الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

الجذور

Share

جدي : هذا الشيخ المسجى أمامى جثة هامدة . . لكنه حي فى كيانى وسيظل كذلك . لم أكن أتصور أن جدي يدركه الموت كالآخرين لم أستطع أن أتمثل بيتنا بدون ذلك الشيخ الذى تراه حاضرا فى كل شئ ، ماثلا فى أذهان الكبار والصغار ، كل يراه بمنظاره الخاص كأنه لغز أو أسطورة ممتدة الجذور ، ثم أستطع أن أتخلص من تأثيره رغم تقدم سني وإدراكى ، كان ماثلا فى أعمافى كالاسطورة المقدسة أحاول مجابهتها بوعيي فتزداد تغلغلا في لا وعيي .

أحببته مذ كنت صغيرا وبما أنى كنت الوحيد فى العائلة أعرف القراءة والكتابة كان يولينى اهتماما خاصا ويحدثنى كما يحدث صديقه الحميم ( الحاج موسى ) .

كان يسألنى عن درس التاريخ خاصة وكثيرا ما يرمى بالكتاب فى وجهى اذا عارضته فى رأي أو اذا صححت له تاريخا محتجا بالكتاب فيقذفه فى وجهى احتج بأقوال المعلم فيصفر مستهزئا ، ذلك الصفير الذى ألفته وكثيرا ما أعبر به أنا أيضا عن استهانتى بشئ من الاشياء ، كان شديد الفخر بنفسه يعتقد أن الخطأ لم يوجد لأمثاله ، وبمرور الايام زرع في ذلك الاعتقاد فأصبحت أصدق أقواله وأغلق عليها دماغى الصغير ، ذلك أنى فى يوم ما أجبت اجابة صحيحة عن سؤال تاريخى فبهت المعلم واستفسر عن الكتاب الذى أخذت منه تلك المعلومات ولما أعلمته أن جدي هو الذى حدثنى عن تلك الاحداث التاريخية أطنب فى مدح حكمة الشيخ ومعرفته ، مدحه أمام زملائى فاشتد فخري به وأصبحت أصدق حتى خيالاته وأوهامه .

لن أنسى كذلك أن هذا الجد الذى طالما افتخرت به فى المدرسة قد جعل مني مسخرة أقرانى وأساتذتى خاصة فى سنتي الاولى من التعليم الثانوى ، كنت أعارض المسلمات التاريخية وأخلط أحيانا بين الخرافة والعلم وبين الحقيقة والوهم :

حدثنا أستاذ التاريخ مدة عن الحضارة الرومانية وآثارها فى بلادنا مستشهدا بقصر " الجم " فاندفعت أنا أعارض بحدة وقلت له : " ان قصر " الجم " بنته " الكاهنة " تلك المرأة العملاقة التى كانت تبني الطابق العلوي من القصر وعندما يبكي ابنها الرضيع الملقى على الارض ترمي له بثديها ليرضع منه . . . " .

أغرق الاستاذ فى الضحك وضج رفاقى كذلك يرموننى بالجنون والسذاجة ، فغصت فى مقعدى متفاديا سهام السخرية .

رغم هذه الحوادث الأليمة لم أفكر يوما من الايام فى التخلى عن منطق جدي بل لن أستطيع حتى ولو فكرت وحاولت لان ذلك المنطق يسحرنى بخلطه بين الحقيقة والوهم خلطا محكما بعد أن يصغي اليه السامع لن يستطيع التفريق بين ما هو حقيقة وواقع وبين ما هو وهم وخيال .

عندما يحدثك جدي يصب فيك قناعاته صبا محكما لان سهام عينيه تنفذ قبل كلماته وتمهد لها السبيل الى جميع الحواس .

