ان
تحليل اسلوب الكاتب يمكن الدارس فى كثير من الاحيان من مزيد فهم نتاجه وثقافته واحيانا نفسيته ومدى طرافته .
وانى وان كنت اعتبر الالفاظ وسيلة لابراز المعانى والجمل اطارا لعرض الموضوع فلا أنكر ان الامتاع الفنى لا يتحقق بصورة كاملة الا باتحاد الموضوع مع الشكل . ولا ادل على هذا من قول الجاحظ الناقد " ولكل مقام مقال ولكل صناعة شكل " ( 1 )
وكما أن للرسام اداة للتعبير عن الجمال فى لوحته ، فكذلك للاديب اداة فى عمله الفنى وهو قلمه اعنى لغته واسلوبه .
وسأشتغل فى هذا البحث بتحليل نماذج من جمل الجاحظ . وغرضى الخروج بفكرة عن اسلوب ابى عثمان وعبقريته فى الكتابة عامة ، وعن الاديب المفكر بصفة أعم .
فمن المتعارف ان الجاحظ كاتب ثرى . فهو فضلا عن كونه متكلما وعالما " طبيعيا " وملاحظا اجتماعيا وسياسيا وناشطا معا ، ( 2 ) اديب فنان قبل كل شئ يصبغ مواضيعة بصبغة فنية . فلا غرابة فى ان يكون اسلوب صاحبنا ثريا ، متعدد الوجوه ، مناسبا للمقام ، يؤدى المعانى اداء فنيا جميلا . لكن هل يمكن ان نحكم حكما مطردا على جملة ابى عثمان ؟
الحق ان جملته قد اتخذت أشكالا مختلفة وصورا متعددة وان كان لها صفات قارة . فعندما يتناول أبو عثمان موضوعا فانه يخوض فيه باسلوب توحيه دائما طبيعته الفنية الحرة وعساك تعلم ان الجاحظ اديب والادب فن والفن حياة والحياة حرية وانطلاق . ولم يلتزم الجاحظ الممتاز بكبير حيوية وبفرط شهوانية بطريقة واحدة ولا بمنهج معين فى جملته الزاخرة بالحياة لان الالتزام بطريقة واحدة ضبط نهائى وفى الضبط النهائى تجفيف واماتة .
فلننظر فى أساليب الجاحظ المتنوعة بالاعتماد على بعض النصوص ولنبدأ باسلوبه الجدلى .
1 ) الاسلوب الجدلى :
أشار الجاحظ فى رسالته الى الفتح بن خاقان " فى مناقب الاتراك وعامة جند الخلافة " الى " أن البنوى خراسانى لان نسب الابناء نسب آبائهم " يريد أن البنوى وهو من جلب طفلا صغيرا من خرسان وربى تربية عسكرية ببغداد خراسانى من جهة الولادة . وذكر ان المولى عربي لان " السنة قد نقلت الموالى الى العرب " فهم عرب بالولاء ، ثم أضاف قوله :
"... واذا كان الامر على ما وصفنا فالبنوى خراسانى واذا كان الخراسانى مولى والمولى عربيا ، فقد صار الخراسانى والبنوى والمولى والعربى شيئا واحدا وادنى ذلك أن يكون الذى معهم من خصال الوفاق غامرا لما معهم من خصال الخلاف بل في معظم الامر وفي كبر الشأن وعمود النسب متفقون فالاتراك خراسانية وموالى الخلفاء قصرة فقد صار فضل التركى الى الجميع راجعا وصار شرفه الى شرفهم زائدا . واذا عرف سائر الاجناد ذلك سامحت النفوس وذهب التعقيد ومات الضغن وانقطع سبب الاستثقال فلم يبق الا التحاسد والتنافس الذى لا يزال يكون بين المتقاربين فى القرابة وفي الصناعة وفي المجاورة . على أن التوازر والتسالم فى القرابات وفي بني الاعمام والعشائر أفشى وأعم من التخاذل والتعادى . . . ولابد في أضعاف ذلك من بعض التنافس والتخاذل ، الا ان ذلك قليل من كثير . وليس يكون أن تصفو الدنيا وتنقي من الفساد والمكروه حتى يموت جميع الخلاف وتستوى لاهلها وتتمهد لسكانها على ما يشتهون ويهوون لان ذلك من صفة دار الجزاء وليس كذلك صفة دار العمل . " ( 3 )
فيمكننا نعت أسلوب هذه الفقرة بالمنطقى الجدلى . ففيه اطناب فى التعليل وجمل على الصور التالية : أ - واذا كان (... كذا) فـ (... كذا) المسبب السبب ( او النتيجة )
ب - ولابد فى (... كذا ) من (... كذا) ج ) و ليس يكون (.. كذا ) حتى يكون (.. كذا) وطبقا لمبدأ السببية أو مبدأ العلية causalite Prinpe de تتركب هذه الجمل
من مسبب وسبب . والسببية هى علاقة بين شيئين متعاقبين يسمى أولهما المسبب وثانيهما السبب Succession de cause a effet فانظر فى الجملة التالية
" واذا كان الامر على ما وصفنا فالبنوى خراسانى " ) المسبب ( ( السبب )
ان مبدأ السببية الذى يستعمله أبو عثمان فى هذا النص من أهم مظاهر الاسلوب الجدلى . ويبدو الجدل أكثر وضوحا فيما يلى : " فالبنوى خراسانى واذا كان الخراسانى مولى والمولى عربيا فقد صار الخراسانى والبنوى والمولى والعربى شيئا واحدا " .
