الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

الجديد في الطباعة العربية

Share

لقد مرت ست سنوات على اهتمامى بموضوع الشكل وتقديم مقترح تقنى لحل هذا المشكل ) 1 ( كما عرضت تفاصيل القضية فى كتاب " اللغة العربية ومشاكل الكتابة " ) 2 ( سنة 1971 وأعود اليوم الى هذا الموضوع لخطورته وللجديد الذى تبين لى فى هذه الاشهر القليلة فاحببت أن أطلع القراء عليه وأشيعه بين الناس قصد الفائدة والافادة

كنت أثرت سنة 1968 مسألة شكل الحروف وضرورتها وبينت التأثير السئ التى تسلطه الكتابة المنقوصة على الطفل التونسى والقراء وعلى الانتاج المطبوع بصفة عامة وكنت حرصت على اجراء تجارب فى المخابر اللسانية لمعرفة الفرق بين تأثير الكتابة المشكولة وغير المشكولة نظرا الى تقدم العلم فى هذا الباب . ولكن للاسف فقد مرت ست سنوات ولم أعرف أحدا فى المغرب أو المشرق قام بهذه التجارب ، على الاقل حسب علمى . ويا حبذا لو يشير على بعض من يطلع على هذه السطور بعمل من هذا القبيل نشر فى كتاب أو مجله أو نشرية ما . وعلى كل فانى ألوم نفسى قبل كل شئ على مثل هذا التقصير وإن لم أكن من الاختصاصيين فى الموضوع

وفي، اعتقادى أن أهم ما كنت بينته فى ذلك الوقت هو أن هناك صلة بين الكتابة المنقوصه أى الخالية من الشكل وبين - لا فقط المجهود الذى تقوم

به عين القارىء - بل نوع التفكير الذى تفرزه القراءة المنجرة عن الكتابة المنقوصة .

وقلت فى نفسى آنذاك ، لعله من باب إضاعة الوقت أن أصرف جهودى فى التدليل على أمر اتفق فيه شرقا وغربا جميع الناس المحتكين باللغة العربية وهو أهمية وضع الحركات فى " المطبوع " من الكلام . ولكن أهل العربية ، حتى الذين يؤمنون بالعامية منها ، عودونا ، فى مواطن عديدة من القضايا المصيرية ، بسلبياتهم ومتناقضاتهم ، أن يؤمنوا بأصغريهما القلب واللسان وينصرفوا عن الايمان بأكبريهما ألا وهو الدماغ واليدان . ولو تحمس للموضوع بعض المستشرقين لكانت لنا اليوم خطوط بيانية وإحصائيات تبين علميا فوائد الكتابة المشكولة ولكنهم اهتموا خاصة بتعداد نقائص الكتابة العربية وصعوبتها وضرورة تحويرها ومن هذا الباب دخل حلبة السباق مآت من المخترعين للحروف العربية الجديدة لتلافى صعوبة الطباعة بالحروف القديمة ومنهم الصادق ومنهم صاحب النية المبيتة .

على كل ، دخلت هذا الباب أنا ايضا ، وكنت من بين المائة الخامسة أو السادسة من المخترعين وركزت مقترحى على ضرورة الشكل المطرد من دون استثناء وعلى وجوب شكل الجرائد والمجلات وكل مطبوع مهما كان وعرضت اقتراحات ترمى الى ادخال تحوير على آلة السبك بالمعدن السخن وهى آنذاك أسرع آلة تطبع بها الجرائد العربية وهي اللينوتيب . واعتمدت فى هذا التحوير ألا أغير من صورة الكتابة العربية وأن أبقى على جمالها وإن كانت تبدو الحروف فى هذا المقترح ، وهى منفصلة ، مبتورة

كل هذا لم يجد إلا الصدى القليل لأن الشعوب العربية شغلت كلها بقضاياها المصيرية الاخرى وخاصة قضيتها الاولى : القضية الفلسطينية إذ كل شعب عربى سواء فى المغرب أو المشرق أوجدت له الأقدار - لئلا أسرد قائمة النعوت الاخرى من امبريالية واستعمار جديد وانتهازية وغير ذلك - وفى الواقع أوجد لنفسه عن وعى أو غير وعى شغلا في كيانه يصرفه عن قضاياه الحضارية ويجعله غير متحكم في مصيره ، هشا ، عرضة لقبول ما يملى عليه من اطراف أخرى فى صورة التعاون والتبادل الثقافى وما لف لفه ، وفى شكل شعارات تلاك وتبدو فى أغلب الاحيان تقدمية

ولكن الغاية منها لا تعدو أن تكون إلا طمسا لنور الخلق ، وإحباطا لحرية الفكر ، وعرقلة للازدهار الحضارى الحقيقى لكن دعنا من كل هذا ولنبين الجديد فى هذا الميدان سواء فيما يخص - التجارب المخبرية المتعلقة بعلاقة الكتابة أو القراءة بالتفكير - أو تقدم التقنيات المطبعية

