الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

الجدار

Share

عاجزة ! رغم ثورة جنوني ، رغم تمردى وانطلاقى والحرية المرة التى اجتر بقايالها كعلقم سكن احشائى وبقى بنز صديدا يسمم أعماقى بمرارة لا تفتا ننثر جراثيمها فى كل كياني وتغرز أشواكها فى سراديب حياتي

عاجزة ! جدار العجز يسد طريقي . يوصد ابواب الحياة والموت أمامى على السواء أسير نحو أسلاكه الشائكة بقدمين واهنتين مزقتهما زوابع الحرمان بيدين مرتعشتين بقلب واجف دمرته أعاصير الحياة ، يصطخب  فى أذني عويل الاحلام النادبة ، تعتصر رأس أفكارى الشاردة

اسير........ أسير بضعفي...... بحيرتى..... بيأسى ولوعة عذابي يدفعنى بريق الاوهام الكاذبة الطريق دامية ملتوية والجدار صلب الصخور فولاذى  الحجر لا يتفتت ، ولا يتزعزع بناؤه . تنكسر اظافرى المغروسة فيه بعناد مستمست . تنزف دما . تتمزق يداى . الشوك يدمي جهدى كلة . يتحطم  راسى اتقهقر إلى الوراء . أعود الى الهاوية حاملة يأسى فى يدى وعجزى على كتفى وصرخة مريرة كالحتظل المسلوق ترتع فى قلبى المكلوم : العجز قدرى الموت حلمي المنشود أنت غدى المفقود . . والضياع ماضي وحاضرى

العجز يشلني . يدق أعضائى بمساميره الصدئة . يسمرني بجدار اليأس الفشل . يصلبنى كما صلب اليهود المسيح على جدار الكفر والتعسف و كما يصلب كل يوم آلاف المعذبين الجائعين على أسوار الفقر وجور الزمن

عيناك تسطعان في أفقى المكفهر كنجمتين تخترقان ستر الظلام بعناد وقوة من ليلة عاصفة . بفم أخرس تهتفان بى . بابتسامات محبوسه تناجيان روحي

انقاد لبريقهما كقدر جبار صارم لا يقاوم أسير فى دربهما الغامض المحفوف بالدفء والألم كأعمى كسيح يتحسس طريقه . أهيم فى عالمهما النائى ابحث عن نفسي في تلك البحور العميقة . أبحث عن ذاتي فى المغاور السحيفة . أهيم أهيم دون أن أجد الطريق .

أعود مفتتة . بقايا هشيم اشتعل دهرا ثم غدا رمادا فى مدفأة التشرد الحائرة بين الممكن والمستحيل . بين المعقول واللامعقول . بين الخبل والجنون

أعود مدحورة من دنيا الوهم ، يأسى فى يدى وعجزى على كتفى لأغرق فى بئر العذاب ، تفترسنى أشباح البؤس والألم . تلتهمنى بشراسة كما تلتهم الذئاب النهمة شاة ضعيفة ضعيفة تاهت عن قطيع غنم .

أعود مفتتة . بقايا هشيم اشتعل دهرا ثم غدا رمادا فى مدفأة التشرد والضياع . وقد تفشى على صفحة قلبي الموبوء بداء حبك الازلى : عيناك عالم عجزى الأبدى وطريق فشلى السرمدى والجدار الذى يوقف زحف أيامى ويشل خطوات غدى

كميت حى حشر قسرا فى تابوت ضيق ابقى أتخبط مع اغلال كفني ، احاول الفرار دون جدوى . القبر قد فتح شدقيه ليبتلع الفريسة وجلاد الفناء منتظر جثمانى البائس ليغرز سيفه الظامىء الى الدم فى جسمى المستسلم بقيود العجز . يلعق الدم المنهمر حتى الثمالة

لكن القبر يظل مفتوحا منتظرا لا شئ ، والجلاد يعود القهقرى ، هناك سيف ابتر من سيفه يجبره على التقهقر بينما يد مجهولة تمسك بعناني وتبعدني عنه ، تدفعني الى حيث لا أدرى . أتعثر أتعثر . ثم ارتطم بجدار فشلى وعجزى وتبقى الجثة تتدحرج كحجارة تبعثرها العواصف ، وطيفك ما زال يطاردني ، يهشم طموحي وأملى . وعيناك لا تبرحان عتمة ليلى ، ترسممان درب وهمى وحمقى

السنون تكبل خطاك المتعثرة والسأم تغلغل فى أعماقك وعشش فى صدرك ، فما عدت تستطيع منه هروبا . أغشية التقاليد والمستحيل تعصب عينيك ، تحجب عنك أفق التحرر من السخافات . تركن لتفاهاتها كما يركن القط الهرم لرماد مدفأة عتيقة فلا يروم حراكا ، يخشى أن يصدمه الصقيع لو حاول أن يتخطى الجدار - التمرد هو بداية النهاية التى تدفع بنا الى التمزق والانهيار

هكذا كان صوتك يهتف بى وأنت تضمني اليك وطيف ظلال حمر يتراقص في مقلتيك الرائعتين كما تتراقص عذارى الجحيم على صدى سمفونية الشوق الملتهبة والهيام . فأقبلك وبراكين ثورة هوجاء تفرقع بصدرى