فنحن بصدد عملية رياضية جدلية . فها هو يقول ان الخراسانى هو البنوى او ( أ = ب ) والخراسانى مولى او ( = ج ) والمولى عربى او ( ج = د ) ، فتكون النتيجة :
أ = ب = ج = د او الخراسانى = البنوى = المولى = العربى
ويطنب الجاحظ عند ما يعود بنا الى نفس العملية الرياضية الجدلية فى الجملة الاخرى الموجزة : " فالاتراك خراسانية وموالى الخلفاء قصرة " التى ينبغى أن تفهم هكذا " فالاتراك خراسانية وبما ان الخراسانية موال والموالى قريبو النسب من الخلفاء بالولاء ( قصرة بمعنى قريب النسب ) والخلفاء عرب فالاجناس الخمسة تعود الى اصل واحد هو الاصل العربى " .
انك تشعر بان الجاحظ يحاول ارجاع كل جنس من هذه الاجناس الخمسة المتطاحنة في جند الخلافة يومئذ من جراء الشعوبية الى جنس واحد هو الجنس العربى ، وتوحيد صفوفهم لغرض سياسي لى فيه رأى ليس هذا البحث مقام توضيحه ( 4 ) ، عن طريق الجدل الصورى الذى يبدو ظاهره متينا لان التسلسل حسابي كما رأينا ولكنه فى باطنه مغالط ، وفي منطق المغالطة او السفسطة Sophisme نجد الظاهر والباطن
ولا يستغرب أن يلتجئ أديبنا الممتاز بفرط حيوية الى استعمال الاسلوب المنطقى الجاف والسفسطة . فهو متشبع بأساليب المعتزلة الجدلية .
ومن الطريف أن نلاحظ ان أبا عثمان يورد فى كتاب " فخر السودان على البيضان " عكس العملية الجدلية التى رأيناها فيما قبل وبها يحاول السودان ارجاع الجنس العربى الى الجنس الاسود . فاقرأ قوله " وقال النبى صلعم بعثت الى الاحمر والاسود وقد علمت أنه لا يقال
للزنج والحبشة والنوبة بيض ولا حمر ، وليس لهم اسمر الا السود . وقد علمنا أن الله عز وجل بعث بنبيه ( الى بنى آدم ) كافة والى العرب والعجم جميعا ، فاذا قال بعثت الى الاحمر والاسود ولسنا عنده حمرا ولا بيضا وقد بعث الينا فانما عنأنا بقوله الاسود ولا يخرج الناس من هذين الاسمين فيان كانت العرب من الاحمر فقد دخلت فى عداد الروم والصقالبه وفارس وخراسان ، وان كانت من السود فقد اشتق لها هذا الاسم من اسمنا . وانما قيل لهم أدم وسمر وسود حين دخلوا معنا فى جملتنا كما تجعل العرب الاناث من الذكور ذكورا . واذا كان النبى صلعم يعلم أن الزنج والحبشة والنوبة ليسوا بحمر ولا بيض وانهم سود وقد بعثه الله تعالى الى الاسود والاحمر فقد جعلنا والعرب سواء ونكون نحن السود دونهم . فان كان اسم السود وقع علينا فنحن السودان الخلص والعرب أشباه الخلص فنحن المقدمون فى الدعوة " . ( 5 )
فانظر كيف أرجع جميع الاجناس بفضل عملية من منطق المغالطة انطلق فيها من حديث موضوع نسبه السودان الى الرسول ، واعتمد فيها كثيرا على مبدأ السببية ، الى الحمر والسود فطمس بذلك الجنس العربى وادخلهم فى عداد الروم والصقالبة وفارس وخراسان ان كانوا من الحمر وفى السود ان كانوا من السود .وأنكر أبو عثمان على لسان السودان دخول العرب فى عداد الجنس الاحمر ، فاستدرك لينفى هذا الافتراض ويثبت افتراضا ثانيا وهو اندماج العرب في الجنس الاسود " وانما قيل لهم أدم وسمر وسود حين دخلوا معنا في جملتنا " بل ذهب الى ابعد من ذلك حين شبه الزنج بالذكور والعرب بالايناث ، وللذكر عند العرب شأن عظيم . وغايته من هذا الجدل الوصول الى تقديم السودان على البيضان عامة وعلى العرب خاصة،فى المناقب وكذلك في الدعوة الاسلامية .
فهذا موقف يناقض موقفه فى رسالة " مناقب الاتراك " على انى ألاحظ أن تناقض الجاحظ فى " كتاب فخر السودان " ظاهرى اذ يسخر منهم أيما سخرية ويغالطهم ويغالطنا وعصره شغوف بمنطق المغالطةSophisme (6)
رأينا فيما قبل أسلوب منطق المغالطة عند الجاحظ ، وهو اسلوب جدلى ولا نعجب من كثرة التجاء أبي عثمان الى هذه النزعة الجدلية السفسطائية لانه متكلم من أصحاب الرأى وقد نشأ فى بيئة المعتزلة الذين يعتمدون كبير اعتماد على العقل لاثبات آرائهم ودحض حجج خصومهم . زد على ذلك أن الجاحظ تأثر بفلسفة اليونان و ولع خاصة بمذهب السوفسطائيين الذين نصبوا أنفسهم معلمي بيان وجدل لشباب " أثينا " ولكنهم كانوا مجادلين
مغالطين وكانوا متجرين بالعلم يفاخرون بتأييد القول الواحد ونقيضه على السواء . وشغف عصر الجاحظ بمنطق المغالطة أو السفسطة La Sophistan والسفسطة وليدة الجدل والجدل وليد النوادى الادبية . وقد انتشرت فى عصر أبي عثمان نوادى الشراب والغناء والادب والسياسة ولا ننس حلقات المسجديين وفيها يقع الاخذ والرد ويمتزج الجد بالهزل وتثار شتى المشاكل التى تشغل الافكار يومئذ . وكانت هذه النوادى حوضا منه يغترف الادب والسياسة وفيها يستغل المجادلون مواهبهم فينقلبون أحيانا سوفسطائيين أى مغالطين ) سوفست فى معناه الاول معلم بيان ( كما حدث فى " أثينا " في النصف الثاني من القرن الخمس قبل الميلاد عندما قويت الديمقراطية فشاع الجدل وظهر مذهب السوفسطائيين . وفى عصر الجاحظ وجدت نفس الظروف فـ " أمكن القول ، وصلح الدهر وخوى نجم التقية ، وهبت ريح العلماء ، وكسد العى والجهل وقامت سوق البيان والعلم " حسب قول ابى عثمان فى " كتاب الحيوان ".
