الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الثورة فى الشعر التونسي المعاصر

Share

اذا كانت الثورة هى التغيير الجذرى الطارىء على الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على غرار ما حصل في فرنسا سنة 1789  وفى روسيا سنة 1917 ، واذا كان الشعر المعبر عن ذلك التغيير هو الممهد أو المواكب والدافع له على صعيد الفكر والرؤية ، صادرا فى كل ذلك عن ايديولوجية ما فانه يتعين علينا استعمال لفظة " ثورة " ومشتقاتها بشئ ما الاحتراز ، وخاصة فيما يتعلق بالعهد السابق للاستقلال . وهذا الاحتراز ضرورى فى القيام باية دراسة عن الشعر العربي عموما . ذلك ان محتوى كلمة " ثورة " فى شعرنا كان الى عهد غير بعيد أقرب الى مفهوم كلمة Rèvolte تمرد منه الى مفهوم كلمة Rèvolution التى يقتضى استيعابها ثقافة عصرية شاملة وممارسة فعلية للنقد الاجتماعى والثقافي وهو ما لم يتوفر لشعرائنا من اجيال ما قبل الاستقلال

ثم ان الثورة بمعنى التمرد والعصيان والمقاومة وارادة التحرر وما تقتضيه من حماس وحمية ، لم تمارس فى الشعر ضد الحكم الفاسد المسؤول عما تتخبط فيه الامة من جهل وفقر ، وظلم ، بل كان خروج الشعر العربى من الخصوصيات الضيقة والقوالب الموروثة الى الشمول والوعى مرتبطا اساسا بظاهرة الاستعمار

ولم تكن الامة العربية فى البداية تعى بما فيه الكفاية ما يمثله الاستعمار من خطر على روحها وتراثها وقيمها وخصائصها وانما كان المستعمر قبل كل شئ هو العنصر الدخيل على جسمها وانه لمن الطبيعى ان يولد فيها ظاهرة رفض

فيزولوجية ان صح هذا التعبير . ولقد كان الشعر لسان ذلك الرفض ينشط المقاومة ويقيها انكماش الخوف وخدر التعود

وعلى كل فان الشعر الحقيقى ليس فى نظرنا ما استجاب لقواعد الثورة كما قننها المنظرون والساسة ، وانما هو شعر الاستفزاز والتحدى لكل ما هو ليس بشعر ، أى لكل ما هو مخالف للقيم التى يتضمنها مفهوم الشعر

ولئن حددنا بحثنا هذا بالفترة الممتدة من سنة 1920 الى السبعينات فانه من باب الانصاف ان نشير الى ان اول شاعر تونسى عالج القضية الوطنية فى شعره هو محمود قابادو المولود سنة 1812 والمتوفى سنة 1871 أى قبل انتصاب الحماية الفرنسية بتونس بعشر سنوات . ومعلوم ان الشاعر الواعي يتحسس الاحداث ويتوقع ما تخبئه الاقدار . ولقد كان يحس محمود قبادو بالخطر المتمثل فى تواجد القوى الاستعمارية الفرنسية بالجزائر ، فحذر الطامعين الذين كانوا يتربصون بتونس فى أبيات قد تدعو الى الابتسام اليوم ولكنها تنم عن صحو وعن حيرة لم تكن تخالج الا القلة القليلة من معاصريه يقول :

لا تقربوا الخضراء ان رجومها          مرصودة وكفتكم الغبراء      

واذا أبيتم فابشروا بصواعق            غير التى يطفى لضاها الماء (1)

ثم ينتقل من التلميح الى التصريح :

قل للفرنسيس المجاور أرضنا                      ما قبلكم نطحت أسودا شاء

لكنها احلام سلم قد مضت                              ستريكم تأويلها الهيجاء (2)

ولكن محمود قابادو لا يغتر بهذا النفس العنترى فهو يدرك ابعاد الثورة الصناعية الاوروبية التى يعايشها ، لذلك كان يعتقد ان ضمان المناعة والعزة موقوف على اليقظة والعمل والاخذ باسباب التطور ، اذ يقول فى ابيات دالة رغم ثقل أسلوبها وجفاف نظمها :

فمن لم يجس خبرا " أربا " وملكها                  ولم يتغلغل في المصانع فهمه

فذلك فى كن البلاهة داجن                          وفي مضجع العادات يلهيه حلمه

لقد فاتنا فى بادئ الرأى صوبنا                    وأشفى لعمرى ان يفوت ختمه (3)

وكان ما كان ومد الاستعمار الفرنسى ظلاله الثقيلة على تونس ولم تعترضه الصواعق التى بشر بها فلقد كان الشعب كمية مهملة والحكام بملذاتهم لاهين بيد ان نخبة من رجال الاصلاح ما فتئوا يستقضون المضاجع ويحركون السواكن ولم تلبث الاختمارات الفكرية ان تمخضت عن تأسيس الحزب الحر الدستورى سنة 1920 أى بعد الحرب العالمية الاولى التى استعجلت خطى التاريخ وبلغت بالوعى القومى حدا مكن من بعث تنظيم سياسي يعبر عن مطامح الشعب ويعبئ الطاقات من أجل تحقيقها ومما ساعد بلا ريب على تركيز هذا الحزب وعلى انتشار دعوته ، انضمام الشاعر الشاذلى خزندار ( 1881 - 1954 ) الى صفوفه الاولى ابان انبعاثه ولا أدل على أهمية هذا الانخراط من انتخاب الشاعر عضوا باللجنة التنفيذية وتلقيبه " بشاعر الخضراء " قبل ان يبايع أميرا للشعراء

