الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

الثورة الكبرى

Share

لا شك ان الاسلام ( * ( احدث فى الامم العربية وغير العربية ثورة تعد من اروع ما عرفت البشرية من الانقلاب

ولئن كان للفرس والروم والهند من الاخلاق والنظم والرقي الفكرى ما يميزها عن العرب قبل البعثة المحمدية " فالجاهلية ، كانت تعم العالم باسره فلا حكمة الهند تعصمهم من اشتمال معنى الجاهلية عليهم ولا حضارة فارس ولا علوم الروم اذ " الجاهلية " غير الجهل ومفهومها غير ما يقابله العلم والمعرفة بل لا يقابله الا " الاسلام " فى معناه الاصح

ذلك ان " الجاهلية " معنى للحياة ولون للمجتمع البشرى يتصف به من كان لا يدين الا بالقوة الغاشمة يخشاها عند ذويها ويسلطها على من استطاع تسليطها عليه والمثل الاعلى فى مجتمع هذا ديدنه يمثله بيت عمرو بن كلثوم احسن تمثيل اذ يقول - وكم ردد الاقوام قوله :

الا لا يجهلن احد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا

وتصفح تواريخ الامم واسال الصحف عن اخبار البشرية في طويل آبادها عساك تجد امه سنت لنفسها شرائع فى الحياة يكون الرمز لها والمثل الاعلى  نقيض  صهيل عمرو بن كلثوم فانك عبثا تبحث لان الانانية والعصبية والقهر ما فتئ البشر يخضعون اليها ويدينون بها وان سموها حمية او وطنية او حرمة وقد تدعو الديانات الى ما يصبو اليه العقل الحكيم لكن دعوتها وان زكيت فلم يكن للبشرية من نفعها نصيب يذكر . فماذا اغنى بني آدم ان دعت المسيحية الى التسامح وخفض الجناح والرحمة مكان القصاص

لكن اعتبر الاسلام وتبين كنهه وحقيقة لفظه ومفهوم رمزه وقارن بينه وبين " الجاهلية " تر انه ما أتى به الا لمحو تلك الجاهلية بابطال مغزاها وابداله بالمغزى الذى هو مغزى الاسلام الحق

فالاسلام معناه المسالمة والسلام لا الاستسلام كما قالوا ولا يتم معناه الا  بمقابلته بجهالة الجاهلية . وان رابك من ذلك ريب فابتغ له القول الفصل في هذه الاية : " وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما

هم اولاء الجاهلون امثال عمرو بن كلثوم وامامهم عباد الرحمان يقولون لهم سلاما ولا يقابلون الجهل منهم بالجهل . فاعتبر

وليس شأن الاسلام كاليهودية والمسيحية اذ هو لم يعن بالروح ومصيرها فى الآخرة فحسب بل كان همه الاول حياة الناس الدنيا - نقوله وان كره الكارهون : فلقد سن للناس شرائع دنياهم وجعل من قبائل العرب أمة واحدث فى قاحل ارضهم دولة لها نظمها وشعارها ونظر فى امرهم وفي ما بين امرهم وامر غيرهم من الامم واعلن الاخاء بين البشر ولم يعلن من قبله ولا من بعده فى ما علمنا وتلك هى الثورة الكبرى . فلقد جعل من تباين البشر سببا للتقارب والاخاء قائلا للناس

. . انا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " . ولئن نزل الوحى فى أمة العرب فان نبيهم حذرهم الغرور فقال : " ايها الناس ان الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بالاباء . ليس لعربى على عجمي فخر الا بالتقوى كلكم لآدم وآدم من تراب " . وهكذا كون أمة من عدم اركانها الايمان والتقوى لا العصبية والمصالح فجاءت فى العمران البشرى مثلا اعلى حق لخالقها ان يقول لها : " كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر . . . " .

ان المفكر الحر المتجرد من التحيز الى القوم والتعصب للدين يقف من تاريخ العرب والاسلام وقفة المتسائل هل ان هذه الامة كانت كما وصفتها الآية ام لا . ويسأل التاريخ ويستنطق الواقع ثم يحكم ولا اخال مفكرا نزيها يقرر ان المسلمين أدوا الامانة فكانوا خير أمة . . . والتاريخ يشهد

فنحن اذن بين امرين اثنين لا ثالث لهما . أما ان نقر بان المسلمين لم يؤدوا الامانة واما ان نحتار فى امر هذه الآية والواقع يخالفها فلا هم خير أمة ولا هم يأمرون بالمعروف ولا هم ينهون عن المنكر اذا ما فهمنا الامر والنهى باشتمالهما على الائتمار والانتهاء بادىء ذى بدء .

ثم هذه الثورة الكبرى وقد كانت ورأينا انها كانت فماذا فعلوا بها ؟ وماذا  آل اليه عندهم امرها ؟ لقد اختصموا فى سقيفة بني ساعدة والنبى لم يدفن بعد وكانت خصومتهم رجعة العصبية القبلية الجاهلية اذ الانصار يمنية  والمهاجرون عدنانية والعداوة بين عدنان وقحطان قديمة ظن الاسلام انه محاها

بالدعوة الى الاخاء . ولقد احدثوا بعيد ذلك الحدث الاعظم بقتلهم عثمان فكان فاتحة " الفتنة الكبرى " التى لم يمح أثرها الدامى فى الاسلام يوما . وقد يعللون فعلتهم تلك بالذب عن عدالة الاسلام ومساواته ومقاومة محاباة القرابة وهل علموا - سامحهم الله - أن صح مزعمهم - ان كان لعثمان راي في تشييد دولة لا تقوم الا على " عصبية " فاختارها لها فاتخذ له ولدولته " عصبية " من بنى جلدته . فلعل عثمان اول خليفة فكر فى اقامة صرح دولة فى الاسلام وقد حقق ذلك بعده اهل عصبيته بنو أمية . ثم كانت سلسلة من الاحداث هددت كيان الاسلام بله روحه فقد كاد ينساه القوم بل لعلهم نسوه : ذلك انك تترك حروبهم وجدالهم وتنازعهم وتفرقة كلمتهم وانخذالهم وتنظر الى ما هو صميم الدين الى اعتقادهم وتفهمهم الدين والاسلام واذا بك ترى بعدا عن الاسلام بعيدا . واذا ما قدرت هذا البعد بقيس معتقدهم ووهمهم  وتهافتهم  بما كنا  بينا من روح  الاسلام ومغزاه علمت ان الثورة لم تكن الثورة الكبرى . وعندئذ عليك ان تبحث عن السبب فى ذلك علك تهتدى الى الاستنارة فتعلم لمن الذنب هل هو ذنب الاسلام عجز عن هدف رامه ومثل ادعاه أم الذنب ذنب المسلمين اما نحن فقد ادعينا عليهم عدم اداء الامانة فقلنا قولنا

تلك هى قصة الاسلام والمسلمين والثورة الكبرى جاءهم بها فعطلوها

فما سر اجرامهم وما سر الاخفاق وهل فى ذلك عبرة ؟

ان ميزة الاسلام النبوة . بل الاسلام هو النبوة . فالذى احدثه فى الناس من عارم الانقلاب الفكرى والاجتماعي لا يمكن ان يكون فى الفترة القصيرة التى كانت فترته الا على طريق " نبوة " تأمر وتنهى وتعلم وترشد فيأتمر القوم وينتهون ويعلمون ويرشدون وذلك هو تقبل النبوة ولن يتم امرها ولن تكون الثورة الكبرى الا اذا كان منهم الامتثال المستميت . ولقد علموا ذلك علم من كان يؤمن بنقصه . علموا انهم يصلون بقوتهم الضعيفة وبعقليتهم الصغيرة وبفكرهم الخطل الى ما فتح الوحى اعينهم عليه من شاسع الآفاق فى عالم الكون والانسان والاخلاق والمعاني . فرضوا بالامتثال فقالوا او أمروا فقالوا " سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير "

وبذلك كفتهم النبوة مؤونة كدح الفكر فى الزمن الطويل . فأنزل عليهم الوحى منا من السماء فتقبلوه شاكرين واقبلوا عليه يلتهمونه التهام اللقمة الباردة السائغة فأغفلوا منها ما لم يكن ثمرا لذيذ الاجتناء

ذلك ان المسلمين لم يفهموا امر النبوة أو هم فهموا منها ما أرادوا أن يفهموا وما زينته لهم منها انفسهم فرأوا فيها المن والسلوى ورأوا فيها النعمة من رب غفور رحيم لكنهم أبوا ان يروا فيها المسؤولية وحمل العبء الثقيل بل والعمل المخلص . رأوها مطية لعيش رغد فى الدنيا ومثال سعيد فى الآخرة

فاستبشروا وتباشروا وتمتعوا فى العاجلة وتواعدوا بالفوز فى الآجلة وكانوا كما وصفهم شيخ المعرة متمثلا بقوله تعالى : " وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين " . حمدوه على غبطتهم . حمدوه على تيسير أمر دنياهم وآخرتهم بأن نالوا ووعدوا فيهما " اللذة القصوى "

فهل منهم من فهم من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر غير الامر والنهى فائتمر وانتهى قبل أن يأمر وينهى ؟ وهل منهم من ايقن ان " النفس المطمئنة " نفسه هى هى النفس الامارة بالسوء " فحذرها دون ان يطمئن الى اطمئنانها

ههنا فى الاسلام مبدأن هما  كنه النبوة اذ عليهما يقوم الصرح صرح المجتمع فى اصلاح الانسان ما بنفسه واصلاح ما بغيره اعتمادا على صلاح نفسه فيكون لغيره المثال والقدوة . هذان مبدأن  هما اسمى ما تتسم به شريعة فغيروهما وعبثوا بهما واستباحوا بعنوانهما ما لا تحصى من الاثم والجناية فكانت الفتن والحروب فى قساوتها وفظاعتها . وكانت الانانية والانهماك فى ارضاء الشهوات وجرهم ذلك الى انتهاك حرمة اسمى ما جاء به الاسلام من مبادئ وهو قوله تعالى " ولقد كرمنا بني آدم " وعبثهم بكرامة الانسان كانسان امر غريب الشان عجيب

بيد ان المسلمين اشد الناس حرصا مع ذلك على استقامة احوالهم وفزعا من انحطاط امتهم وغيرة على مبادئ دينهم السامية فلم تعرف أمة ما عرفه المسلمون من وعاظ ومحتسبين ونعاة على الجبابرة والفاسقين ورثاء لتقلص ظل مملكتهم ودوس الاعداء حرمتهم والنيل من كرامتهم وما انفكت يوما تثور حميتهم فى غليان قد لا يوافق احيانا ركود القوم وضعفهم

ذلك لان تلك الثورة كانت قد كانت فلم تمح من اذهانهم طيلة تاريخهم ولم يطمئنوا يوما الى انها قد خابت واخفقت فأملهم دوما حى وثقتهم فى الفوز فوزا  نهائيا قوية راسخة وهو من اعاجيب الاسلام والمسلمين على مدى تاريخهم فاذا اقبلت على هذا الامل وهذه الثقة بالتحليل - وهما ما نجي الاسلام من  الاندثار - رايت ان السر فى ذلك هو النبوة ايضا او شئ كالنبوة . نقول هو شىء كالنبوة لعلم المسلمين ان محمدا آخر الانبياء فلا نبى بعده . فمن  يا ترى على يده يكون الاحياء والبعث والثورة او رجعة الثورة ؟ هنا قد يشارك المسلمون غيرهم من امم كثيرة فى انتظار المنقذ لهم مما هم فيه من سيء الحال . فلقد انتظر اليهود " مسيحا " وما زالوا ينتظرون . وهم ايضا قد هدهدتهم امنية طالما تحققت لديهم فارسل الى انقاذهم الانبياء تلو الانبياء اما  المسلمون فقد اغلق عليهم باب النبوة بعد ان تذوقوا لذيذ طعمها فما كان ليضورهم ذلك اذ سرعان ما فشت فى اوهامهم فكرة المهدى المنتظر يأتي وقد امتلأت الارض ظلما وجورا فيملاها عدلا وانصافا