ويكثر استعمال هذا النوع من المنطق والجدل فى مؤلفات أبى عثمان فنجده فى " كتاب الحيوان " كما نجده فى " كتاب التربيع والتدوير " ونجده فى " رسالة مناقب الاتراك وعامة جند الخلافة " وفى " كتاب فخر السودان على البيضان " و " كتاب العثمانية " وفى كتب أخرى كثيرة
2 ) الاسلوب اتعلمي الجدلى
على أن الجاحظ لم يستعمل جدله دائما للمغالطة ، فقد سخره أيضا لخدمة مذهبه الدينى ولخدمة العلم . ولنا أدلة كثيرة على ذلك فى " كتاب الحيوان " ونذكر على سبيل المثال منهجيته فى فصل " أثر البيئة " من الجزء الرابع من نفس المصدر (7) . ففيه نجد النظرية These وضد النظرية Antithe ثم عملية جمع وادماج Synthese ونشعر بالجدل من أول البحث الى آخره ويكتسب أسلوب الجاحظ في بحثه صبغة جدلية علمية وتنقلب اللهجة أحيانا دينية : " ولولا ما صح عنده من قول الانبياء واجماع المسلمين على أنه ( أى المسخ أو القلب ) قد كان ، و أنه كان حجة وبرهانا فى وقته - لكان لا ينكر مذهبهم ( أى مذهب الدهرية القائلين بالتحول بأثر البيئة ) فى هذا الموضع " لذلك قلنا لا نستطيع أن نفصل لم بين الحاحظ رجل الدين المتكلم وبين الجاحظ المفكر العالم ولعلنا لا نستطيع أيضا أن نفصل بين المفكر والاديب فى الاسلوب .
ففي فصل " أثر البيئة " يكثر من استعمال مبدأ السببية وهو أساس من من أسس الاسلوب الجدلى . نجد مثلا هذا التركيب : " لولا ما صح ( كذا ) لكان (كذا) " كما نجد الاسلوب الاخبارى العلمى عندما يعتمد الدهرية فى
جدلهم على الخبر الصحيح ، فيقولون : " وقد خبرنا من لا يحصى من الناس أنهم . . ( كذا ) " و " لم يثبت عندنا بالخبر الذى يعارض أن ... ( كذا ) " كما نجد أسلوب المعاينة " وربما رأينا " و " قد رأينا العرب " و " قد نرى حرة بني سليم " . ويستعمل الجاحظ أسلوب الافتراض والترجيح " وقد يجوز أن تكون هذه الصور . . . ( كذا ) " .
3 ) الاسلوب الغنائى :
وكثيرا ما يمزج الجاحظ الاسلوب الجدلى بالاسلوب الغنائى عند ما يريد اقناع قارئه عن طريق العقل والقلب فيخاطب عقله بجدله ويحرك شعوره بغنائه . وقلنا لا نستطيع الفصل بين المفكر والاديب . ولا أدل على ذلك من الفقرة التالية المقتبسة من " رسالة مناقب الاتراك " :
" ثم زعمت ( أى ذهبت الى فكرة ) أن الاتراك قد شاركوا هؤلاء القوم فى هذا النسب وصاروا من العرب بهذا السبب مع الذى بانوا به من الخلال وحبوا به من شرف الخصال . على أن ولاء الاتراك للباب قريش ولمصاص عبد مناف وفي سر هاشم وهاشم موضع العذار من خد الفرس والعقد من لبة الكعاب وهو الجوهر المكنون والذهب المصفى وموضع المحة من البيضة والعين فى الرأس والروح من البدن ، وهم الانف المقدم والسنام الاكوم والطينة البيضاء والدرة الزهراء والروضة الخضراء والذهب الاحمر ، فقد شاركوا العرب فى أنسابهم والموالى فى أسبابهم وفضلوا بهذا الفضل الخاص الذى لا يبلغه نضل وان برع بل لا يكثره شرف وان عظم ولا مجد وان قدم فزعمت أن أنساب الجميع متقاربة غير متباعدة . وعلى حسب ذلك تكون الموازرة والمكانفة والطاعة والمناصحة والمحبة للخلفاء والايمة . " (8)
ههنا يقيم الجاحظ الدليل فى صيغة جدلية تنقلب فى قسم كبير من النص غنائية ، على ما يستحيل تاريخيا أن يقام عليه الدليل اذ يريد أن يبين أن الولاء نسب ولحمة وأن " الاتراك عرب بالولاء بل عباسيون . وغرضه كما قلنا سياسي نهو المدافع عن سلطة بني العباس ويريد من الاتراك أن يخلصوا لدولتهم . ويحاول اقناعهم بمخاطبة عقولهم وبتحريك قلوبهم واستمالتها .
