الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الجامعة التونسية والتعريب

Share

" واذا نحن استطعنا يوما ان نعرف ونفهم أنفسنا وامكاناتنا المعنوية والطبيعية والبشرية ، التى ما تزال قشرة الحضارة المستوردة هى التى تستر عورة جهلنا بها ، فاننا عندئذ نستطيع أن نعتبر أنفسنا قد وضعنا أرجلنا فى أقصر طريق يوصلنا بأقصى السرعة الى التقدم الحقيقى ، . . " ) * ( .

امتازت تجربة التعريب للتعليم العالى فى تونس بالمرونة السياسية اذا تركت وزارة التعليم العالى ) 1 ( ومن قبلها وزارة التربية القومية ، المبادرة للعمداء والمدرسين فيما يخص المواد التى يرونها قابلة للتعريب أو يرون أنفسهم قادرين على تعريبها . ولعل هذا يرجع الى نوعية العوامل التى تسيطر على الاتجاهات الخاصة بتعريب التعليم وهى فى الواقع عوامل مختلفة المنابع ومتضاربة النتائج

ان لغة التعليم تهم مباشرة عناصر ثلاثة : الطلبة ، الاساتذة ، المحيط المهنى ، وهذه العناصر تتطور داخل محيط خاص بها ، فيه من الضغوط ومن

الحاجيات ومن الاهداف ما يبعث على تصرفات كثيرا ما تكون غير متسقة مع تصرفات وأهداف العنصر الآخر

ولنتبين أولا ما هى العوامل الخاصة بمحيط كل من هذه العناصر الثلاثة ثم نحاول بعد ذلك الاجابة عن السؤال الذى يهمنا : ما هى حظوظ تعريب التعليم فى الجامعة التونسية ؟ واذا كانت هذه الحظوظ متوفرة ما هى الطرق والوسائل التى تساعد على بناء سياسة تعريب ناجعة ؟

العوامل الخاصة بالطلبة :

1 ( تعريب مادة الفلسفة : لقد بادرت وزارة التربية القومية منذ سنة 1975 بتعريب مادة الفلسفة وكانت من نتائج هذه المبادرة ان اصبح الطلبة متهيئين اكثر لاستبعاب مواد العلوم الانسانية بالعربية أكثر منها بالفرنسية لانهم ينتظرون شيئا من الترابط المنطقى بين التعليم الثانوى والتعليم العالى .

مع ان دراسة مادة باللغة العربية خلق عندهم انماطا وآليات فى التفكير مرتكزة على استعمال مفاهيم معينة متبطنة ولا شعورية فى بعض الاحيان يساعد استعمالها على تحسين المردود البيداغوجى ، وذلك منذ الحصص الاولى فى الدراسة الجامعية هذا ولو ان بعض المواد من العلوم الانسانية بعيدة شيئا ما عن المواضيع المطروقة فى دروس الفلسفة أو أن كيفية طرقها تختلف عن لكيفية التى طرقت بها فى التعليم الثانوى

ان هذا العامل الاول يمثل احد الاسباب التى جعلت الطلبة يطالبون منذ سنوات بالتعريب لتدريس بعض المواد فى كلية الاقتصاد والتصرف مثلا

2 ( انخفاض ممارسة اللغة والثقافة الفرنسيتين في الحياة الاجتماعية : لقد تدرجت اللغة الفرنسية خلال تطور التعليم في تونس منذ الاستقلال الى مكانة اللغة الوسيطية التى لا تدرس لذاتها ولكن لتستعمل كأداة لتدريس بعض المواد وخاصة العلمية منها . وهذه المكانة تجعل لا محالة الاهتمام بها اقل من قبل من طرف التلامذة بالمقارنة الى ما كان عليه الامر قبل الاستقلال

أو حتى فى السنوات الاولى بعده لاسباب عدة خاصة منها ان جل المدرسين فى التعليم الثانوى كانوا من الفرنسيين

اما انخفاض ممارسة الثقافة الفرنسية فتعنى ان ارادة تحقيق الاستقلال الثقافي وديمقراطية التعليم جعلت من المحتم .

