المستشرق المجرى الكبير ضيف الملك عبد العزيز آل سعود وصديق الكتاب السعوديين بلغ السبعين من عمره في ٦ نوفمبر الماضى . .
فى ٦ نوفمبر الماضى بلغ المستشرق المجرى الذائع الصيت عبد الكريم جرمانوس السبعين من عمره . . وبفضل صحته القوية ومقدرته على العمل اللتين ظلتا سليمتين حتى الآن يتتبع جرمانوس باهتمام لا يكل أحدث ما ينتجه العالم الادبى العربى واعمال خيرة المستشرقين ، والى جانب الابحاث التى يقوم بها ، يبدى الاستاذ نشاطا كبيرا فى ميدان التعليم فهو يتولى الاشراف على مجموعة من المريدين المجريين الشبان يعملون على نشر اللغة العربية والثقافة الاسلامية فى مجال واسع ونضيف الى ذلك انه على الرغم من مشاغله الكثيرة والمتنوعة فهو يواصل حتى اليوم التفرغ مرتين أو ثلاثا كل اسبوع لرياضته المفضلة وهى ركوب الخيل . .
دراسة عن ابن الرومى
ويتفرغ عبد الكريم جرمانوس فى هذه الايام لاعداد دراسة هامة عن أعمال ابن الرومى الشاعر الذى عاش فى القرن الحادى عشر . واحد الاشخاص البارزين فى الادب العربى
والقيمة الكبرى لهذا العمل هي انه أول عمل تناول هذا الموضوع . . والواقع ان الادب العالمى ينقصه حتى الآن مؤلفات تتناول هذا الشاعر ، من جميع النواحى ، وقد نجح جرمانوس بفضل اصدقائه المصريين وزملائه المستشرقين الاجانب ، فى الحصول على المؤلفات النادرة اللازمة للدراسة الهامة التى يقوم بها ، والتى سوف ينتهى منها قريبا والى جانب هذا العمل ، فهو ينشر كل شهر تقريبا مقالات علمية فى صحف (( مجلة الاسلام )) و (( المجلة الاسلامية الربع سنوية )) وغيرهما ومراسلاته الشخصية واسعة ، وتصله يوميا خطابات من اصدقاء ومعجبين مجهولين من جميع بلاد العالم ، من المغرب ، والهند ، ومن جوهانسبورج ونيو - جرسى ، ويرسل كثير من الشعراء والكتاب العرب الشبان ، الذين لا يعرفون عبد الكريم جرمانوس الا بالاسم ، أعمالهم اليه ، ويسألونه ان يبدى رأيه فيها . والى جانب اهتمام الاستاذ الشيخ بالمبادرة إلى الرد على
لاول مرة فى جامعة سانتينيكنان ، التى اسسها طاغور ، وقبل العالم الدعوة ، مدركا ما ينطوى عليه مثل هذا العرض من شرف له وللعلم المجرى ، ورحل متقبلا جميع متاعب الرحلة وجميع أضرار المناخ كما فعل قديما ، وفي ظروف اشد سوء سلفاه العالمان المستشرقان المجريان شاندور كروش ، وآرمين فامبيرى . .
اعتناقه الاسلام وحجه الى مكة
وفي خلال السنوات الثلاث التى امضاها فى التدريس بجامعة سانتينيكنان ، عبر الهند كلها ملقيا محاضرات بالتناوب في جامعات داكا وكالكوتا ، ودلهى وحيدر آباد ولاهور ولكن على الرغم من انه كان محاطا بتلاميذ واصدقاء مسلمين ، تآلف مع ثقافتهم مثلما تآلف مع دينهم . . ونظامهم القانونى ، فقد احس بانه عاجز عن أن يهضم عقليتهم هضما كاملا ، وعندئذ قرر ان يعتنق الاسلام وان يقوم فى أول فرصة تسنح له باداء فريضة الحج في مكة ، وفى نهاية عام ١٩٣٠ اعلن قراره جهارا فى جامع مازوسيدى ، وتسمى فى الوقت نفسه باسم عبد الكريم ، وفي سنة ١٩٣٤ رحل الى مكة ، بعد ان اقام فترة قصيرة بمصر منتظرا حلول وقت الحج . .
ضيف الملك عبد العزيز وصديق الكتاب السعوديين
هبط عبد الكريم الاراضى المقدسة مشبعا بايمان عميق ، وادى فريضة الحج ، واصبح الحاج عبد الكريم جرمانوس .
وفي خلال هذه الرحلة ، نشأت صداقة بينه وبين عدد كبير من ممثلى الحياة الفكرية فى المملكة العربية السعودية ، وقد اتيح للعالم المجرى ان يحظى بشرف زيارة الملك عبد العزيز آل سعود ، الذى تفضل فأعلن أن الحاج عبد الكريم جرمانوس ضيفه خلال زيارته للاراضى العربية السعودية .