ثم ان انتماء الشاذلى خزنه دار لحزب وطني يمكن اعتباره ثورة فى حد ذاته ، اذ لم يكن فى اصل هذا الشاعر ولا فى نشأته ما يؤهله او ما يهيئه ليلعب مثل هذا الدور السياسى الشعبى ، فالرجل منحدر من عائلة ارسطوقراطية اقل ما يقال فيها انها كانت متواطئة مع النظام الحاكم وقد ربي بمعزل عن ابناء الشعب ، فى بيته تعلم ودرس فقد كان والده (( مقتنعا بنظرية الابتعاد عن كل الاوساط عاليها وسافلها خشية العدوى أو التأذى بما فيها من شرور )) (4) ثم ان الشاعر تزوج بأميرة ، وبفضل هذه المصاهرة انخرط في سلك ضباط القصر وليس يسيرا ان يعرض رجل من طبقته عن الجاه والوجاهة ، وليس سهلا ان نخترق اصوات البؤساء والمحرومين وبر القصر الذي يعيش فيه فاذا بالسيد يهب للدفاع عن المستعبدين وليس قليلا ان يقضى في السجن 15 يوما وان يجرد من وظيفه من اجل كل ذلك :

قالوا حبست فقلت ليس بضائرى                   حبسى وفوق الرأس تاج مفاخر

زعموا بأن لدى خطة ضابط                            ونسوا بأن لدى خطة شاعر

ها اننى بالرغم عني قائد                                    ما بينهم لكن بدون عساكر

سبحت جيوشى تحت اعلامى نعم                       لكنها فى بحر شعرى الزاخر

قد كنت احمل ذلة لاخطة                           حتى ترانى خاجلا من ناظرى (5)

وهكذا يخلع الرجل زى الضابط لعدم التوافق مع ((خطة الشعر )) وانه ليشعر بالارتياح والفرح فقد ظفر بما كان يريد اى بالعودة الى جوهره فيقول :

هذى الحياة شريفة وتلذ لي                             ولها خلقت وطار فيها طائرى

ان شئت كان الشعر سيفا قاطعا                   او كان - ان احببت - كنز جواهر(6)

لقد كان السجن فرصة نادرة التقى فيها الشاعر بذاته وبتونس الحبيسة مثله فأحس بما تحس وازداد اقتناعا بضرورة العمل من اجل تخليص الوطن المستضعف :

سلا تونسا عني وعنها سلانيا                          أناما بها ادري وتعلم ما بيا

سجنا معا فازداد كل صبابة                       وما غاب كل عن اخيه ثوانيا

أعد لنا الحساد بالسجن خلوة                       فزدنا التحاما عندها وتشاكيا(7)

وتخلص الشاعر نهائيا من القيود الخاصة التى كانت تكبله فتفرغ للشعر ، وليس من المبالغة فى شئ ان نقول انه كان اول شاعر تونسى معاصر أدرك بعمق متطلبات رسالة الايقاظ التى تلقيها المرحلة التاريخية على عاتق الشعراء ولعله من المفيد ان نستمع الى احد زعماء الحزب آنذاك معبرا عن تصور القيادة السياسية للشعر المناضل . يقول محيى الدين القليبي في المقدمة التى كتبها للطبعة الاولى لديوان خزنه دار(( ان للشعراء مكانتهم فى كل انقلاب وجد على وجه الارض )) (8) لكنه يحكم بعدم جدوى ضرب من ضروب الشعر (( صرف عن الغاية منه الى مقاصد وأغراض خاصة ربما اخرجته عن وظيفته وباعدت بينه وبين مهمته فصار ليس بشعر )) (9) ثم يتخلص المقدم الى صاحب الديوان مشيدا باسهامه فى تغيير ما بقومه بعد أن غير ما بنفسه ، فيقول (( قد امتاز

هذا الأخ بالشعر الفحل والتعبير الجزل والقول الفصل والحكمة البالغة والحجة الدامغة والحماس المنبه (...) والوعظ المؤثر والنصح الخالص ، وهو على كل ذلك جندى المعركة وابن الوسط واخوه وهو احد مصادر التطور والانقلاب الذي يتمخض به هذا الوسط )) (10) .