لا يجرؤ أحد على معارضته إلا جدتي أحيانا ، كانت تثيره وتحسن اختيار فرصة التدخل ولو بكلمة واحدة تقطع بها حبل كلامه فيغتاظ ويهددها بعصاه - تلك العصا التى التصقت بصورته فى ذهنى فلن استطيع تصور جدي بدون عصا ولا عصا بدون جدي كان يهدد بها فى خصوماته الكثيرة وينبش بها الارض عندما يطرق مفكرا ويدق بها الباب عندما يجده مغلقا - قلت : إن جدتي هى الوحيدة التى تستطيع مقاطعته لكن بحذر وذكاء فيثور جدي ونثور نحن كذلك لاننا غالبا ما نكون مشدودين الى شفتي جدي والى قسمات وجهه الأجعد وكأننا أمام شاشة سنما أو تلفاز : فى لحظات نرى الغضب يرتسم على وجهه ونرى حافتي شنبه ترف كهر متحفز ، ثم نرى الفرح والبشر والابتسامة السحرية فتضيق عيناه ، ويتفرش شنبه فتخاله جناحى نسر هرم

يصفق جدي بيديه أسفا أو طربا ويرفع عصاه اذا كان المشهد القصصى فيه بطولة أو تهديد .

يغرقنا جدي فى عالمه المتغير فننام نهضم ما سمعناه ونصبح نتخيل ونتذكر تلك المشاهد التى مثلها أمامنا .

جدي لا يتحرج مني - بل لا يخجل ولا يتحرج من أحد - يروي أمامى قصصا إباحية ومغامرات مع نساء كثيرات ، يحاول ( الحاج موسى ) صرفى عن مجلسهم فيقول له جدي زاجرا :

" اتركه يا حاج ، أتريده أن يصبح مثل ابنك " لزهر " لا يفرق بين القرعة والبطيخة ؟ أريده أن يصبح مثلى هو الذى سيخلفنى من دون بقية ذريتى . . . "

ويقاطعه ( الحاج موسى ) محتجا : " والله يا شيخ انك دخلت " عمر الكب " هذا كلام تقوله أمام حفيدك ؟ أتريد أن تعلمه المفاسد منذ صغره ؟ أم تريد أن . . "  ويسكته جدي بلسانه السليط :

" ما خرفت إلا أنت يا حاج تحسدنى على حيوية قلبى ، ماذا رأيت فى حياتك ، عشتها كالحمار تأكل وتروث ، تجمع أوساخ الدار الدنيا ، ستموت وسيقولون ( مات كلب ) . . . "

بعد هذا الشجار المعتاد يصمت ( الحاج موسى ) ويواصل جدي حديثه : يبدؤه بالمرأة وينهيه بالحرب - المرأة والحرب هما موضوعا جدي الاساسيان - يقسم النساء الى ثلاثة أجناس لا غير : ( الشقراء - السمراء - السوداء ) . ومن خلال أحاديثه المتكررة عرفت أن الشقراء هى الاوربية والسمراء هى العربية والسوداء هى السودانية : العربية والسوداء هي السودانية

" السمراء ( يا حاج موسى ) حصنها من طوب اقترب منها تنهار كل حصونها وقلاعها أمامك . . . أما الشقراء شئ آخر تخالها فى البداية بغير قلاع ولا حصون لكنها صعبة . . . مثل " موتور المزوط " لا يعمل الا بعد التسخين لكن متعة كبيرة يا حاج . . . أما السوداء مثل " موتور اليسانس " " يلهب لهبان " وقليل هو الفارس الذى لا يسقط من فوقها . . . إيه يا حاج المرأة كالارض نخرج منها ونرتمى عليها ونغوص فيها ونندمج بترابها فى القبر " .

يحاول الحاج موسى استفزاز جدي فيقول له : " أين وسام الشجاعة الذى حصلت عليه فى الحرب العالمية ؟ "

ويهز جدي رأسه ويمد بصره مع الأفق البعيد ثم يقول : " ماذا أفعل بالأوسمه ؟ والله العظيم " ليلة " أحسن من ألف وسام يا " ملهوف " " .

