قال وهو ماسك بذراعه ، وعيناه تنظران بعيدا تعانقان النهر
عندما يجف ينقلب الى اخاديد من تراب ورمل تمتد اميالا واميالا طولا وعشرات الامتار عرضا . لم نترقبه ولم نكن على موعد معه ، يأتي فجأة ويذهب كما جاء فجأة تاركا خلفه آثاره . . بصمات أصابعه . . أخاديد فى الارض وجسورا محطمة مهشمة كأنها من ورق مقوى . . وصفرة فاقعة تعلو وجوه سكان المدينة .
تخرج اليه زرافات رجالا ونساء لا يخرجن الا عندما يقدم النهر ، يخرجن لية يتفرجن عليه يمكثن الساعات يتجولن على ضفافه ، وتملأ الرهبة قلوب الرجال والنساء والاطفال على حد سواء .
قال ذلك وهو ينتقل ببصره بينه وبين النهر بينما تملأ السماء الملبدة بالغيوم عينيه النابئتين ويغرق هواء النهر رئتيه .
تذكر جواده الذى تركه يئن فى الاسطبل فأحس بحزن جارح يطعنه فى صدره ويفسد عليه هذه اللحظة . . برز الشعر الاحمر جميلا لماعا ، الشعر الطويل يتهدل فوق عنقه وجبهته نظر اليه وارسل صهيلا متقطعا واهنا .
ارتفع مع السحب المتراكمة صوت غرد يصل واهنا الى آذانهم يشدو فى شجن :
فى كل يوم مع الاحباب لذات فليس فى العيش مسرور اذا فاتوا
وكل خل وان دامت مسرته لا بد أن تتقاضاه يوما المساآت
قال وقد حول بصره عن الجواد واصطدمت عيناه بعنف بالمياه الطينية - كلنا تخافه . لكنه خوف ممزوج بالمحبة والاعجاب ، كالعملاق يمتد بجسمه وذراعيه يغرق اطراف المدينة وتهب النجدة من كل مكان . يسارع الرجال
يرمون بانفسهم فى مياه النهر التى اغرقت الشوارع . يأتي الحرس والجند بسياراتهم الثقيلة وثياب الميدان ، ثياب مناسبات هى الاخرى . . يتدفق ماء النهر المشبع بالطين والوحل الى خاصراتهم وتمتلئ الاعين بالدموع
فقد دخل النهر المدينة انه اشبه ما يكون بعفريت الصين الخرافى ذى الرؤوس المتعددة ، يطوق المدينة بذراعيه . يرتجف القوم يصيبنا الرعب ننجد المنكوبين ثم نخرج اليه نتجول على ضفافه نمتع اعيننا بمياهه ونمد ايدينا للمسها .
يلقى بعض الشبان يسبحون بمهارة انفسهم في مياهه ليسترجعوا أشياء جرفها النهر فيبتلعهم ويحملهم بعيدا . .
تهدج صوته امتزج فى عينيه بريق لم يستطع ان يتبينه - صمت - تذكر شبابه عندما كان حوذيا فى المدينة الكبيرة فقد كانت تتملكه رغبة مجنونة كلما هبت العواصف واشتد صوت الرياح وعويلها بين العمارات ليلا وتهاطلت الامطار بغزارة فيرتدى معطفه الجلدى الاسود الطويل ويخترق شوارع المدينة تطير به حوافر الخيل لا يبحث عن حريف وانما هو يجرى ويجرى تحت المطر كما كان يفعل بين الحقول وهو طفل صغير وكأنما خيوله تشاركه متعته فهى بدورها تنطلق وكأنها فكت من عقال وقد ارخي لها العنان ويرتفع صوته مجلجلا فى الليل العاصف
( أولا . . أولا . . أولا . . ( ويفرقع سوطه فى الهواء مرات متتالية ، وحوافر الخيل تصطدم بالاسفلت فى حدة وعنف ، وتغزو المياه أجسادها فتغرقها .
اصبحت عدسة الكاميرا موجهة الى الارض الطينية . سأله الشاب فى حيرة : - والشبان الذين حملهم النهر ؟ - نعم كأنه الاه من الالهة القديمة لا بد له من قرابين بشرية يلتهما ثم يلفظها جثثا هامدة عند مصبه او عند منعرج من من منعرجاته البعيدة ، نتحدث عن الموتى . . نذكر انهم صبيان او شبان ، نذكرهم بأسى وحسرة ، ولكن لا نلقي باللوم على النهر لانه ضيف . .