حكمة وحجة وحماس ووعظ ونصح ! أهذا هو الشعر ؟ تلك مسألة اخرى سنشير اليها خلال هذا البحث . ان ما يهمنا ان نعرف هو ان الشاذلى خزنه دار قد جمع كل الخصائص التى كانت مطلوبة فى الشعر التونسي خلال العشرينات فقد احتلت الموضوعات المتصلة بالمعركة الوطنية وبالاصلاح الاجتماعى ما يزيد عن نصف ديوانه ، اذ كان منتبها الى كل ما يجرى حوله من احداث تمس بواقع افراد الشعب وبمصيرهم ولعل قصيد (( واقعة سوق الاربعاء )) من أحسن قصائده شكلا ومضمونا وهو يصور عملية تعسفية قام بها احد المعمرين الفرنسيين بسوق الخميس (بوسالم اليوم ) التابعة لمركز المراقبة المدنية سوق الاربعاء ( جندوبة اليوم ) . وخلاصة الحادثة أن عاملين من عمال ضيعة (( دومانيفال )) قد امتدت ايديهما صبيحة يوم عيد الاضحى من سنة 1922 الى بعض عناقيد العنب من كروم الضيعة فأمسك بهما المعمر وامر بصلبهما وأيديهما مشدودة الى الوراء وبقيا على هذه الحال ساعات طويلة وقد نالت السياط من ظهريهما حتى اشرفا على الهلاك فأخذا الى المستشفى حيث قطعت احدى يدى كل منهما نتيجة ضغط الوثاق ، وقد نددت الصحافة التونسية بهذا التصرف السادى الذى يتجاوز حدود الاجرام العادى اذ فيه احتقار وامتهان لمادة بشرية اسمها (( اندجان )) أى أهليون ، كما تناول عدد من شعراء الفصحى والدارجة هذا الموضوع فكان لهذه الحادثة صدى واسع بكامل انحاء البلاد وسخط الشعب وثارت ثائرته فضاقت بذلك سلطات الحماية وارتكبت . فلنستمع الى الشاذلى خزنه دار يصف العاملين الصليبين وما ذاقاه من عذاب ونكال :

يهتز صوتهما الرنين                             بين التهدج والانين

... يتوجعان ولا مغي                           ث ولا رحيم ولا معين

... متدليان كلاهما                          قد شد بالحبل المتين (11)

ويستغل الشاعر هذه الحادثة وما تنطوى عليه من وحشية للرد على ما يدعيه المستعمر من عمل تمدينى وتربوى فيما استولى عليه من اقطار :

(11)ديوان خزنه دار ، ج 1 ص 39 .

هدى دروس قد روي                             ناها عن المتمدنين

نعم الاساتذة الفطا                              حل والمدارس والفنون

تملى فتمتلىء المحا                               جرو المدامع والجفون

سلنا فنحن شروحها                             سلنا فنحن لها متون(12)

والقصيد يختلف عن القصائد التى قيلت فى نفس الموضوع ونفس المعنى ، اذ اجتنب فيه الشاعر التقريرية الجافة (13) التى نجدها عند شاعر عصامى مثله سخر قريحته هو أيضا للتشهير بجرائم المستعمر ولاستنهاض العزائم وزرع بذور التحدى والمقاومة ، هو سعيد ابو بكر(1948 / 1899) الذي نكتفى هنا بهذه الاشارة اليه نظرا الى تخصيصه ببحث فى هذا الملتقى (14) ونظرا كذلك الى الحدود التى التزمنا بها فى هذا العرض ، فانه يحسن بنا الاقتصار على تقديم الشاذلى حزنه دار باعتباره رائد الشعر الوطنى الكلاسيكى بلا منازع فيما بين الحربين العالميتين ، وقد عكس فى قصائده كل الاهتمامات التى كانت تخامر أمثاله من الشعراء . وقبل الانتقال الى تقديم لون آخر من شعر الايقاظ والتحسيس ، نشير الى سهر الشعراء على حراسة مقومات الذاتية القومية ووقايتها من الاضمحلال والذوبان ، من ذلك موقف الشاعر من قضية هامة عرفت بقضية التجنيس فقد فتحت السلطات الاستعمارية باب التجنيس امام التونسيين مغرية اياهم بتمتيعهم بامتيازات الفرنسيين المقيمين بتونس وكانت كثيرة مجحفة ، ولم يخف على القوى الوطنية ما فى هذه الدعوة من محاولة استيعاب المتعلمين التونسيين ومن خطر يهدد بمسخ الهوية وبالقضاء على الشخصية التونسية ، وقد تصدى الشاذلى خزنه دار الى هذه المحاولة فنظم ما سماه (( بنشيد التجنس )) على بحر المجتث وجعله متكونا من لازمة ودور وواضح ان الشاعر اعده للتحلين حتى يحفظه جمهور المواطنين ويتغنوا به وبذلك تقوى المقاومة وتشتد ، ضد هذه المناورة :

                                 لازمة

لست المبدل جنسى                               كلا ولا اتردد

ان كان يرضى الفرنسى                       فليس يرضى محمد

                                   دور

قالوا التجنس كفر                               فقلت : اقبح كفر

فأنت قبله صفر (15)                         وبعده تحت صفر

لم تجد بيض وصفر                            تعطيكها ام دفر

قلب المجنس قفر                              بل حالك اللون أسود

                              دور

من منكم جنسوه                              ماذا استفاد لعمرى

في جنسهم الحقوه                              كالواو ظلما بعمرو

مذبذبا صيروه                                  به الفريقان يزرى

ضاعت عليه بنوه                          فشمله متبدد ( 15 مكرر )