ا - تونسة اطار التعليم ، ومن نتائجه أن اصبح التلميذ يتفاعل مع مدرسين تتخلل سلوكهم ومحتوى اتصالهم - من وراء المعلومات المبرمجة الخاصة بالدرس - الحضارة والثقافة ) 2 ( التونسية ، فيتكلم الاستاذ عن نواح خاصة بتجربته وآرائه ومحيطه الاجتماعى الضيق والواسع والتى جميعها مرتبطة أساسا بتاريخ وثقافة هذه البلاد

وهكذا يصبح التلميذ يمارس الثقافة التونسية فى المدرسة وخارج المدرسة بخلاف ما كان عليه الامر مع المدرسين الفرنسيين الذين عند اتصالهم بالتلامذة اثناء الدرس أو خارجه يعطون ثقافة متأثرة بقيمهم ومثلهم المندرجة فى شخصيتهم عن شعور أو عن غير شعور حتى ولو كان الامر يتعلق بالحديث عن الثقافة أو البيئة التونسية

ب - تقريب محتوى الدروس اللغوية أو العلمية من الثقافة والتجربة الاجتماعية التونسية والعربية والافريقية

ونجد فى الكتب المستعملة فى المدارس الثانوية لتدريس اللغة الفرنسية نصوصا كتبها تونسيون أو جزائريون أو سينغاليون على حد السواء . ونجد كذلك المشاكل الحسابية الموضوعة فى الكتب المدرسية من الابتدائى الى الثانوى مستوحاة من واقع المبادلات التجارية فى تونس والمواد المستعمل عندنا .

وهكذا اذن اصبحت تونسة الاطار والكتب المدرسية عنصرا هاما في تقريبا الطالب لثقافة مجتمعه وابتعاده تدريجيا عن الثقافة الفرنسية كما تمارس فى الحياة اليومية والتى تصبح بالنسبة له بمثابة عنصر من عناصر المعلومات العامة التى تساهم فى التكوين

3 ( التطور السياسى وتبلور الشعور الوطنى

ان التطور السياسى وتبلور الشعور الوطنى بصفة خاصة عند البعض من الاجيال الشابة تدرج الى رفض الانتماء الثقافى الى دولة كانت مستعمرة واعتبار ان استعمال لغتها يمثل امتدادا وتشبثا بهذا الاستعمار من طرف الذين يكبرونهم سنا . لاحظنا مثلا خلال الخمس سنوات الاخيرة ان الطلبة يكتبون معلقاتهم وشكاويهم النقابية باللغة العربية

ان هذا التصرف لا يعنى أساسا انه دليل على الرغبة فى تعريب التعليم وانما على الاقل يدل على ان وظيفة اللغة العربية فى الاوساط الطلابية هاما جدا رغم اتباع الدروس باللغة الفرنسية فهى الوسيلة للتعبير عن الذات . ذات الجماعة التى توجد فى موقف تشعر فيه بأن مصالحها مهددة والوسيلة للاتصال الهادف الى التحفيز للعمل النقابى الجماعى ، وذلك فى اعتقادنا لا من باب التعصب ولكن من باب النجاعة لما انخفضت امكانيات الفرد التونسى من استعمال اللغة الفرنسية بطلاقة واستيعاب الخطاب بهذه اللغة على أكمل وجه

ان هذه العوامل المادية والعاطفية التى ذكرناها ) 3 ( والخاصة بالطلبة تعتبر بمثابة الدوافع السلبية فيما يتعلق باستمرار التعليم العالى باللغة الفرنسية والدوافع الايجابية التى تساعد على تعريبه بكل فروعه بما فى ذلك العلوم الصحيحة التى تحتوى على طرق وآليات حسابية وكذلك على نظريات وتحاليل وتأويلات تتطلب من صاحبها استعمال أداة لغوية واسعة والتمكن منها .

العوامل الخاصة بالاساتذة :

1 ( تكوين المدرسين الجامعيين : ان اغلبية المدرسين فى الجامعة التونسية هم متكونون اما فيها وباللغة الفرنسية ، واما فى الجامعة الفرنسية نفسها ولذا فمن البديهى ان دراستهم وقيامهم ببحوث وكتابات بهذه اللغة يسهل عليهم ممارسة مهنتهم بها ولو ان العديد منهم - من المتشبثين بالفرنسية لا يتقنونها حق الاتقان وكثيرا ما نلاحظ

عندما ندقق ونتفطن الى جزئيات اللغة انهم يرتكبون غلطات سواء عندما يتكلمون أو عندما يكتبون ) 4 ( ولكن جهلهم باللغة العربية فى ميدان علمهم أكبر .