يرسل القمر أشعته . . تتألق النحوم في السماء ونحن مازلنا نتجول بين شاطئين وهو يرسل صوته الغاضب ، ويحمل كل شىء فى طريقه : اكواخا
حيوانات طرقات عربات جسورا وبشرا . ولكن لا نفارقه لحظة . عندما نعود الى بيوتنا نراه فى الحلم بأشكال مختلفة
مرت مجموعة من الصبيان تعلقت أبصارهم بهما لحظة ثم تركتهم لتواصل طريقها تغوص اقدامهم الصغيرة فى الوحل ويتصايحون فى مرح ، الاشجار منزوعة الاوراق غارقة الجذوع الى اواسطها فى المياه الطينية ، ادخل صبى سبابته وابهامه فى فمه ونفخ فانبعث صفير حاد امتد طولا وعرضا كالنهر وملأ الافق .
بدا له وهو ملتف ببرنسه بقامته الطويلة انه رآه قبل ذلك . تساءل : ) أين رأيته ؟ ( توقفت ذاكرته لحظة عند حلقة تنعكس عليها الاضواء العارمة وتلتهمها الاعين اللاهفة . طويلا مديد القامة ماسكا عصا معدنية بعيدة الاطراف ليحافظ على توازنه بينما أخذت خطاه تتحرك بخفة فوق سلك معدنى يرتفع امتارا عن الارض . اغمض عينيه حتى لا يراه يسقط من شاهق ، ادميت الاكف تصفيقا وعلى صوت موسيقى نحاسية صاخبة .
- ألم تشتغل فى السرك منذ بضع سنوات ؟
نظر اليه الشيخ ، لم يدرك العلاقة بين النهر والسرك وحاول ان يربط بينهما ، قال فى نفسه لعله يشبه النهر بالمهرج : يا له من تهريج . . قال فى عدم رضي :
- هل رأيت مهرجا فى سرك ما بنفس العنف ، صحيح أن المهرج يضحك الناس ولكن هذه قوة الضعيف الذى يضحك الناس من نفسه ام لعلك تشبهه بالوحش .
- أنا اتحدث عنك لانه يخيل الى انى رأيتك تقوم بدور فى منتهى العنف والخطورة .
- فعلا هذا هو المؤلم لاننا لا نتفطن للخطورة الا اذا كانت فى السرك او فى السينما ، بينما الحياة ارض مزروعة الغاما ومخاطر الحياة سرك فيها به بهلوانيون ورياضيون ورياضيات حسان ومروضو وحوش وقردة وسباع ودببة ولكن صمت - سمع للمياه صوت متهدر - نظر إلى بقايا اعمدة الهاتف المقطوعة قال الشاب وقد استقرت عيناه على اسلاك ممزقة :
- هل سيظل النور مقطوعا مدة طويلة ؟
: - لا نتساءل عن التيار الكهربائى الذى انقطع منذ بضعة أيام متى يعود ولا من الهاتف ولا عن الماء الترابي اللون ، نسأل فقط عن النهر ، ماذا قال الحرس عن سيره
صمت الشيخ تعلق بصره بشارب الشاب تذكر مرة أخرى شبابه وقال :
لكنه حدث يأتي مرة كل سنة اننا غدونا ابناء للمدينة والنهر تفرح به العروس وتغتبط ويترك ما يتركه فى النفس العتاب واللوم والشوق والقبل والعناق الحار . يخرج مهندس المياه مكور البطن داكن السمرة قد تداخلت عيناه في حول قبيح يقطع المدينة طولا وعرضا ينظر الى آثار النهر ويقنع نفسه بأنه استعد له ولولا الرباط المحكم من السدود الذى احاط به المدينة لذهبت المدينة ولجرفها النهر ولكنه انفلت من جهة واحدة فقط - الله هو الغالب ويقول الناس عكس ذلك . . انه لم يأت على هذه الصورة من العنف منذ نيف وعشرين سنة . . يردون نفس الكلام كل عام .
مد ببصره الى المدينة البيضاء الجميلة وارتسمت ابتسامة على شفتيه فتقلصت التجاعيد شيئا ما ، تقشعت سحابة الحزن التى تطل من عينيه .