وكان لهذا الشعر على بساطته اثر كبير فى استثارة غيرة الشعب وحميته وكان ان شبت معركة انتصرت فيها القوى الوطنية وباءت محاولة التجنيس بالفشل . وعندما اندلعت معركة السفور والحجاب اثر ظهور كتاب (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) للطاهر الحداد ( 1899-1935 ) ساهم الشعراء فى الخصومة ( 16 ) فمنهم من انتصر للمؤلف مثل الشيخ سالم بن حميدة وسعيد ابى بكر وعبد الرزاق كارباكه ومنهم من ناوأه ونادى بالتمسك بالحجاب مثل ابى الحسن بن شعبان والطاهر القصار ومصطفى آغه . فماذا كان موقف الشاذلى خزنه دار الشاعر المسموع اكثر من سواه فى ذلك العهد ؟

بالرغم من معاداة الحزب (( لبدعة )) الطاهر الحداد ومن مناداة الزعماء بالمحافظة على العادات والتقاليد بما فى ذلك الحجاب باعتبار ذلك مظهرا من مظاهر الذاتية القومية ، وبالرغم من شدة المحافظة فى البيئة البرجوازية التونسية التى كان ينتسب اليها الشاعر ، فانه لم يتمالك من ان يساند حركة

تحرير المرأة بصراحة معرضا نفسه الى امتعاض رفقائه فى النضال والى استنكار ابناء طبقته ، اذ قال :

حجبوك يا اخت الغزالة بينهم             انى يكون على الشموس حجاب

هذى يطير الكون اشراقا لها                  عجبا وهذى بالشروق تعاب

وقضي الزمان بما قضى وتقطعت             من اجلها برقينا الاسباب

اني أحاشى الدين عن ارهاقها              من دوننا : فلتفتح الابواب (17)

ولا عجب فى ان يتجرأ خزنه دار فيشذ عن الخط السياسي وما يفرضه من انضباط فيناصر المرأة ، ذلك انه ادرك منذ الطفولة اهمية ان تكون المرأة متعلمة ففي قصيدة (18) نظمها بمناسبة بلوغه السبعين من العمر واستعرض فيها كل أطوار حياته ومطلعها :

تذكرت ايام الطفولة والصبا                     وان هى فى شيخوختى انتثرت هبا

يذكر لنا انه تعلم القراءة والكتابة عن امه فاطمة وعنها درس كتب الادب والتاريخ فقدحت فكره وألهبت شعوره الوطنى :

وعن فاطم امى اخذت دراستى                     وعنها تعلمت الكلام المركبا

اطالع سفر الالف ليلة عندها                    ومستطرفا ايضا وان كان اصعبا

ومن صحف التاريخ والفتح هيأت                 لنفسي شعورا رافق القلب ملهبا

وان ديوان خزنه دار ليفاجئنا احيانا بافكار تعتبر تقدمية فى عصره فقد كان مثلا يؤمن بالتطور فى كل شئ داعيا الى التخلى عن التقاليد البالية فيقول :

مضي زمان تقاليد نقدسها                        ولا نشاهد ما فيها من الخلل

وللتقاليد آجال محددة                        وكل عصر وما فيه الى أجل (19)

وقد لا نبالغ اذا قلنا ان الشاذلى خزنه دار هو اكمل نموذج للشعراء التونسيين الكلاسيكيين الذين افرزهم الثلث الاول من هذا القرن . ومن البديهى انه اذا سلطنا مقاييسنا النقدية الموضوعية ومفاهيمنا الحديثة للشعر

على دواوين خزنه دار وامثاله من شعراء زمانه لما استبقينا منها الا ابياتا متناثرة ولكن لهذا الشعر قيمة تاريخية لا تنكر ، وعلى هذا الاساس فانه يهم مؤرخ الأدب اكثر مما يهم ناقده . ذلك ان هذا الشعر قد ادى رسالته الظرفية خير اداء فقد اضطلع بعملية الايقاظ والاثارة ، نادى فاستمع اليه ، واستغضب فاغضب وردده الناس متعلموهم واميوهم على السواء وما كانت سلطات الاستعمار لتسجن بعض الشعراء وتطاردهم لو لا انهم اقضوا باشعارهم مضاجع السلطة الغاشمة .