2 ( المراجع :

ان اغلبية العلوم ان لم نقل كلها والتى تدرس فى الجامعة التونسية وفى كل جامعة نستمدها أساسا من البلاد المتقدمة ولذا يرى الكثير من المدرسين او تعريب التعليم له نتائج عكسية اذ هو يبعدنا عن منابع العلم وتطوره ، ويجعل استيعابه منقوصا لانه سيعتمد على الترجمة ، مع العلم ان الكثير من الترجمات لا تحترم النص الاساسى بصفة وفية كليا ، وان الكثير من المراجع والكتب لم تترجم بعد ولن تترجم على أمد قريب أو بالمرة

وهكذا يمثل التعريب خطرا على البحث الذى يصبح فى حالة تبعية لحركة الترجمة مع ان المكتبات التونسية تغص بالكتب والمراجع المكتوبة بالفرنسية .

3 ( العامل النفسى :

من المعروف عند علماء النفس والاجتماع ان كل تغيير فى الاوضاع يدعو الى مقاومة ولو ضئيلة أو تخص فئة اجتماعية محدودة

فاذا كان التغيير يخص شيئا أساسيا كالمهنة يصعب تقبله لانه يخلق موقفا جديدا يفرض توزيعا جديدا للقوى والنفوذ ، وخطرا على المكانة المكتسب ويسبب فقدانا نسبيا للشعور بالامن والطمأنينة ومن المخاوف التى يعبر عنها صراحة بعض المدرسين الجامعيين عندما يطرق موضوع التعريب ، هو توقع انخفاض المستوى العلمى للتعليم الجامعى فى تونس وذلك بالميل الى اسناد الدروس الى أساتذة يرشحون أنفسهم لا لتفوقهم العلمى بل لقدرتهم عن استعمال اللغة العربية فقط . وهناك من يخاف من ان بعض المدرسين يقبلون على القيام بتعريب بعض المواد رغم انهم لا يحسنون اللغة العربية زيادة على ان مستواهم العلمى مشكوك فيه ، وذلك من أجل انتهاز بعض الفرص والتحصيل على امتيازات معينة . وقد يعبر عن هاته المخاوف صراحة وعن حسن نية بناء

على تجربة ما أو حادثة ما ، أو لطمس العوامل النفسانية السابق ذكرها والتى هى أساس المخاوف

وهناك أخيرا فئة من المدرسين من ينظرون الى مسألة التعريب من الناحية الايديلوجية والسياسية ويعتبرون ان الذين يدعون الى التعريب لهم نظرة سياسية تتباين ونظرياتهم الخاصة بتقدم وتطور البلاد فهم يخالفونهم فى أمر تعريب التعليم من أجل مواقف سياسية بحت .

4 ( التجربة البيداغوجية :

هذا العامل ينفصل عن العوامل السابق ذكرها لسببين - لانه من الحوافز الايجابية للتعريب لدى المدرسين - ولانه لا يهم الا نسبة قليلة من المدرسين