عانق في شوق بيوت المدينة ومآذنها وقبابها وسورها المتحفى . عاد الصوت الشجى خافتا تحمله الرياح متدافعة فى لين الى الآذان :
وأسأل السفن عن اخباره طمعا وانتثنى وفي القلب منه لوعات
هل من رسالة حب استعين بها علي سقامي فقد تشفى الرسالات
قال : مدينتنا حصينة بأسوارها العتيقة التى رممت فانبعثت حية من باطن التاريخ لبينعم السائح بمشاهدة آثارها القديمة فيطوف باعجاب بسورها المنيع الذي لا يستطيع النهر اختراقه فهو اقوى من سدود مهندس المياه وعلمه فيحمى بيوت مدينتنا العتيقة من مياه النهر المتدفقة على الشوارع الحديثة خارج السور فننعم بالدفء وتهدهدنا أخبار الماضى المجيد وتخدرنا كؤوس الشاى الصغيرة فنزداد شجاعة وتمتزج فى اعماقنا الفرحة بالخوف امتزاجا أمينا صادقا لان النهر يحيط بمدينتنا من جميع الجهات . لانتصل بالخارج الا عن طريق طائرة عمودية واحدة تحلق فى سماء رمادية داكنة بصوتها المزعج تطن فى آذاننا طنين ذباب الخريف الشرس المؤلم اللسع
يتحلق الاطفال فى الازقة والانهج الملتوية الضيقة يتفرجون على هذه الذبابة الحديدية الكبيرة فى اعجاب وتعجب ، وننظر اليها نحن الكبار على انها خيط الامل الذي يربطنا بتراب الوطن ، فهى طورا محملة بالادوية وطورا بالاغذية وطورا برجال الدولة جاؤوا يواسون المدينة المنكوبة . فيزداد فرحنا ويطغي سرورنا على خوفنا انها من مظاهر الاحتفال بعرس - المدينة والنهر - ويرتفع موج الجنس والميل الى المتعة فى اعماق المرأة فيقضى الازواج ليالي من الدفء والمتعة تذكرهم بشهر العسل وتعيد اليهم غرام أيام الزواج الاولى المشبوبة العاطفة . .
صمت ، علت ابتسامه واهن شفتيه . تذكر نفسه عندما كان بالمدينة الكبيرة كلما انهى عمله آخر الليل يعود وجياده الى الاصطبل حيث يقيمون معا هي اسفل وهو فى سدة من خشب يشرف عليها من فوق لمجرد صهيل يستيقظ من نومه يسرع اليها يتفقدها يحنو عليها كالام الرؤوم . وعندما تتوق نفسه الى لحظات من المتعة يدعو احدى بنات الهوى الى بيته الجماعى فتجفل ويصيبها شىء من الاشمئزاز تم يطيب لها المقام فتألف المكان ويربط بينها والجياد نوع من الود فيالفونها يحركن رؤوسن وارجلهن سعادة ويرسلون صهيلا خفيفا عند رؤيتها
ويطيب لبنات الهوى الجنس عندما تكون الجياد منغمسة فى تنفسها الطويل واجترارها وصهيلها الخفيف . ويزداد طرب الجياد وحركة رأسها الذي ترفعه عاليا بينما كانت عيونها الكبيرة تمسح المكان وتكشف عن اسنانها الجميلة عندما يغتسلون معا يقفون جميعا وهم عراة تحت الماء المتدفق بقوة من الانبوب البلاستيك ويتداخل ويتمازج الصهيل * والضحك والاجساد فى جرأة ونشوة .
نظر الى الشاب أمامه وكأنه جندى مسلح موجها عدسة الكاميرا الى النهر ينظر من خلالها الى كل شىء بدا له كأنه يطلق النار من فوهة رشاش أوتوماتيكي على النهر . . احس الشاب بنظراته انزل الكاميرا قال فى صوت فيه جد ومزاح :
- قصتكم قصة مع النهر يخيل الى احيانا انه لو امكنكم لتوالدتم على ضفافه ، وتمتم فى قدسية وتعبد . .
حرك الشيخ رأسه وملأ عينه من الشارب الاسود والوجه الطلب كأنه يستمد شبابا متجددا وابتسم فى صمت . انشغل الشاب بالكاميرا خرج الفتيان والفتيات من المعاهد . قطعوا شوارع المدينة سراعا نحو النهر ، يتجولون على
ضفافه تداعب الريح الشعور الناعمة المنسدلة تدغدغ روائح الطين والماء الانوف ، وتتلاقي الاعين المكحولة بأعين شابة نهمة ويمتد الحوار الصامت .
- لو كنت مثل هذا النهر العظيم الفاتح ذراعيه لاحببتك وتركت رأسى الملىء بالاحلام يرتاح على صدرك الذي يملأ السهل والوادى . لكنك مازلت فتى غضا غرا لا تقوى على الوقوف أمام موجة من موجاته .