نال جدي وسام الشجاعة من الجيش الفرنسى لانه أسر بمفرده مجموعة من الايطاليين باغتهم أثناء نومهم فساقهم أمامه ، أما ذلك الوسام أعطاه جدي " للشقراء " يسميها " الشقراء " معرفة تمييزا لها عن بنات جنسها لانه لا يعرف اسمها ، يذكر فقط أنه قضى معها ليلة حمراء ، طلبت منه النقود فرمى لها ذلك الوسام الذهبى .

جند جدي ضمن مشاة الجيش الفرنسى قبل الحرب العالمية الثانية وطالما افتخر بحسن تصويبه الرصاصة الى صدر العدو لم يتعلم ذلك فى الجيش الفرنسى بل هى موهبة طبيعية كما يقول هو :

" دخلت لارمى " وبدأنا التدريب . . كان معى ( صالح العجمى ) يرحمه الله ( يضحك طويلا ثم يواصل ) لم يستطع أن يصيب الهدف ولو بحبة واحدة فوبخه ( اليطنة ) وفى اليوم الثانى أراد أن يدقق التصويب فقتل حمارا كان يرعى بعيدا جدا عن اتجاه الهدف ، أما أنا من أول ضربة والله يا حاج أصبت وسط ( النيشان ) ، وعندما رجعنا من التدريب استدعانى ( الكماندة ) وسألنى أسئلة كثيرة : ( أين تعلمت الرماية ؟ هل تدربت سابقا ؟ هل ذهبت الى الحجاز ؟ هل انخرطت فى الجيش العثمانى . . . ؟ ) كنت أجيبه بالنفي دائما لكنه هز رأسه ولم يصدق وأبقانى معه فى فرقة الحراسة . . . كنت عندما يجري الدم فى عروقى بشدة خاصة فى فترة الشباب أركض بدون هدف كالمجنون - المرأة نصف الدنيا ( يا حاج موسى ) كنت فى الجيش الفرنساوى - يمر علي شهر وآخر دون أن أرى شبح الأنثى فترانى كلما التهبت الذكورة فى جسمى أركض وأركض مسافات طويلة حتى أسقط على الارض وأحيانا ترانى أدور بالثكنة وأدق الارض وأنهق كالحمار الهائج وأخور كالثور الذى لم ير النور طول حياته . وعندما يسيل العرق من كامل بدنى أسقط على الارض يصمت ذلك الصوت الرجولى الملح - سبحان الله يا حاج - التعب عندما يحل فى الجسم يفقده كل رغباته ، تسيطر عليه فقط تلك الرغبة الملحة فى الراحة والاستلقاء السريع " .

يتنهد ( الحاج موسى ) ثم يبتسم مشجعا جدي على مواصلة حديثه . يخرج جدي حقة نشوقه يضعها فى يده اليمنى ، يتحرك إبهامه يلتصق آليا بالنصف الاعلى للحقة بينما تضغط سبابته على النصف الاسفل وتنفتح الحقة دون أن ينظر اليها - يحرر عصاه من قبضة يده اليسرى ويسندها على ركبته - يحرك يده ببطء وبدقة فتستقر أصابعه وسط الحقة ثم تتحرك بهدوء وباتزان تجاه منخريه اللذين يتسعان حالما تفتح الحقة فيستنشق أولا بهدوء وكانه يشتم وردة شذية ، ثم وبشخرة واحدة ينهى ما بين أصابعه . إذ ذاك تكون يده اليمنى قد أغلقت الحقة واعادتها الى جيب جبته الكبير وتكون قد أسرعت بالمنديل تزيل ما علق على شنبه من نشوق . تعود اليد اليسرى للعصا بينما يبتسم جدي ابتسامة عريضة تباعد بين جزئى شنبه الطويل فيظهران كجناحى نسر صغير يحاول الطيران .

الفرنساوى قواد يا ( حاج موسى ) والله عاشرتهم جميعا من الجندى الى الجنرال فما وجدت فيهم رجلا ، كنت عندما يشتد بى الشباب أجري وأركض فنادانى ( الكامندة ) بعدما عرف أمري ومازحنى بقوله : " لو سافرت معي لقدمتك أحسن هدية لزوجتى . . . " انصرفت ولم أؤدي له التحية العسكرية فأمر بحبسى مدة طويلة .

