أزالت عنه المعطف ، ساعدته في فك ربطة العنق ، وفكر بأنها ستذهب بفتح الطوق الى مداه مما يعرض العقدة للحل ، ويكون عليه بالتالى فى الثامنة الا سبع دقائق من صباح الغد ان يعقدها من جديد. - صافي
قالها وهو يتلمس ويقيس طول ما تبقى من ذيل الطوق بالقدر الذي يسمح باخراج الربطة من الرأس مصونة محكمة . دارت حوله تأخذ المشجب فماجت فى رأسه رائحة العطر ، ونادت على المتعلمة الصغيرة التى بدأت على الفور تفك خيوط الحذاء ، بينما جلس هو على الكنبة مادا رجليه بعض الشيء فى استرخاء ويعين مغمضتين . ماج فى رأسه العطر من جديد ، وهو يحس بكأس مشروبه المنعش يوضع على الطاولة الصغيرة أمامه ؛ فتلمس ورشف مغمض العينين رشفته الاولى الاستطلاعية . أعاد الكأس . مرة أخرى بعد ألف مرة سابقة تخطئ المتعلمة الصغيرة . . - حلى الايسر . . وارجعي للايمن
أحس بارتباك اليدين الصغيرتين والفم الصغير والرأس الصغير . . والكل شيء صغير . طريقته المفضلة أن يفتح خيط الفردة اليمنى أولا ويوسع للرجل. . ثم اليسرى ويوسع . . ثم عودة لليمنى تزال بها الرجل من الحذاء . . ثم اليسرى . . - لا . الاخرى الكل شئ صغير يرتبك . واضطر الى أن يرشف جرعات متتابعات فى إغماضه المستمر ويردد : - الأخرى . الأخرى
غار من مجال شمه اثر العطر ، وصاحبته تدرك الان انه يحتد فيلوك بشفتيه سيجارة وضعت بينهما ، ويشعر يلهيب الثقاب قرب رأس السيجارة ، لكنه يومئ مغمض العينين بأنه لا يريد أن يشعل الان . تصدر عن رجليه حركة تأفف فتصدر صاحبته أمرها الى المتعلمة الصغيرة بان تنهض لحالها فى الحال ستروح قدماه سعة ، وتتحرك أصابعهما داخل الحذاء حركتها المعتادة كتمرين رياضى مضبوط : هذه . . ثم تلك . آه . تماما . تماما . . يتلمس موضع الكأس المنعش دون ان يرفعه ، وتدور العينان فى محجريهما داخل الاغماض على نمط ما بدأت تتحرك به السيجارة البكر بين الشفتين . تماما . تماما . أنغام حالة تتبعث من قرب بعيد متنائى الآفاق . صفحتا القدمين تلامسان سطح الماء المملح الدافيء برهة قبل أن تغرقا فى الطست الى ما فوق الكعبين بأصبع ونصف . أصابع التدليك المبتلة تصعد الى الساقين ما تحت الركبتين بأربعة اصابع صعودا هبوطا بضغط لولبي رتيب ومتزايد . يموج الرأس فى عبير عالم بعيد تنبض فيه انغام حالمة ، وتدور السيجارة البكر بين الشفتتين وأصابع القدمين تتحرك الآن ، تمارس تمرينها فى المنديل الليفى الثخين. أحس بها تدور حوله ، تتناول شيئا من الرف القريب أو تضعه عليه . . لن يكون الشيء الا صحيفة . وها هي ذى تدور حوله مرة أخرى يتابعها من خلال إغماضه اللذيذ. لماذا تدور هذه المرة ؟ لم يستطع ان يعرف وآثر الاغماض . أوشكت أن تجلس قبالته ، لكنها تتجه صوب النافذة تفتحها على المصراعين لتيار الهواء ترتفع الستارة الشفافة ، وحفيفها ينساب داخل سمعه ، بينما يموج كل كيانه فى عبير ينشره التيار . يمتد الذراع البض العارى الطويل ، تحاول ان تلمس شيئا او تتناول آخر . ترتعش جيبوب أنفه الداخلى فيحك أرنبته مرة وأخرى وتتولد فيه رغبة عطاس تهيأ لها كل كيانه ، لكنها لا تلبث أن تولى متباعدة متنائية كعالم للانغام الحالمة .
يدرك انها تلاحظه بدقة متناهية لا يغيب عنها شيء . . وها هى ذى تتحرك فى العبير فى التيار فى النغم الحالم البعيد . تقف بجانبه مولية له ظهرها تتملي التمثال البلورى الملون للجوادين المندفعين فى اتجاهين متعاكسين . أناملها العنابية الطويلة تداعب عرف أحدهما والعينان تتقريان تعاريج الحركة المندفعة فى اتجاهين متعاكسين . قالت تذكره بحادث وزمان الهدية دون شك:
- الايام غادية تجرى . يريد أن يقول ان العمر هو الذي يجرى لكنه يوتر الاغماض ؛ والسنوات تطوى تدوب كالملح فى الماء ؛ والاحداث الذكريات الهدايا ترسب بعد التخفيف كالملح فى الماء ؛ لكنه يوتر الاغماض.