علاقة القراءة بنوع التفكير

أردت أن أطلع القارىء على بعض التجارب التى قام بها البحاثون فيما يتعلق بالحروف اللاطينية فى انتظار القيام بتجارب مماثلة تعتمد الحروف العربية . ولقد اعتمدت فى هذا الباب عدة كتب أحوصل ما استخلصته منها من دون اللجوء الى استعمال المصطلحات العلمية الغامضة خاصة وأن الذي يهمنا هو الاستنتاجات الختامية 3) ومن دون تعداد الآلات التى استعملت فى هذا الباب

أول استنتاج هام هو أن هناك فرقا كبيرا بين القراءة الشفوية والقراءة المهموسة والقراءة بالعين إذ :

- فى القراءة الشفوية نحصل على 9.000 كلمة فى الساعة - وفى القراءة المهموسية نحصل على 13.000 كلمة فى الساعة - وفى القراءة بالعين نحصل على 20.000 إلى 60.000 كلمة فى الساعة يقول القائل : وبعد هذا ما هى العلاقة بين سرعة القراءة وما نحصله من كلمات فى الساعة وبين العمليات الذهنية التى يلقوم بها العقل

نعم لقد ثبت بالتجربة - وهذا لا مجال للقدح فيه - وحسب الاحصائيات انه توجد علاقة متبادلة بين : - حاصل الذكاء عند القارىء             ( Quotient intellectuel ) - وذاكرة القارىء الآنية                    ( Memoire immediate ) - وذاكرة القارىء القصيرة الأمد            ( Memoire a moyen terme )

أى بصورة أوضح فان ما تقوم به العين من عمليات بصرية عندما نحرك آلة القراءة فى الدماغ عندنا لا تتعلق بالهيكل النظرى البحث بل هى من طبيعة ذهنية لا ترتبط بعوامل قوة البصر بل بعوامل لها علاقة بملكاتنا الابلاغية سواء العصبية منها أو المتصلة بالذاكرة أو الذكاء . وهكذا فان الفهم والطاقة على الحفظ مرتبطان بسرعة القراءة " .

وإذا كانت العلاقة متينة بين سرعة القراءة والملكات الذهنية للقارئ فان صورة الحروف لها دخل كبير فى هذه السرعة وعلى سبيل المثال يقول أحد الاختصاصيين : " يجب النظر فى الاسباب التى تجعل العين اذا هى ألقت ببصرها على سطر من حروف " فرامون " ) أحد مصمى الحروف اللاطينية التبوغرافية ( تتخطاه من دون عراقيل وبسرعة ، منشغلة بالنص منصرفة عن الحروف بينما بالنسبة للعين الملقية بنظرها على سطر من حروف ديدو " ( مصمم آخر للحروف ) تسير ببطء وتسلط نوعا من التفقد يشدها الى الحروف عوضا عن إطلاق العنان للفكر لينشغل بالأفكار التى تمثلها هذه الحروف "

هذه التجارب تبين أنه حان الوقت لنقوم بشئ مماثل فيما يخص الكتابة العربية وأن نستنتج استنتاجات من هذا القبيل إذ أن ترقية اللغة العربية لا تكون حسب اعتقادى إلا بوجوب شكل المطبوع لنتضمن لا صحة القراءة فقط وبالتالى الفهم وهى صعوبة غير موجودة بالنسبة للحروف اللاطينية بل يسر القراءة أى سرعتها بمعنى قدرة أكبر على التذكر وبالتالى على الفهم

وفى انتظار ذلك فان التقنية الغربية فى مجال الطباعة قد كفتنا مؤونة البحث عن طريقة تطبيقية لو فرضنا أن التجارب دلت على ضرورة شكل كل مطبوع من الجرائد والمجلات والكتب

الجديد فى التقنية المطبعية

كانت المطابع منذ سنوات قليلة تلجأ فى الكتب المدرسية المشكولة إما إلى شكل الحروف باليد على الأفلام لتطبع على طريقة " أوفسيت " أو إلى آلة مونوتيب التى تستعمل ما يقرب من 300 علامة من الحروف وتتوخى مرحلتين : الرقن بالرموز على شريط من الورق ثم مرور هذا الشريط فى آلة من الرصاص المذاب لتخرج الحروف من رصاص مرصوفة على شكل أسطر . وهذه الطريقة تأخذ ضعف الوقت فى السبك وتقدر بضعف التكاليف