ان بعض المدرسين الذين عملوا منذ سنوات باللغة الفرنسية أصبحوا يشعرون شيئا فشيئا ان خطابهم البيداغوجى الذى يحتوى على معان دقيقة ويتطلب رصيدا لغويا واسعا ، لم يعد يصل الى الطلبة بصفة مرضية . وهو ما يلاحظونه عندما يسألهم الطلبة عن معانى كلمات يعتبرها الاساتذة ضمنيا انها بسيطة ومفهومة أو عندما يصرف الحاجز اللغوى الطلبة عن فهم النظريات بدقة والتفكير فى أسسها والنقد الموجه اليها ، ويبعثهم فى كثير من الاحيان على تصرفات ببغائية ينقلون فى مقالاتهم ما يسمعونه عند الدرس بدون علاقة موضوعية أو مع كثير من التحريف ، فيصبحون لا يستعملون المراجع بما فيه الكفاية لانهم لا يجدون قدرة لغوية كافية لمتابعة هذه المراجع ومطالعتها ، اذ انها مكتوبة بلغة لا يملكون السيطرة عليها ، أو لانهم بحكم عدم فهم الدرس يفقدون الفضول العلمى فلا يضعون على أنفسهم أسئلة معمقة تحثهم على تتابع فهم الموضوع ، بعض المدرسين الذين شعروا بهذه الصعوبات خاصة منهم فى ميدان العلوم الانسانية ، بادروا بالتعريب كلفهم ذلك ما كلفهم من بحوث وابتكار فى الترجمة وقطع الحبل مع العادات والآليات التى اكتسبوها والتى من شأنها ان تسهل عملهم لو استمروا فى استعمال اللغة الفرنسية وغضوا النظر عن المردود البيداغوجى وعن حاجيات الطلبة الحقيقية فى التكوين

ولو استثنينا هذا العامل وقارنا موقف الطلبة وموقف المدرسين أتضح التضارب بينهما : فواقع الطلبة الثقافى والتعليمى المتميز بالتونسية يتسق مع تعليم عال باللغة العربية ولكن هذا يتطلب مجهودا جديدا وشاقا من طرف الاساتذة ويمثل بالنسبة اليهم تغيرا يحتوى على اخطار مهنية بالنسبة للبعض

بقى عنصر ثالث يمكن ان تكون له فاعلية تدعيم التعريب أو صرف الذين بهمهم الامر ، عنه وهو المحيط المهنى

المحيط المهنى :

انه لمن البديهى القول بأن أى نسق systeme لتكوين الناشئة يهدف الى تهيئتها للحياة العملية والمهنية ولذا وجب التطابق بين برامج التكوين ونوعية الاعمال والمهن التى سيطالب الفرد القيام بها عند الوصول الى سن معينة أو عند تحمله مسؤولية وظيفة ما ، ولسنا نريد فى هذا المجال وضع تساؤلات فيما يخص مطابقة التكوين الجامعى لسوق الشغل ولكن الذى يهمنا الآن هو معرفة أى الأداتين اللغويتين ، العربية أم الفرنسية تهئ الطالب أكثر للحياة العملية ؟

غير ان الاجابة عن هذا السؤال بصفة جميلة متعذرة لان المحيط المهنى فى نونس يتصف بالازدواجية اللغوية : فبينما تستعمل بعض المؤسسات الادارية اللغة العربية أساسا ) مثل الادارات التابعة لوزارتى العدل والداخلية ( أبقت الاخرى على العمل باللغة الفرنسية ) مثل المؤسسات الصناعية الخاصة أو العامة والادارات التابعة لوزارة المالية . ( واتجه البعض الآخر الى استعمال اللغتين حسب مجالات العمل أو الاتصال ) مثل بعض الادارات أو المؤسسات التابعة لوزارة الصحة أو التربية القومية أو ادارة البريد (

ولهذا " التردد الجماعى " مبررات عدة تختلف ونوعية الجمهور الذى تتعامل معه الادارة أو المؤسسة من حيث تكوينه ونفوذه .

فبالنسبة للمؤسسات الصناعية مثلا يعزي استعمال اللغة الفرنسية كأداة عمل الى أسباب كهذه : متانة العلاقات التجارية مع البلاد الاوربية ، تواجد عدد من الاخصائيين متكونين باللغة الفرنسية ، وراثة نظام وطرق عمل عن الاطار الفرنسى لم تراجع بعد ، حاجة الاتصال بادارات حكومية تعمل باللغة الفرنسية ) 5 ( .

أما استعمال اللغة العربية فيتحتم على المؤسسة مهما كانت نوعية تكوين اطارها عندما تكون على اتصال بالجمهورية الواسع حيث يتنافى استعمال اللغة الفرنسية مع نجاعة الاعلام .

