الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

الجغرافيا الاقتصاديه والاجتماعيه والعمرانيه، لشمال افريقيا

Share

١ - بلدان فتية قليلة التجربة واقتصاد بدائي متاخر

تظهر بلدان شمال افريقيا وليبيا بمظهر الجهات الفتية فى نموها الحديثة في عمرها ، فهى فتية لا نها  تكون مجموعة جغرافية واجتماعية لم تقع الى اليوم الاستفادة من امكانياتها ولا تم استثمار خيراتها بطريقة محكمة ، ثم انها جهات ناقصة التجربة فى ميدان النظام الاقتصادى

وهى حديثة السن لان ما بها من خيرات وما لها من امكانيات لم يتم استغلاله استغلالا واسعا . ومعنى هذا ان بلاد شمال افريقيا لم تصل الى درجة النضج الاقتصادى التى وصلتها بعض البلاد الاروبية حيث اصبحت ابواب الاستثمار ضيقة واصبح كل نمو فى باب من ابواب الاقتصاد عرضة للافلاس اوقلة الانتاج .

ومثال ذلك انك لا تكاد تجد فى اروبا شبرا من الارض لم يقع استثماره فى حين ان معظم اراضى شمال افريقيا الصالحة للفلاحة لا تزال ارضا عاطلة بورا زيادة على ان جوف الارض الافريقية لا تزال محتوية على ثروات منجمية لم تمسسها يد الانسان وان ما بالبحر من ثروة لم يقع الانتفاع الا بالقليل منه .

اما الصناعة فلا تزال بشمال افريقيا فى طور الطفولة ولا يمكن ان تبلغ قوتها الا اذا تم استغلال الارض والانتفاع بما للفلاحة من امكانيات . وهذا هو قول بعض علماء الاقتصاد : ان شمال افريقيا بلاد متاخرة فى باب الاقتصاد وان اقتصادها من نوع الاقتصاد البدائى ومن الحقائق التاريخية المعلومة ان جميع البلدان الصناعية والتى ارتفع فيها مستوى العيش قد مرت اولا بهذا النوع من الاقتصاد البدائى قبل ان تصل الى المرحلة الثانية من مراحل التطور الاقتصادى .

ولنا ان نتساءل : هل ان هذا التطور التاريخي امر لازم وهل يستطيع شمال افريقيا ان ينتقل الى المرحلة الثانية عاجلا باعتبار انه قطع المرحلة البدائية وفرغ منها ام لا بد من ان يسعى في تحسين هذه المرحلة الاولى وترقيتها والتوسع فيها فلا يمكن له ان ينتقل الى المرحلة الثانية الا اذا فرغ من الاولى ؟

يتردد هذا السؤال في اذهان الكثير من ابناء شمال افريقيا اليوم . وسنحاول فى هذا المقال ان نتفهم الموضوع بصورة واضحة .

٢ - المشكلة العمرانية وصلتها بالثروة الاقتصادية

ولكن المشكلة تزداد تعقدا اذا نحن اعتبرنا الموارد الاقتصادية في بلاد المغرب بالنسبة الى التطور العمرانى .

التطور العمراني هو تزايد السكان من عام الى عام بسبب ما يتصف به مجتمع شمال افريقيا من كثرة المواليد ، ثم ان عدد الصغار الذين لا تزيد اعمارهم على العشرين كبير بالنسبة الى جملة السكان . وعن هذا التطور العمرانى تنشأ مشكلة اقتصادية هى مشكلة توفير الغذاء للعدد الزائد من السكان بحيث يجب ان يكون التزايد العمرانى مطابقا لتزايد مماثل فى موارد الاقتصاد ولهذا كان علماء الاقتصاد يعتبرون ان ازدياد عدد السكان فى بلاد من البلدان يجلب النقص في المدخول الفردى لكل واحد من السكان ، اذ ان الكمية القارة من الثروة سيكون توزيعها على عدد اكبر من السكان .

وقد اتضح من البحوث العصرية ان ازدياد عدد السكان يحلب ازديادا في الموارد الاقتصادية وينجر عنه بسبب ذلك ازدياد فى المدخول الفردى لكل واحد من السكان .