وهذه قطعة من النثر الفني حيث توجد عناصر متوازنة متوازية والتقفية والسجعة لكن بمقدار ، وحيث تكثر الاستعارات والمحسنات البديعية كما هو الشأن بالنسبة للشعر . ولا شك أن الجاحظ أحسن ممثل للنثر فى عصره و بفضله تطور النثر وأصبح فى القرن الرابع مع " بديع الزمان الهمذانى " قريبا جدا من الشعر بل نوعا من التفنن والترف اللفظى ، ولا
غرابة فى ذلك . اذ يعتبر القرن الرابع قرن اكتمال الحضارة العربية أى اكتمال العمران والعلوم والآداب والفنون .
وهذه القطعة النثرية الغنائية الجدنية مظهر من مظاهر التفنن فى الكتابة تمتاز يطول النفس وقد احدثه الجاحظ بالترديد والاكثار من التراكيب المترادفات والاستطراد الى حد الغلو ، وهذا ما يسميه المستشرقون تلاعب الحاحظ gahiz be bavarde de والرأى عندى أن حيوية الجاحظ هى التى جعلته يميل ميلا خاصا الى هذا النوع من الاسلوب . فهو يسجع ولكن سحعة كألحان الموسيقى ، فيه الجمال وفيه الامتاع بل يوحى الطبع سجعه ويدعو اليه المقام . وقد وضع قانونا للسجع الجميل فى قوله من " كتاب البيان والتبين " ويمكنك الاقتناع به : " اذا لم يطل ذلك ، ولم تكن القوافى مطلوبة مجتلبة أو ملتمسة ، متكلفة " . ( 9 )
على أن الجاحظ لم يستخدم السجع كثيرا ( الطينة البيضاء - الدرة الزهراء - الروضة الخضراء . ) وبالعكس فانه يكثر من التقطيعات الصوتية المنسجمة ويعمد الى أسلوب الموازنة والمزاوجة : " وهاشم موضع العذار من خد الفرس والعقد من لبة الكعاب وهو الجوهر المكنون والذهب المصفى وموضع المحة من البيضة والعين في الرأس والروح من البدن . وهم الانف المقدم والسنام الاكوم ... الخ " . وفى هذه القطعة استعارات تكثر فى الشعر فبنو هاشم هم " الجوهر المكنون " و " الذهب المصفى " وبهذه الصورة نقف على الجاحظ الاديب المتفنن في الكتابة وتعد قطعته نموذجا من النثر الفنى فى القرن الثالث وفيها يسجد ويركع لبنى العباس فى نفس غنائى يطرب له القارىء .
ويكثر الاسلوب الغنائى فى مؤلفات أبى عثمان . فاستمع اليه يتغنى فى كتاب " البيان والتبيين " بفصاحة كلامه صلى الله عليه وسلم ويعرف البلاغة بالاعتماد عليه :
" - وان كلامه صلى الله عليه وسلم : هو الكلام الذي قل عدد حروفه ، وكثر عدد معانيه ، وجل عن الصنعة ، ونزه عن التكلف ... استعمل المبسوط في موضع البسط ، والمقصور فى موضع القصر ، وهجر الغريب الوحشي ورغب عن الهجين السوقى ، فلم ينطق الا ميراث حكمه ، ولم يتكلم الا بكلام قد حف بالعصمة ، وشد بالتأييد ، ويسر بالتوفيق . وهذا الكلام الذي القي الله المحبة عليه وغشاه بالقبول ، وجمع له بين المهاب و الحلاوة ، وبين حسن الافهام وقلة عدد الكلام ، وهو مع استغنائه عن اعادته وقلة حاجة السامع الى معاودته ، لم تسقط له كلمة ولا زلت له قدم ، ولا بارت له حجة ، ولم يقم له خصم ، ولا أفحمه خطيب بل يبذ الخطب الطوال
بالكلام القصير ، ولا يلتمس اسكات الخصم الا بما يعرفه الخصم ولا يحتج الا بالصدق ، ولا يطلب الفلج الا بالحق ، ولا يستعين بالخلابة ، ولا يستعمل المؤارية ، ولا يهمز ولا يلمز ، ولا يبطئ ولا يعجل ، ولا يسهب ولا يحصر ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نبعا ، ولا أصدق لفظا ، ولا أعدل وزنا ولا أجمل مذهبا ، ولا اكرم مطلبا ، ولا أحسن موقعا ، ولا أسهل مخرجا ولا أفصح عن معناه ولا أبين عن فحواه - من كلامه صلى الله عليه وسلم " (10)
فهذه قطعة غنائية ذات وحدة يتغنى فيها الجاحظ بكلامه عليه الصلاة و السلام ولا اريد أن أطيل الحديث عن لغة النص الخاصة بفنى البلاغة والنقد فكتاب " البيان والتبيين " وكتب البلاغيين ونقاد الادب فى القرون الوسطى زاخرة بمثل هذه المصطلحات
قلت ليس فى النص أقسام واضحة بينة لانه قطعة غنائية متكونة من جمل متوازنة متساوية فى عدد الكلمات ، تقرأ فى نفس واحد ، ويستعمل فيها الترديد : " هو الكلام الذي قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه وجل عن الصنعة ونزه عن التكلف " . فانظر الى الاكثار من الافعال الدالة على عصمة كلام الرسول " جل عن - نزه عن - رغب عن " ثم لاحظ ترديد بعض التراكيب التى تفيد عكس الاجتناب أى تفيد الاقبال على الفصيح من الكلام المعصوم كما تفيد الحصر والاقتصار على نوع خاص " ولم ينطق الا عن ... " " ولم يتكلم الا بـ ..." وترنم لحظة بترديده " ولا . . ولا . . ولا . ." وهو اسلوب النفي يستعمل فيه افعالا بعد (لا) تدل على الزلل والعيب " زلت - بارت - يهمز - يلمز - الخ ... "
فبفضل التقطيعات الصوتية المنسجمة والتنغيم الموسيقى العذب يصل الجاحظ في نثره الى احداث " حال شعرية " يسميها " بول فاليرى " Paul Valéry في الشعر Etat Poétique (11) فيجعل نفس السامع تنشرح بها وتتفتح لقبول ما يريد أبو عثمان بثه فيها ، كتفتح الزهرة الى قطر الندى وإلى أشعة الشمس عند البزوغ ، نيقتنع السامع بأن كلامه عليه السلام معصوم ومثال أعلى لفصيح الكلام ويعرف معيار البلاغة .