ويشيح بوجهه وهو يقول . .
- كوني المدينة أكن النهر العظيم الصاخب الثائر وأفتح ذراعي لاحتضنك فى حنان أنعم بالعطر المتضمن شعرك الناعم
. . وتتحرك الخطي متباعدة ويضم الفتيان كتبهم الى صدورهم وقد خدشوا فى رجولتهم وتزداد الفتيات تيها وتناطح صدورهن الغضة السماء . قال وهو يحتضن الشبان بعينيه :
- انهن بنات المدينة قد تقمصن روحها وخرجن الى النهر يستقبلنه بحرارة وكبرباء ودلال واهداب مرتخية تملأ الافق ضلالا وارفة .
عدل برنسه ، أنزل أحد الجانبين ثم لفه بسرعة حول جسده وظهرت ابتسامة هادئة وأردف :
- قد يأتي النهر ليلا والمدينة يلفها وشاح الاحلام فلا يرضينا ذلك لذا تخرج سيارات تحمل ابواقا تعلن بصوت مرتفع عال بان النهر قادم الليلة وعلي كل من يسكنون بجواره ان يبارحوا بيوتهم فيختلط الفزع بحب الاطلاع ويخرج الناس زرافات نحو المدينة العتيقة يحتمون باسوارها .
وكما كان المنادى قديما يركب على دابة يجوب المدينة ليعلم الناس بالخطر المحدق بهم كذلك تظل السيارة تنتقل من حي الى آخر وبوقها يرتفع منذرا كي لا يأخذهم النهر وهم نائمون
تنتصب بطاريات النور الضخمة على ضفة النهر كالمشاعل تنير الطريق أمامه ويأتي فيسمع له دوى يملأ ارجاء الليل والنفوس ويقتلع اعمدة النور فيغرق المدينة فى الظلام فتتجمع فى غرف تضاء بسرج تكاد تضئ ترسل انوارها الهزيلة فترتعش على الجدران وتلقى ظلالا غريبة على الوجوه . فنتذكر اهوال الحربين العالميتين ونتقسم فى الحجرة الواحدة الى شقين شق ساخر
برق التغلب على النهر ميسورا بفضل جسر عظيم أو سدود بعيدة عن المدينة توزع مياه النهر على الاراضى المجدبة العطشى وهم الفتيان اما الشق الثاني هم للكهول الذين اكتسبوا تجربة ويرون ان النهر قوة لا تقهر لا يحدها جسر ولا سد .
بينما يحاصر الوحش الخرافى المدينة ويرتفع صوته عاليا يدخل كل بيت وحجره يبادى انثاه فى صوت قوي جبار يعانق المدينة يضمها بقوة الى صدره وتكون ليلة عرس .
وقبل بزوع الفجر ينسحب الى مجراه تاركا بصماته على خديها وصدرها وصفرة فاقعة على الوجوه من طول السهر كشأن كل ليلة عرس .
نسارع اليه نودعه ويسير صاخبا نحو البحر ليعود في السنة الموالية في ايام كتلك الايام وقد يعود مرة أخرى فى نفس السنة اذا اشتد به الشوق وغلبه الحنين يطول سيره نحو مصبه أياما هى اعياد بالنسبة الينا لانها دليل على الخصب واللقاح المثمر ، فقد يستولد المدينة هذه الليلة قمحا وشعرا يملأ السهول والأودية المتراميه سلاسل من نضار ولجين نحبها نحن البشر ونصنع منها حليا تطوق المعاصم وتوشح الصدور
صمت وانقلبت تلك النطرة التى يطل منها الانشراح الى وشاح من الحزن يلف عينيه .