ويظهر لنا من ذلك ان المشاكل الاقتصادية مرتبطة اشد الارتباط بالمشاكل الاجتماعية والعمرانية بحيث ان بعضها يؤثر على بعض ، ويكون من الغلط ان تنظر الى الاقتصاد دون تقدير صلته بالمجتمع وعدد السكان

تمكننا هذه الملاحظات من ان ندرك السبب الذى من اجله سنبدأ هذا المقال بالنظر فى الثروة الاقتصادية لبلاد شمال افريقيا وفى توزيعها بين طبقات السكان قبل النظر فى المشكلة العمرانية وفى مسألة المدخول القومى . ذلك ان مسألة السكان والتطور العمراني لا تتكون منها مشكلة فى بلاد من البلدان الا اذا اصبحت الثروة الاقتصادية ضيقة بالنسبة لعدد السكان وعاجزة عن ان تسدد حاجياتهم وبذلك ينحط مستوى المعيشة وتسوء الحالة الاجتماعية .

ولهذا فان التطور العمرانى بشمال افريقيا لم يورث مشكلة الا عندما ادرك اصحاب الاحصائيات ان تطور المدخول الاقتصادى تخلف عن التطور العمرانى وبذلك اصبحت المشكلة العمرانية موضوع جميع المناقشات الاقتصادية ، بل اصبحنا نرى الكثير من رجال الاقتصاد ينذرون بالخطر ويصرحون بسوء العاقبة .

سنحاول ان نوضح المشاكل الاقتصادية والاجتماعية لشمال افريقيا وان نستخرج الحقائق التى تمكننا من ادراك الواقع الحاضر ومن فهم ما لنا من امكانيات وينقسم موضوعنا إلى اربعة اقسام :

١ ) الثروة الاقتصادية ومشكلة التوزيع ( ٢ ) المشكلة العمرانية بشمال افريقيا ٣ ) الجغرافيا الاجتماعية ( ٤ ) وجوب تحقيق مشروع اقتصادي لتحسين المدخول القومى .

الفصل الاول : الجغرافيا الاقتصادية

المنتوجات وتوزيع الانتاج ان افريقيا الشمالية وليبيا كما قلنا بلدان اولية اي انها تجنى معظم منتوجاتها من الارض . نعم يمكن ان تكون منتوجات ارض شمال افريقيا كافية لتضمن لسكان هذه الناحية من العالم حالة يغبطون عليها ولكن الظروف الاقليمية مع الاسف تؤثر فى الاستغلال الاقتصادى بسبب عدم استقرارها ايما تاثير وتدخل على الحياة فى هذه الناحية اضطرابات لا تتلاءم مع مستوى حيوي قار ومرتفع

ان ثروة شمال افريقيا تابعة للمياه والمياه قليلة او تصب من السماء بصورة غير منتظمة فى معظم جهات شمال افريقيا ولذا يمكن ان تقول من الان ان فض مشكلة المياه يجر بالتبعية فض اكثر مشاكلها الاقتصادية وان تاثير الانسان على الاقتصاد بشمال افريقيا محدود ويبقى كذلك ما دام الجهاز الاقتصادي في هذه البلاد معتمدا على عوامل طبيعية لا يمكن للانسان ان يسيطر عليها سيطرة تامة

وانما توجد خيرات تخفيها طبقات الارض فتنجو من تاثيرات الاقليم وهاته المنتوجات هي المنتجات المنجمية . ان شمال افريقيا غنية من ناحية المعادن

١ ) يساوي انتاج الحديد بشمال افريقيا الجزء من الخمسين من الانتاج العالمي ولكنه رغم ذلك انتاج هام لوجود ذخيرة من المعادن تقدر بثلاثمائة مليون

طن ولكن لجودة المعدن الخام الذى جعل اصحاب المعامل باوربا يؤثرون حديد الشمال الافريقي على غيره بلغت كمية الصادرات بشمال افريقيا سنة ١٩٥٣ : ٤،٨٠٠.٠٠٠ طن قيمتها عشرون مليارا من الفرنكات ،

اما الفوسفات فلا تخفى اهميته بين المنتوجات المنجمية الشمال افريقية فافريقيا الشمالية تحتل من ناحية انتاجها المركز الثاني في العالم بعد الولايات المتحدة

ان الانتاج الذى يبلغ سنويا ٠٠ ٦،٢٠٠٠ طن يضمن لشمال افريقيا جانبا هاما من عمولاتها الاجنبية ويساهم بجانب وافر فى التجارة الخارجية ولكن الفوسفات الذى تنتجه الجزائر وتونس معدن فقير ثمنه مرتفع ويلاقى في السوق مزاحمة الفوسفات الامريكى .

