ههنا تتمثل قدسية الحرف وطهارة الكلمة ونور العرفان لتؤدى رسالة من اقدس الرسالات الانسانية الخالدة ولتشق للبشرية سبيل الخير والخلاص والمعرفة ، اذ ان ومضة من ومضات المعرفة ليوشك سناها المقدس ان يضارع الرسالات الالهية لتخليص الانسان من لعنة الجهل - وهل اقسى من لعنات لجهل على القلوب المظلمة التى ضرب عليها الظلام باقفاله الفولاذية المنكرة ؟ !
ان المصباح الذى يحمل المربى فى قلبه لتربو اضواؤه على ضوء المصباح الذى حمله الفيلسوف اليونانى " ديوجين " فى القرن الرابع قبل الميلاد ذلك الفيلسوف الذى قال - عند ما سئل عن سبب حمله لذلك المصباح فى رابعة النهار : " انى ابحث عن رجل " ولكن ديوجين قد حمل المصباح للبحث عن رجل " جاهز تام " واتى البيوت من غير ابوابها فاخطا التوفيق ولو ان ذلك الفيلسوف جلس الى كل مرب لابصر فى قلبه الكبير مصباحا تشع منه الانوار وقال له - فى تواضع - : " انا لا ابحث عن انسان ... بل اصنع الانسان "
وان تونس الفتية لفى حاجة جد اكيدة لمن يصنع المستقبل المشرق الواعد بالاف الوعود الطيبة . وان الآمال الباسمة ليمكن لها ان تتجسد وتتحقق اذا ما صادقت قلوبا نيرة واعية مؤمنة واشرقت عليها شمس المعرفة وغمرها مصباحها النير الوضاح .
انتم يا ابناء تونس وبناتها يجب عليكم ان تغترفوا من معين العرفان وتنهلوا من منابع الثقافة ، بذلك تحبون اوطائكم بل تصلون بها الى مرتبة العبادة والتقديس ، وان الكوة التى تفتحونها على عقولكم وقلوبكم لتتسرب انوارها الى كل زاوية مظلمة من زوايا الوطن فتزيل اوبئتها وتبيد حشراتها وجراثيمها السامة الفتاكة فينهض الوطن من كبوته وينفض عنه آثار الذلة التى خلفتها عهود مظلمة ليواكب ركب الحضارة الصاعد فى قافلته النورانية نحو غد مشرق
ايها الاخوان ان المثقفين - لاجيال خلت - كانوا يقومون بدور يشبه الى حد كبير دور " سيزيف " الذى تقول عنه الاسطورة اليونانية الميثولوجية ان رب
الارباب ( زوس ) قد ابتلاه بان يظل - ابدا - يدفع صخرة عظيمة الى راس جبل عال وكلما بلغ بها القمة انحطت متدحرجة الى السفح فيستانف دفعها الى الاعلم وهكذا يظل صاعدا منحدرا ابد الدهر ، وهكذا كان مثقفونا حتى ليكادون بشبهون الدائر فى حلقة مفرغة ان فى كل واحد منهم لتتمثل مأساة سيزيف المؤلمة .
يكفى ان نقوم بدور سيزيف ولكن متى اوصلناكم الى القمة يجب الا تعودوا لتقوموا بدورنا - فقط - بل عليكم ان تنطلقوا الى ما فوق القمة ... ان ترتفعوا بامتكم وبلادكم .
نحن لا نريد ان تتناسخ فينا دائما روح سزيف بل يجب علينا ان نصل الى مرتبة الامم الراقية المخترعة التى تمتاز بفتوحاتها العلمية المذهلة .
