاعل مع ما تحتويه من نفائس تاريخ الامة واعلام مجدها .
وانه ليحسن ان نخصص قسما من المتاحف المركزية الكبيرة للانتاج الفنى المعاصر
وبمناسبة ذكر هذه المؤسسات التى يحفظ فيها تراث الامة فانه تجدر الاشارة إلى اهمية العمل الذى تقوم به مصالح كتابة الدولة للثقافة والاخبار لجمع التراث الشعبي من شعر واغان وقصص فى البطولة واساطير شعبية نلمس فيها روح الشعب عن كثب ونقف على حياة اعلام الكفاح المليئة بمعاني الانسانية العميقة .
3) الرسم ومعارضه :
توجد بتونس حركة نشيطة فى ميدان الرسم الفنى وتعتمد هذه الحركة بصورة عامة على جماعة من كبار الرسامين التونسيين الذين يميلون غالبا في رسومهم الى النزعة التشكيلية وهؤلاء الجماعة يكونون ما يسمى بمدرسة تونس للرسم
اما موضوعات لوحات هؤلاء الرسامين المشهورين فهى تونسية اجتماعية فى غالب الاحيان لكنها تتميز فى الغالب باعتمادها على ابراز الواقع الاجتماعى في الماضي القريب او البعيد
اما الحاضر المتفتح على المستقبل فانا لا نجده غالبا كموضوع فى اللوحة بل يجب النفاذ اليه احيانا فى الاساليب وطرق التعبير الفنى ذاتها .
وبجانب ممثلى مدرسة تونس للرسم فانا نجد من الرسامين الشبان من نهج مسالك جديدة اكثر تحررا واميل الى النزعة التكعيبية او الفوق واقعية وهؤلاء الرسامون ما زالوا بصدد البحث عن طريقهم وعن مطابقة فنهم لحياتهم وحياة مجتمعاتهم وحياة البشرية فى هذه الظروف الصعبة التى تعيشها ويمكن ان نقول ان فن الرسم من الفنون التى تحتاج الجماهير الى تربية
طويلة للاقبال على مشاهدتها وتذوقها خصوصا فى اتجاهاته الحديثة . ومهما يكن من امر فان جماهير الشباب والكهول المثقفين قد بدأت منذ زمن تظهر تاثرا بمعارض الرسم وتفاعلا مع تياراته ببلادنا وان فى ذلك املا يبشر بمستقبل مزدهر لهذا الفن الذى لم يدخل الحضارة العربية الاسلامية الا حديثا . هذا وان فى عفوية اتصال الجماهير باللوحة الفنية وفي اثرها المباشر وقدرتها على مخاطبة الافكار والارواح ما يحتم علينا ان نولى هذا الفن كل عناية وتقدير
قسم 11 : جعل الثقافة فى متناول الجمهور
ان ابرز ما يمكن ان نستخلص من حديثنا عن ميادين النشاط الثقافي ووجوهه ان العمل الثقافي عمل جد متشعب يتطلب الشمول والاستمرار معا .
ولا يمكن ان تكون الجهود في هذا الميدان الا جهودا جماعية منسقة حتى تقرب من الهدف وهذه الجهود تحتم تشريك كل القوى الحية فى هذه الامة فى عمل موحد متعدد الوجوه من اجل النهوض الثقافى .
ومن اجل ذلك عمد المسؤولون عن مصير هذه الامة الى تجنيد جميع الطاقات لهذا العمل كما اختاروا ان يكون هذا المجهود يسير حسب قواعد اللامركزية التى تجعل من كل جهة من الجمهورية مركزا للاشعاع الثقافي يساهم بقسطه فى بناء هذا الهيكل العظيم
1 اللجان الثقافية :
هذه الخلايا التى تعتبر كل منها نواة للحركة الثقافية بجهتها تقوم بدور هام في تنظيم جوانب العمل الثقافي بالاعتماد على حاجيات الجهة وظروفها مع تنسيق هذه الخصائص الجهوية ولكن كثيرا من هذه اللجان لم تؤد مع الاسف الدور المرتجي منها لاسباب سوف توضحها المناقشات بدون شك مع المجهود القومى العام
11 النوادى الثقافية :
تقوم بعمل ثقافى هام يتمثل في بعث حركة ثقافية محلية بواسطة وسائل التثقيف المختلفة كالمحاضرات والافلام المناقشة والعروض الفلكلورية واستعمال المكتبة الخ .
111 فروع المنظمات القومية :
تقوم فروع اتحاد الشباب التونسي ( الجهوية والمحلية ) وفروع الاتحاد النسائى وغيرهما من المنظمات بنشاط ملحوظ في ميدان الثقافة ، بمختلف الجهات . وتجدر الاشارة هنا الى ان دور الشباب تعتبر مراكز نشيطة للعمل الثقافي
بانواعه خصوصا باعتبار هذا النشاط تمرينا على اساليب العمل الثقافي لا عملا فنيا مكتملا .