وبشمال افريقيا ايضا مناجم هامة للرصاص والزنك وحتى النحاس والمنغانيز ولكن الامر الذى تجب ملاحظته فى هذا الصدد هو ان استثمار المناجم فى شمال افريقيا لا يزال ناقصا : فان هناك علامات تسمح لنا بان نرى فى الاطلس الجنوبي مستقبلا زاهرا وهناك مشاريع ما زالت فى طور الدرس يستعد بموجبها الخبراء لانشاء جملة وحدات صناعية على نطاق واسع تستمد قوتها المحركة من الاشعة الشمسية ولكن هذه المشاريع الهائلة تتطلب كميات كبيرة من الاموال بعجز الراس ماليون الفرنسيون عن ايجادها وحدهم

الفلاحة من المحقق ان الفلاحة تكون فى الشمال الافريقى المهنة الرئيسية والمصدر الاول لوسائل معيشة السكان - وفى هذه الفلاحة فان انتاج القمح يحتل المقام الاول ويليه انتاج الشعير فالقمح يشمل ٤٠ الى ٥٧ فى المائة من معيشة الاهالى فى شمال افريقية فيتبين لنا من هذه الاعداد اهمية القمح فى المعيشة ويتبين لنا معا ضعف انتاجه اذ ان معدله ) وهو ٢٠٠٠٠٠٠طن ) لا يمكن له ان يفى بحاجة للسكان الذين يتزايد عندهم يوما بعد يوم والاخطر من هذا كلة هو ان الانتاج الفردي ضعف في مدة ثلاثين عاما بنسبة ٢٥ الى ثلاثين فى المائة ففي الجزائر مثلا يقدر انتاج ١٩٥١ بنصف انتاج سنة  ١٩١٠ - وليس يشذ عن هذه القاعدة

( قاعدة النقصان ) الا انتاج الزيوت اذ ان تزايدها يفوق تزايد السكان ، ففي تونس مثلا وهى التى تنتج عادة ثلاثة ارباع ما ينتجه الشمال الافريقى ، زادت غابات الزيتون بنسبة ٢٨ % فى السنوات الاخيرة اذا اعتبرنا القاعدة ما كانت عليه الحالة قبل الحرب . ولكن من ناحية اخرى نلاحظ ان انتاج الزيوت لا يتبع خطا منتظما فقد اضطرت شمال افريقية لاستجلاب الزيوت فى بعض السنوات ، فالى جانب هذين المنتوجين الاصليين يملك شمال افريقية منتوجات اخرى متنوعة اهمها العنب - والملاحظ ان انتاج الخمر موجه فى اكثره الى التصدير ولهذا فانه يتصادم فى الاسواق مع خمر المنتجين الفرنسيين

وهناك عنصر آخر له قيمته في انتاج الشمال الافريقى وهو الماشية ، ويمكن القول بان تربية الماشية تدخل بنسبة الربع في الانتاج الشمال الافريقى واذا لاحظنا من ناحية اخرى ان تربية الماشية يشتغل بها خصوصا الاهلى من البدو وانها المصدر الوحيد لمعيشة الكثير منهم ، فاننا نرى اهمية المشكل الذي يتمثل فى حصر نصيب تربية الماشية فى تقدير المربوح القومى الخاص بالاهالى - فبينما يستخرج باقى المنتجين من رجال الفلاحة الارضية والصناعة ارباحهم من رؤوس اموال لا تخشى التلف ، نرى الفلاح المختص بتربية الماشية يخضع لنوعين من الاتلاف " فهو من ناحية يخشى عدم الربح ويخشى ما هو اخطر من ذلك وهو تلف رأس  المال : ولهذا وجب وضع سياسة تضمن على الاقل المحافظة على رأس المال ، وهذه السياسة الفلاحية تتلخص فى انتاج بالغ للاعشاب الصالحة لمعيشة الماشية والتي يجب الاحتفاظ بها للسنوات التى يقل فيها المطر واخيرا يكون صيد السمك مصدرا لا يستهان به لمعيشة السكان فى الشمال الافريقى غير ان استثمار هذا المصدر ليس له نفس الاهمية في الاقطار الثلاثة - فاذا كان المغرب الاقصى قد نجح فى استثمار البحر بصفة عصرية وعلى نطاق واسع فان الجزائر وتونس وليبيا لم تستوف فى هذا الميدان جميع امكانياتها . فان هذه الاقطار الثلاثة لا تنتج مجتمعة نصف ما ينتجه المغرب الاقصى )(٠٠٠٠ ٥ طنا بالنسبة ١٢٠٠٠٠ طنا سنويا ) . وسبب ضعف هذا النوع من الانتاج هو ضعف معدات الموانى وقدمها من ناحية وعجز السلطات عن تحديدها رغم مالها من مشاريع التعصير