ويبدو الجاحظ ههنا أديبا بلاغيا ممهد علم البلاغة .
4 ) الاسلوب الملحمي الغنائى :
وتنوعت أساليب الجاحظ فمنها الاسلوب الملحمي الممتاز بتعداد مناقب البطل المقدام والتغنى بخصاله . فاسمع قوله فى خصال الديك :
" فى الديك الشجاعة وفى الديك الصبر عند اللقاء . . وفى الديك الجولان وهو ضرب من الروغان ، وجنس من تدبير الحرب ، وفيه الثقافة ) الحذق ( والتسديد ، وذلك أنه يقدر ايقاع صيصيته ) أى طرف منقاره ( بعين الديك الآخر ويتقرب الى المذبح فلا يخطئ . . . وله مع الطعنة سرعة الوثبة والارتفاع فى الهواء . وسلاحه طرير ( ماض ) وفى موضع عجيب ، وليس ذلك الا له ... " ( 12 ) ولا ننس ان هذا الفخر يدخل فى اطار تلك المساجلات الكلامية او الجدلية بين فريقين من المعتزلة وفريق ينتصر للكلب وفريق يشيد بذكر الديك . على ان الاسلوب الملحمى ابرز ههنا .
ونعثر على الاسلوب الملحمي الغنائى فى مواطن كثيرة من رسالة " مناقب الاتراك " . فها هو يقول على لسان الخراسانى :
" ونحن فتحنا البلاد وقتلنا العباد وأبدنا العدو بكل واد " (ص 8) " ونحن قوم لنا اجسام وأجرام وشعور وهام ( طويلة عظيمة ) ومناكب عظام وجباه عراض وقصص غلاظ وسواعد طوال " ( ص 10 ) " ونحن اصحاب اللحى وارباب النهى واهل الحلم والحجى . . ولنا الطبول المهولة والبنود العظام ونحن اصحاب التجافيف والاجراس والبازفكند واللبود الطوال والاغماد المعقفة والشوارب المعقربة والقلانس الشاشية والخيول الشهرية والكافر كوبات والطبرزينات فى الاكف ، والخناجر فى الاوساط ، وحسن الجلسة على ظهور الخيل ، ولنا الاصوات التى تسقط الحبالى " ( ص 11 )
وعساك تعلم أن هذه الاوصاف وسائل سيكولوجية للتهويل والترهيب في الحروب يومئذ . فنحن بصدد مفاخرات بين الاجناس الخمسة المختلفة فى جند الخلافة فني عصر الجاحظ . ويعدد الجاحظ هذه المناقب على لسانهم فى نفس ملحمي غنائى يحدثه بفضل التقطيعات الصوتية المنسجمة والسجعة وترديد " ونحن ... و نحن ... " ولنا ... ولنا " وذكر آلات الحرب وتعداد صفات البطولة والوسائل المهولة .
