الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الحب ومنزلة في ديوان " أغاني الحياة "، لأبي القاسم الشابي

Share

4) فيض الحب : يمكننا الآن وقد رافقنا الشابى عبر قصة حبه ، ان نستنتج ان رؤيته للحب لم تعد مقصورة على الثنائية المعهودة تنتهى بالمحبين الى برعاجية لا يزولون عنها ماديا ولا معنويا . ولئن انطلق من نفس المصدر - المرأة " الانسان " - فسوف يسمو بحبها سموا يدفعه نحو آفاق وابعاد ، يتوغل فيها غير هائب لانه قد شام بعد فى نهاية الرحلة الطويلة غنما وفيرا للانسان والاإنسانية

ورأينا ان الحب لم يكن عند الشابى وليد صدفة تتفق لاثنين وتنتهى بوصلهما فكريا وجسميا .

بل هو أنبل عنصرا وأخطر منزلة ، لانه ينبوع عطاء ومصدر ضرورى لحياة الشاعر وابداعه الفنى :

لولاه لما عذبت فى الكون مصادره وموارده

ولما فاضت بالشعر الحي مشاعره وقصائده

ولا غرابة ان يكون معين خير وعطاء ، فهو منطلق من الشعور مصدر الالهام والوحى والغيرية ومن القلب ذلك " الشباب الخالد النضر " العابد الجمال دوما ، لا من العقل مصدر الجفاف و " الحسابية " الانانية .

ومن أجل ذلك احب الشابى الشعر وأجله ، وكيف لا يحب " فلذة من فؤاده " ، لا يتصور حياته بدونه :

انت يا شعر قصة عن حياتي انت يا شعر صورة من وجودي

وهو محتاج اليه احتياجه للحياة ، والحب ، فيه يعبر عنهما .

وبهذا يكون قد توفر لدى الشابى ثلاثة عناصر أساسية فى الحياة : الحب ، والشعور ، والشعر . وهي التى سيتفجر من ينابيعها عطاء سخي يغمر أغلب مواقفه وأغراضه . وما أبعدنا عمن يصبح الحب عندهم ثنائية مغلقة ، ففردية فادحة تأخذ ولا تعطى .

وسيغمر هذا العطاء - عطاء الحب - جانبى الحياة : كظرف وكمظروف ، أحبهما الشاعر وحببهما : اما الجانب الاول فهو متصل :

( 1 ) بالحياة : فى أوسع معانيها .

ولعل عنوان ديوانه " أغاني الحياة " لأفصح دليل على اهتمامه بها وكثيرا ما تعلق بعض الدارسين بما تضمنه الديوان من مواقف الحزن ، فحكموا على الشابي بالتشاؤمية وكراهيته للحياة ، ووقفوا عند هذا الحد . ولئن قال :

" على الحياة أنا أبكى لشقوتها   فمن اذا مت يبكيها ويبكينى ؟ "

فلأنه ما كان يبكيها لو لم يكن يحبها .

ولعلنا نقتنع عندما نكتفى ببعض الشواهد الاخرى للدلالة على انه لم يستأثر بحب الحياة لنفسه ، بل ما فتئ يحث الانسان على حبها ، ويدلى له ببراهين تدعوه الى حبها حياة كريمة حقا :

هو الكون حي يحب الحياة   ويحتقر الميت مهما كبر

ومن أفصح العبر التى نستخلصها من المدرسة الكونية ، ومن أقوى بواعث تلك المحبة ، الطموح وهو كامن فينا ، وما علينا الا ان نريد :

" اذا طمحت للحياة النفوس   فلا بد ان يستجيب القدر "

( 2 ) بالموت : قد تثقل المآسي ، وتنسد السبل ، وتقبح الحياة ، وهو ما يدعو الشاعر الى التوق الى الموت يحبه باعتباره افضل من الحياة كما عادت :

جف سحر الحياة ، يا قلبي الباكي

فهيا نجرب الموت هيا !

ومن بين الاسباب التى تزهده فى الحياة ، وترغبه فى الموت ، ما استولى على قلوب الناس من الشرور وما خيم عليهم من اللؤم : فكم عاملوا احسانه بالسوء ، أو ليس هذا مما يدعوه الى التوق الى الانعتاق من العالم الدون والسمو الى صافي المناهل ؟ :

وخبا لهيب الكون فى قلبي الذي     قد عاش مثل الشعلة الحمراء

فأنا السعيد بانني متحول             عن عالم الآثام والبغضاء

وكثيرا ما دعته هذه النظرة الترغيبية فى الموت ، باعتباره محررا ، الى ان يحببه الى من عجز عن الحياة ، لانه سيجد فيه من " الحياة " الخالدة ما لم يتوفر له فى هذه الحياة الدنيا :

الى الموت ان حاصرتك الخطوب   وسدت عليك سبيل السلام

هو الموت طيف الخلود الجميل     ونصف الحياة الذي لا ينوح

(3) بالطبيعة : اذا كانت الحياة هي الاطار الوجودى عند الشابى ، فان الطبيعة ستكون الاطار الارضي الذي احبه لصلته به فى كل آن . وكان بينهما من وثيق الوشائج ما جعله يتجاوز مظهرها الخارجي متطلعا الى استجلاء أسرار جمالها وخفايا معانيها .