ولقد كانت السمعة والهيبة والاهمية التى اكتسبها معظم شعراء ما بين الحربين عظيمة الى درجة ان عددا من دارسينا ونقادنا مازالوا بهم منبهرين فهم يكادون لا يذكرون احدهم الا منعوتا بالشاعر الكبير ولا يتعرضون لقصائدهم الا موصوفة بالرائعة رغم ما فيها فى معظم الاحيان من ثقل وخلل وجفاف والملاحظ ان هذا الضعف يرجع اساسا الى سرعة النظم التى تقتضيها مواكبة الاحداث كما يرجع الى ضرورة مخاطبة القاعدة الشعبية العريضة بما تفهم وكذلك الى اضطرار الشاعر الى استعمال لغة الجرائد وشعارات الخطب السياسية عندما يشعر بان مخزونه الثقافى واللغوى العتيق لا يفى بالحاجة

ولقائل ان يقول ان هذه النماذج ليست من الشعر فى شئ اذهى مجرد نظم ، وفى رأينا انه لا يجوز تطبيق النظريات الحديثة فى الشعر على هذا الانتاج , اذ هو ينتسب الى الشعر العربى القديم الذي يغلب عليه جانب ما يسمى بالصناعة . ومهما يكن من امر فان هذا النظم هو الذي حرك الجماهير وعبر عن طموحاتها ، ثم انه لا يحق لنا تجريد هذا النظم من عاطفة وطنية صادقة تجعل الحدود بين الشعر والنظم نسبية الى حد كبير

وخلاصة القول انه لو لا ظهور ابى القاسم الشابى فى اواخر العشرينات وبداية الثلاثينات لاحتفظ امير الشعراء الشاذلى خزنه دار بشرعية حمل التاج والصولجان .

وما دام الشابى قد خص فى هذا الملتقى ببحث مستقل ( 20 ) فانه يحسن بنا الاقتصار على ما نراه ضروريا من الملاحظات بشانه او على ما يمكننا من الربط بين المراحل التى مرت بها الثورة في الشعر التونسى

ان اول ما يلفت النظر فى هذا الصدد هو ان الشابى على عكس معاصريه من الشعراء لم يسجل فى شعره حادثة وطنية ما ، اى انه لم يودع ولم يستقبل زعيما ذهب الى المنفى او عاد منه ولم يتوجع لرزء معين اصاب ابناء الشعب ولم يحاول ان يلهب حماس الجماهير . فهل يعنى ذلك انه كان يفضل الجلوس على الربوة مكتفيا بكتابة بعض القصائد الوطنية ذات الصبغة العامة ؟ لا نظن ، فكل ما فى الامر فى نظرنا ان للشابى مفهوما للشعر مخالفا للمفاهيم المالوفة . انه يرفض الشعر الذي يفتقر الى المعاناة واصالة التجربة والخيال الفني ، وليس ابعد عن الخيال والمعاناة من الشعر التقريرى . ان الشابى يرفض الارتباط بزائل الاحداث ، يرفض ان يسمى الاشياء اذ لا يهمه منها الا ما تنطوى عليه من حقائق خفية باقية فالاحداث ايضا زبد يذهب جفاء . ثم ان الاستعمار لا يتجسم أساسا فى اقدام معمر على صلب عاملين من عماله يوم عيد ، ان الاستعمار استعمار حتى لو كان بالاهليين رحيما

ان كل الاحداث التى عاشها الشابى ، وكذلك وعيه بواقع بلاده قد أوحت له ببيتين اثنين حفظهما الشعب التونسى باسره ونسى كل القصائد النارية الاخرى التى كان قد تفاعل معها تفاعلا كبيرا . نسيها وكانها كانت نار تبن تصاعد لهيبها وسرعان ما خبت ، وحفظ بيتى الشابى كما تحفظ الحكمة الازلية :

اذا الشعب يوما أراد الحياة                   فلا بد ان يستجيب القدر

ولا بد لليل ان ينجلى                        ولا بد للقيد ان ينكسر (21)

على ان الشابى قد نظم عدة قصائد قد تكون مرتبطة فى ذهن الشاعر بظروف معينة ففى قصيد الصيحة ( 22 ) يدعو الشعب الى التخلص من الجهل الذى هو أصل كل البلايا وفي قصيد الى (( الطاغية)) ( 23 ) ينذر المستعمر المستبد بقرب انتفاضه الشعب الذي لا يقهر ، وفي قصيد (( الى الشعب)) ( 24 ) يتحسس الشاعر مواطن النبض فى جسد الامة فيقول :

اين يا شعب قلبك الخافق الحساس ؟ اين الطموح والاحلام ؟

اين يا شعب روحك الشاعر الفنان ؟ اين الخيال والالهام ؟

اين يا شعب فنك الساحر الخلاق ؟ اين الرسوم والانغام ؟

ان يم الحياة يدوى حواليك فاين المغامر المقدام ؟

ان الشاعر يمنح الشعب حق الحلم والخيال وحق الابداع الفنى فى وقت كان يعتبر فيه الفن من قبيل اللهو او من سفاسف الامور ، ذلك ان الشابي الداعى الى (( ارادة الحياة )) يدرك ان هذه الارادة لا تتحرك ولا تنمو الا اذا استندت الى القوى الباطنية وملكات الخلق والى الاحساس العميق بالكون والحياة . ولكن الشابى فى بحثه الدائب عن المطلق كثيرا ما كان يضيق بما يلاحظه حواليه من جمود وغفلة فيخاطب الشعب فى لهجة التأنيب ، ولعل اروع ما نظم فى هذا الغرض قصيد ((النبى المجهول )) الذي ضمنه تأملات فى مصير الشعب وفي امكاناته المهدورة ، تنتهى الى اقرار مجموعة من الحقائق عن الشعوب التى لم تبلغ سن الرشد ومازالت تفتقر الى القيادة القادرة على تعبئة كل طاقاتها الظاهرة والخفية وتسديد خطاها فى سيرها نحو الحرية والمستقبل:

ايها الشعب انت طفل صغير               لاعب بالتراب والليل مغس

انت في الكون قوة لم تسسها             فكرة عبقرية ذات بأس

انت في الكون قوة كبلتها               ظلمات العصور من أمس أمس

والشقي الشقي من كان مثلى            في حساسيتي ورقة نفسي (25)

هذه الحساسية ورقة النفس هما قوام رومانسية الشابى ورؤياه الكونية وفي اعتقادنا ان قصائد الشابى الذاتية ساهمت ايضا فى العمل الثورى اذ تأثر بها شباب الثلاثينات والاربعينات فعمقت احساسهم بمنزلتهم وخلقت فيهم حاجات وطموحات جديدة ومعلوم انه كلما رق الاحساس قوى الشعور بالكرامة واشتد التوق الى الحرية.

وقبل الانتقال الى شعر الثورة بعد الحرب العالمية الثانية حيث بدأ العد التنازل بالنسبة الى الحضور الاستعمارى فى تونس ، لا بد ان نتعرض ولو بايجاز

الى شاعر مخضرم عاصر اجيالا من الشعراء وتعايش مع كل التيارات الادبية ، نعنى مصطفى خريف (1909/ 1967) الذي كان آخر واكمل ممثل للمدرسة الكلاسيكية فى منتهى نضجها وعطائها ، وان كان شعره الوجدانى امتن واخصب من شعره السياسى.

كان مصطفى خريف ، الى جانب تفاعله مع الاحداث الوطنية ، مؤمنا بوحدة الامة العربية عموما وبوحدة المغرب الكبير بالخصوص ففي قصيد نظمه سنة 1946 بعنوان (( قلب المغرب))يحيى الطلبة الجزائريين فى ذكرى المصلح الشيخ عبد الحميد بن باديس فيقول :

حي الجزائر فهي قلب المغرب        واهتف لفتيتها الكرام ورحب(26)

وفى سنة 1947 يحيى الوفد المغربي الذي زار المدرسة الخلدونية :

تحيات ودلا تعد ولا تحصى         من المغرب الادنى الى المغرب الاقصى (27)

وتتجاوز القصائد من هذا القبيل مجرد التحية التقليدية الى التذكير بأواصر الأخوة والمحبة وبضرورة تضافر الجهود من أجل التحرير واستعادة ما ضاع من امجاد .

ويصور مصطفى خريف الامال العريضة التى بعثها فى نفوس العرب جميعا نأسيس الجامعة العربية فيحيى ذكراها الاولى ( 28)طربا نشوان وتندلع الحرب بفلسطين فيدعو الى التخلى عن اغراض الشعر التقليدية ، فالموقف يتطلب الفعل لا القول :

لا تلمني ان نبذت الادبا       وتقلدت حساما اشطبا (29)

وليس مصطفى خريف باول ولا آخر شاعر ينزلق في مثل هذا التناقض اذ (( ينبذ )) القول بالقول من ناحية ، ناسيا من ناحية اخرى ان الكلمة الثورية المشحونة تتحول إلى فعل أى الى طاقة محركة . ونلاحظ ايضا اثر المخزون

الثقافي العتيق في مثل هذا الشعر الذي كان رائجا حتى نهاية الاربعينات والذي يتحدث عن الحسام في فترة اصبحت تتبارز فيها الدبابات . ومثل هذه المارقات التاريخية كثيرة عند الشعراء الكلاسيكيين ، ورغم ما فى (( الحسام)) العربي من رموز النصر والفتح ، فان (( تقلد الحسام )) فى القرن الشرين يمثل مأساة الفكر والساعد العربيين فى مواجهة تحديات العصر.

ثم ان الشاعر ينبذ الغزل والجمال والحب ليتفرغ بكل جوارحه للمعركه ، وكأن الحب والجمال مسلاة لا تليق بالمناضلين.

ما غناء الفجر ؟ ما نوح المسا ؟           ما اصطخاب البحر ؟ ما همس الربى ؟

ما الهوى ؟ تبا لاصحاب الهوى            مذهب الحمقى ، اعتزلت المذهبا

ظا غمر وقف العمر على                      قامة هيفا وثغر اشنبا(30)

وواضح ان مصطفى خريف الكلاسيكى يعرض هنا بالشعر الرومانسى يعتبره دعوة الى القعود عن العمل . وليس هذا مجال التحكيم بين الاصوات الداخلية المنبهة وبين القرقعة الخطابية التى لا تعرف مبالغاتها حدودا . من ذلك ان مصطفى خريف يعبر عن عزم العرب الراسخ على التصدى للعدوان وعلي كسر شوكة الاعداء مهما كانت قوتهم ، فى بيت لا يخلو من الطرافه على كل حال :

انا لو نازعني شهب السما      في بلادي لا حتللت الشهبا(31)

وبالرغم من اعتزالنا (( مذهب الحمقى )) تنهزم الجيوش العربية سنة 1948  وتضيع فلسطين ويتحول التهديد والوعيد الى بكاء ورثاء وبالتالى الى لفظية جوفاء.