5 ) اسلوب النقد الادبي :
ويعلمنا ابو عثمان اسلوب النقد فى " البيان والتبيين " وفى مقدمة " كتاب الحيوان " الطويلة . فها هو يقول لمن عاب كتبه : " بهرك ما سمعت ، وملا صدرك الذي قرأت ، وأبعلك وأبطرك ، فلم تتجه للحجة وهى لك معرضة ولم تعرف المقاتل وهي لك بادية ، ولم تعرف باب المخرج اذ جهلت باب المدخل ولم تعرف المصادر اذ جهلت الموارد ( 13 ) ان أبا عثمان يسخر من المتهجم على كتبه ايما سخرية وينتقده انتقادا لاذعا باستعمال تراكيب دالة على غفلته وجهله ومنها ترديد " ولم تعرف " فلم تتجه لـ ... "
" اذ جهلت " وكل ذلك فى أسلوب غنائى متركب من جمل متوازنة متوازية . على ان أبا عثمان فى نقده اللاذع لا يعمد الى السب والشتم ، بل ينصحنا بتجنب أسلوب السب والشتم وينصحنا باطالة الفكرة وامعن النظر قبل الحكم على نتاج كاتب او شاعر حين يقول لمن عاب كتبه فتشفى من صاحبها : " رأيت أن سب الاولي اشفى لدائك ، وأبلغ في شفاء سقمك ورأيت ان ارسال اللسان احضر لذة وابعد من النصب ،ومن اطالة الفكرة ومن الاختلاف الى أرباب هذه الصناعة " ( ص 12 )
وبهذه الردود ينتصب الجاحظ ناقدا فذا ويعلمنا أسلوب النقد الادبى . وعلى كل نههنا نغم موسيقى عذب تحدثه الجمل المتوازنة المتوازية . وهذه الظاهرة تكاد تكون عامة فى أسلوب أبى عثمان
6 ) اسلوب الوصف الكاريكاتورى المضحك
وللجاحظ أسلوب آخر امتاز به ، له صلة باسلوب منطق المغالطة لكثرة التلاعب بالالفاظ فيه وهذا اسلوب " كتاب التربيع والتدوير " خاصة وهو نموذج من أسلوب السخرية اى الاسلوب الهجائى اللاذع المنزه من السب والشتم لكن المشبع بالتهكم والتصوير الكاريكاتورى المضحك . وجدير بالذكر أن الجاحظ مفطور على الضحك ، يحب النكتة وينشط لها . فلقى هذا الاسلوب هوى فى نفسه
وبفضل التصوير الكاريكاتورى ينقلب أحمد بن عبد الوهاب خطوطا هندسية واشكالا ويبرز فى شكل التربيع والتدوير . فها هو يقول :
بل ما يهمك من أقاويلهم ويتعاظمك من اختلافهم ، والراسخون فى العلم والناطقون بالفهم يعلمون أن استفاضة عرضك قد ادخلت الضيم على ارتفاع سمكك ، وأن ما ذهب منك عرضا قد استغرق ما ذهب منك طولا ولئن اختلفوا في طولك لقد اتفقوا فى عرضك ، واذا قد سلموا لك بالرغم مبطرا ومنعوك بالظلم شطرا ، فقد حصلت ما سلموا وأنت على دعواك بما لم يسلموا ... " (14 )
فالجدل ظاهر ههنا لكنه جدل مغالط اذ يصبح أحمد بن عبد الوهاب مشكلة يخوض فيها العلماء فيختلفون فى أمور ويتفقون فى أخرى . ويصبح خاصة خطوطا وأشكالا هندسية فى قول أبى عثمان : " فانت المديد وانت البسيط وأنت الطويل وانت المتقارب ! فياشعرا جمع الاعاريض ويا شخصا جمع الاستدارة والطول ! " ( ص 13 )
وعلى كل فقد ابدع الجاحظ فى وصف قصر أحمد بن عبد الوهاب وعرضه
بالجمع بين المتناقضات وبالتلاعب بالالفاظ وبالاعتماد على منطق المغالطة Sophisme وخاصة بتجفيف الكائن الحي وهو أحمد بن عبد الوهاب ويحدث الضحك عندما تجفف الحياة ويجعل منها آلة . وهذا رأى الفيلسوف الفرنسى " هنرى بركسون " فى كتابه " الضحك " Le Rire فان براعة المضحك حسب " بركسون " تتمثل فى جعل الانسان ( الكائن الحي ) صورة وأشكالا تتحرك Un pantin articule(15)ويجعلنا أبو عثمان نتصور أشكال احمد بن عبد الوهاب المتحركة المتداخلة بفضل الترديد وتعداد الاشكال " فأنت المديد وانت البسيط وأنت الطويل وانت المتقارب . . . "
7 ( الاسلوب القصصى :
ولم يتقيد الجاحظ الذي يأبى القيود باسلوب واحد بل تنوعت أساليبه فى الكتابة . ومن بينها أسلوبة القصصى . فقد وهب الجاحظ ريشة كاتب قصصى فنان ، أجاد فن الاقصوصة فى كتاب "البخلاء" وفى " كتاب الحيوان " فاقرأ قصة الخناقين وهم طائفة من غلاة الشيعة من الروافض كانوا يقتلون اعداءهم فى المذهب خنقا . ثم اصبح القتل جبلة فيهم فطمع بعضهم في حمال لا يملك سوى ثويب ودريهمات : " وانظر كيف أخذوا أهل درب بأسره وذلك أن بعضهم رغب فى ثويب كان على حمال ، وفيه دريهمات معه فالقى الوهق فى عنقه فغشى عليه ولم يمت وتحرك بطنه فاتى المتوضأ وتحرك الحمال والساجور فى عنقه فرجعت نفس الحمال . فلما لم يحس باحد عنده ، قصد نحو باب الدار ، وخرج وزياره فى عنقه وتلقته جماعته ، فأخبرهم الخبر ، وتصايح الناس فأخذوا عن آخرهم " ( 16 )
فاسلوب الاقصوصة جميل ايحائى ، ولما تتابعت حوادثها بسرعة كبيرة عمد الجاحظ الى الاسلوب القصصى الحى . ففى هذه الاقصوصة أزمة تنفرج قليلا ثم تعود الى التأزم من جديد وتبلغ حد المأساة اذ يعلمنا الجاحظ أن الحمال وأصحابه أخذوا عن آخرهم أى قتلوا خنقا . وتتابعت حوادث الاقصوصة بسرعة كبيرة فأكثر الجاحظ من الافعال فتتابعت بسرعة كذلك . فامعن النظر فى قوله : " فالقى الوهق فى عنقه فغشى عليه ولم يمت . وتحرك بطبنه فاتى المتوضأ وتحرك الحمال والساجور فى عنقه فرجعت نفس الحمال . . الخ " فان أبا عثمان الكاتب القصصى يجعلنا نتلهف من أول وهلة لمعرفة النهاية فتنقطع أنفاسنا بانقطاع أنفاس الحمال وترجع برجوعها وهذا سر عبقريته .
