ترمى هذه الزاوية الى التعريف بالكتب الجديدة التى صدرت باللغات الاجنبية ، والتى ليس فى مقدور قارىء العربية ان يطلع عليها ومن باب أولى ان يطالعها . وهى من صنف الدراسات العلمية فى مجال التاريخ الحضارى للعالم العربى الاسلامى ، فى أشمل المعانى الحضارية وقد تعين تحليل محتواها بالعربية حتى يستفيد قراء هذه اللغة بما جد من مؤلفات من شأنها ان تطعم التفكير التاريخى ملتحما بالنظريات الجغرافية الحديثة لما يوجد من ارتباط عضوى بين المادتين ، لدى الباحثين والدارسين ، وان تثرى المصادر التاريخية باللغة العربية ، وهى بذلك تعد العدة للتخطيط لمشاريع نقل هذه الكتب الى العربية لتغذية البحوث وتجديد المناهج التاريخية .
نضع بين يدى القارىء الجزء الثانى من كتاب أندرى ميكال ، أستاذ بالسربون ، بعنوان " الجغرافيا البشرية للعالم الاسلامى ، حتى أواسط القرن الحادي عشر " ( 1 ) ، وموضوعه الجغرافيا العربية وتمثل العالم . وقد
صدر فى النصف الثانى من سنة 1975 ، عن دار موتون التى تفرع نشاطها بين عاصمة هولاندة ، لاهاى ، وباريس . انه كتاب محلى بالرسوم الموثوقة يقع فى 705 من الصفحات . وقد ساعدت احدى الباحثات فى وضع فهرس للأعلام العربية والآعجمية ، وآخر للالفاظ العربية ومقابلاتها بالفرنسية وفهرس تحليل ( فى 105 ص ) لمادة الجغرافيا ومتفرعاتها من تنجيم وفلك ، ونبات وحيوان وأوصاف الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والدينية
لاحظ المؤلف فى التقديم ان هذه النصوص الجغرافية يمكن استغلالها كمصدر لمعرفة العالم الاسلامى فى العهد الوسيط ، مع إجراء التحريات النقدية الضرورية يتفرع المنهاج الى تصنيف تاريخ النصوص الجغرافية ( وهذا بالذات محتوى الجزء الاول ) ، او الى صنع التاريخ بمساعدتها الواقع ان موضوع الجغرافيا البشرية يشمل جميع المواضيع التى تتصل بالحضارة ( من ذلك انه اطلعنا على وصول نسيج الكتان المصنوع بسوسة الى بلدان الزنج بافريقيا السوداء ، التى دخلت شعوبها الاسلام ، ووصول السلاح المغربى كالسيف ، الذى كان مجهولا لديهم ، واستعماله مع السهم والترس والرمح ) . بدأ المؤلف بالتمهيد للجزء الثانى ، فتحدث عن الارض بصفتها كائنا حيا ينمو ويتطور ، كما تمثل ذلك علماء العرب فى العهد الوسيط وقد اصطبغت النظرة العلمية بالوصف الاسطورى وبسرد عجائب المخلوقات . وذكر تقسيمهم الكون الى الاقاليم السبعة التى حددوا بها مناخات العالم ، وبينوا أن محوره إنما يقع فى بغداد مقر الخلافة ، ومن ذلك انهم خصصوا أيضا مكانا هاما لوصف مشاهداتهم والتحدث عن رحلاتهم الى الصين وكوريا والتبت والهند ؛ فنشأ لذلك أدب جغرافى وصيغت مصطلحات جديدة للتعبير عن المفاهيم والأشياء التى لها قيمة تاريخية فى ذلك العصر وألحوا على تبيان المعالم والقيم الحضارية لهذه البلدان . ثم ألمع أصحاب الرحلات الى افريقيا السوداء ، واصفين اياها بانها قارة قاحلة صحراوية يخترقها نيل مصر الخالد ، واهتموا بالمناطق التركية التى استوعبت قبائل متعددة المشارب والنحل ، وقد شابهت انماط حياتها فى الحل والترحال الاوضاع القبلية العربية ، حتى عرف الاتراك لذلك بانهم " أعراب العجم " ولنتذكر فى هذا الصدد رسالة الجاحظ عن مناقب الترك ، المتمثلة فى الحنين الى الاوطان والشجاعة والاستماتة فى القتال ، ثم ان المؤلف اتجه الى الحديث عن المناطق السلافية النائية بشرق اوروبا والروسيا التى زارها الرحالون
العرب . وقد اتضح لهم ان اهاليها لم تشرق عليهم بعد انوار الحضارة ، بل اتسمت حياتهم بجانب من الهمجية ، بخلاف ما عاينوه من أسباب التمدن والرقى والتنظيم فى ارجاء المملكة البيزنطية التى اقتحم الاسلام عدة مناطق منها واستولى عليها ، ثم تواصل التنازع معها على الثغور ، حقبات طويلة ، فقد لاحظ المسعودى مثلا ان مملكة الروم كانت تتمتع دائما بمؤسسات متينة وتنظيم متلاحم ، تخللته لا محالة عدة اضطرابات ونكسات .
الا ان هؤلاء المؤرخين الجغرافيين لم يقدروا على التخلص من الاسلوب الوصفى الزاخر بالاحداث العجيبة الاسطورية التى تغذى الخيال وتجمح به نحو الغرابة والسحر
على ان الشمال الافريقى الذى كان يطلب المعرفة من منابعها المشرقية ، والذى عرف بانه محاط بالمتوسط المعروف آنذاك ببحر المغرب ، لم ينل قسطه فى هذا الجزء الثانى ( خصصت للمغرب بعض صفحات فى الجزء الاول ) ، وكأن المؤلف أراد أن يجارى الرحالة العرب فى الشرق كالاصطخرى الذى لم يعتبر المغرب على الخريطة سوى " كم الثوب " ، لا غير ، أو آبن الفقيه الذى وضعه بمثابة ذيل الطائر ، بخلاف ما حظيت به مصر من اعتبار فى العهد الفاطمى آنذاك ، فقد تواتر القول عند المسعودى وابن حوقل والمقدسى بالخصوص ، من ان مصر احد جناحى العالم ، وان القاهرة قبة الاسلام ، الا ان الواقع الترابى جعلهم يؤكدون بأن الصحراء حصن منيع للاسلام فى المغرب ، لولا ما انتابه من فتن داخلية اثارها البربر على السواحل والجبال .
ونود فى الختام لو يهتم المؤلف بتخصيص مجال اكبر فى ابحاثه المقبلة لاوضاع المغرب العربى التاريخية ، خاصة وانه قد وعد باتمام هذه الدراسة واعددا كتاب ثالث ، يؤرخ فيه لاصناف الحياة فى العالم الاسلامى قاطبة
