فرغ جدى من العمل فى الحقل ، أخذ أكياس الفول فالقاها على ظهر الثور ، ثم لكزه فى قفاه ، وساقه امامه . آخذا طريق القرية .
جدى شيخ كبير لا يتعب من العمل ، تخطى السبعين من العمر ، ومازال يقف شجرة سرو ، طويلا مستقيم الظل .
داهمه الليل في الطريق ، الثور أمامه ، أكياس الفول على ظهر الثور ، تناوحت الرياح فى الغابة . أحس جدى بالاعياء ، الطريق أمامه طويلة . ربط الثور الى جذع شجرة ، وحط الإكياس على الارض ، ثم اسند رأسه الى حجارة واستسلم للنوم . تحت تلك الشجرة فى ذلك الخلاء .
بعد حين ، تنبه على زفير مرتفع وطقطقة عظام . فتح عينيه . اذا اسد عظيم قد لوى عنق الثور ، وجثم عليه ينهشه .
حز فى نفس جدى أن يقع افتراس الثور ، وهو مشدود بحبل الى الشجرة . قرر أن يثار للثور المسكين ، لأن ابشع طرق الفتك يعتبرها جدى فى هذه الحياة ، هي أن يؤخذ الواحد منا من غير مقاومة ، أو يمنح فرصة للدفاع عن نفسه .
قام جدى الى الاسد :
أخذ حبلا فالقاه في عنقه ، شد الاسد الى الشجرة ، ولف عليه الحبل . تناول بعد ذلك حجارة ، القمها في الإسد ، ثم تناول حجارة اخرى جعل يكسر بها انيابه ، حتى لم يترك سنا ولا نابا قائما فى فمه .
بعد أن انتهى من ذلك ، جلس جدى يدخن سجارة ، ثم اخرج موسى وجعل يقلم بها مخالب الاسد ، وزاد فقطع ذيله ، توقف ينظر اليه ، فاذا هو لا شئ ، تلاشت صورة الاسد ، بقى مجرد مسخ لشئ كان فيما مضى يسمى أسدا .
ومن جديد ، جلس جدى يدخن سجارة ثانية ، عندما يدخن سجارته ، لا يعنى ذلك ابدا ، انه يريد أن يتشفى فى الاسد ، جدى لا يحب أن يتشفى فى أحد ، هو لا يلتذ بعذاب الآخرين ، ولا يحب احدا يلتذ على حسابه ، سجارة جدى مجرد تعبير على انه اجتاز مرحلة الخطر ، التى هددته فى وقت ما . فلو هجم عليه الاسد ، وهو نائم ، لكان يجلس الآن يتلمظ دمه . لكن سوء التقدير من الاسد جعل جدى هو الذي يجلس الآن يدخن سجارته ، ولكل منا طريقته فى التعبير ، حين يتذوق يوما طعم الانتصار .
نهض جدى من جديد الى الاسد ، ربط عليه اكياس الفول ، واحتل مكانا مرموقا على ظهره ، وساقه كالحمار .
ما أسهل ان تتحول الاسود الى أحمرة ، عندما تخطئ التقدير ، وتجد نفسها امام رجال حقيقيين .
دخل جدى القرية ، ومر وسط السوق ، وهو يجلس على ظهر الاسد ، ابتعد الشبان الى هاهنا وهاهنا مفسحين الطريق لجدى حتى يمر من غير ان يزحمه أحد .
تلك حادثة قديمة ، ما زال بعض شيوخ القرية يرددونها : ويضيفون باعجاب انه فى اليوم الموالي ، ربط جدى المحراث على الاسد ، وحرث به الارض . بينما كان الشباب يسمعون الحكاية ويغرقون فى الضحك .