علا صوت جواده يئن فى وهن فى أذنيه ، كان أنينا جارحا . أسدل أحد طرفى البرنس اخرج حقة معدنية مستطيلة فتحها أخرج ورقة للف التبغ ثم التقط بين اصابعه كمية من التبغ وضعها وسط الورقة رفع جانبيها ثم ادارها باحكام رفعها الى لسانه مر به على الورق الرفيع ثم ضغط قليلا على جانبه بأنامله
ازداد صهيل الجواد احس كأن أيد قوية تجره الى الماضي تغرقه فيه . عاد من المدينة الكبيرة أقام منزلا فى اطراف مدينته الصغيرة شرع يربي الخيول يختارها فى سن مبكرة يطعمها ويمرنها على السرعة يحمل كل بضعة اشهر اثنين أو ثلاثة منها الى المدينة الكبيرة حيث يعرف هواة جياد الخيل فيبتاعونها بارفع الاثمان . تزوج فتاة من ريف المدينة أقاما معا مع الجياد هي اسفل وهما فى السدة الخشبية فوق . هناك انجبا طفليهما ، وهناك ترعرعا ونشا يلعبان مع الجياد يمتطان ظهورها . يتألمان ويبكيان كلما حمل بعضها الى سوق المدينة الكبيرة . ثم سرعان ما يسلوان عندما يجلب لهم جيادا أخرى أصغر ٤٥ on
ازدادت السحب كثافة صرخ الرعد فى فرقعات متتالية كأنه يتجاوب مع صوت المياه المتدفقة فى قوة وغزارة سيلا غاضبا . .
رفع بصره اليه وابتسم قال :
- يعجبني ان اعد سيجارتى بنفسى تعودت على ذلك منذ أخذت أدخن خلسة عن الكبار وظللت محافظا على ذلك وقد اصبح الصغار يدخنون خلسة مني .
استوت السيجارة بين شفتيه اشبه ما تكون بعرف شجرة طرى غض اشتعلت النار لحظة فى اخره كفتيل هزيل ثم سرت فى التبغ جذب نفسا عميقا نفثه فانبعثت سحابة بيضاء من بن شفتيه . .
كبرت مدينته الصغيرة وكبرت وتجاوزت البيت الاصطبل فى اطرافها حتى اصبح فى احد اهم شوارعها فمنعت عليه البلدية حياته الجماعية لانه لا يجوز صحيا ان يقيم الانسان والحيوان تحت سقف واحد . قال متساءلا :
لماذا ألم أعش معها خمسة وعشرين سنة بدون انقطاع دون ان اصاب أذى ؟ لماذا فرقونا هل هى مضرة الجياد ؟ . .
ترك البيت واجر بيتا صغيرا قريبا منه فما لذ له المقام ، كبر الاطفال وارتحلوا . . على الى المانيا وليلى الى المدينة الكبيرة مع زوجها وارتحلت العجوز الى الابد . .
- انتقل هو ليقيم مع فرس عجوز فى الاصطبل مع صديق قديم .
أحس الشاب بدوره برغبة فى التدخين اخرج سيجارة وانبعث الدخان من بين شفتيه كثيفا تدفعه الرياح بعيدا .
المياه طينية جارفة تعلقت بها عينا الشيخ فى هيام مرت فى حنان على الامواج . طال الصمت بينهما كل منهما يمتص السيجارة فى عذوبة لا متناهية كمدخنى المخدرات .
عاد للمكان هدوؤه فقد ولى الفتيان والفتيات تراجعوا الى بيوتهم تتنازعهم العواطف وتستبد بهم الاحلام . .
قال الشيخ : اظنك معجبا بنهرنا ، انه ليس نظيفا لكنه ليس اكثر قذارة من اشياء كثيرة تعيش بيننا فهو لن يطول به الامر حتى يعانق البحر او يغمر صدر الارض فيستحيل الى حياة نقية طاهرة
- أحب الانهار ولكن نهركم مخيف مزبد مرعب
- لا شئ مما تظنه فهو لا يخيف ولا يرعب الا كما يرعب الرجل القوى العنيف الذى يوحى بالثقة والأمن اكثر مما يوحى بها أى كائن ضعيف ارتسمت ابتسامة على شفتى الشاب ( لحيته الكثة تحيط بوجه مستدير في جسم قوى شعره يتهدل حتى ياقة جمازته الجلدية - مرت أمام عينيه عواصم الدنيا التى تشقها الانهار باريس - نيورك - القاهرة - بغداد - موسكو . لندن ، فقد كانت تضفي عليها جمالا خاصا - قال :
- انى أحب الانهار - لقد خمنت ذلك والا فما الذى قذف بك الى هذه المدينة المحاصرة التى تملأ أخبارها الصحافة والاذاعة والتلفزة
. - انى جئت لعمل فنى بحث . . اني في حاجة الى مناظر واظن انى احسنت اختيار هذا الحدث .
أحس الشيخ بخيبة امل - ظل يلتهم بشفتيه بقية سيجارته وتاهت عيناه من جديد فى المياه .
انزل البرنس البنى اللون عن رأسه عدل شاشيته - ابعد البرنس عن كتفيه .