ان جملة الملاحظات هذه تحملنا على القول بانه فى الوقت الحاضر لا يمكن بالنسبة للاطار المتخرج من الجامعة الاستغناء عن اللغة الفرنسية لاداء العديد من المهن . فتمكنه من هذه اللغة يجعل فرص الشغل أوفر بالنسبة اليه والتكيف مع المحيط أيسر . ومن ناحية اخرى يوجد من المهن ما يتعذر ممارستها بدون تمكن من اللغة العربية ولعل هذا ما جعل كلية الحقوق تعمد الى اقحام هذه اللغة فى تدريس بعض المواد تجعل خريجيها متمكنين من اللغتين لان مستقبلهم متمثل فى الخطط العدلية حيث العمل باللغة العربية

هل نحن فى حاجة الى تعريب التعليم العالى ؟

ان جملة العوامل التى ذكرناها والخاصة بالعناصر الثلاثة

- الطلبة والمدرسين والمحيط المهنى - يمكن ان نقسمها بالنظر الى دافعيتها سلبيا أو ايجابيا نحو التعريب كما فى الجدول التالى

العوامل الايجابية

* ) التعريف فى المراحل السابقة للتعليم العالى 2 ( انخفاض المستوى فى اللغة الفرنسية وبالتالى انخفاض نجاعة الاتصال باستعمال هاته اللغة 3 ( تونسة الاطار ومحتوى التعليم . 4 ) انعكاس الشعور الوطني على التمسك بلغة البلاد 5 ) ديمقراطية التعليم وشموله الطبقات الشعبية البعيدة عن الثقافة واللغة الفرنسية . 6 ( ممارسة بعض المهن باللغة العربية

العوامل السلبية

1 ( التكوين الفرنسى لاغلب المدرسين . 2 ( الحاجة إلى استعمال المراجع الفرنسية والى التفتح على الغرب حيث نشوء وتطور النظريات العلمية 3 ) الصعوبات المتعلقة باستعمال المراجع المترجمة . 4 ( قصور حركة الترجمة . 5 ) عدم تمكن المدرسين بما فيه الكفاية من اللغة العربية . 6 ) استعمال اللغة الفرنسية كأداة أساسية فى ممارسة العديد من المهن .

ورغم ان هذا الجدول ليس شاملا لكل المؤثرات التى تسيطر على الاتجاهات ازاء التعريب ) 6 ( فانه يوحى بوجود شئ من التوازن بين المؤثرات الايجابية والمؤثرات السلبية من ناحية توافرها داخل المحيط الاجتماعى والثقافى التونسى .

وكما قدمنا فان فاعلية هذه المؤثرات متباينة حسب الاهداف وحسب الفئات الاجتماعية . اما إذا وضعنا أمر هذه الفاعلية فى اطار اختيار سياسة نعليم يصبح من المفيد ادراكها حسب مدى وعمق ارتباط العوامل المؤثرة بمكونات النسق الاجتماعى والثقافى ككل . وذلك عند السؤال عن مدى نجاعة اعتماد عوامل دون غيرها لبناء سياسة التعليم ووضع اختياراتها الاساسية

وقد يلاحظ فعلا ان هناك من العوامل ما يصح اعتباره من مكونات هذا النسق الاجتماعى الثقافى وما يمثل فى ذاته محددات Contraintes صلبة نسبيا يصعب تحويلها أو عدم احترامها فى اتخاذ القرارات وبناء سياسة تهم المجتمع ككل تكون أكثر نجاعة على المدى القريب والبعيد ، كما ان هناك من العوامل ما هو مرتبط بالواقع الاجتماعى والثقافى ولكن على مستوى أكثر سطحية بحيث تكون مرنة مطاوعة ، يصبح من السهل نسبيا الضغط عليها وتكييفها حسب الاهداف المرسومة لسياسة التعليم ، فتكون العلاقة بين العوامل الخاصة بالنسق الاجتماعى والثقافى من جهة وسياسة التعليم من جهة أخرى بشكل مجموعة متصلة Continuum يكون فى احد اطرافها القصوى التأثير للعامل الاجتماعى على السياسة وفي الطرف الآخر للسياسة على العامل الاجتماعى ويتخلل الطرفين علاقات تفاعلية بين السياسة والمحيط الاجتماعى وتتفاوت درجة الفعالية بالنسبة لعنصر أو لآخر كما يبينه الشكل الموالى :