الصناعة

لقد اعيد مرارا وتكرارا ان الشمال الافريقى بلد زراعى وقد قيل هذا دون اى معارضة وقد قيل ايضا ، وذلك من اناس لا يمكن ان نصفهم بالنزاهة ان مهمة تصنيع شمال افريقيا مهمة جنونية لا يكتب لها النجاح والسبب في ذلك هو ان هذه البلاد فقيرة حدا للقوى المحركة وللمواد الاولية وللعمال الاختصاصيين - ولكن عندما احتل الالمان فرنسا وقطعت المواصلات بين فرنسا وافريقيا الشمالية واضطرت هذه الاخيرة الى تموين نفسها بنفسها ببعض المصنوعات تبين عند ذلك ان كثيرا من الصناعات ممكن انشاؤها فى هذه الارض وان السبب الوحيد فى افشاء الدعوة القائلة بان ارضنا ارض زراعية الى الابد لا يقوم الاعلى الوضعية التجارية التى وضع فيها الشمال الافريقى بالنسبة للخارج عامة ولفرنسا خاصة اذ ان الميزان ليس متعادلا واليوم نرى ان ضرورة تشغيل اليد العاملة العاطلة التى يزيد عددها يوميا ويتفاقم مشكلها مع تفاقم عدد السكان ، ترغم المسؤولين على اعادة النظر فى المشكلة وعلى الاعتراف بان تصنيع افريقيا الشمالية ممكن رغم جميع المصاعب وهذه الفكرة تجد تاييدا كاملا فى الامثلة الآتية من اقطار تشبه الشمال الافريقي فى الاوضاع الاقتصادية والطبيعية ( اسرائيل والهند)

وضرورة التصنيع هذه لا تجد سببها في ازدياد اليد العاملة التى لم تعد تجد فراغا تسده في ميدان الزراعة فقط بل كذلك في تهديم الصناعة اليدوية التى شغلت الناس قرونا ، فهذا التعديم الذي يهدد الصناعة اليدوية يهدد فى نفس الوقت بتفكيك اسس المجتمع الاسلامى

ولكن من العسير ان ينكر المرء ان تصنيع افريقيا الشمالية يستدعي وضعية ليس من الممكن تحقيقها اذا ما بقيت الاحوال السياسية والاقتصادية على ما هى عليه الآن

فمن المحقق ان هناك حدا اذا تجووز ، وجب على كل صناعة فتية مهما كانت ان تحاط بحماية وبرعاية خاصتين وهذان الشرطان ليس من السهل تطبيقهما فى الاطار الحالي الذي يتمثل فيه الاتحاد التونسى الفرنسي الاقتصادى - ورغم هذا فاننا نلاحظ ان افريقيا الشمالية تمكنت من بعض التقدم فى عدة اقسام من الصناعية

وخصوصا فى صناعات تحويل المواد الفلاحية ويمكن لها فى المستقبل ان تزاحم فى الاسواق المواد الاجنبية لو طبقت بعض الافكار . ومن ناحية اخرى يبدو لنا ان الاوضاع الحاضرة لا تسمح بتصنيع الشمال الافريقى على نطاق واسع وذلك للفوارق التى ابعدت الاقطار عن بعضها بعضا ولضيق الاسواق الداخلية - فالصناعة الثقيلة تستوجب وحدات انتاجية لا يمكن ان تقل عن حد ادنى وهذه الوحدات تتطلب بدورها اسواقا لها من الاتساع ما يفوق عن الاسواق الحاضرة فى الشمال الافريقي اذا ما نظرت الى هذه الاسواق فى انعزالها الحاضر

إذن لا يمكن تحقيق صناعة ناجحة وعظيمة كالصناعات الاوروبية الا اذا توحدت اقطار الشمال الافريقى في اطار واحد