احق تراث الرسل نهب مقسم             احق غزا جيش العدو فلسطينا

فوا لهف قلبي حين امست اسيرة         مكبلة تشكو الهوان وتدعونا(32)  

وهكذا يتبين ان الشعر التونسي المناصر للقضايا العربية وقضية فلسطين عا الاخص لم يكن يختلف عن معظم الشعر العربي فى الاربعينات ، فالكل

يغترف من رصيد واحد يزخر بالتراكيب الجاهزة والعواطف المعلبة . وعلى كل فان هذه الابيات نسوقها للدلالة على ان الشعراء التونسيين كانوا شديدى الانتباه لما يجرى فى الاقطار الشقيقة يرجعون صدى ما ينزل بها من نوائب او ما يتحقق فيها من طموحات ، وذلك انطلاقا من العدوان الايطالى على طرابلس الى الانتصارات الكمالية فى الحرب التركية اليونانية ، وقد عبر الشعر التونسى عن اعتزازه بالثورة الكمالية الا انه سرعان ما عبر عن خيبة الأمل امام تنكر القائد التركى للخلافة رمز الوحدة الاسلامية وازاء اعلانه علمانية الدولة ( 33) وغنى عن البيان ان الشعر التونسى قد ردد على اوسع مدى صدى الحرب البطولية التى خاضها الشعب الجزائرى الشقيق ضد الاستعمار ، كما جاء في بحث جعفر ماجد فى هذه الندوة

ولكن شعراء الخمسينات بدأوا يدركون ان التباهى بالامجاد القديمة ربما كان عائقا حال دون تقييم الاوضاع العربية تقييما صحيحا ، وربما تسبب فى طمأنينة خادعة جعلت العرب لا يعدون العدة كما يبغى . لذلك كان لابد من الشروع فى عملية نقد ذاتى مرير . يقول محمد الروسي المطوى :

اغنية الشرق القديمة

نحن البناة الاولون

كنا الالي فتحوا الطريق

كنا الالي بعثوا الهداة

اغنية الشرق القديمة

ظلت عثارا في الطريق

ابناؤها يتجرعون

غصصا من السم الزعاف

سم التأخر والتدلى والبوار

هم هائمون

صرعى لآفات مشومة

((افيونة )) الصين الخطيرة

((وحشيشة)) النيل اللعينة

و((حروز ))اطلسنا الكبير

وزهادة الهندوس في نبع الحياة (34)

نلاحظ ان ظهور هذه اللهجة الجديدة قد اقترن بظهور الشعر الحر الذي كان اول من استعمله فى تونس فى مطلع الخمسينات محمد العروسي المطوى ومحسن بن حميدة اقتناعا بان تجديد المضمون يتطلب تجديدا فى الشكل وبان الايقاع المتولد عن الشعر الحر أقرب الى اصوات العصر واكثر اثارة ,

لكن محسن بن حميدة لا يختلف احيانا فى مضامينه عن مصطفى خريف الذي يعلن ، كما اسلفنا ، عن تخليه عن الحب والحسان ، فقد جد الجد ولا مجال لغير الفعل ، فمحسن بن حميده يقول فى قصيدته ((عهد جديد )) :

... فأهملت حبى وهو فريد

واخفيت شوقي وهو شديد

مكان اللعب

وطي الكتب

وأطلقت شعري يسير نمير

لحقن الدماء

وأوقفت عزمى على الاشقياء (35)

ان اتهام شعر الحب بالميوعة والتمييع والتخلى لا يستند الى أية حجة وتجدر الملاحظة فى هذا المجال إلى أن الشاعر الفرنسي (( أراغون )) كان ينظم قصائد الحب داخل صفوف المقاومة ضد الاحتلال النازي وعلى كل فان شعر الحب والمرأة عندنا لا ينتهى الا سنة 1967 . فالغزل كان من ضحايا حرب الايام الستة فهزيمة حزيران لم تكن عسكرية بقدرما  كانت فكرية وحضارية . لقد انهارت إذ ذاك كل الامال العربية وكل القيم وأحس الشاعر التونسي بهشاشه كل ما كان يؤمن به : لقد تبين أن الحكام (( انصاف الآلهية )) بشر يخطئون اكثر مما يصيبون ، وتأكد ان بطولة الجندى العربى التى تغنى بها الشعر منذ الجاهلية منطاد ينفش ويذهب هباء مع الريح لمجرد وخزة من دبابيش القرن العشرين , وثبت انه لا يكفي ان يكون لنا ماض ليكون لنا مستقبل . وعندئذ شارك الشاعر التونسي في حملة النقد الذاتى التى انتشرت فى كامل انحاء البلاد العربية ، وكان مهرجان الشعر الحادي عشر المقام بمناسبة انعقاد المؤتمر التاسع للادباء العرب بتونس ( مارس 1973 ) فرصة للشعراء التونسيين للمشاركه في مرافعة الاتهام وقرار الادانة .

