الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الحب.. والزمن .. والموت ..؟

Share

- يا فتى العرب - ماذا تريد يا أبتاه ؟ - هل ذهبت الى المؤدب اليوم ؟ - نعم لقد ختمت اليوم القرآن - ولكنك لم تخبرنى بذلك ! - أردت أن افاجئك يا ابى بذلك .

- اذن لابد من حمل قصعة عصيدة الى المؤدب - افضل أن تكون قصعة من الكسكسى واللحم - أنت تحب المؤدب كثيرا !. - وكيف لا أحبه وقد علمنى أصول الدين وحفظنى القرآن ووضعنى فوق الطريق المستقيم . - ان حديثك هذا يا بنى ينبئنى بأنك ستصير شيخا من شيوخ القيروان العظام . - ادعو الله أن يبقيك الى ذلك الوقت حتى ترانى عالما .

- لقد كبرت ولم يبق لى فى الحياة الا شوطا قصيرا ، أما أنت يا بنى فأمامك الحياة واسعة رحبة وأمامك المستقبل تستطيع أن تبنيه كما تشاء وأوصيك اذا مت بأن لا تبكى على بل حاول أن تستدعى علماء القيروان للصلاة على لا غير .

تذكر الحاج صالح هذه المحاورة فتململ فوق كرسيه ونظر للجالسين حوله فى مقهى العباسية بقلق . كان هذا الحديث قد مرت عليه خمسون سنة كأنها يوم أو بعض يوم ، فما زالت ملامح أبيه المرتعشة تتجول في ذهنه عندما كان يلقى عليه اسئلته اثناء الحديث ، ولم يستطع أن ينفذ وصية أبيه لانه سافر الى مصر ليواصل دراسته بالجامع الازهر وتركه فى صحة جيدة وهناك بعد سنتين بلغه نعى أبيه فتحسر لانه لم يكن حاضرا ليحضر له المصلين والعلماء فبقيت تلك الوصية كالذكرى الضائعة فى مطاوى الايام تعود الى ذهنه من حين الى اخر . اما العلم الذى أوصاه أبوه بأن يسعى للتحصل عليه فقد ضيع وقت تحصيله . هناك فى مصر تعرف على شاية فى مقتبل العمر كانت تسكن بجواره فى البيت المقابل لبيته بالعمارة ، وكانت تلقى عليه التحية كلما راته ، فقد عرفت من لهجته ولباسه وهيئته أنه ليس مصر يا انما هو غريب جاء الى مصر . وكانت بينه وبينها علاقة لم ينسها بعد ، فقد ألحت على أن تتزوج به وتمنع هو عن تلبية هذا الطلب فكيف يرجع الى القيروان خالى اليدين من العلم ويعوض كل ذلك بامرأة ، ان الاهل والاصحاب سيجعلون منه سخرية وسيقولون له قد جلبت من مصر شهادة آدمية . ولكنه كان يحس فى قرارة نفسه بحبها فجد فى اغتراف الشهوة من جسدها كما يفعل السارق الذى يخشى أن يباغته أحد . كان هو أيضا يخشى أن يباغته الزمن فيقطع هذه العلاقة بينه وبين " سنية " دون أن يرتوى منها . ووصلت به هذه العلاقة الى التخلى عن بعض الدروس بالازهر وكان يطمئن نفسه بعدم اهميتها وقلة جدواها وصار ينقطع اليوم واليومين ثم الاسبوع ثم الشهر ولا مطلب له الا سنية وحب سنية .

وقرر شيوخ الازهر طرده لكثرة غياباته التى لا مبرر لها . ومل حسد سنية وضافت به الدنيا وتساءل عن الهدف الذى جاء به الى مصر فرأى أنه قد اضاع فرصة العمر ، وبعث الى بعض أخواله بالقيروان كى يرسل له ثمن تذكرة الرجوع الى البلد .