أحبها ويحبها لانها : (أ) صورة من الجمال المطلق الخالد :

صورة من الفن المروع اعجزت   وحي القريض وريشة الرسام

(ب) معين الوحى والالهام :

بيت من السحر الجميل مشيد     للحب والاحلام والالهام

(ج) رمز الطهر والمحبة والسعادة :

كان الربيع الحي روحا حالما   غض الشباب معطر الجلباب

والكون من طهر الحياة كانما   هو معبد والغاب كالمحراب

(د) حياة مثالية متجددة منزهة عن أباطيل الحياة وترهاتها :

فاترك الى الناس دنياهم وضجتهم   وما بنوا لنظام العيش أو رسموا

واجعل حياتك دوحا مزهرا نضرا    فى عزلة الغاب ينمو ثم ينعدم

(ه) ملجا المكلوم يجد فيها مرهما لنفسه :

انني ذاهب الى الغاب يا شعبى        لأقضى الحياة وحدى بيأس

سوف أتلو على الطيور أناشيدي      وأفضى لها باشواق نفس

فهي تدرى معنى الحياة وتدرى         ان فجر النفوس يقظة حس

(و) رمز لأفضل أنواع التعايش السلمى :

يا أيها الشادي المغرد ها هنا    ثملا بغبطة قلبه المسرور

غرد ففي قلبي اليك مودة      لكن مودة طائر مأسور

( 4 ) بالوطن :

وهو البيئة الصغيرة التى نشأ فيها الشاعر ، فعاش مرها وحلوها ، غرس حبه فى قلبه ونما وكان حب من ضحى فى سبيله سلفا بحياته وقدم روحه قربانا له :

أنا يا تونس الجميلة فى لج الهوى قد سبحت أى سباحه

شرعتى حبك العميق وانى قد تذوقت مره وقراحه

لست انصاع للواحي ولو مت وقامت على شبابي المناحه

لا أبالي وان اريقت دمائى فدماء العشاق دوما مباحه

اما الجانب الثاني الذي غمره الشابي بحبه ، فيتصل بالمحتويات البشرية للميادين السابقة ، وسنقدمها منتقلين من العام الى الخاص :

( 1 ) الانسان : أحبه الشابى محبة عميقة ، محبة الرفيق " لرفيقه " والأخ " لابن امه " . ومن اليسير على قارئ " أغاني الحياة " ان يلاحظ ان الشاعر ما انفك أخذا بيده ، ينير له السبل لتخليصه من ظلام الحياة وضرائها . وما كان ليهنأ له بال قبل بلوغ هدفه ذلك . وكيف يهنأ وهو الشاعر الشفوق يعيش احزان أخيه الانسان بقلبه . وكم كان يؤلمه ما يعانيه الانسان من أنواع الاذى المادى والوجودى وما يعترضه من العراقيل فى عدوة الفاشل وراء ترهات الحياة .

الا ان شفقته تلك العميقة ، وما انطوت عليه من الاسى ، ما كانت لتحول دون استنهاض الانسان ودعوته الى الحياة الحق ، وما هو عن ذاك بقاصر اذا أراد :

خلقت طليقا كطيف النسيم    وحرا كنور الضحى في سماه

فما لك ترضى بذل القيود     وتحنى لمن كبلوك الجباه

(2)  البائسون : هم كثيرون ، ولكن الناس عنهم غافلون ، ما عدا أمثال الشابى ، فقد دعاه حبه اياهم الى ان يقدمهم فى قصائده احياء يتألمون ، يشاطرهم آلامهم ويحاول جاهدا ايلام من خيمت على قلوبهم الانانية يعودون الى انسانيتهم فيهبون للخير :

كم بقلب الظلام من انه تهفو بغصات صبية ايتام

ونشيج مضرم من فتاة ، ابهظتها قوارع الايام

ونواح يفيض من قلب أم فجعت فى وحيدها البسام

فطم الموت طفلها وهو نور فى دجاها من قبل عهد الفطام

وأنين من مع ذي سقام ، عضه الدهر بالخطوب الجسام

(3) الأسرة : (أ) الأب : وقد كان أباه ، وصديقه ومعلمه المعانى الانسانية السامية ، بلغ حبه إياه حد كراهية الحياة بفقده وكم تمنى الالتحاق به فى عالم الموتى ! :

يا موت قد مزقت صدرى وقصمت بالارزاء ظهري

يا موت نفسي ملت الدنيا فهل لم يات دوري ؟

(ب) الأم والاخوة : غمرهم الشابى بحبه العميق ، ورعايته المتواصلة ، وقد بلغت أوجها عند موت والده حتى انه آثرهم على " حياته الشعرية " وهي أقدس ما يمكن ان يحلم به فى هذه الدنيا :