وان على كواهلكم - يا شباب الغد - ليجب ان تقام صروح المستقبل العظيم قد يقول بعضكم : " وماذا عسانا نفعل ونحن شعب صغير يحتل رقعة صغيرة من ارض الله الواسعة " وهذا القول فى الحقيقة - هو عين الخطا اذ ليست القوة فى الكثرة واتساع الرقعة بل القوة القوية فى الايمان وضوء المعرفة والثقافة
انظروا الى بلاد اليونان - فى عهودها القديمة - ومعظمها جزر متفرقة . كيف استطاعت - بفضل ثقافتها - ان تؤثر على الامم الكبيرة المجاورة لها والبعيدة عنها
بل انظروا الى فينيقيا التى وهبت للعالم ( الحرف ) فعلمته اثمن شىء فى هذا العالم وبفضل ذلك الحرف استطاعت ان تمد سيطرتها على بقاع شتى من البر والبحر . . . ثم تدرجوا باذهانكم فى مراحل التاريخ الى ان تصلوا الى عهد غير بعيد عنا فسترون ان اوروبا - وهى رقعة صغيرة نسبيا قد كان جزء منها يسيطر على الصين وشعبها الذى يبلغ ستمائة مليون نسمة ، ولم تكن سيطرته عليه لكثرته وقوته المادية بل لقوته العقلية والثقافية حين كان هذا الشعب الكبير يرزح تحت كابوس الجهل وبالامس البعيد امتدت قوات هذا الوطن الصغير - عندما كانت قرطاج ثانية اثنتين قوة وحضارة - الى روما - مزاحمتها فى سيادة العالم - فقفز حنبعل ذلك البطل العملاق بجيوشه الجرارة وفيلته المطهمه فوق جبال الآلب فانزل الرعب حيثما نزل وظل اسم قرطاج . مدة طويلة يفزع كل من سمعه فى ذلك الربوع .
وهكذا ترون ان اصابع هذا البلد الصغير قد امتدت الى اعظم دولة فى العالم وقتئذ واذاقتها المر والهول .
وما زال التاريخ يقف مشدوها امام عظمة حنبعل وعبوره الآلب . . وما زال المؤرخون يشيدون باستبسال هذا الشعب الصغير والدفاع عن ارضه عند ما هوجم من طرف روما . . . ومازالت قرطاج - رغم تهديمها واحراقها - تشهد لهذا الشعب بالاصالة الفنية والعلمية والهندسية والعمرانية . . . .
وبعد هذا فانا ارجو ان اكون صادق الاعتقاد فى انكم لن تتخاذلوا في بناء صرح وطنكم وسوف لا يتملككم فتور فى النهوض ببلادكم وسوف لا تخذلكم قلتكم وكثرة الاعداء ما دمتم سائرين فى طريق النور والمعرفة والثقافة من اجل هذا الوطن الذى يجب ان يردد كل واحد منكم فيه هذه الابيات :
موطنى اكوام ورد وزهور
موطنى وكر فراش وطيور
موطنى يعشقه الفل ويهواه العبير
موطنى فى موكب الشمس يغنى ويسير
موطنى عش حمام
وتسابيح سلام
واغاريد غرام
وربى عطر وزيتون ونور
جنتى تفديك احلامى وآمالى وقلب ويدى
فى ثراك العذب اطياف من الماضى الندى
وعلى آفاقك العليا خيالات غدى . . .
وانا شيخ كبير
جنتى قد عرفت يومى وكم هامت بامسى
رققت قلبى واحلامى وآمالى وحسى
ستظل - الدهر - محرابى والهامى وقدسى
فهى نبع من غناء وشعور
انت يا ملهى شبابى ومجالات ظنونى
فرحة الزهر كاشواقى وعرس الياسمين
وهتافات لخيالات حنين
واغاريد تهادتها الطيور
انت يا اقصصوصة كم رويت عن عاشقين
نسجتها الفرحة الهيمى لقلبى هائمين
لم يزل شوقهما يسرى بجذعى نخلتين
انت احلى من حكايا الحب فى القلب الغرير
انا فى مصباحك الوضاء زيت احترق
طالما شيدت ابراجا من الوهم على هذا الورق
طالما ذوبت روحى فى ثرى ارضى العبق
فليمت قلبى اذا ما لم يكن زيتا ونور
يابلادى ليتنى افراح فلاح فقير
ليتنى بسمة ملاح تهادى فى سرور
ليتنى عزم قوى ابعث الآتى النضير
ليتنى فى ساعد العمال عزم لا يخور
ليت لى ان اطلع الآتى كما يهوى خيالى
فاصوغ الفجر فجر المجد من معنى النضال
فيشيع النضر والالهام فى كل مجال
ويهب الغد بساما كافراح الزهور
يا بلادى . . . هللى فى موكب النصر الكبير
فالغد المشرق افراح وآمال ونور
اى لحن سرمدى الوقع صخاب الهدير
"موطنى فى موكب الشمس يغنى ويسير "
