الفقر وسوء الحال اقدر الظروف على التوحيد بين الناس ، والمعذبون فى الارض اشد البشر ايمانا بالقصة المشتركة ، تلك التى يتجلى فيها ترابط المشاعر وانسجامها لان الاهمال يخلق فراغا مهولا سرعان ما يحس المرء بضرورة ملئه بارواح تجانس روحه أو تقاربها . . . ذاك شعور عهدناه ونحن صغار تتغير الاشياء حولنا فلا تشغل بالنا مادامت الحياة فى " مأوانا الخيرى" ذات لون فريد قاتم رضينا به فسكنا اليه . فهى الرتابة التى لا سبيل معها الى شعور بسيط غامض بالتطور والتبدل : هذا " عمك على " يتلهى دوما ببرم شاربين يستوى الطير فوقهما ولا خوف عليه ، يفضل الجلوس حذو الباب الحديدى الواسع على صندوق خشبى يتحين الفرص لينتقم لنفسه ممن شاكسه مرة فلا يتركه يجتاز العتبة ولو لتقبيل حبيب جاء من بلد بعيد لانه البواب الوحيد . وذاك سر تفوقه وامتيازه . وكنا نتقرب اليه بقطع من الخبز يلهينا مرض عن اكلها ، فنعطيها اياه على ان يتركنا نقف خارج الباب نتأمل الناس ، ونتراهن على السيارات فى اى اتجاه يمر اكثرها ، وللمنتصر ان يصفع من كذب الظن عنده او ان يبصق عليه اينما شاء ، وليس له ان يستر الوجه او يتنكر ، والا فالشهود يطرحونه ارضا . . .
ويظهر " لعمك على " ان يصدر امره فيضرب الباب بالعصا الدقيقة ضربات متتابعة دون ان يرفع رأسه المغطى بعمامة صفراء بالية رقيقة ، نشبهها بالزلابية كلما اجتمعنا وابتعد شره . والويل اذاك لمن لا يلبى الدعاء ، اذ سرعان ما يبادر بغلق الباب فى سرعة تحول دون اخذه القبقاب الذى يكثر الحديث عنه ناصحا اصدقاءه الشيوخ ان يغلفوا اسفل القباقيب يقطع المطاط حتى لا تأكل الارض منه الا بمقدار .
وتتمثل على مضض ، ثم ننتشر بين السوارى وننساب الى الزوايا وكل يبحث عمن يميل اليه عادة من شيوخ ساكنونا ادركنا بفضلهم ودون وعى منا وفرة النماذج البشرية . اذ كان بينهم من يعطيه الطعام فيصبه فى الرداء ويرقص ، ومن لا يهتدى لسانه الى صواب ، ومن لا ينطق بغير الحكمة . وكنا نأخذ عنهم أكثر مما نأخذ عن معلمينا الذين ما انفكوا يتقاذفوننا بينهم ، وكل لا يريد أن ننضم الى تلاميذه ، لما يتوقع منا من اثارة للمشاكل وبعث لنزاع لا تأتى العصا عليه مهما طالت واستقامت . . .