وبعد ان عددنا فى ايجاز موارد الشمال الافريقى ، بقى علينا ان نعرف كيفية توزيع هذا الانتاج على الافراد الذين ساهموا في انشائه . ليس من المفيد ان يقدم ارقاما تدل ولو على وجه التقريب على النسبية التى يشارك بها كل نوع من الانواع التى تؤلف المجتمع فى افريقية الشمالية فكل ما يمكن قوله هو ان الهيكل الاقتصادى فى الشمال الافريقى ليس بمنسجم اذ نجد فيه جنبا الى جنب هيكلا بدائيا ( ما قبل الرأسمالية ) يضم الاغلبية الساحقة من السكان الاهالي وهيكلا متقدما فى طور الراسمالية يضم اقلية وهى على الاخص اقلية اوروبية استاثرت لنفسها باستثمار القسم الذى يعود باعظم الفائدة من موارد الشمال الافريقى ان لم نقل انها استاثرت لنفسها بجميع منتوجات البلاد وذلك بفضل نشاطها ووسائلها التكميلية والمالية المتنوعة وامتيازاتها

والطابع الذي يمتاز به القسم الراسمالي من الاقتصاد في الشمال الافريقي هو ان المحرك الوحيد الذى يرتكز عليه يتمثل في البحث عن تضخيم رؤوس الاموال المطروحة فى السوق فالقسط الوافر من رؤوس الاموال التى تستخدمها الشركات فى افريقية الشمالية آت من الراسماليين الفرنسيين الذين لا يقودهم في تصرفاتهم الا البحث عن الارباح المالية - واما الاستثمار المعقول لهذه البلاد فان لا يتماشى دائما مع مثل هذه الاعتبارات المالية فقط فهناك اعتبارات اخرى وخصوصا الاجتماعية منها يمكن لها ان تحتل مكانتها ويجب علينا ان نعيرها اهتمامنا ولهذا فان استخدام الاموال فى افريقية الشمالية يمتاز بمظاهر خاصه به تفرقه عن استخدامها فى اوروبا ولنا عودة فى هذا الموضوع

مشكلة العمران :

نظريات عامة حول تطور السكان من حيث عددهم واعمارهم بشمال افريقيا : التطور العمراني لا يمكن ان نستخرج نتيجة مفيدة عن عدد اجمالي لسكان بلد من البلدان .

ولكن مثل هذا العدد يكون له معنى اذا ما قارناه بعناصر اخرى  اقتصادية واجتماعية وسياسية ولقد بينت لنا العلوم الخاصة بحركة السكان التركيب الداخلى للسكان ومما يتألفون وبما يمتازون به من طبائع ولهذا لا يفوتنا ان نستعمل هذه المعلومات الجديدة التى تبرز لنا الحقائق التالية :

١) تزايد مطرد فى السكان ٢ ) صغر السن ٣ ) تطور اسرع من تطور الانتاج العام ٤ ) ازدياد سريع فى الطبقات الفقيرة .

هذه الملاحظات التى تبرز لنا من دراسة مجتمعنا تبرز لنا من جميع البلدان التى لم تنم اقتصاديا .

يتبين من الاحصاءات التى اجريت سنة ١٩٣٦ وسنة ١٩٤٩ ان عدد السكان فى شمال افريقيا صار ٢٠،٥٣٠٠٠٠ بعد ان كان  ١٦٠٨٨٠٠٠ وهكذا فانه في مدة عشر سنوات زاد العدد بحوالى ٤،٤٤٣٠٠٠ اى ما يساوى ، ٤٥٠٠٠٠ سنويا واما الآن فان عدد السكان يقرب من ٢٥ مليونا من السكان .

واذا قارنا عدد السكان بالمساحة المنتجة فاننا نجد ان كل فرد يقابله ٨٥ ،٠ " هكتارا ولكن هذه النسبة تتفاوت حسب الاقطار فتونس مثلا تحظى بنسبة اكبر من هاته .

ويمتاز تطور السكان فى الشمال الافريقي بميزة اخرى وهى التنقل المستمر من البوادى الى المدن ، وهذا التنقل يخلق مشاكل اخرى تتركب على مشكلة تزايد السكان ، وهذه الظاهرة - ظاهرة التنقل - نجد اسبابها فى الاستعمال المتزايد لللالات وفى توسيع المساحات الفلاحية وفى الطمع فى اجور اعلى فى المدن وفى امل الظفر بمعيشة بلدية هينة - ولكن هذا التنقل انجرت عنه نتائج مؤلمة منها تراكم المهاجرين فى مدن القصدير التى تحيط بكثير من المدن الكبرى والتى تفقد فيها جميع الشروط الصحية اللازمة .