برزت بدلة صوفية عتيقة اصاب اطراف اكمامها وياقتها البلى ، قال الشيخ فى شىئ من عدم استقرار الافكار :
- هل أخذت مناظر كثيرة - نعم بل لعلها اجمل مناظر طبيعية فى السينما سوف تحدث ضجه عند ظهور فيلمي - انت سينمائى محترف ؟ - هاو ومحترف
- غير مفهوم - لانى انتج افلاما على حسابى حسب ذوقي اتباعا لهواى واتجاهى لا يهمنى فيها الربح ، كما انتج افلاما أخرى على حساب غيرى لا يهمهم فيها الا الربح . نرى انى اعانى من انفصام الشخصية .
تدفق صوت المنشد في قوة ووضوح كأنه يندفع مع مياه النهر الغاضبة الثائرة
اني لأضما والأنهار جارية حولى واضحي ودون الشمس دوحات
ولا أرى الموت الا باسطا يده من قبل ان يمكن المأسور إفلات
بدا وجه الشيخ الترابي كأنه قطعة من الارض بانفه المعقوف وفمه الادرد ، وذقنه العريض ، انه ابن الارض سليلها ، فهما يشتركان فى الملامح ، مد بالبرنس الى الشاب الذى كان ماسكا بيمينه الكاميرا فأخذ البرنس بشماله سأله :
الا تشعر بالبرد ؟ قال الشيخ وقد التمع فى عينيه بريق ساحر . - انى ذاهب - الى أين ؟
لم يجبه اتجه باقدام شابة قوية نحو النهر دخله وأخذ يعبره فى اندفاع وقوة اندهش الشاب لم يفهم شيئا . فجأة غمرت المياه الشيخ ودفعته بقوة . انزعج الشاب القى بالبرنس على الارض وضع الكاميرا فوقه ، اندفع نحو المياه أيموت رجل أمامه انها لا شك تجربة مريرة وضعه النهر امامها . . اندفع بكل قواه يخترق المياه اللزجة الطينية الثقيلة ، أخذت المياه تدفع الشيخ بعيدا ، لما كاد ان يدركه ، تغلبت المياه عليه . تذكر انه لا يحسن السباحة واشتد النزال ثلاثيا وتتالت امواج خلف امواج عنيفة عاتية . .
هرع طفل صغير روعه المشهد يطلب النجدة عندما قدم القوم كانت المياه الطينية تمتد على امتداد البصر لا يكدر مجراها عائق . على الضفة كان البرنس والكاميرا ساكنان ، عقدت الدهشة السنتهم ، أخذت أعينهم تدور حول نفسها .
تنطلق من النهر الى البرنس والكاميرا ومنهما الى النهر فى قلق غامض صاح صوت : لنجر مع النهر
تحركوا فى خطى متثاقلة مهرولين ثم أخذوا يعدون . تعالى لهاثهم ، سال عرقهم ، تمزقت المزن فارسلت امطارا غزيرة - اختلط العرق بالمياه فوق اجسادهم ، ارتفع صهيل فرس خلفهم ، فرس شعره احمر لامع كانت حوافره تنطلق فى الهواء قبل ان تلامس الارض الطينية تجاوزهم ، ازدادوا سرعة كونوا كوكبة خلفه . التحقوا به ساروا معا سمع صوت يناديهم عودوا . عودوا . . عودوا . .
لاحقهم صوت المنشد صادحا كأنه يتدفق حولهم مع مياه النهر
انى لأظمأ والأنهار جارية حولى واضحى ودون الشمس دوحات
يبين لهم انهم لا يستطيعون العودة ولا التوقف اشتد عدوهم اختلط ضجيجهم بلهاثهم بعرقهم بصهيل الفرس الاحمر اللامع الشعر ، فهم مدفعون منجذبون لا يستطيعون التوقف او التأخر
احسنوا بانهم استنفذوا كل طاقاتهم اخذت خطاهم تتثاقل فتغوص فى الارض والوحل والطين وتغوص اجسادهم شيئا فشيئا وهم يضحكون ويلهثون .
لم يعثر لهم على اثر منذ ذلك اليوم وانما عثروا على خيالهم وهم يعدون فى صور باهتة عند تحميض الفيلم الذى فى الكاميرا التى وجدت فوق البرنس على ضفة النهر وهو الذى دل على الحادث ولكن لم يدل على المكان . لانه لا مكان ولا زمان محدد تصهل فيه الجياد وتغوص فيه القامات فى الطين على ضفة النهر .
