الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الجفاف . . .

Share

خيوط الشيب فى رأسها سنابل قطن بلا رائحة وجسمها النحيل أشبه بدمية جمدت بها نظرات صافية مثل سماء بلادها وحسرة قلبها تنشر الحيرة والخوف بلا رحمة فتتعفن ذكرياتها وتنسى انها لن تقوى على احتمال الوحدة المرة ما دام لا يسمح لها بمرافقته الى حيث يمضى وحيث لا بد أن يكون العمل من رائحة الارض والرزق نداء صالحا الى الخبز والسعادة . . . كثيرا ما كان يقول لها انك زوجة صالحة رائعة ايام لم يكن يفكر فى التشرد ولا فى البطالة وكانت كلما حاولت فهم قلبه عندما يطمئنها بأنه سيأخذها معه الى حيث يستطيع الحياة تشعر بحبها له يطأطئ رأسها الى موضع قدميها لتترأرأ الدموع فى حدقتيها لامعة مخلصة . . . وانتهت اشغال الحضيرة التى عمل بها سنوات وبحث عن اخرى اشهرا عاش خلالها يشرد بنظراته فى فراغ الفضاء ليتحدث الى كل الاشياء المبعثرة حوله منذ الصباح حتى ساعة امتداد أصابعه متشنجة الى كأس يحاول كلما افرغ محتواها فى حلقه أن ينسى الدموع ويبحث عن لذة لوجوده ولو مزيفة ، وعندما يبلغ نشوة النسيان يدحرج عينيه فى بطء على زوجته ويحتضنها فى رفق ليعيش معها قصة حب قديمة تذكرها بماضيها البعيد وايام شبابها الصاخبة تمليه لذة الكأس بعدما كانت من وحى  الشعور الفياض والقلب الكبير وثورة الايام اللذيذة . . . وتتمنى لو يطول مفعول الخمرة فلا يصحو من هذه النشوة ويتمادى به النسيان الى هذا الحب الذى ظل يحرمها منه اياما طويلة . . . ولكنه يلفظها عنه فجأة ويقطع الغرفة ذهابا وايابا متمتما اشياء غامضة . . . ودفعه الاحتياج الى نسيان الكأس اللعينة ، فبقيت زوجته بجانبه تعانق بعينيها الذابلتين حلقات من دخان سجارته المتصاعد الى الفضاء قبل أن يتلاشى . مل الانتظار الاجوف ولم تحتمل موت نظراته فى عالم الاشياء المتمزقة حينما استمعت الى اغانى الشتاء وذكرته بالرحيل الى حيث لا بد أن يكون العمل من رائحة الارض ، وتظاهرت بالطمأنينة محاولة ابداء لامبالاتها حينما لاحظ لها أن الارض وحدها اصبحت ملجأ المتعبين ومهد الحائرين . . .

- فى الارض قلب يخفق لينفض عنك عناء الوحدة المرة ورجل مثلك جدير بأن يلاحق الرزق حيثما كان ، ومن الارض ستفيض الكآبة لتملأ نفسى حيرة طوال ايام الانتظار . . .

- انت امرأة لها عاطفة مستيقظة لا تنام . . . والارض أم تجردت من الانانية ساجد فى حضنها الحب الذى فقدته من الازل الى الابد . . .

ودمعت عيناها حينما اخفى وجهه فى راحتيه وقال : - لم تكن ثمرة الضياع ولا هذه الشجون غير الجفاف العاطفى ، غير الصمت ينسج بيننا مشاعر باردة تنقلب الى جحيم اسود لعين . . .

وارتعدت مشلولة الحركات ولكن ابتسامة ذابلة مصطنعة افترت على شفتيها ومضت كما جاءت بلا لون ولا طعم . . .

وحلت ساعة الرحيل الى المجهول ، الى البحث عن الارض الأم ، فجثم الفراق بينهما يمزج الخوف بالحزن شبح غريب مخيف يذكره بأنه سيشقى من اجل السعادة ، من اجل صفة لقاء منتظرة ملها الآن ولكنه سيشتاق اليها عندما تعصف به الوحدة المرة . . .

دمعت عيناها فحدق فيهما طويلا وهو يعرف انه لم يفكر في اخذها معه الى حيث يمضى وسيتركها الى وحدتها وفقرها وجفاف ارضها ، ولم تحاول هى بدورها حرث ذكرياته البعيدة لتعيد له منها واحدة كثيرا ما نقشها على شفتيها بلمحة اهدابه الحالمة . . .

طأطأ رأسه ومضى ليتركها تتمتم اشياء غامضة ويصرف بحركة بطيئة كلبه الصغير الذى ارتمى بين اقدامه فيعود الى عتبة البيت ويجثم هناك . . . لم يكن لزوجته الحائرة ترافقه حاملة معها ابتسامة وداع كئيبة ولا باعثة له نظرة اخيرة تلمع بها دموع الاسف لفراقه فليس هناك قطار يطل من نافذته ليلوح لها بيديه المرتعشتين وهى على الرصيف الصغير وليست هناك باخرة يصعد مدرجها حاملا حقيبته الثقيلة فتنتظره لتلتقى به مطلا من سطح الباخرة الشاسع الممتد ، ليس هناك الا أمل طفيف بوجود عمل يضمن له حياة كريمة وعودة سعيدة . . ليس هناك غير طريق تمتد من البيت نحو الصخور الى الفضاء البعيد يسلكها وتنغرس شعابها فى قلبه لتكون منتهى احلامه . . تبعثرت خطواته تعانق جراحها فى وقع يزمجر موحشا مرعبا ، فامتلأت نفسه لوعة مخيفة حين تذكر وهو فى نصف الطريق دمعها البارد المنهمر راحلا مع رحيله الى افق الغربة حيث لا بد أن تكون الحياة من رائحة الارض . . .