اما ما يخص التركيب الداخلى للسكان فان الارقام تدل على ان هناك قسطا وافرا من السكان يترواح عمرهم بين الولادة و ١٩ سنة وهذا القسط يمثل نصف

العدد الكلى ، ولهذا فان شعوب شمال افريقيا تعد من اصغر الشعوب وهذا الصغر هو احسن ظاهرة فى الشعوب لانه هو احسن ضمان لازدهار البلاد ولكن هناك مشكل خطير يتمثل في عدم تمكن الطبقات الجديدة من وجود الشغل - ولهذا فان ادخال هذه الاجيال فى طور العمل يتطلب سياسة خاصة يراعى فيها ايجاد مراكز للعمل ولكن هذا يصعب مع قلة الاقتصاد الوطنى وفى انتظار هذه المشاريع ، فان الثقل الذى يتمثل فى تحمل هذه الطبقات العاملة من صغار وشبان وشيوخ ملقي كله على كاهل اقلية عاملة فى ظروف قاسية وغير متعادلة - ولهذا فاننا نرى الجزائرين يضطرون الى الهجرة الى البلاد الفرنسية حتى يتلافوا العواقب الوخيمة التى تنجر على تزايد لا يقابله تزايد فى المناصب ومراكز العمل .

الخغرافيا الاجتماعية : سوق الشغل - المدخول القومي

١ - سوق الشغل نظرنا بصورة عاجلة فى اخص ميزات العمر ان الشمال الافريقى ووضحنا خاصة المشكلة التى تنجر عن تزايد عدد السكان

واذا كان هذا التزايد فى السكان من شانه ان يخل بمستوى المعيشة باعتبار حملة المداخيل الموجودة اليوم وتقسيمها فان فيه على ذلك ناحية صالحة للتطور الاقتصادي

ولسنا فى حاجة الى ان نتعرض للفوائد الادبية التي تنجر من تزايد عدد السكان فى مجتمع ناشط حي ، ولكن نشير هنا الى ان الزيادة في هذا العددتسهل مسألة تقسيم العمل فى باب الانتاج

تقسيم العمل

ان تقسيم العمل هو من ابرز الاساليب التى اهتدى اليها الفكر الانساني  ومعناه انا نقسم كامل الشغل الى مراحل معينة واقسام بسيطة يكلف بكل قسم منها شخص معين وهذا الاسلوب المبنى على التقسيم قد زاد في انتاج العامل بنسبة كبيرة اذ أزال الحركات التى من شانها اضاعة الوقت ، ثم انه حمل الشغالين على التخصص وكان هذا التخصص سببا فى توفير الانتاج ، ونستطيع ان نقول ان عددا كبيرا من الاختراعات الفنية راجعة الى هذا الاسلوب فى تقسيم العمل .

لقد انكر الناس فى بعض الاحيان الفوائد الاجتماعية المتركبة عن تقسيم الشغل ، وانكروا عليه بالخصوص انه يجعل عمل الشغيل محصورا في طائفة من

الحركات الالية البسيطة المتكررة تكرارا مملأ . وانه يجعل العامل شبيها بالالة لا يتصرف في عمله ولا يجتهد فى تحسينه بالفكر والابتكار ولا يطبعه بطابع شخصيته كما هو الحال مثلا بالنسبة الى الصناعات التقليدية كصناعة النقش او النجارة او الشاشية والاحذية

ويستشهد المنتقدون على اسلوب الشغل بقول واضعه " تايلور " الذى قال لاحد العمال : " نحن لا نطلب منك ان تجتهد ولا ان تفكر . فهناك اناس غيرك يتقاضون اجرا للتفكير "

نعم . ان هذا الانتقاد وجية ومتى بلغ تقسيم الشغل بالعامل الى فقدان الفكر والشخصية ، فان العامل يفقد بذلك الشعور بالكرامة وعاطفة الفرح بعمله متى كانت نتيجة ذلك العمل مرضية .