- الشعب الدستورية : لها ايضا نشاط ثقافى متواصل يمكنها فى كثير من الاحيان من الاشعاع المرجو حتى فى النطاق المحلى
- دار الشعب او دار الثقافة : مؤسسة ثقافية جامعة . دار الشعب او دار الثقافة هي خلاصة المجهودات التى يبذلها المسؤولون على مختلف المستويات وفي شتى الميادين . وهي مركبات ثقافية ( بما في كلمة المركب من معنى صناعى اقتصادى ) مفتوحة فى وجه الجماهير للاخذ بيدها ورفع مستواها وخلق ذلك الجو المكهرب المشع من الثقافة الحية الاصيلة المنبعثة من اعماق الانسان والمشحونة باشواقه وافراحه ومآسيه
فالثقافة فى جميع مظاهرها مبنية على اتصال الناس فيما بينهم على صعيد الفكر وعلى صعيد العاطفة وعلى صعيد التبادل . ودار الثقافة يجب ان تكون بقعة من هذه البقاع التى يحيط بها الاجلال والخشوع ، لا اجلال الاحتكار وخشوع القلة بل اندفاع الحب فى صدور الجماهير والجموع الحاشدة التى تقبل على هذه الدار اقبالها على الحج والتطهر
ودار الثقافة باعتبارها نواة لحمل ثقافى نريده ان يكون جبارا وسريع الاتحاد يجب ان تكون جامعة لميادين الثقافة تجد بها الجماهير المسرح كما تجد بها السينما وتجد بها الموسيقى كما تجد بها الفلكلور وتجد بها معارض الرسم كما تجد بها الكتب والمجلات وتجد بها الاسطوانات كما تجد بها المحاضرات . فجوانبها متعددة بتعدد الحاجيات الثقافية التى ترمي الى تلبيتها لدى الجماهير
ومما يجب ان تمتاز به دار الثقافة بالنسبة الى غيرها من مراكز العمل الثقافي هو ان تكون مظاهر الثقافة فيها وما يعرض على الجماهير من النوع الراقى المتكامل لا من نوع تجارب الهواة فى مختلف ميادين الثقافة كما قد بجوز ان يقع فى دور الشباب مثلا باعتبار ذلك تدريبا على الاساليب الثقافي وطرق العمل الفنى
فالطابع الغالب على دار الثقافة يجب ان يكون دوما طابع " الجودة والخلق " وبهذه الصورة فقط يمكن المحافظة على المستوى الثقافي الرفيع الذى نحن فى حاجة اليه بالرغم عن حركة الانتشار الواسع والسعى الى الشمول ، فلا يكون توفير الكم على حساب الكيف
خاتمة :
هذه اهم مظاهر الحياة الثقافية الحاضرة فى مجتمعنا حاولت ان اعرضها فى شئ من التبويب تسهيلا للبحث
واهم ما يمكن ان نستخلصه من هذا العرض ان كل المسؤولين فى تونس يشعرون تمام الشعور باهمية الظاهرة الثقافية بالنسبة الى حياة الامة
ولذلك فان الاختيارات الاساسية للمجهود الثقافي الذى يبذله الحزب والحكومة هي اختيارات مركزة على نظرة شاملة مفتوحة على المستقبل وعلى منطق سليم اذ ان الهدف الاسمى هو تمكين جميع افراد هذه الامة من الثقافة الراقية الاصيلة فى اقصر الاجال
لكن بلوغ هذا الهدف لم يتحقق بعد - مع الاسف - كما انه سوف لن يتحقق بعد ايام قلائل وهذا امر طبيعي ، اذ هو رهين المجهود الواعي المستمر والكفاءات الجيدة والتمويلات الضخمة التى لا يمكن ان تكون الا على آجال
واقصى ما يمكن ان نطالب به انفسنا اليوم هو ان يكون كل فرد منا شاعرا بمسؤوليته عاملا على ان يكون كل يوم يمر خطوة الى الامام نحو الهدف الجماعى .
نعم علينا ان نعمل جميعا لتحقيق ثقافة تتسم بطابع الحياة وتستجيب لحاجياتنا الفردية والاجتماعية وتعبر بصدق عن منزلة الانسان التونسي اليوم فى جهاده على تحجر الحياة فى نفسه وفى مجتمعه وفى ارضه .
ان المجتمع التونسي يعيش اليوم فترة تفجر وتفتح فى الميادين الاقتصادية والاجتماعية وغيرها . وجدير بثقافتنا ان تكون ممارسة لهذا التفتح فى الافاق وان تكون تعبيرا صادقا لهذا الاتساع فى ابعاد حياتنا الجديدة . فان نحن وصلنا إلى مثل هذا الانسجام والوفاء بين عالم افكارنا وعالم اشيائنا فقد بلغنا اسباب الفوز واصبح كل واحد منا مقتدرا على تسخير الطبيعة والاقدار لمشيئته التى هى مشيئة الامة ومشيئة الانسان . ومن بلغ هذه المرتبة فقد بني مجد امته وساهم فى بناء مجد الانسانية وفى تقريبها من السعادة المنشودة .