أصغى الحاج موسى لحديث جدى وابتسم وانفجر مدة ضاحكا ومصفقا بيديه ، نظر له جدي متسائلا فقال الحاج موسى :

والله يا حاج تذكرت حكاية هروبك من العسكر الفرنساوى وكيف أنك مثلت معهم دور المجنون والله إنك إبليس فى الزور والبهتان " .

- آه لو لم أمثل دور المجنون لأعدمني أولئك المجانين الخنازير ، لم يفهمونى عندما قصصت عليهم القصة بصدق وحكموا علي بالاعدام لان التهمة خطيرة يسمونها الخيانة والتعاون مع العدو - حتى أنت لم تفهمنى يا حاج - تلك المدة الاولى تصرفت فيها بشهامة .

- والله انك مجنون بحق لو كنت مكانك لما أطلقت سراح خمسين جنديا ( طلاين ) لا دين ولا ملة وزيادة على ذلك هم أعداؤك فى الحرب . . .

- والله ما كنت لأطلق سراحهم لولا ذلك الناي العجيب سحرنى أحدهم ( ابن الكلب ) سحرنى بنايه ، ظل يعزف ويعزف الى أن تحرك كل شئ : البناء والنبات والانسان ، الكل تمايل على أنغام ذلك الناي ، نسيت نفسى

ونسيت اني جندي أحرس أسرى الاعداء ، نسيت كل ذلك واندفعت وسطهم أرفض لاول مرة فى حياتى . والله يا حاج أظن أن الدنيا هى التى رقصت وتمايلت بي ، هم كذلك لا تظن أنهم فكروا فى الهروب وماذا يعني الهروب أو الأسر أو الموت فى تلك اللحظات ؟ نسينا أنفسنا وبقينا لا أدرى كم من ساعة على تلك الحالة وكأننا دراويش فى حضرة ( سيدى عبد القادر ) ، ولما أخذ منا التعب مأخذه تهالكنا على الاسمنت أنا بقيت مدة لا أعي ما حولى ، ثم قفزت فجأة أفتش عن مفتاح المعتقل فى جيوبى ، لم أجده فصعقت .

امتدت نحوى يد صاحب النادى ذلك الايطالى الاشقر - مد لى المفتاح وابتسم - انتشلت المفتاح من يده بسرعة وبقيت أتأمل ملامح وجهه : لم تعد تستفزنى نظرته الزجاجية الزرقاء ولا لون بدلته العسكرية احسست انه قريب مني رعم كل شئ حاولت أن أسأله أسئلة كثيرة : ( هل له أخوة مثلى ؟ هل له حبيبة ؟ هل له زوجة وأطفال ؟ هل يسكن القرية مثلى ؟ كيف تعلم عزف هذه الالحان الجميلة الخلابة ؟ أكان مثلى يرعى الغنم وينفخ تلك الالحان السماوية من نايه البسيط ؟ . . . ؟ " تحركت شفتاى ، تحركت كذلك شفتاه ولكننا لم نتفاهم لا يفهم لغتي ولا أفهم لغته ! فبدت الحسرة على وجهينا والله يا حاج لو سألتنى فى تلك اللحظات عن أعز أمنيتى لطلبت فورا التخاطب والتفاهم مع ذلك الايطالى ، أحببته بل اندمجت معه ، لم أكن أعره أى انتباه قبل عزفه ذلك اللحن الخلاب . . .

يقاطعه الحاج موسى : " كيف تحب ايطاليا كافرا ( الطلاين ) خاصة سيكونون وقودا لجهنم يوم القيامة وحتى رائحتهم . . .