الذراع البض الطويل ممدود ، والانامل على ظهر الجواد البلورى المندفع، ودفقة هواء ترف لها اذيال الستارة الشفافة والعبير يبعث رغبة فى العطاس ما تزال متنائية . يحك أنفه مرارا . الهدية التذكار كانت تتويجا لصفقة من صفقات العمر بأحد اسواق أمريكا اللاتينية حينما خطا تحت اضواء امسية صيفية يتيه بنجاح مفاوضاته ، وخشخشت أسلاك الباب المعدنيه الرفيعة المدلاة معلنة دخوله المتحر . تقدمت نحوه غريبة سمرة نحاسية تعرض الخدمة والارشاد . . اعرب عن مقصود غير محدد بايجاز باسبانية - فرنسية مريضة . . تذكار لصاحبته لعشرة يريد الان ان تطول . تقدمته غريبة السمرة ، وتوقفت به فى رواق زجاجي ضيق ، وامتد من العود السمهرى عجيب السمرة ذراع طويل ، ومرت الانامل العنابية على الجوادين المندفعين فى حركة البلور المجمد، وماج الكون بالعبير ، فارتعشت أعماق خياشيمه وجيوب الانف الداخلى وداهمه العطاس.
حرك قديميه بقدر معلوم يحررها من لفة المنديل الليفى ، وأحس بتيار الهواء يصفعهما برفق . ظل فى الاغماض . أناملها على ظهر الجواد البلورى والعينان تتلمسان نتوءات الحركة المندفعة المجمدة ، وذهنها الجميل يفك شفرة رغبة مكتومة فى العطاس . قالت : أخبار الشرق اليوم خيبة . العنف والمعارك بدات ثانى . . والتعاليق مخربقة شى طالع شى هابط رد : -الدنيا من نهارها مركولة بالعسرية . . واكلها بغل عسرى . الشرق . الغرب . . القطب السماء وتحت الارض كلها جوطية واحدة ، كرنه . . كلها و كل شيء فيها خاسر . . تحركت عن موقعها ، يموج حولها العبير . عيناها لم تنزعا بعد عن حركة البلور اندفاعها المتعاكس . تساءلت :
- وراس الخيط عند من ؟ رد عليها فى الاغماض : - السوق الحامية كلها خيوط . واحد يهز ، واحد يحط ، والاخر يطير بها وكل شيء خاسر. - وزعما . . حتى واحد ما عارف ؟ ! تحولت السيحارة البكر الى الطرف الاخر من فمه ، واهتز كيانه اهتزازة خفيفة لضحكة خافتة مريرة فى أعماقه . قدر انه وحده يدرك ثمن المعرفه التى تسأل عنها . يدرك قيمة الخسارة التى تخلفها الجوطية والكرنة . . ورد :
- عارف أو ما عارف . . النتيجة هى هي . الكرنة يخصها الدم ، الجوطية يخصها سمسرة . . وهذا هو السوق. تركت عيناها حركة الجوادين ، وأحس بها تقابله ، يتحرك حوله العبير، وتتباعد انغام الحلم ، فحك ارنبته مرارا باحثا عن رغبة فى العطاس ، بقايا رغبة يمكن تجديدها . قالت : - والحل فى نظرك ؟
- الحل ؟ فك اشفار عينيه فى شبه انفتاح . رآها أمامه على الكنبة المقابلة فى طريق التيار . لاك سيجارته البكر بين شفتيه مرارا . . ودافع بمنكبيه حركة الاطفال المندفعه فى زقاق خلفى ضيق ، تملؤه سلاليم معدنية ملتوية صدئة . . كان لحظته تلك يسعى فى الزقاق وراء العبير حيث غريبة السمرة النحاسية تستعد لليلها الصيفى بعد اجهاد السوق . لحظته تلك ، كان يتيه ما يزال بنتائج احدى صفقات العمر ووجد متعة فى ان يخفف سيره فى الزقاق ويراقب لبرهة قصيرة زمرة الاطفال فى خصامهم الازلى حول حق اللعبة ، واحتدادهم في النقاط والعراك من أجله . كلها كرنة ، جوطية وسمسرة . . ثم تابع مسعاه وراء العبير. ارتعشت الستارة الشفافة مصفقة لهبة نسيم مكثفة ، أحس بخياشيمه تمتلىء برودة ورعشة . ارادته فى العطاس ما تزال مكتومة تجاهد التضخم وآثر أن يبدأ حديثه من حيث انتهى - الحل يمكن يعرفه البغل ركالها الاول ! يمكن ؟ !
تلمس مشروبه المنعش . مص الكأس الفارغة بصوت مسموع ضلت تمعن فى مراقبته . حركة السيجارة البكر المستمرة بين شفتيه تبدو جامدة يزيحها من طرف الى طرف برأس اللسان الخفى . يضغط بكفه على أرنبة الانف بقوة عله يحيى أو يميت دفعة واحدة ، رغبته المتلاشية فى العطاس . ظلت تمعن فى مراقبته تفك شفرة ارادته الكاذبة . تساءلت في أعماقها : " ماذا بقى من لرجل بتوالى السنين " تحركت نحو النافذة . أغلقتها تكتم تيار الهواء وتوقف حركة الستارة الشفافة.
تجمد العبير ، تناءى كالنغم الحالم القريب وارادة العطاس . وتساءل فى نفسه : " ماذا تفقد المرأة بتوالى السنين ؟ ! "