ويأتى المساء ، وقد خلت البطون من كل ما يهضم ، فنسارع - ونقرات
القباقيب والعصى تملا الممر - الى موائد تملا الشقوق فيها فضلات القرع و" الملثوث " وكنا نتغالظ لنحاذى هرما مريضا يميت الداء شهيته ، فنتراخى فى دفع اللقم ، بينما تتابع أعيننا حركات الشيخ وتكاد تعد ما علق يشاربيه من حبات " الملثوث " أو فتات الفول ، حتى اذا بدا منه اعراض من الاكل تجاذبت الاكف ما ترك ، وكل يدعى الحق فيه ، والحق دوما للقوى ، لولا تدخل الشيخ احيانا جازما فى غضب ان الطعام لا يزال ملكا له ، بدليل انه يستطيع الرجوع اليه ليأكل منه ، ثم يعود فعلا اليه ويعطيه الى من توسم فيه خبرا وظظنة غير مسئ اليه . أما إذا امتنع المغتصب عن دفع الصحن بالتى هى احسن ، فان الشيخ يتحامل على نفسه ليلوح بالعصا وينتفض انتفاضا غريبا يسرنا ان يستمر ويدوم ، ثم يرفع عقيرته فتنساب بقايا الاكل بين أسنان متفرقة ناخرة لتحتل لها مكانا فوق رؤوسنا وأجفاننا . وبسمع المسؤول فيأتى على عجل والعصا معه ، وكان يبتغى دوما حدوث المشاكل لان عمله يقتصر على حلها . ويبدأ البحث فيجمع الشيوخ على طيشنا بينهم ، واستخفافنا بهم . واذاك يصيح المربى فى وجوهنا وقد تفرس فيها ، فنهتز ثم نستقر ، ونتململ تم نقف عند اشارته ، وقد تسابقت اكفهم الى بقايا أكلنا فيشتد حقدنا ونكاد نبكى . ثم نمضى نفكر فى وجوه الانتقام لانفسنا . ولقد يعلن الواحد منا رعبته فى أن يعض شيخا من أذنه أو أن يضله السبيل ان كان اعمى . . .
وتمر بنا الايام بين المربى والمجانين ، ولا شئ يميز بينها لولا تبدل بسيط يوم راحتنا ، إذ كان يأخذ الاقوياء منا احد الاعضاء ممن يترددون على المأوى للاشراف والسيطرة وينتقل بهم الى بستانه يقلعون الاعشاب التى يؤكد لهم انها تضابق الاشجار وتمتص غذاءها ، او يلتقطون اللوز على ان لا تكسر حبة أو تهمل ، والسب والضرب لمن " حانه طبعه " فأخفى حبة أو حبتين في الكم أو الحذاء . ولكل من أبلى واجتهد زيادة فى العشاء . أما الباقون فيسمح لهم بالخروج ليأتوا بالخبز من " باب الغربى " فى عربة يركبونها قبل الوصول الى المخبزة فيلتذون غاية اللذة ويهزهم الطرب . أما عند الرجوع فيجرها أكبرهم ويحيط به الباقون يدفعونها دفعا قويا ليتخلف الشيخ الذى يراقبهم ، فتنطلق الايادى وتغيب اطراف الأصابع فى الخبز تثلمه وتدس فتاته في الجيوب ليؤكل بعد الوصول أقساطا . وعندها يتابع
المحروم من فاز بالجر يستسلفه مضغة خبز الى اجل مسمى ، وهو الغداء عادة . على ان يردها اليه ملوثة بقليل من ادام . . .
ولا نزال جميعا نذكر يوما حدا فيه الجوع بواحد منا الى التنكر لمن اعاره فلم يرجع اليه الدين و " الفائض " وشاكسه ثم لاكمه ورماه بالصحن فقام ينتفض كعصفور بلله القطر ، وانضم اليه أقاربه وناصر الباقون ذا الدين فكان التدافع والتلاكز ثم رمى " بالجلوف " تأذى الشيوخ منه فسارعوا يستنجدون بالمسؤول ، وسمعنا سابقهم اليه يناديه : يا سى حسن اجرى قيرة اربعطاش شعلت
وبدأ لنا بطنه يقتحم الباب الضيق فارتعشنا ، وهدأت حركاتنا ، وترقبنا صدور الحكم يعلنه " المربى " بعد جذب الجبة من الامام حتى لا تنحصر فوق بطنه المتكور أو تلامس الارض خلفه فيبدو عنق غليظ قصير . وتظاهر بالتأمل والاطراق ثم ساقنا الى بيت ضيق مظلم يدفع اليه المذنبين منا عادة فالهب بالعصا أقدامنا ، وأقسم أن يصدنا عن وجبتين لنتعظ وندرك قيمة الخبز ، ثم توارى لاهثا يدك الارض دكا .
وفصل الظلام بيننا وساد صمت رهيب موحش ، فتجلد البعض وبكى الجائعون . . .