سياسة التعليم

عوامل ذات علاقة متينة وعميقة بالنسق الاجتماعى الثقافى

عوامل ذات علاقة سطحية بالنسق الاجتماعى الثقافى قابلة لتأثيرات السياسة

عوامل لها علاقة بالنسق الاجتماعى ذات متانة وعمق نسبيين

ومن العوامل التى تعتبر من الصنف الاول نذكر مثلا الابتعاد عن ممارسة اللغة والثقافة الفرنسيتين ، وتونسة الاطار ، والتمسك باللغة العربية . اما عدم تمكن المدرسين التونسيين بما فيه الكفاية من اللغة العربية يمكن اعتبار من العوامل القابلة أكثر من غيرها لتأثير السياسة المتوخاة فى التعليم . اما كون اغلبية المدرسين متكونين باللغة الفرنسية او ان التعليم العالى والبحث يتطلبان مراجع بلغة اجنبية لما تتفوق به الدول المتقدمة فى ميدان الابتكار والتطور العلمي ولما يحتاج اليه كل علم من تفتح على ما يحدث فى البلاد الاخرى فهذا يمكن اعتباره من العوامل التى تؤثر وتتأثر بسياسة التعليم

فيمكن مثلا ان يطالب كل مدرس او باحث باتقان لغة أجنبية ومع ذلك يمكن حمل هؤلاء على اتقان اللغة العربية بصفة موازية للاطلاع كذلك عما يقام من بحوث ودراسات فى البلاد العربية الاخرى

فلو طبقنا هذا المثال النظرى الذى يقسم العوامل المؤثرة فى الاتجاهات الخاصة بالتعريب الى عوامل تفرض نفسها وعميقة الجذور فى النسق الاجتماعى

الثقافى ، وعوامل يمكن للسياسة ان تؤثر فيها على الواقع فى تونس لرأينا ان ما صنفناه آنفا من بين العوامل الايجابية يمثل فى اغلبه عناصر تكون أرضية يعسر أو لا يمكن البتة القضاء عليها او الرجوع فيها أو تحويلها : كتونسة الاطار أو التعريف فى المراحل الابتدائية والثانوية أو شمول التعليم للطبقات الشعبية الخ . وذلك لانها تمثل بعض ظواهر تطورات المجتمع التونسى الحاضرة والمستقبلة ، ومحاولة تحويل اتجاهها يكون بمثابة معاكسة تيار بتطلب مجهودا كبيرا ، ولا ينتهى الا بنتائج سلبية وعكسية أحيانا قد تعمل على تعزيز ذلك التيار .

اما فيما يتعلق بالعوامل السلبية التى أشرنا اليها فهناك عوامل ذات وجود حقيقى لكن وجودها هذا يجعلها مرتبطة بماضى الاستعمار أكثر منه بحركية الحضارة والتطور المستقبلى للمجتمع التونسى

فعدم تمكن المدرسين تماما من اللغة العربية وتكوينهم الفرنسى واستعمال اللغة الفرنسية كأداة عمل فى المؤسسات التونسية كل هذه الظواهر تمثل رواسب فترة تاريخية ، ليس من الموضوعى القول بانها أجنبية عن النسق الثقافي الاجتماعى فى تونس فى الوقت الحاضر ، بل يمكن اعتبارها من العناصر ذات العلاقة السطحية نسبيا بهذا النسق ككل لذا فهى قابل للتحويل والتغيير أكثر من غيرها من العوامل : فمن الممكن جدا مثلا رسكلة الاساتذة الذين لا يتقنون اللغة العربية ) 7 ( بينما من الصعب جدا جعل كل التلامذة أو الطلبة يمارسون اللغة الفرنسية باتقان تام أو يتخلون عن شعورها تجاه اللغة اللغة العربية

نلاحظ اذن من خلال هذا التحليل ان الواقع التونسى يحتوى على محددات تعمل فى اتجاه التعريب ، والمتوقع ان تطورها المستقبلى سيحتم على الامد القريب أو البعيد تعريب التعليم العالى كليا أو نسبيا .

