إن ما دابت عليه المجتمعات المتقدمة اليوم من وضع لمخططات مضبوطة من شأنها أن تنهض بجميع ميادين الحياة وتحقق أكبر ما يمكن من المشاريع الإنمائية قضت بأن يتجه التعليم اتجاها يستجيب لهذه المقتضيات . كما ان الواجب الذي فرضته هذه المجتمعات على نفسها والمتمثل فى ضمان الشغل للاجيال المتعاقبة أضفى على برامج التعليم صبغة عملية ومنحى يتصف بالجدوى والفاعلية . ذلك أن التعليم وبالتالى كل تكوين أصبح ينشد من ورائه كل متلقن له شغلا يضمن له العيش الكريم وحياة الرفاه ليكون مواطنا بأتم معنى الكلمة يمارس واجباته ازاء نفسه وأسرته ووطنه فى حرية وشعور بالمسؤولية بعد أن مارس حقه فى التعليم والشغل والصحة وغيرها .
إلا أن هذه المجتمعات المتقدمة أصبحت تشكو من وطأة سوق الشغل على برامج التعليم وخاصة منها التعليم العالي بحيث اضطر القوم الى التضحية بكل ما ينتسب الى الثقافة العامة وخاصة شعب الآداب والعلوم وعملوا بقول أحد أبطال تمثيليات موليار وهو البورجوازى كريزال الذى كان ينادى بين " النساء العالمات " ( Les femmes savant " يعيش بالأكلة الطيبة لا بالكلام الحميل " ( je vis de bonne soupe et non de beau langage
وفي تونس المستقلة التى عرفت بالاعتدال وركزت مستقبلها ومستقبل أجيالها على التعليم قرأنا الحساب لكل هذا وأصبحنا نعمل لا محالة على ان ضمن لكل متعلم ومتكون شغلا يوفر له العيش الكريم فى نطاق مشاريعنا الإنمائية الناهضة بمجتمعنا اقتصاديا واجتماعيا ولكننا لم نرض بذلك فقط إذ جعلنا للتعليم وخاصة التعليم العالي أهدافا سامية من شأنها أن تحافظ على القيم الحضارية والإنسانية وان تعمل على تنميتها فى نطاق الاحياء المستمر للذاتية والثقافة القوميتين
وهذا يعنى اننا فى تونس أولينا الثقافة منزلة كبرى واتجهنا بقدر امكانياتنا الى ضمان حق الثقافة لكل مواطن وجعلنا منها عنصرا أساسيا في اكتمال الذات الفردية والجماعية لانه بها يزدهر الفرد فى الاتجاه الذي رضيه لنفسه ورام المساهمة بفضله فى بناء وطنه الاصغر ليشارك فى تشييد صرح الحضارة الانسانية .
وليس هذا بجديد في تونس من يوم أن بعث السيد رئيس الجمهورية وزارة الشؤون الثقافية التى عملت على ايجاد الهياكل الاساسية وزرع الحاجة الى الثقافة فى نفوس المواطنين فعممت دور الثقافة والشعب فى اغلب المناطق وأنشأت المكتبات وشجعت على خلق الفرق التمثيلية ورعت الفنون عامة وأسست دور النشر وأولت الكتاب فضل عناية ، ووسعت فى الشبكات الاذاعية والتلفزية وجهدت في نشر الانتاج السينمائى وتنميته .
وليس من الغريب اذن أن تنشأ أجيال من التونسيين على حب الثقافة وممارستها وان تبحث دائبة على استهلاك المادة الثقافية والتهالك عليها كيفما كانت وأيا كانت وهذا من شأنه أن يدفعنا جميعا الى التفكير فى استجابة الانتاج الثقافي الى ظاهرة الاستهلاك النهمة التى تتفاقم من يوم لآخر وتتجه فى بعض الاحيان اتجاهات لا نرضاها .