يقاطعه جدي بحدة : قلت لك : لا يمكنك أن تفهمنى يا حاج موسى ذلك الشئ الذى احسست به أكبر من كل شئ أكبر حتى من الدين . ( يتمتم الحاج موسى مستغفرا وتعلو وجهه علامة استغراب واستنكار ) ويواصل جدي :

" نعم أكبر من الحرب من النزاعات . . فى الليلة القادمة اسرعت متلهفا لحراسة " المعتقل " حاولت مجددا أن أخاطب ذلك الايطالى ، أعطيته علبة سجانرى فشكرنى بقسمات وجهه ، فتش جيوبه وأهدانى سلسلة ذهبية سعيرة . بقينا صامتين مدة طويلة فى وجهه وينظر فى وجهى وكاننا نقرأ كتابين مقدسين ، حاولنا أن نتفاهم بالاشارات الا انها كانت قاصرة ،

فاسرع الى نايه السحرى وبدأ يعزف ويعزف وانشددت اليه أطالع قسمات وجهه وأتابع حركة أصابعه بدت إجاباته واضحة فى قلبى . والله يا حاج لو أن أفصح المتكلمين بلغتنا ما استطاع مخاطبتى بذلك الوضوح الذى نفثه ذلك الايطالى فى فلبى بنفحات نايه قال لى كل ما تساءلت عنه ، أحسست أننا لسنا أعداء وان الذى كان بيننا وهم ، كل ما فصل بيننا وهم : ( الدين ، الحرب ، هتلر المجنون ، موسيلينى الأعرج ، الفرنسى القواد . . . ) أحسست انى أرعى الاغنام معه فى الغابات الشاسعة وانه يحكى لى عن احبابه وآماله ومغامراته ، أحسست أننا طفلان بل أخوان نركض ونقطف الازهار ونطارد الفراشات . يعزف ويرقص فيشرق البشر من قسمات وجهه . أحسست برعشة فى جسمى ، أحسست انه يطلب جوابا ، فتحرك كل عضو فى جسمى وتمايل على تلك الالحان ، اشتد العزف وبقيت أنط وأقفز بل أطير ، لمحت دمعة ترقرقت على خده ، فجلست وبكيت طويلا كطفل يتيم ، أقبل علي فتعانقنا بشدة . . .

وعند الفجر أيقظت كامل الاسرى واحدا واحدا ، وبهدوء تام أبعدتهم عن مقر الفرنسيين ، عند الوداع التفت الى ذلك الايطالى ، لم يكلمنى ، لم يصافحنى ! نظر فى وجهى طويلا على ضوء القمر الممزوج بضوء الفجر ثم وضع فى يدي الناي واشرق وجهة بابتسامة طفولية والتحق برفاقه .

رجعت فرحا منتشيا أقلب الناي فى يدي وكأنه كنز ثمين . لما وصلت الثكنة وجدت الجميع فى حالة استنفار واضطراب لانهم سرعان ما افتقدوا الاسرى . أول جندي رآنى خاطبنى بعنف واقتادنى ( للكماندة ) ، وجدته يصيح ويصرخ كالمجنون ويلعن الجميع ، لمحنى فوجه فوهة مسدسه الى رأسى : " تكلم يا وحش أين الاسرى . . . ؟ " لم أشعر بارتباك أو خوف حدثته طويلا عن الايطالى الذى سحرنى بنايه ، ضربنى ضربة بمؤخرة مسدسه على رأسى أفقدتنى الوعى ولا أدرى استفقت بعدها على صوت ذلك ( الكماندة ) يسألنى ثانية عن الأسرى فادعيت أنهم هربوا وانى حاولت اللحاق بهم .

أمر ( الكماندة ) باعدامى حالما أعود الى حالتى الطبيعية لان التقليد العسكرى لا يسمح باعدام جريح أو مريض ، عندها لعبت لعبة الجنون ، فظنوا أنى جننت بسبب تلك الضربة صبيحة الواقعة واطلقوا سراحى نهائيا . . . " .

أعود من المدرسة فيحتظننى جدي أدخل معه فى جبته ، استنشق رائحة جسمه التى تشبه رائحة تربتنا الندية يسألنى مبتسما :

" صبحت تعرف الفرنسية الآن ما معنى ( الزوليف ؟ ) "

أفكر طويلا وأنبش ذاكرتى الصغيرة علني أجد معنى لهذه الكلمة يحاول ان يساعدنى فيضيف : " هو نوع من الشجر ، بقربنا الآن الكثير منه " يقول ذلك ويشير برأسه الى الزياتين المصطفة أمامنا .