لما عاد وجد الدنيا غير الدنيا ، فأبوه قد دفن من زمان ولحقت به أمه ، ودور الكراء التى ورثها عن أبيه قد عاث فيها المتسوغون فسعى الى انقاذ بقية الثروة

والمحافظة عليها ، وتملكه شعور بعدم جدوى الحياة ورأى انها سراب لا طائل منه . وأحس بأن الدين يقيده ويخنق انفاسه فلماذا لا يعيش الانسان كما يشاء أليس الانسان حرا ؟ ولعن هذه الخواطر فى سره ، ورأى انها من وسوسة الشيطان ، ولكن هذه الخواطر سرعان ما لحت عليه من جديد عندما رأى سربا من فتيات المعاهد الثانوية وهن يتخطرن فى ثيابهن الزرقاء ضاحكات مستبشرات بالدنيا غير مباليات بدوران الارض وسير الزمان . وشعر فى أعماقه بلوعة الحرمان فرأى أنه لا بد من اختيار زوجة جميلة تصده عن كل ما تحدثه ب نفسه .

- ولماذا لا يفعل ذلك وهو ما يزال في السبعين من عمره يحس بقوة الشباب وفورة الدم فى عروقه وزوجته الاولى قد ماتت منذ ستة أشهر وندم على نسيانه لنفسه ، وتذكر أن جاره الدلال مخلوفا قد زاره منذ ايام مع اينته الجميلة نعيمة وقرر فى سره أن يخطبها منه فهو رجل فقير اذا أغراه بالمال سمح له بالزواج بابنته .

وبعد شهر أعلن لاصحابه فى مقهى العباسية بانه سيتزوج مرة ثانية . فحدثه أحد اصحابه :

- انه لم يمض على موت زوجتك " منوبية " وقت طويل والتقاليد تقتضى أن يدوم الحزن على الميت سنة كاملة فهز الحاج صالح رأسه بلا مبالاة :

- من مات.. مات.. ولن يعود ، فعلى أن أحتفل بحياتى قبل أن تحل ساعتى . قال له صاحبه متعجبا: - اراك متشائما بالدنيا ومتبرما بها . فأجابه وهو ينظر الى سور المدينة الشامخ قائلا:

- أين الذين شيدوا هذا البناء لقد اصحبوا فى عداد التاريخ . فقال له محدثه : - انت تريد أن تتسلى عن الموت بالحياة . رد عليه باقتضاب :

- ربما هذا سبب من الاسباب ! فخاطبه من جديد فى لهجة الناصح : - اننى أتوقع رد فعل عنيف من أبنائك عن هدا الزواج الجديد خاصه وأن جرح أمهم لم يندمل بعد . فضحك الحاج صالح ساخرا وقال: - اذا مت ظمآنا فلا نزل القطر ! فالح عليه صاحبه من جديد: - فكر فى الامر جيدا.

فأجابه فى لهجة حافة : - لقد قررت وانتهى الامر: سأله جليسه من جديد : - ومتى سيكون العرس؟ قال له وقد عاد له استبشاره: - فى الاسبوع المقبل وعليك أن تكون انت المكلف بكل الشؤون . سكت صاحبه لحظة واطرق الى الارض ثم رفع رأسه وقال: - أنت ستخرجنى. فسأله الحاج صالح مستفهما:

- بأى شىء ؟ رد عليه صاحبه: - أتتزوج بنتا فى السابعة عشرة من عمرها وأبناؤك مازالوا عزايا ؟ أتفكر فى نفسك دون أن تفكر فيهم ؟؟ رفع بصره وتفحص قسمات محدثه وأجابه فى لهجة هادئة: - ان الامر ايسر مما تطن. ساله صاحبه. - وكيف ذلك ؟

قال له : - ان ابناء هذا الجيل يبحث كل واحد منهم عن زوجته دون أن يكون لابوية فى ذلك دخل ! انه جيل نحس ووقاحة ! ضحك محدثه بقهقهة عالية وقال بصوت خافت : - أنسيت نفسك ؟ قام الحاج صالح وودع صاحبه وأخذ الشارع الرئيسى لمدينة القيروان . ومر بالصياغين فتعلقت عيناه بقطع الذهب المعلقة فبدأ يفكر فى سره فيما مسى أن يشتريه به لعروسه الجديدة . ومر بالحاج فريد بائع الساعات فاوصاه بأن يحضر له ساعة ذهبية فريدة من نوعها تليق بامرأة جميلة . . فسأله الحاج فريد قائلا :

