مسكينة أمى . . انها ما زالت تقف حيث تركتها تنتظرنى . . هل ترانى قد تأخرت عليها . . اننى لم اضيع دقيقة واحدة . . لقد قطعت كامل المسافة وأنا اعدو . . وغبار الطريق يتصاعد فى أنفى . . والشمس المحرقة تسطع فى جبينى . . وكلى غارق فى العرق .
ماذا سأقول لها الآن . . انها سوف تغضب لا محالة . . لكن ما ذنبى أنا . . لست أنا الذى تعمدت هذا الابطاء . . ان عم - رابح - هو الذى أبقانى كامل هذا الوقت .
لقد وجدته جالسا فى الفراش مريضا . . ويبدو انه كان قلقا اذ ما كاد يرانى . . حتى تعلق بى ، وأخذ يسألنى عن امى ، واخوتى الصغار ، وعن سير المزرعة ، وهل هى ما زالت كعهدها فى حياة أبى . . وهل استطعت انا ان انهض باعباء المزرعة بعد وفاة والدى .
ثم انه اخذ يسالنى عن الثور الذى كان باعه الى والدى منذ زمن بعيد . . يوم كان يتاجر فى البقر . . ويسافر الى البقاع البعيدة .
لقد مكث اعواما طويلة يمارس هذه المهنة . . قبل أن يقعد به المرض . . وعرف جميع أنواع الثيران . . وصار يميز بين كل جنس منها .
وكان اذا مرض ثور يعالجه بنفسه . . كان يعرف نوع كل مرض . . ويعرف الدواء الذى يستعمل لكل نوع من هذه الامراض .
ولقد احببت هذا الرجل . وهو يتحدث الى ، كما لم اكن احببت انسانا من قبل . . احببته فى جلسته الهادئة . . وفى وجهه الاسمر . . وشعر ذقنه الابيض ، وكأنه القطن فى المزارع . . وكأن حديثه يشبه خرير الساقية . . لا يستطيع الانسان ان يمله حتى ولو امتد الى الابد .
وحين ذكرت لعم -رابح - ان ثورنا مريض . . وان امى بعثتنى اليه من اجل ان ياتى معى ليساعدنا على معالجته . . بعد ما اعيتها الحيلة فى ان تجد دواء ناجعا . . تأثر الرجل ايما تأثر وهم أن ينهض معى . . لكننى أشفقت عليه . . فلم أرض له بأن يصحبنى وهو على هذا الحال .
ثم اننى غادرته بعد ذلك . . وكأننى انتزع نفسى انتزاعا . . فلقد وددت لو أن حديثه طال الى آخر العمر .
( وعاد منصور ) يسأل نفسه . وهو يسير فى الطريق الضيق عبر الحقول . . وعيناه تنظران الى شبح امه التى ظهرت له من بعيد ، وهى تقف أمام سور المزرعة .
لماذا تقف هكذا . . لا بد ان حالة الثور قد زادت سوءا . . والا لما خرجت فى مثل هذا الحر تنتظرنى . . كان على ان اصل قبل هذا الوقت . . حتى لا أتركها تواجه الامور بمفردها .
لكن ماذا سينفعها وصولى .. بل ما الذى يمكن ان افعله من أجلها أو من أجل هذا الثور . . لا شئ على الاطلاق . . سوى أنى سأقف صامتا . . وتقف هى الى جوارى . . ثم نظل نرقب الثور وهو يصارع الموت الى أن ينتهى .
هذا اذا فضلت امى ان تبقى ساكنة . . تشاهد كيف تنزل آخر ستارة على اخر حكاية لثور كان اشتراه ابى .
اما اذا هى اختارت ان تظل حتى آخر وقت . . تصنع الادوية لهذا الثور . . وتقتنى له الحشايش . . ثم تدعونى أنا الآخر الى أن اساعدها على هذا لامر .
اذا ما أختارت هذا الصنيع . . فلا يسعنى انذاك الا أن أتركها . والتفت بوجهى عبر الحقول .
فانا لا اريد أن أبحث عن دواء لهذا الثور . . وانما اريد أن أبحث عن كيفية يمكن أن أتخلص بها منه .
ولقد حاولت ذلك مرات كثيرة . . وكنت فى كل مرة أصطدم بأمى . .كنت أجدها دائما تقف عرضة فى سبيلى .
فقد حدث ان أغتنمت فرصة غيابها ذات يوم عن الحقل . . وحملت الثور الى السوق . وما كدت أبيعه ، وآخذ ثمنه فى يدى . . حتى فجئت بأمى وقد اخذتنى على حين غدرة . . ثم هى أنهالت على ضربا أمام جميع الناس . . الامر الذى أضطرني الى ان اعطيها ما قبضته بيدى . وانصرف من السوق .
كانت امى امراة قاسية وقوية ، وكنت اخافها فكنت ترانى عاجزا عن ان صنع شيئا ، لانها كانت تستطيع بكل سهولة ان تمنعه عنى .