ولهذا السبب وقع استنباط طرق كثيرة لاختصار الحروف العربية ومنها الطريقة التى قدمتها آنفا . ولكن كل هذه الطرق تجاوزها الزمان الآن لان عصر الألكترونيك قد أبعد عنا هذه الآفة التى تمكنت منا وهى : عوضا عن ان نخضع الآلة الى مشيئتنا والى متطلبات خصائصنا الذاتية - وعذرنا هو أننا لسنا نحن الذين نستنبط هذه الآلة - نغير أخص خصائصنا لنخضعها الى الآلة الى حد التشويه والمسخ . ومن حسن حظنا أن طريقة الالكترونيك قابلة لأن تستوعب كل الحروف فى طرفة عين ناهيك أن الاختصاصين الغربيين المستعملين للحروف اللاطينية يرون أن :

الألفباء المثالى الصالح لأصحاب نظريات الاعلام ، والبيداغوجيين وللقراء والآلات يتضمن عددا كبيرا من العلامات : بضعة مئات بدون شك على الاقل وبضعة آلاف على سبيل التقريب " وأكثر من هذا فاننا نجد من هؤلاء الاختصاصيين من يقول

" من واجبنا أن نجزم فى مجال نقد ألفبائنا الألفباء اللاطينى ( وصرامته أنه ليس له أية ميزة خاصة وغير قابل للتحسين . فعلى صعيد النجاعة نجد أن التكرار فى هذا الألفباء كبير جدا وعلى الصعيد الجمالى فان صورة حروفنا ليست كاملة بينما صورة الحروف العربية والصينية واليابانية أكمل "

كل هذا لأجزم أنا أيضا أنه مضى الوقت الذى كنا نركز فيه جهودنا على تعداد نقائص الحروف العربية وكثرتها وغير ذلك من الشنشنات القديمة لا

لشئ لأن عهد السبك بالمعدن السخن قد زال ورائحة بخار الرصاص المتصاعد من آلات اللينوتيب يجب أن ينقضى بدون رجعة . وحل محل كل هذا السبك بالصورة ) Photo - composition ) .

هذه الآلة الجديدة الباهضة الثمن حقا - ورغم ذلك فان بعض مطابعنا جهزت بها - ستوفر أيضا شكل الحروف بسرعة مدهشة . إذ أنها عندما توضع فى المسالك التجارية ستمكن مثلا من طبع جريدة العمل مشكولة فى وقت أقل بكثير مما تطبع به اليوم وى غير مشكولة متعمدة فى ذلك على لوحة مفاتيح ) Clavier ( لا يتعدى عدد الحروف الهجائية فى صورة واحدة مع زيادة حروف الضبط والشكل والأرقام والوقف وللدماغ الألكترونى وحده البحث فى طرفة عين عن مكان الحرف هل هو متوسط أو نهائى أو غير ذلك .

وكل ضربات الراقن تسجل على شريط من الورق بالرموز يؤخذ ويوضع فى آلة اخرى فتترجمه بالحروف على فيلم ، وفي الامكان اصلاح الفيلم على آلة أخرى بسرعة مدهشة . ثم القيام بالعملية الاخرى على طريقة أوفسيت . كل هذه العمليات بالحروف المشكولة تنجز بسرعة أكبر مما لو اعتمدنا طريقة السبك بالمعدن السخن بحروف غير مشكولة

لهذا ما علينا الآن وقد زالت الموانع التقنية إلا أن تضبط التكاليف ونجهز مطابعنا شيئا فشيئا بهذه الآلات لنصل فى يوم من الايام الى فرض الشكل فى كل مطبوع وهذا ليس بعسير على كل أمة حية تنشد التقدم والازدهار لأبنائها

الخلاصة :

ان الذى ينتظرنا اذن عملان إثنان أولا : الشروع فى التجارب لمعرفة الفرق بين العمليات الذهنية التى نقوم بها عند قراءة نص مشكول ونص غير مشكول . وهذا قصد الاقتناع اقتناعا تاما بضرورة اقحام الشكل فى كل ما يطبع

ثانيا : معرفة تكاليف هذه الآلة الجديدة لضبط مراحل التطبيق وايجاد الوسائل الكفيلة بانجاح هذا المشروع لا من حيث التجهيز الآلى فقط بل البشرى أيضا من فنيين وأساتذة قادرين على شكل المخطوطات واصلاحها

هذا ما يجب علينا القيام به بالنسبة الى لغتنا القومية وبالنسبة الى ما نريده للجماهير من ثقافة حيلة ميسرة والا تبقى العلوم وكل مآثر العصر سطحية فى اذهان الناس . خاصة وأنه تبين أن كل ما يعرض عن طريق الوسائل السمعية البصرية إنما هو سهل الاستهلاك ولكنه لا يفترض المجهود فى التفكير الذى هو وحده القادر على ترقية الاذهان ودفعها الى التعمق وليس كالمقروء بالعين احفز على التدبر والتحليل وصقل آلة التفكير ولو كان على شاشة التلفزة

اشترك في نشرتنا البريدية