- التمرد هو العاصفة التى تقتلع جذور العجز والاضمحلال لتشعل فى نفوسنا قنديل الطموح والامل - المستحيل هو بعض من حياتنا . جدار سميك من الزجاج . سرابى المرأى، كلما حاولنا اقتحامه احترقنا بشظايا أوهامنا . وكلما تمادينا فى السير نحو أنوائه السخيفة فتتتنا أعاصير خيالاته المقيتة

وأعود أقبلك هاربة من شبح منفي لمستحيل أمقته يترصد دوما خطاي . اعود أقبلك ، أنقض عليك بشراهة بدائى متوحش الرغبة . ضارى الطبع ينقض عل طبق لذيذ . أغرز أنيابي فى كمك الشهى وأنا أود ان أرى نقط دمك المسفوك تشوه فمى عساها تطفئ براكين تمردى وعجزى وشوقى المتجد اليك

وانت بين ذراعي كأسد سجين فى قلعة اسطورية الجدران . خرافية الاسوار ينوء حبسده المتعب تحت وطأة هموم لا حدود لها . فيبقى حائرا أمام القضبان السرابية يود انعتاقا وببغى بقاء . اغلال الحيرة تكبله ، وسنون الملل والسام تشل حركاته الساجدة لشياطين لا مرئية ، يستسلم لحصارها كما يستسلم الخروف لسكين القصاب . لكنني لا أستسلم رغم عجزى وفشلى . التمرد يعضني وأنا أزحف نحو بؤرة التشرد التى دفعتنى اليها من صدرى المغلق على أطنان الضنك والاسى . تنطلق حشرجات مميتة الصراخ ، مؤلمة العويل من قتامة يأسي تسطع أنجم تمردى ومن أعماق جنوني تنهمر ينابيع تحدى عجزى الذى طمس معالم أمسى ، وشوه وجه غدى

الليل يبتلعك . تغرق فى عمق تخمته الوهاجة البريق . تنقاد لأفيون اللحم الرخيص المزدحم على الارصفة المماءة بالنقاهة والعبث . شفاه الزيف تعزيك . كؤوس اللؤم تناديك

أيها الخفاش التائه المقطوع الجناحين ، شمس النهار تعمى عينيك ، لا تجد غير ظلال الظلام لتظلل هيكلك المنغمس فى أدوية التهتك والعهر

ربما أنت الآن بين أحضان مومس ألقى بها حمار الفسق بين يديك . ربما أنت الآن تقبل شفتيها اللتين امتصهما ذئاب الليل قبلك ، بقرف وملل

دمية متحركة بين ذراعيك كعشرات الدمى المزيفة المصنوعة من القش اللاتى توسدن سريرك بلا رغبة ولا نشوة ، انها لحظة سأم ورغبة في تحطيم الكؤوس والتمرغ اللامبالى مع أى وجه جديد لا يعنيك حتى أن تعرف من صاحبته ؟ انما تتساءل عيناك في كل لحظة متى تتبخر معالم صورته من أمامك ، لتروح بجوعك وضجرك تبحث عن طيف جديد

ماذا تقول ؟ ربما نفس الكلمات التى سمعتها منك أول مرة التقينا فيها ، معزوفة حلوة سجلت في غور أذني فبقيت تطن فيهما بلا انقطاع كدقات قلب شيخ مشلول لا يكف عن الخفقان البطئ ولا يتوقف عن رتابة لحنه الممل أتعرفين أن عينيك دنيا كثيفة الاسرار عذبة الغموض . . لماذا أنت لذيذة هكذا ؟

عاجزة عاجزة يا قلبي الممزق يا مرفأ أيامى الضائعة يا لوعة عنادك وغرورك المتعجرف . أظافرى المتكسرة ستطول يوما ، فهى مسامير تبحث عن خشب تنغرز فيه . عن جدار ترتطم به ، تخرمش وجهه الصلب الحاقد فالسامير الصدئة ان لم تهدم الجدران الصلبة ، تخرمشها ، تجعل فيها ثقوبا كجحور الفئران فى الاركان الخربة

غير أن الجدار سينهار يوما رغم عجزى الذى يفتت عضدى ويأسى الذى يهد كتفى . وأنا أقبلك لم أكن أدرى أن لحوم الذئاب جد شهية ، وانها رغم مرارتها الدسمة تخلف نكهة وحشية اللذة ، شرسية المتعة فى الفم الملهوف

سيدى كلمة . سيدى هل قيل لك أني اصبحت أعشق صيد الذئاب منذ اكتشفت أن لحوم الذئاب شهية . والمطاردة عنيفة ومسلية . لم أعد أخشى وحوش الغابة التى تقتفى خطاك . تتتبع ظلك . تحاول أن تلتقفك عنوة . لقد أتقنت أساليب الخبث والعهر ، وعلمتني الحياة كيف أسوى حفرة اللؤم وانصب الشباك قديما قلت بصوتك المتعب وانت ترنو الى كحمارب مهزوم يبرر فظاعة فشله :

- خلقنا لكى لا نتفاهم . دفء الرغبة يجمعنا ، رقة الحب تسعدنا ، إنما عدم التفاهم دوما يخنقنا . سيدى لقد تعلمت معزوفة الغاب المتوحشة الايقاع . ذاب كيانى لوقعها البدائى لذيذ العذاب . صرت أمهر صائدة للذئاب . لأني تعلمت كيف أفهم الذئاب ، وكيف أكسر أنياب الذئاب

اشترك في نشرتنا البريدية