وأود أن أحيا بفكرة شاعر        فأرى الوجود يضيق عن احلامي

لكنني لا أستطيع فان لى اما      يصد حنانها أوهامي

وصغار اخوان يرون سلامهم      في الكائنات معلقا بسلامي

وقد ولد هذا الحب للاسرة والتضحية فى سبيل رعايتها بأثمن حلم له فى الحياة ، ان تغنى الشابى محبا مقدسا بينبوعين أساسين من ينابيع الحياة :

( ب 1 ) : الأمومة : وكيف لا يحبها وهي رمز العطاء الصادق والطهر الملائكى :

ألأم تلثم طفلها وتضمه          حرم سماوي الجمال مقدس

تنأله الافكار وهو جوارها        وتعود طاهرة هناك الانفس

حرم الحياة بطهرها وحنانها        هل فوقه حرم أجل وأقدس ؟

- وهي رمز التضحية الصادقة ، ومصدر الوفاء الذي لا تأتي عليه تصاريف الزمان :

... كل نسوك ولم يعودوا يذكرونك فى الحياة

الا فؤادا ظل يخفق فى الوجود الى لقاك

هو قلب أمك السكرى بأحزان الوجود

( ب 2 ) : الطفولة : وهى منطلق الحياة واقوى داع الى محبتها ، وهى عهد الاحلام التى لا تعكر صفوها الاكدار :

لله ما أحلى الطفولة انها حلم الحياة !

عهد كمعسول الرؤى ما بين أجنحة السبات

( 4 ) الشعب : ان مجرد الاستعراض لبعض عناوين قصائد " أغاني الحياة " مثل : المجد ، سر النهوض - سر مع الدهر - الى الطاغية - الى طغاة العالم - ارادة الحياة - الى الشعر الخ ... لدليل على ما خصصه الشابى للشعب ، هذه الاسرة الاخرى التى ما فتئ آخذا بيدها سعيا لتحريرها من حياة الدون . ولم يزل عن مواصلة سعيه فى تلك السبيل رغم ما لقيه من الاساءة لانه تيقن بكل جوارحه : ان

" إذا الشعب يوما أراد الحياة  فلا بد أن يستجيب القدر "

وهو معنى خالد خلود الشعوب في كل اصقاع الدنيا .

وقد اكتسي حبه للشعب اشكالا مختلفة : وأولها عطاء سخي وتضحية بروحه ، رغم ما يلاقية من أنواع الاذى .

وقد تبلور مظهر من ذلك الحب فى محاولة اقناع الشعب وهو تلك " القوة العبقرية " بما له من فضائل وطاقات طائلة لما تستمر . وقد ورد ذلك في لهجة اللائم المحب :

أين يا شعب قلبك الخافق الحساس ؟ أين الطموح والاحلام ؟

ان يم الحياة يدوى حواليك ، فأين المغامر المقدام ؟!

ويصمد الشابي ، وما كانت الخيبات لتلويه عن متابعة اهدافه من أجل الشعب ، لانه اعتمد فى حبه اياه التفاؤل سبيلا ، فاتخذ منه محركا للشعب وسيفا مشرعا على رؤوس اعدائه :

يقولون صوت المستذلين خافت      وسمع طغاة الارض أطرش أصخم

وفي صيحة الشعب المسخر زعزع    تخر لها شم العروش وتهدم

وكم يحلو للشاعر المحب ان " يشيم " فيعيش سلفا ذلك الغد المشرق لشعبه :

الا ان احلام البلاد دفينة         تجمجم في أعماقها ما تجمجم

ولكن سياتي بعد لاى نشورها      وينبثق اليوم الذى يترنم

( 5 ) خلاصة : فهذه اذن نماذج من حب الشابى ، ما كانت تتصور " حياته " ولا " أغانيه " بدونه . فقد انطلق محدودا ثم سما مطلق الابعاد والافاق لينتشر نعمة تغمر كل شىء .

فالحياة ، وان كان بعض صفحانها بؤس ، محببة تدعوك الى العيش ، والطبيعة وان " أظلها المساء الحزين " أحيانا محببة تسحرك بجمال صبحها و" فجرها الجديد " والناس محببون ، فهم ضعفاء بالفعل ولكنهم أقوياء بالقوة ، فكل يبشر " بالصباح الجديد " ، ولكن السر لكل ذلك ، يكمن فى أمور ثلاثة ، لا يكسبها الا الافذاذ : الحياة - الحب - التفاؤل .

فمن أحب الحياة أرادها ، ومن أرادها كان متفائلا ومن تفاءل عاد ينبوع خير الجميع :

ورن نشيد الحياة المقدس في هيكل حالم قد سحر

وأعلن في الكون : ان الطموح لهيب الحياة وروح الظفر

اذا طمحت للحياة النفوس فلا بد ان يستجيب القدر

اشترك في نشرتنا البريدية