أتذكر اسماء الاشجار لكنى لا أجد هذا ( الزوليف ) ، عندما يقهقه ويلعن تعليم المدارس القاصر ويقول لى : ( الزوليف ) هو الزيتون يا جحش !

أضحك أنا أيضا وأحاول أن أصحح طريقة نطقه للكلمة الفرنسية ( les olives ) ولكنه يصر على سلامة نطقه الذى تعلمه من الفرنسيين أنفسهم وليس من المعلمين العرب ، كان دائما يمتحننى ويقذفنى بألفاظ معوجة النطق ويتركنى أبحث طويلا ثم يعربها لى ويتهمنى بالجهل التام لأصول اللغة الفرنسية . مصطلحات كثيرة يطلقها بسرعة ويتلفظها بطلاقة تخالها سليم لكنك لن تجدها فى أى قاموس لغوي :

" آه الآن أصبحت فى الثانوي ، يمكننى أن أتحدث معك بالفرنسية ما هو ( لجفال ) ؟ " .

وبعد أن أعجز كعادتى ينفجر ضاحكا ويقول :

" ما زلت لم تتعلم شيئا ، لو كنت ذكيا لفهمت المعنى حتى بالعربية ( لجفال ) هو الحصان ، سموه كذلك بالفرنسية لانه ( يجفل - جفال ) " .

فأحتج وأحاول أن أشرح له بأن الكلمة الفرنسية فى الاصل تنطق : ( le cheval ) وانه نطقها نطقا غير سليم ، وأن هذه الكلمة لا صلة لها  بالمصطلح العربى الذى ذكره فيتحدانى معددا لى سنوات خدمته العسكرية مع الفرنسيين التى تفوق سنوات دراستى بل كل عمري .

مات هازئا بالموت مستنفذا كل دقائق الحياة . " لماذا خلقنا الله ( يا حاج موسى ) ؟ " يسأل ثم يجيب دون انتظار :

" لم يخلقنا لعبادته ، لانه فى غنى عنها ، خلقنا كى نلعب ونلهو وهو يتفرج علينا ويبتسم لنا ، كما يتفرج الراعى على حملانه الصغيرة التى تقفز وتنط بين الازهار - بعدها سيحاسبنا - سيعاقب الذى سار بين الازهار ولم يستنشق شذاها ، والذى مر بالفاكهة ولم يقطفها ، نعم سيشوى ذلك الذى نظر الى الجمال نظرة عابسة سبق له الله غاضبا : ( لماذا خلقتك اذن ! ؟ لماذا جعلت لك قلبا وذوقا ؟ ) . اما ذلك الذى تعود الجمال والمتعة سيضحك سبحانه فى وجهه وسيقول له : ( انك تعلمت الضحك فى الدنيا ، فهاك الضحك الابدي انك تعلمت كيف تستمتع بالجمال فهاك الجمال وهاك المتعة الأبدية . . . )

عاش جدي طويلا وأظنه سيعمر قرونا أخرى ، كزيتونة عتيقة ، غاصت جذورها فى الارض واتصلت بالمياه الجوفية فتحدث جفاف قشرة الارض تقتلعها العواصف وتفتت فروعها فتخلف شجرة أخرى ، كذلك جدي لا أصدق موته رغم هذه الجثة الملقاة أمامى .

تحدثت عن جدي ولا أدرى هل قلت شيئا عنه ؟

هل استوفيت جزءا صغيرا من ذلك الكيان العظيم ، تداخلت ذكرياتى الخاصة وذكريات عائلتي وقريتى بل وتاريخ بلادى بذكريات شخصية جدي فتشوشت أمامى المسالك لأنى وجدته حاضرا فى كل شئ حتى فى رائحة التراب وجذور الزياتين .

اشترك في نشرتنا البريدية