ولكن يجب ان لا ننسى ان هذا التقسيم في الشغل قد جر الى العملة فوائد متعددة منها الاجور المرتفعة والراحات المتوفرة المنظمة

هذا ولم يعد تقسيم الشغل هو الوسيلة الوحيدة المستعملة اليوم لتوفير الانتاج بل قد تفنن الناس اليوم ووضعوا اساليب علمية لتنظيم الشغل ، تنظيما فنيا

وهذا التنظيم الفني هو عبارة على جملة من القواعد وضعها المختصون بعد البحوث الطويلة وراموا من ورائها الى جعل الشغل قائما على قواعد علمية تحصل بفضلها الزيادة في الانتاج كما تضمن ايضا راحة الشغيل من الناحية البدنية والفكرية والعصبية .

ويقوم هذا التنظيم العلمى على تبسيط حركات العامل وحذف الحركات الزائدة التي لا تفيد في الانتاج كما يقوم ايضا على التوفيق بين عمل العملة وبين عمل اصحاب الادارة حتى تكون جميع الاعمال منسقة

اقسام البحث

وتشتمل المصانع والمعامل الكبرى على اقسام خاصة للبحث وظيفتها ان توزع العمل بين الجميع توزيعا عادلا وان تبين لكل واحد من العملة ما هو العمل المطلوب منه بالضبط وما هى كمية الانتاج المشترطة وما هي الوسائل الواجب اتباعها لكي يقوم بذلك العمل على احسن وجه ويتحصل على الانتاج المطلوب

واهم شيء يعتمد الناس عليه داخل المصنع او المعمل هو المشروع الذي

يلفت النظر الى كل نقص في سير الشغل او خلل يطرأ فى مدة الانجاز .

ان هذه الاعتبارات العامة المتعلقة بتقسيم الشغل تعيننا على ادراك اهمية التنظيم العلمي للشغل في ميدان الانتاج واثر ذلك على تنمية الثروة القومية ،

والملاحظ في خصوص حالتنا الاقتصادية بالشمال الافريقي هو ان جهلنا بمزايا تقسيم الشغل وتنظيمه التنظيم العلمي هو سبب من اسباب الضعف المشاهد في اقتصادنا ، ومن المحقق ان الشغل يكون سهلا عندنا وان الانتاج يصبح قويا وكان الشغل في معاملنا منظما تنظيما علميا . ونحن احوج الناس الى الاستعانة بهذا التنظيم لتنمية ثروتنا ومدخولنا القومى بتنمية الانتاج "

                   المدخول القومى ان لفظ المدخول القومى لامة من الامم دال على مجموعة الرزق المادى والخدمات التى تنتجها تلك الامة فى مدة معينة

ويمكن حساب المدخول القومى : - اما بجمع قيمة المواد المنتجة والخدمات المقدمة اثناء المدة المعينة واما بجمع المداخيل الموزعة فى نفس تلك المدة لمختلف اصناف المنتجين : وتلك المداخيل الموزعة تتألف من : الاجور المدفوعة الى الشغالين والموظفين المرابيح الحاصلة لارباب الاموال - معلوم الاكرية المدفوعة لاصحاب الملك وغيرها . .

ونتحصل من ذلك على جملة هى المدخول الاصلى للامة . واذا اردنا ان نضبط الفائدة الحاصلة للامة فانه ينبغى ان نطرح من هذا المدخول الاصلى المبالغ الواجبة لتعويض ما فسد من جهاز الانتاج والمبالغ الواجبة لتجديد ما اضر به الانتاج من مقادير المدخول القومى

ومن القواعد المجهولة عندنا بشمال افريقيا قاعدة تعويض ثمن التجهيز بادخال مقابل مبلغها من الارباح فى رأس المال . وهي قاعدة اساسية لتثبت اصول الاقتصاد ولضمان الرقى له .

مستوى المعيشة

نستطيع ان نقول ان مستوى المعيشة بالنسبة لمجتمع من المجتمعات مبنى على

مبلغ مدخولي القومى ، فاذا ما ارتفع هذا المدخول القومى تيسرت اسباب ارتفاع مستوى المعيشة .

غير ان ارتفاع مستوى المعيشة لا يصبح حاصلا الا اذا وقع التوزيع العادل لذلك المدخول القومى بين مختلف طبقات الامة وبالخصوص بين الطبقات المنتجة التى بفضلها حصل ذلك المدخول القومى .

ومشكلة التوزيع العادل للمدخول القومى هى من اهم المشاكل الاجتماعية فى عصرنا الحاضر .