وكان ما كان من جراء هذا الحلم وهذا الانتظار . فكلما قام قائم وادعى الاصلاح تبعه من المسلمين من تبعه فاحدثوا الفتنة والتفرقة . ويكبو القائم وينهزم ويفتضح امره فيظهر ادعاؤه جليا لكن ذلك لا يمنعهم من استجابة داع يدعوهم بعده وآخر ثم اخر وما ذلك الا لانقيادهم الى من يرقبون منه صورة للنبوة وان كانت ضئيلة وقد يحجم عقلاؤهم عن هذا وينهونهم ويحذرونهم عاقبة  الاغترار بدعوة الكاذبين المدعين لكن هؤلاء العقلاء انفسهم لم يشذوا عن القوم فى انتظارهم " نبوة " فى صورة مصلح يرسله الله على رأس كل الف سنة لاصلاح ما بأمته اى لاعادة جنات النعيم عليهم لا " لتحريك السواكن " من بينهم واعتقد ذلك الامام الغزالى وغير الغزالى ولذا ترى المسلمين أسرع الناس الى تلبية دعوة الداعى الى الصلاح . ونجاح المصلحين فى الامة الاسلامية مدى تاريخها يدعو الى الاعتبار وان قصر اجل فوزهم غالبا فمات بموت القائم لاعراض القوم عن الامر اذا غاب صاحبه وقد تنبأ لهم القرآن بذلك عندما حذرهم قائلا : " وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم . . ولعل سر هذا النجاح وسهولة انقياد المسلمين الى كل مصلح داع الى الرشاد ظاهرة من ظواهر امر وخم مؤسف  بينما قد يظنه الغافل ظاهرة محمودة من ظواهر الصلاح : فلقد تكون ظاهرة صلاح لو كانوا فى تلبيتهم دعوة الداعى عازمين على العمل معه مثله لا على التوكل عليه والاقتصار على مؤازرته وان ابلوا فى تلك المؤازرة البلاء الحسن . فموقفهم من المهدى أو مدعى الامامة وموقفهم من المصلح الموعود به او المصلح القائم بين اظهرهم هو موقفهم من النبوة . موقف سلبى يرجو من " النبى " او القائم مقامة ان يعمل دون ان يروا وجوب " العمل " على كل فرد منهم عملا مخلصا لا يرجو صاحبه من ورائه جزاء ولا شكورا بل هو ليس العمل تلبية وامتثالا انما هو العمل اندفاعا ويقينا فى اخلاص لا يكون الا اذا كان بينك وبين نفسك . وهذا هو العمل الذى جاء فيه قوله تعالى : " وقل اعلموا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " وهذا العمل ليس مجرد الانتصار الى نبى او امام او مصلح او زعيم انما هو العمل اليومى الفردى والجماعي الذي يجعل من الثورة الثورة الكبرى

فأنت ترى انه قد كانت الثورة وكانت حقا الثورة الكبرى او قل انها كادت تكون الثورة الكبرى : فقد القيت اليهم النبوة فلم يحسنوا فهمها ولم يؤدوا الامانة فان كانوا مسلمين فهل هم مؤمنون ؟

والتاريخ يعيد نفسه احيانا لان البشر بشر على مر الدهور وقد يتاح للناس بين الحقبة والاخرى ثورة فيها فوزهم اذا ما عرفوا تقبلها فجعلوا منها الثورة الكبرى اى الثورة الحق

واعتبره حولك وما الحق منك ببعيد .

اشترك في نشرتنا البريدية