- اخطبت عروسا لولدك فؤاد ؟ فهم بأن يجيبه ولكن مضمون السؤال قد ساءه وخشى ان اخبره بالامر أن يعلق عليه كما كان بفعل جليسه بالمقهى ، وتحرك فى الشارع غير عابئ بحركة المارة حوله ، ووصل دكان أحد أصحابه من بائعى الزرابى ، فأوصاه بأن يختار له زربية تليق بعروس لها من العمر سبعة عشر ربيعا ، فسأله بائع الزرابى قائلا:

- أخطبت لابنك سامى عروسا ؟ مبروك إن شاء الله ان فعلت ذلك . وساءه أن يسمع هذا السؤال مرة أخرى فتغير لونه ، وشعر فى أعماقه بحقد على هذا الجيل الجديد ، ورأى أن ابناءه ينافسونه ويزاحمونه فى الزواج ، فحقد عليهم فى سره ، ولكن غيظه سرعان ما خف وتلاشت همومه عندما لاحت له صورة نعيمة وهى تضحك بصوت فيه من الموسيقى والشعر الشئ الكثير ...

علاج عن يمينه ودخل شارع صالح السويسى فى المدينة العربية ، وفى نهاية الشارع يقبع منزله العتيق الذى ورثه عن أجداده ، وقبل أن يدير المفتاح فى الباب رفع رأسه الى البيت الصغير عن شماله حيث يسكن جاره مخلوف والد نعمة وزوجته المنتظرة فرآه مغلقا فبقى واقفا ينتظر عسى الباب يفتح فيراها ، او عساها تخرج لقضاء بعض الشؤون من السوق فيتملى من وجهها السمح ، وشعر بعاطفة نحوها لم يتبين نوعها ، ثم احس بانقباض عندما تذكر بأنها كانت تأتيه وهى طفلة الى داره فترقص حوله

ببراءة الطفولة وتقبله كلما قدم لها الحلوى ، ولكن ما يضايقه منها أنما الا تنادىه باسمه ، انها دائما تقول له يا بابا الحاج ، ألا يكون هذا شعور منها بأنه يفوق أباها حتى فى العمر ؟ ثم الا ينكرها الفارق فى السن من الزواج به ؟

وطمأن نفسه بأن ذلك سيكون عابرا اذا وقع ، وأن المال المفتاح السحرى فى يده ، فاذا أعدق عليها من الخير ما شاءت ستطمئن اليه وتستأنس به وتحبه وادار المفتاح فى قفل الباب ودخل بهدوء الى بيت النوم ليستلقى قليلا على السرير لانه كان يحس بتعب وارهاق ، وكان يشعر في أعماقه بأن الشيخوخة تزحف عليه فى كل لحظة .

وفتح باب عرفة النوم فرأى شخصين يتحركان فوق السرير وظن فى البداية أنهما ولديه ينامان فى القيلولة كعادتهما ، ولكن نبضات قلبه قد سارعت عندما رأى شعر امرأة ملقى على الوسادة ، وابصر وجه ابنه فؤاد دون أن براه هذا ، رآه يقبل هذه العشيقة ، ويضمها اليه ويشمها ، وسمعه يردد فى همس:

- أحبك يا نعيمة ؟ فأحس بتخاذل فى أعضائه ، وبانهيار مفاجئ فى أعصابه ، وبدوران فى رأسه سرعان ما تسبب له فى صداع . وصاح فى العشيقين دون أن يشعر :

- أتقترفان الكبائر فى بيتى ؟؟! وقام العشيقان كلاهما نصف عار يحاول أن بقى نفسه سوء العاقبة ووضع الحاج صالح يده على قلبه وارتعش راسه ودارت عيناه واصابه دوار مفاجئ ونظر الى نعيمة ويده على قلبه وقال لها :

- انت التى كنت اريد . . . . وسقط فجأة على الاسفلت . فارتدى ابنه ثيابه بسرعة وخرج لاستدعاء الطبيب ، وهربت نعيمة لتدخل منزل ابيها ، وتوصد الباب عليها وتسامع الناس بأن الحاج صالح قدم مات بسكتة قلبية مفاجئة قبل أن يحقق عرسه الذى اخبر به الاصحاب . . .

اشترك في نشرتنا البريدية