ولا مجال أن ننصح في هذا الباب الى الحد من الاستهلاك لاننا بذلك نكون قد خرجنا عما داينا عليه وارتضيناه سياسة لنا . وإنما دعوتنا تتجه الى التفكير فى عنصر الانتاج الثقافي والنظر الى امكانيات توفيره كيفا وكما وهذا هو جوهر الموضوع .
ذلك أن المادة الثقافية ليست بضاعة خاضعة لما تخضع اليه البضائع الاخرى على الاقل فى طور الانتاج . لأنها تقتضى وجود منتج من جوهر خاص وطينة مثلى هو الخلاق الذي يحمل بين جنبيه نفسا أرق من النور وتعتمد فى مهجته أسمى القيم التى بها يتماسك المجتمع وعلى أساسها يكتب له الدوام وبفضلها يقتعد مكانه اللائق بين مجتمعات الدنيا .
ولا يمكن ، اذا تحدثنا عن الخلق في الميدان الثقافي ، أن ننسى أن العناية يجب ان تنصرف الى الخلاق ذاته ، نبعثه الى الوجود ونبحث عنه ونرعاه ونوفر له ظروف الابداع والابتكار . ولست من أولئك الذين يقولون بأن الخلاقين
يظهرون من العدم وخاصة العبقريين منهم إذ التاريخ لم يذكر لنا حالة واحدة ظهرت فيها المعجزات الثقافية في فترات الجدب والكبت الفكرى والضحالة وإنما هو المجتمع ينمو ويتفاعل بعضه مع بعض بمحاسنه ومساويه ثم يفرز الطاقات الخلاقة فيضطهد بعضها من دون إخماد صوتها ويحتضن البعض الآخر فى جدلية عجيبة . فان رشيق مثلا وابن خلدون والشابي لم يظهروا فى مجتمعات راكدة متخاذلة بل كانت من ورائهم رغم الظواهر ، بيئات متحركة تواقة الى النمو ، مؤمنة ومحبة أو كارهة رافضة فى طبقاتها الحاكمة وغير الحاكمة للثقافة وأهل الثقافة .
لهذا فانه ليس من لغو الكلام أن نقول بأنه من واحبنا ان نبعث الخلاق إلى الوجود ونبحث عنه ونرعاه ونوفر له ظروف الابداع والابتكار : أن نبعثه الى الوجود بالاعتماد في برامج تعليمنا على كل ما ينمى فى أجيالنا الصاعدة روح الخلق والإبداع والابتكار ويجعل المادة الثقافية عندنا لا تنادى الى الاستهلاك فقط بل تحمل بين طياتها الدعوة الى الخلق والعطاء .
وكذلك نبحث عن الخلاق ونرعاه ونوفر له ظروف الانتاج بجملة من الاجراءات تتخذها الدوائر المسؤولة لهذا القصد وهي عارفة بها والسيد رئيس الجمهورية فى قراره بالترفيع من ميزانية وزارة الشؤون الثقافية يعنى هذا أو أكثر .
على أننا لا نقصد بهذا ان نجعل من الخلاق إنسانا مدللا غير راشد بل نريد ان تكون مرتبته فى المجتمع ليست دون مرتبة من له دور هام ورفيع فى بناء نونس الجديدة كرجل السياسة ورجل الاقتصاد وغيرهما .
وهذا يقتضى من الخلاق شعورا أوفى بالمسؤولية وروحا نضالية مثلى ومعرفة أعمق بالمجتمع بها يمكن له أن يفرض وجوده وان يساهم فى حل مشاكله النوعية وان يجبر غيره على ايجاد الظروف الملائمة له ليخلق فى حرية ويبدع فى إيمان بدوره فى المجتمع فيجلب بذلك الاحترام والتقدير والتبجيل والاعجاب .
وبهذا تكون الثقافة قد أدت دورها في صقل عقول الاجيال الصاعدة وخدمة المجتمع التونسي أجل خدمة حتى لا يكون فقط مجتمع استهلاك بل مجتمع الخلق والابداع والابتكار .