ولقد حاولت أن آخذها بطريقة اخرى . . قلت لها : - انى اريد ان اشترى عوض الثور - محركا آليا - كمثل ذلك الذى اشتراه
جارنا مبروك . . يستطيع أن يصعد لنا الماء بسهولة من باطن البئر . . مع قليل من الوقت . . وبأكثر غزارة من الدلو .
ولم اقف بها عند هذا الحد . . بل انى اخذتها معى الى حقل جارنا مبروك وشاهدت كيف ان الماء يجرى بغزارة فى السواقى . . وكيف ان اثنين من العملة كانا يحولان مجارى المياه . . والمياه مع ذلك كانت تسبقهم .
وكم اعجب أمى منظر الحوض الكبير وكأنه البحيرة ، والمياه تصب فيه آتية من باطن البئر . . بدون أن يكون هناك ثور ، ولا دلو ، ولا حتى انسان . وكانت ان قالت لى بعد ان رجعنا الى حقلنا :
- ان والدك يا بنى ، أوصانى قبل مماته ، بأن أحافظ على هذا الثور . . وان لا أتركه يضيع من أيدينا بأى ثمن . . ففى ضياعه ضياع لنا ولحقلنا . . ثم اذا كان هناك من ينوب الثور فى اصعاد الماء من باطن البئر . . فلا اظن انه يوحد كذلك من ينوب الثور فى حرث الارض . . خير لنا ياولدى أن نحتفظ بهذا الثور الذى كان أشتراه أبوك من كد عمله وعرق جبينه . . وأن لا نتركه يضيع من أيدينا . . أننا لسنا فى حاجة لان نطلب مزيدا من الماء . . ففى دلونا الذى يحمل لنا الثور ما يكفينا من الماء وزيادة .
اننى سئمت حكاية هذا الثور حتى الموت . . سئمت انات هذه البكرات التى لا تنقطع طوال اليوم . . وهذه الحركة الصاعدة النازلة فى الاخدود والثور أمامي . . والحبال المشدودة بين الثور والدلوتتراقص فى عينى . . وأنا غارق فى العرق .
لماذا امى تريد منى أن أتبع أبى فى كل شئ . . أن أكون مثله فى كل شىء . . اذا كان أبى قد أتبع أباه فى كل ما وجده عليه . . فأنا لا أستطيع أن اتبع ابى فى كل ما خلفه لى . . لا استطيع ان احيا حياة ابى . . لى حياتى الخاصة احياها كما يتفق لى انا . . ولا شأن لاى انسان فى ان يملى على اراء من عنده . . حتى ولو كان هذا الانسان ابى نفسه لو انه كا حيا .
وصل منصور الى الحقل ، واجتاز الممر الضيق الموصل الى البيت . . دون ان يلتفت الى امه . . وسمعها تناديه : - منصور . . مالك يا بنى تأخرت الى هذا الوقت ؟
- لست انا الذى اردت ذلك . . ان الرجل الذى بعثتنى اليه هو الذى تسبب فى ابقائى كامل هذا الوقت ؟
- واين هو آلان لماذا لم يأتى معك ؟ لقد وجدته مريضا - وهل أعلمته بحالة الثور ؟
- أجل . . أعلمته بذلك . . وقد هم بأن يأتى معى . . لكنه كان مريضا فلم يقدر حتى على النهوض من فراشه . واطرقت الام اطراقة طويلة - ثم رفعت رأسها الى ابنها وقالت فى صوت كانه الحزن .
- وهل فكرت فى امر الثور ؟
وهم منصور بأن يسكت عن هذا السؤال ، ويذهب فى سبيله . . لكنه تمالك نفسه . . واجاب امه قائلا : - ان التفكير بعد هذا الوقت لم يعد من شأنى انا - اذن هو من شأن من ؟ - من شأنك انت - من شأنى انا وكيف ذلك ؟
ولم يستطع منصور ان يزيد حرفا واحدا . . وحول عينيه ناظرا الى الحقول ثم تابع طريقه الى حيث كان قد خلف الثور تحت ظل الكرمة .
وهناك وجده ملقى على جنبه . . ورأسه الاسود الكبير منقشع الى خلف . . وساقاه ممدودتان الى الامام . . وذنبه الغليظ من الاسفل مطروح على الارض وكأنه شئ ليس منه . . والذباب الكثير يتجمع حول انفه . . وبالقرب من عينيه . . وعلى اجزاء متفرقة من بقية جسمه .
هذا الجسم الضخم وقد افترش كامل ظل الكرمة ، التى كان ملقى تحتها .
لقد بدا وكانه ميت منذ امد بعيد . . ووقف منصور ينظر اليه صامتا . . ووقفت امه الى جواره تنظر اليه صامتة هى الاخرى . . ثم سمعاه يطلق خوارة عظيمة تجاويت اصداؤها فى الحقول البعيدة . . ومد ساقيه اكثر فاكثر . . ثم اطلق خوارة ثانية . . ثم لم يعد شئ .