وجدير بالملاحظة أن جمل أبى عثمان ههنا قصيرة : " فعل + فاعل +
مفعول " أو " فعل + فاعل " او " فعل + فاعل + + جملة حالية اسمية " او " فعل + حرف " . وكأنما اختار هذه الجمل القصيرة للتعبير عن تتابع الحوادث بسرعة ، ولخلق جو خاص يوافق اختناق أنفاس القارىء واختناق أنفاس الحمال الملهوف .
فهذا نموذج من اسلوب الجاحظ القصاص العبقرى
8 ) جملة الجاحظ الحية :
قلت فى اول هذا البحث ليس فى الامكان أن نحكم حكما عاما مطردا على جملة أبى عثمان . غير أن ابرز صفات جملته فى أساليبه المتنوعة ، تفرعها مع بساطة تركيبها . فجملة الجاحظ حية كصاحبها الممتاز بحيوية كبيرة ، تنمو وتتفرع وتذهب الى شتى النواحى كأغصان الشجرة . فانظر الى هذه الجملة :
" فحين حملوا حدهم ( يعنى العرب ) ووجهوا قواهم الى قول الشعر وبلاغة المنطق وتشقيق اللغة وتصاريف الكلام وقيافة البشر بعد قيافة الاثر وحفظ النسب والاهتداء بالنجوم والاستدلال بالآثار وتعرف الانواء والبصر بالخيل والسلاح وآلة الحرب والحفظ لكل مسموع والاعتبار بكل محسوس واحكام شأن المناقب والمثالب بلغوا فى ذلك الغاية وحازوا كل أمنية " ( 17 )
فهذه الجملة تبتدئ بقوله : " فحين حملوا حدهم ووجهوا قواهم " وتنتهى الى قوله : " بلغوا فى ذلك الغاية وحازوا كل أمنية " . ويتخلل البداية والنهاية كلام طويل متشعب . فجملته هندسية Géométrique
وللجاحظ جملة أخرى فى نفس التركيب لكنها أطول من الاولى :
" فحين لم تشغلهم الصناعات ولا التجارات ولا الطب والفلاحة والهندسة ولا غرس ولا بنيان ولا بثق انهار ولا جباية غلات ، ولم تكن هممهم غير الغزو والغارة والصيد وركوب الخيل ومقارعة الابطال وطلب الغنائم وتدويخ البلدان وكانت هممهم الى ذلك مصروفة وكانت لهذه المعانى والاسباب مسخرة ومقصورة عليها وموصولة بها ، أحكموا ذلك الامر بأسره وأتوا على آخره . " (18)
فهناك عنصران أساسيان ترتكز عليهما الجملة وهما البداية والنهاية بتخللهما كلام طويل متشعب يتفرع كأغصان الشجرة ، يلتوى ويعرج . فاسلوب الجاحظ ثرى متعدد الوجوه ، يتغير بتغير الموضوع ولغته ثرية .
بالجمع بين المتناقضات وبالتلاعب بالالفاظ وبالاعتماد على منطق المغالطة Sophisme وخاصة بتجفيف الكائن الحي وهو أحمد بن عبد الوهاب . ويحدث الضحك عندما تجفف الحياة ويجعل منها آلة . وهذا رأى الفيلسوف الفرنسى " هنرى بركسون " فى كتابه " الضحك " Le Rire فان براعة المضحك حسب " بركسون " تتمثل فى جعل الانسان ( الكائن الحى ) صورة وأشكالا تتحرك Un pantin articulé (15) ويجعلنا أبو عثمان نتصور أشكال احمد بن عبد الوهاب المتحركة المتداخلة بفضل الترديد وتعداد الاشكال " فأنت المديد وانت البسيط وأنت الطويل وأنت المتقارب ... "
7 ) الاسلوب القصصى :
ولم يتقيد الجاحظ الذي يأبى الفيود باسلوب واحد بل تنوعت أساليبه فى الكتابة . ومن بينها أسلوبه القصصى . فقد وهب الجاحظ ريشة كاتب قصصى فنان ،أجاد فن الاقصوصة فى كتاب " البخلاء " وفى " كتاب الحيوان " فاقرأ قصة الخناقين وهم طائفة من غلاة الشيعة من الروافض كانوا يقتلون اعداءهم فى المذهب خنقا . ثم اصبح القتل جبلة فيهم فطمع بعضهم في حمال لا يملك سوى ثويب ودريهمات : " وانظر كيف أخذوا أهل درب بأسره وذلك أن بعضهم رغب فى ثويب كان على حمال ، وفيه دريهمات معه فالقى الوهق فى عنقه فغشى عليه ولم يمت وتحرك بطنه فاتى المتوضأ وتحرك الحمال والساجور فى عنقه فرجعت نفس الحمال . فلما لم يحس باحد عنده قصد نحو باب الدار ، وخرج وزياره فى عنقه وتلقته جماعته ، فأخبرهم الخبر ، وتصايح الناس فأخذوا عن آخرهم " (16) .