غير انه ينبغى ان نتساءل عن الطريقة التى يجب اتباعها في ذلك التوزيع وعن القواعد التى نعتمدها ونسير عليها لنجعل هذا التوزيع عادلا .

لم يصل العلماء الى اليوم الى ايجاد قاعدة علمية تكون ضامنة للعدل فى توزيع المدخول القومى ، وانما تختلف الحلول المتبعة باعتبار ما للطرفين المتقاسمين لذلك المدخول من قوة ،

غير انه من المفروغ منه اليوم ان اول شرط فى الازدهار الاقتصادى وخاصة فى البلدان الناقصة التى تكثر فيها البطالة هو ان يقع توزيع المدخول بصورة عادلة ترمي اولا وبالذات الى التخفيف من البطالة والقضاء عليها .

وقد بين علماء الاقتصاد المعاصرون وخاصة العالم الامريكى ( كابنس ) ان نسبة الادخار من المال عند امة من الامم متماشية مع مبلغ مدخولها القومي فاذا ارتفع المدخول ارتفعت كمية المبالغ المدخرة ، كما اثبتوا ان اكبر المبالغ من المال المدخر تكون فى الامم التى تتفاوت فيها المداخيل بين الناس تفاوتا كبيرا

ومن الواضح ان المال المقتصد الذي يكتنزه صاحبه ولا يدخله في باب من ابواب الانتاج هو سبب من اسباب ضعف المدخول القومى اذ هو مال متجمد تتولد عنه ارباح من شانها ان تزيد فى مبلغ المدخول العام ، واثبتت الحسابيات ان المائة فرنك المدخرة والمكتنزة سبب فى نقص المدخول القومى بمبلغ يصل الى المائة والخمسين او المائتين من الفرنكات ونحن نعلم ان التقاليد المتبعة فى بلادنا بشمال افريقيا تحملنا على اكتنار المال ادا وجد عندنا مال وعلى الاحتفاظ به فى صورة مجوهرات ، وهذا خطأ فادح فى فهم الاقتصاد اذ نحن ننقص بذلك من المدخول القومى بنسبة هى اكثر بكثير من المبالغ المكتنزة

ومن المعلوم ان المداخيل متفاوتة عندنا بكثير بين اصناف السكان وان كان تسعة اعشار السكان هم من الفقراء المعوزين لهم دخل ضعيف جدا ينفق فى الغذاء والضروريات والى جانب هؤلاء طبقة قليلة لها مداخيل مرتفعة جدا الا انها لا لا تستعمل مداخيلها فى تمويل المشاريع المنتجة بل تنفقها فى اوجه الترف او تكتنزها ، وهى بذلك تجنى جناية ملحوظة على الازدهار الاقتصادى القومى . ونصل بذلك الى نتيجة طريقة للغاية وهو ان الطبقات الفقيرة من سكان شمال افريقيا هى التى تعين على الازدهار الاقتصادى بالرغم عن ضعفها وبسبب اقبالها على الاستهلاك ، في حين ان اصحاب المال وارباب المداخيل الواسعة هم الذين يعطلون الازدهار الاقتصادى ويعاكسون تطوره .

ولا يتم الازدهار الاقتصادي ولا يستقر المدخول القومى او يتطور الا اذا اضاف اصحاب المداخيل الكبرى ارباحهم الى التمويل القومى بمعنى انهم يستعملون ارباحهم تلك فى مشاريع قومية منتجة .

غير ان هذا المورد من التمويل الخاص باضافة الارباح لا يكفى وحده لمجابهة مقتضيات التمويل الكبرى ولا يكفى لتسديد حاجياتنا من الاموال اللازمة بل لا بد من ان ترصد الحكومة من ميزانها مبالغ كبرى لتمويل الازدهار الاقتصادى .

وينبغى ان نزيد ان الغاية الاساسية للازدهار القومى ليست في تضخيم المدخول القومى بل هى فى تحسين مستوى المعيشة بالزيادة فى المدخول الفردي ورفع مقدرة الشراء . فقد نرى زيادة كبرى فى المدخول العام لبلاد من بلدان الشمال الافريقى فى حين ان مستوى المعيشة ذاهب الى التدهور والانحطاط ، لابد حينئذ من ربط الزيادة فى المدخول القومى بزيادة حقيقية فى المدخول الفردي . وذلك يقتضى مشروعا عاما للاقتصاد .

اشترك في نشرتنا البريدية