و يستخلص الميداني بن صالح في قصيد في منتهى الجرأة بعنوان((اعتذار)) معاني هذا اللقاء المأسوى لقاء الشعراء العرب بل ويتساءل عن جدواه والحالة العربية على ما هي عليه :

نلتقى ... والأرض والمسجد فى قبضة مارد

نلتقي ... والحاكم المهزوم مسطول وشارد

نلتقي... الرشاش مشلول وبارد

نلتقي ... والثائر الرافض مسجون مطارد

بين شعب فاقد للصوت مسلوب الموارد ( 36 )

أى معنى لهذا اللقاء الفكرى ما دام ((الفكر تجارة )) و (( الجملة للظلم ستارة))  و ((الاقلام مشلولة ترهب المخبر )) و (( رجال الفكر اقزاما يعيشون على مائه التهريج )) ربما نلتقى ذات يوم :

نلتقي لو يصبح المحكوم نسرا ... لانعامه

عندما يسترجع الفكر الكرامه

عندما لا تصبح الاكواخ في جنب قصور الامراء

وصنوف الزعماء ... ( 37)

اما جعفر ماجد فانه يدعو الى تحطيم (( الاصنام )) بعد ان راعه ما آلت اليه الامة العربية نتيجة قرون من الجور والاكاذيب والنفاق وعبادة الذات.

اذا عزمنا على تحقيق معجزة                  لا شئ يجمعنا غير الشعارات

فتحت عينى على دنيا مروعة                كانها لم تكن مهد الحضارات

الحق يملكه من ليس يتبعه                  وللشعوب حقوق غير معطاة

لا تحسبوا الشعر الفاظا مكبلة              تحني الجباه باعتاب البلاطات

ذل المديح وذلت كل قافية                 لم تنفجر مثل الغام العصابات (38)

من الواضح ان الشاعر يريد تفجير الالغام ضد الأنظمة الفاسدة ، اى انه يؤمن بان المعركة ينبغى ان تبدأ فى الساحة الداخلية ، اذ لا يمكن ان نواجه العدو قبل ان نقتله فى انفسنا . ان اول ما يبغى ان نقاومه هو الخوف من قوله ((لا ! )) . وفي قصيد (( الصمت )) يندد جعفر ماجد بهذا الجبن:

هل تعرفون قيمة السكوت

حين يجف الحبر في دواتنا

والحرف فى شفاهنا يموت

حين نخاف ان نقول : لا !

ونشتهي لو غيرنا يقول : لا !

ويرفض السكوت ( 39)

ثم يبرز الشاعر امكانات الكلمة الثائرة وواجبتها فى المرحلة الراهنة ، داعيا إلى حمل الشعر سلاحا ، ذلك ان الكلمة الشجاعة المشحونة بالمتفجرات لا تخطئ مرماها أبدا :

من يهدم البيوت

ويكسر الحدود والفواصل

من يملا الحروف بالقنابل

ويقذف القصائد

على ذرى القصور والمزابل

من يفتح الحصون والمعابد

بشعره المقاتل (40)

انه بامكاننا ان ندعي ان مثل هذا الشعر الساخط فى بلدان المواجهة على الاخص قد كان له من الانتشار والاثارة لدى الجماهير العربية ما جعله عاملا من عوامل التعجيل بنشوب حرب اكتوبر ، وكنا نظن ان هذه الحرب التى انتهت بلا نصر ولا هزيمة ستعيد الامل الى النفوس ، ولكن الواقع العربي لم بتغير في جوهره ومازالت القيم معكوسة ومازال الخلط قائما بين الاشياء البديهية التنافر ، لذلك يقول نور الدين صمود :

لم اسمع عن ارض يوضع فيها الرأس مكان الرجل

لم اسمع عن قوم لا فرق لديهم بين الضبية والعجل

لم اسمع عن شعب لا يدرك ان المزهر غير الطبل

هذا امر لا يخطر في العقل

لكن يحدث فى ارض يتفشى فيها الجبن مع الجهل ( 41)

بتبين من خلال هذه النماذج ان الشعراء التونسيين قد حاولوا ان يكونوا ضمير الشعب وقلبه النابض ولقد ساهموا بلا ريب فى تعبئة الطاقات الوجدانية لخوض معارك التحرير الوطني كما انهم عبروا عن طموحات الامة العربية والتزموا بقضاياها المصيرية.

والسؤال المطروح الآن هو هل ان الثورة الشعرية الهائلة التى شهدناها بعيد نكسة ضد الأنظمة المسؤولة عن الفساد والهزيمة ، انطلاقة شبيهة بانطلاقة ((عصفور))  ( 42 ) يوسف شاهين أم انها مجرد متنفس قي مراجل الساحرات من الانفجار ؟ هذا السؤال موجه الى كافة الشعراء العرب الذين يبدو عليهم الاعياء بعد ان قالوا كل شئ ، أى بعد أن قالوا ما كان لا يقال ولعنا اليوم بإزاء مخاض عسير لا نعرف نوع مولوده

اشترك في نشرتنا البريدية