وفى هذه الحالة يصبح من الضرورى وفى أقرب وقت ممكن بناء خطة وبرامج مدققة وموضوعية لتحقيق عملية التعريب بأكثر نجاعة وبأكثر اتساق مع خاصياتها وتطورات المحيط الاجتماعى الثقافى

بعض المقترحات لبناء برنامج للتعريب :

1 ( مناقشة الموضوع داخل الكليات وبينها بما أن أمر التعريب يهم كل الطلبة فايجاد حوار داخل كلية وبين الكليات يساعد على التدقيق في اكتشاف أكثر قدر ممكن من جوانب هذا الموضوع كما يساعد على استغلال امكانيات الخلق والابداع على نطاق اجتماعى واسع ، لايجاد انجع الوسائل وتقرير سياسة اكثر موضوعية وأكثر واقعية ممكنة . ثم ان مناقشة الموضوع يساعد على حل المشاكل الشخصية والتخفيض من حدة الشعور الناتج عن رفض التغير وتقريب وجهات النظر من الناحية الايدولوجية ( 8 ) .

2 ( اختيار الاوليات : ان تعريب التعليم العالى لا يمكن ان يقتصر على قرارات ، فالقرارات كما قال كروزياى ( M . Crozier لا تغير المجتمعات ، بل يجب ان ينطلق عمليا من أرضية المحيط الاجتماعى والثقافى

فبالنظر الى المحيط التونسي - مثلا - والذى يحتوى على عوامل تتناقض مع تعليم معرب ( وهي عوامل ذات صلابة ومرونة نسبيتين ( وعلى عوامل تتماشى أو تحتم التعريب . فان كل سياسة لتعريب التعليم - تعريب المواد أو الشهادات - يتعين فيها ضبط سلم للاولويات يعتمد مبدأ تخفيف حدة التناقضات الاكثر تعطيلا للتناسق الاجتماعى حتى توفر التجانس بين الهيكل التعليمى والمحيط المهنى ، والتطابق بين حاجيات وامكانيات الطلبة أو المدرسين

3 ( تكوين ورسكة المدرسين فى ميدان اللغة العربية :

يمكن ان يتم هذا على مستويين - بتنشيط المبادلات مع الجامعات العربية وذلك بارسال بعثات من المدربين والطلبة الى هذه الجامعات للمشاركة فى محاضرات أو ملتقيات فى مستوياتهم وحاجياتهم فى اللغة العربية ولا تكون الدروس لغوية بحتة بل من المستحسن ان تكون حصص الرسكة تشتمل على دروس فى الميدان العلمى تلقي باللغة العربية وتكون أقرب منها الى التدريب والبرهنة على امكانيات اللغة العربية فى الميدان العلمى وكذلك الكشف عن الصعوبات التى يتعرض اليها المختص فى علم ما ، عندما يعمد الى استعمال هذه اللغة

- بتنشيط المبادلات مع الجامعات العربية ، وذلك بارسال بعثات من المدرسين والطلبة الى هذه الجامعات للمشاركة فى محاضرات أو ملتقيات فى ميدان اختصاصهم ، تستعمل فيها اللغة العربية ، أو بدعوة اخصائيين ما البلاد العربية ليقوموا بمحاضرات أو للمشاركة فى بحوث أو ملتقيات

- وللمحافظة على امكانية التفتح على العالم الغربى وعدم التخلى عن استعمال المراجع الفرنسية عند البحث يمكن مطالبة الذين يترشحون لشهادات عليا باجراء امتحانات فى بعض المواد باللغة الفرنسية وحثهم على استعمال المراجع غير العربية .

هذا مع العلم انه فيما يخص بعض العلوم كالتصرف مثلا أو الاعلامية يحسن التركيز على اللغة الانفليزية التى تمثل اللغة الأم بالنسبة لها .

- البحث عن تكامل أكثر بين النسق التليمى والنسق المهنى يحمل الادارات والمؤسسات على اتخاذ مخططات للتعريب موازية لمخططات التعليم فى هذا الميدان .

- ادراج سياسة التعريب فى نطاق سياسة تطورية عامة ثقافية واقتصادية شاملة لتكون اللغة العربية لا لغة التدريس والتخاطب فحسب بل اللغة التى نعبر بكل دقة عن اهتمامات وحاجيات المجتمع ككل والتى يمكن باستعمالها بناء تصورات جديدة وتجسيم الابتكارية فى مجتمعنا

اشترك في نشرتنا البريدية