فاسلوب الاقصوصة جميل ايحائى ، ولما تتابعت حوادثها بسرعة كبيرة عمد الجاحظ الى الاسلوب القصصى الحى . فقى هذه الاقصوصة أزمة تنفرج قليلا ثم تعود الى التأزم من جديد وتبلغ حد المأساة اذ يعلمنا الجاحظ أن الحمال وأصحابه أخذوا عن آخرهم أى قتلوا خنقا . وتتابعت حوادث الاقصوصة بسرعة كبيرة فأكثر الجاحظ من الافعال فتتابعت بسرعة كذلك . فامعن النظر فى قوله : " فالقى الوهق فى عنقه فغشى عليه ولم يمت ، وتحرك بطبنه فاتى المتوضأ وتحرك الحمال والساجور فى عنقه فرجعت نفس الحمال . . الخ " فان أبا عثمان الكاتب القصصى يجعلنا نتلهف من أول وهلة لمعرفة النهاية فتنقطع أنفاسنا بانقطاع أنفاس الحمال وترجع برجوعها وهذا سر عبقريته .
وجدير بالملاحظة أن جمل أبى عثمان ههنا قصيرة : " فعل + فاعل +
مفعول " أو " نعل + فاعل " او " فعل + فاعل + جملة حالية اسمية " او " فعل + حرف " . وكأنما اختار هذه الجمل القصيرة للتعبير عن تتابع الحوادث بسرعة ، ولخلق جو خاص يوافق اختناق أنفاس القارىء واختناق أنفاس الحمال الملهوف
فهذا نموذج من اسلوب الجاحظ القصاص العبقرى
8 ) جملة الجاحظ الحية :
قلت فى اول هذا البحث ليس فى الامكان أن نحكم حكما عاما مطردا على جملة أبى عثمان . غير أن ابرز صفات جملته فى أساليبه المتنوعة ، تفرعها مع بساطة تركيبها . فجملة الجاحظ حية كصاحبها الممتاز بحيوية كبيرة ، تنمو وتتفرع وتذهب الى شتى النواحى كأغصيان الشجرة . فانظر الى هذه الجملة :
" فحين حملوا حدهم ( يعنى العرب ) ووجهوا قواهم الى قول الشعر وبلاغة المنطق وتشقيق اللغة وتصاريف الكلام وقيافة البشر بعد قيافة الاثر وحفظ النسب والاهتداء بالنجوم والاستدلال بالآثار وتعرف الانواء والبصر بالخيل والسلاح وآلة الحرب والحفظ لكل مسموع والاعتبار بكل محسوس واحكام شأن المناقب والمثالب بلغوا فى ذلك الغاية وحازوا كل أمنية " ( 17 )
فهذه الجملة تبتدئ بقوله : " فحين حملوا حدهم ووجهوا قواهم " وتنتهى الى قوله : " بلغوا فى ذلك الغاية وحازوا كل أمنية " . ويتخلل البداية والنهاية كلام طويل متشعب . فجملته هندسية Géométrique
وللجاحظ جملة أخرى فى نفس التركيب لكنها أطول من الاولى
" فحين لم تشغلهم الصناعات ولا التجارات ولا الطب والفلاحة والهندسة ولا غرس ولا بنيان ولا بثق انهار ولا جباية غلات ، ولم تكن هممهم غير الغزو والغارة والصيد وركوب الخيل ومقارعة الابطال وطلب الغنائم وتدويخ البلدان وكانت هممهم الى ذلك مصروفة وكانت لهذه المعانى والاسباب مسخرة ومقصورة عليها وموصولة بها ، أحكموا ذلك الامر بأسره وأتوا على آخره . " ( 18 )
فهناك عنصران أساسيان ترتكز عليهما الجملة وهما البداية والنهاية يتخللهما كلام طويل متشعب يتفرع كأغصأن الشجرة ، يلتوى ويعرج . فاسلوب الجاحظ ثرى متعدد الوجوه ، يتغير بتغير الموضوع ولغته ثرية .
وهذا يعيننا على فهم نفسية الجاحظ وطبيعته اذ يوافق اسلوبه الحى وجمله الحية حيوية أبى عثمان الشهوانى الذى أحب الحياة وأفرط فى حبها فأحبها فى كأس نبيذ ( انظر رسالتيه : " فى مدح النبيذ " و " الشارب والمشروب " ) وأحبها فى أكلة شهية ( كتاب البخلاء ) كما أحبها فى عذب الغناء من الوجه الشهى والبدن الشهى ( رسالة القيان ) ، وقد تغنى وصدح باسلوبه الغنائى فاطربنا ، وأحبها فى معسول " النوم الذى هو حياتك أو أحد أقواتك " حسب قوله ( 19 )
ولم يبلغنا أن الجاحظ تزوج حرة . فهو القائل : " القينة تقتنى بالعين ( أى بالذهب والفضة ) وترد بالعيب والحرة غل من صارت اليه " . ولعل سر ذلك فرط حيوية أبي عثمان ورفضه القيود . فجملته صورة لنفسه .
علمت - حفظك الله - أن لدراسة أسلوب الكاتب أهمية كبيرة اذ تعيننا على مزيد فهم نتاجه ومعرفة ثقافته وأحيانا نفسيته . وايقنت - جنبك الله الشبهة وأودع صدرك برد اليقين - أن أسلوب أبى عثمان الذى اخترنا الحديث عنه زاخر بالحياة يتلون بتلون المواضيع ، فهو تارة جدلى من منطق المغالطة وتارة تعليل علمي وتارة غنائى شعرى واخرى قصصى ممتع . ومهما يكن من أمر فأن لاسلوبه وجمله ميزات لا نجدها عند غيره ولا يمكن حصرها .
واعتقادى الراسخ أن كتب الجاحظ تعلم كل شاد الذوق الادبى السليم بأساليبها ولغتها وتجعله قادرا على الكتابة الجيدة فى كل موضوع . ويبدو أن الجاحظ واع برسالته اذ نصب نفسه للنشء معلم بيان