الطريق تنغرز منعرجاتها فى قلبه وخلف كل منعطف يحلم بالخبز فى صور

من الاحلام القديمة تختلط فيها الحقيقة بالوهم . . . ساقاه متصلبتان خطواته قصيرة مبعثرة تغالب اعياءه فيحدث وقعها ثرثرة سرعان ما تتلاشى فى تهاويم العصافير النائمة فوق الاغصان . . . لفه الغموض فلم يعد يقوى على التفكير المنظم ومضت تخيلاته ترسم اشباحا آدمية غامضة متحركة الا خيال امرأته الحزينة الصامتة فكان يلمحه جامدا بلا حياة وتضح فى أعماقه افواج الدموع الباردة فشعر بحبات العرق البارد تملأ جسمه الهزيل وتنهش منه فى سخرية دامية أجزاء من الشعور الكئيب ، احس كأن دقات قلبه قد توقفت ولكن اقدامه ظلت تحرث غبار الطريق الخالية . . . وأيقظه من شروده أنين مبهم لا يعلم له ماهية فشعر بالخوف يملأ ذاته ويفتت أوصاله وبالألم يعبر كيانه . . . ظل الأنين المبهم يزداد باسطا غموضه فى قلبه وفى الطريق ويغوص فى اعماقه المتعبة لا يرحم ولا ينتظر فيتصبب العرق باردا غزيرا من جسده يلتهمه جفاف الارض المقفرة ، وسرعان ما تنتهى الرياح من الصراخ ويخفت الأنين ولكنه يمنع شمس الامل والعزاء من الشروق ساطعة على حياته فينتفض على الارض متعبا متمنيا لو تنجب له الايام أرضا أو تلد له امرأته ضيعة ولو قاحلة يلاحق جفافها بساعد من حديد . . ولكن امرأته لم تنجب له ولو طفلا واحدا يفتح أمامه آفاق المستقبل الزاهر ، وهو يحبها لانه وعدها بالحب وأحبها قبل أن يتفق معها على الولادة ، هى شهوة دخلت قلبه بلا استئذان ورفضت الخروج ولن يسمح لها لانها اختلطت بشعوره . . . قلبه لم يزل ينهل الحب من طيفها البعيد الماثل أمامه الزاحف نحو رائحة الكلمات البيضاء . . . سقط من التعب ودفن نظراته فى الارض فاقبلت عليه الملائكة فى ثوبها الابيض الناصع المقدس ، طلبت منه كتابه ، منذ لحظة قبل أن يقطع الصراط كان على يمينه ولكنه الآن وجده على يساره واحتار فى امره ، لقد خفت موازينه ، كان فى شبابه بطلا ، وعاش يجاهد فى سبيل ارضاء الضمير والوطن ، حرص على أن يسلم الناس من يده ولسانه طيلة حياته ليكون تقيا من اتقياء الله ويجد كتابه على يساره . . . زحفت دموعه من حدقتيه عريضة مسترة خاشعة ، ودعته الملائكة لتنقذه من هذيانه : الجنة التى وعد الله بها عباده الصالحين كنت من اصحابها قبل ارتمائك فى الطريق تاركا زوجتك المخلصة ينهش ضجيج الحيرة اعماقها ويصرخ بها الشوق الى مهبط الذكريات عشت مناضلا ليسلم الناس من يدك ولسانك ولكن قلب هذه المرأة المخلصة كان ضحية كبريائك المر . . . خرجت ولم تترك لها ولو بسمة بيضاء تصارع بها الشرود ، مضيت ولم تخلف لها فى مسمعيها ولو همسة رخيمة تطغى على اصوات الفجر والحيرة تنسى بها الحزن والألم . . . سيبقى كتابك على يسارك . . واخترقت حبات الماء ثيابه لتلمس جسده الحار فانتفض فى صراخ مخيف يفرك عينيه وينفض معطفه القديم الذى توسده عندما احس بالتعب وسقط على الارض . . .

وتحسس كتفيه ثم قام يجر الخطى ويتأمل السحاب الاسود ، والارض الراوية والمياه التى بدأت تتجمع على حافتى الطريق ، بدت لعينية الطريق أمامه سابحة فى المياه ، والتفت الى الوراء يفكر متحسسا كتفه الايسر فظهرت له المدينة من بعيد غارقة فى اضواء المساء المصطنعة بلا سحاب ولا مياه يسحقها الجفاف . . . نظر الى أمامه هناك حيث يتكاثف السحاب فوق ارض لا بد وأن يكون العمل فيها من رائحة التراب . . . القى مرة أخرى برأسه الى الوراء ليشاهد المدينة تغتسل بجفاف المساء ، فدمعت عيناه واختلطت دموعه الباردة بحبات المطر الحبيبة فامعن نظره فى سماء الرحمة وتمنى أن يكون ريحا ثائرة تدفع سحابها المتكاثف هناك فى أفق الامل الى اجواء بلاده البعيدة . . وتحسس من جديد كتفه الايسر ثم واصل يعزف بأقدامه سمفونية الحب والخير متمتما : عسى أن استنشق عبير الارض المرتوية ورائحة التربة المبللة فلن ارجع قبل أن ابتسم للرغيف الذى سأنجبه واصبغه بلون العاطفة المخلصة . . .

اشترك في نشرتنا البريدية