ونظر عبد الكريم الى المملكة العربية السعودية نظرة العالم ، وفي مكتبات مكة تعرف بحسن الكتبى الكاتب الموهوب ، وتصادق مع رشدى الصالح محرر جريدة (( أم القرى )) ومع حافظ وهبه مؤلف (( قلب بلاد العرب )) ومع فؤاد حمزه مؤلف (( تاريخ نجد )) ومع غيرهم من الشخصيات الكبيرة فى المملكة العربية السعودية وفي كتابه المعنون (( الله أكبر )) رسم عبد الكريم بعد ذلك للقراء المجريين فى المام رفيع صورة صادقة عن الحياة في المملكة العربية السعودية ، وقد اشاد الجغرافية انفسهم بالفصل المخصص لجغرافية البلاد العربية السعودية وعلى الرغم من أن المؤلف ليس من المتخصصين فى الجغرافيا ، ووصفه الحي للحج الى مكة ، ولمحته عن تاريخ بلاد العرب والحركات الاجتماعية فيها والفصل الذي تناول فيه الحياة الفكرية فى بلاد العرب ، تقرب القارىء المجرى من حياة الشعوب العربية ، ومنذ ذلك الوقت واصل عبد الكريم دراساته للادب العربى والقانون الاسلامي ، مستفيدا غالبا فى عمله من الخبرة المليئة بالاحداث التى اكتسبها من الحج الذي قام به الى مكة . .
الذين يراسلونه واحدا واحدا ، فانه ينشر نقده للاعمال التى ترسل اليه فى المجلات الاجنبية الكبيرة ، ولا يغفل المسافرون القادمون من الشرق ابدا عن زيارة الاستاذ عبد الكريم جرمانوس عند وصولهم الى المجر . . ويستقبلهم الاستاذ بنفس الترحيب الودى الذى قوبل به اثناء رحلاته الى مصر والهند والمملكة العربية السعودية
همزة وصل بين الثقافتين العربية والمجرية
وتعتبر اعمال الاستاذ عبد الكريم جرمانوس كهمزة وصل بين الثقافتين العربية والمجرية ، ومقابل المؤلفات العربية التى ترسل اليه ، يرسل الى اصدقائه مؤلفات أدبية مجرية مترجمة الى اللغات الاجنبية ، وقام هو بنفسه بالاشتراك مع شاعر عربي من اصدقائه بانتقاء وترجمة مختارات من أشعار شاندور بتوفى اعظم شعراء المجر ، واخيرا فانه لا يني عن تقديم مساعداته الثمينة فى جميع المجالات التى تتيح تدعيم روابط الصداقة المجرية العربية . .
ولمناسبة بلوغه السبعين تلقي عبد الكريم جرمانوس تعبيرات كثيرة عن الحب الذي يكنه له مريدوه المجريون والاجانب ، الذى اصبح عدد كبير منهم علماء مشهورين ، وتضاف الى تهانئهم الحارة تمنيات مواطنيه . . واصدقائه الاجانب الذين يحترمون العالم المجرى المؤرخ الشغوف بعمله والمتخصص فى الثقافة الشرقية الزاهرة . .
حياة علمية زاخرة
ووراء العالم الذى بلغ من العمر ٧٠ عاما . . حياة زاخرة بالاعمال والاحداث ، فمنذ شبابه أولع باللغات والثقافة الشرقية وتعلم وهو ما يزال طالبا ، وبدافع ذاتى اللغة التركية ، وواصل بعد ذلك دراسته لدى الاستاذ آرمين غامبيرى المستشرق المجرى الشهير الذى لقنه الفارسية ، ووجهت مواهبه اللغوية اللامعة الانظار اليه ، فدعى عام ١٩٠٥ لتحرير فصل من قواعد اللغة التركية كتبه استاذه ايجناتى كونوش تحت عنوان (( العناصر العربية والفارسية فى اللغة التركية )) . .
وبعد قليل التحق مجانا بكلية الحقوق بجامعة استامبول ، ثم قام برحلات كثيرة فى تركيا ، وفي سنة ١٩٢٥ ظهر فى المجر كتاب عن قواعد اللغة التركية هو ثمرة تلك الرحلات وعلى الرغم من الروابط الكثيرة التى كانت تربطه بتركيا فقد احس الطالب الشاب بجاذبية متزايدة تدفعه نحو دراسة لغة القرآن والحضارة الاسلامية دراسة عميقة ، وقد هيأ له بحثه المعنون (( الجمعيات المهنية فى تركيا )) ومؤلفه (( الادب الشعرى العثمانى )) وغيرهما من المؤلفات الكثيرة شهرة الى حد ما ، وفي سن مبكرة برز ممثلى الميدان الذي تخصص فيه ، وكان مدرسا فى الاكاديمية المجرية للغات الشرقية عندما تلقى فى سنة ١٩٢٩ دعوة من الشاعر الهندى الكبير رابندرانات طاغور يدعوه فيها الى الهند وعهد اليه بكرسيى الدراسات الاسلامية الذى كان قد انشى . اذ ذاك
استاذ بجامعة بودابست
وبعد الحرب العالمية الثانية المدمرة نهض الاستاذ جرمانوس بين حطام الحرب كبقية الشعب المجرى ليستأنف عمله بحماسة جديدة وعينته الحكومة المجرية في أول الامر استاذا بالجامعة ثم نال بعد ذلك مرتبة الشرف كمرشح فى العلوم اللغوية ، وفى خلال اصعب مراحل التعمير ، وفى الوقت الحالى وضعت تحت تصرفه جميع المسائل ولا تزال توضع ، كى
يستطيع متابعة اعماله وتعليم الشبان المجربين الذين تجذبهم اللغة العربية وثقافة الشعوب العربية وحب هذه الشعوب ، ولمناسبة بلوغه السبعين من عمره ، فان تلاميذ عبد الكريم جرمانوس واصدقائه وزملائه يتمنون له ان يواصل الحياة سنين كثيرة بينهم وان يتابع متمتعا بالصحة الجيدة . . نشاطه العلمي . .
مصر
