مدخل :
ما زال أبو القاسم الشابى منذ أول عهده بالشعر وحتى هذا العصر محل اهتمام النقاد والباحثين في مختلف مناطق الوطن العربى وفى غيرها من بلدان العالم . فكان اما عرضة لسهام الخصوم من المحافظين ، انصار القديم المقدس ينعون عليه مواقفه الثورية ، يرون فيها زعزعة لاركان الادب العربى القديم : وهدما لما ورثه من قداسة لا ينتهكها الا كافر ، واما محل اعجاب الانصار من المجددين يرون فيه شاغر الخلاص من الجمود وفاتح عهد جديد للشعر العربى
الا ان شعره لا يكاد يحظى مع الفريقين بالدراسة المبنية على المنهاج العلمى الصحيح الذى يعتمد استقراء النصوص واستجلاء ما لها من وثيق الصلة بالوثائق الصحيحة او شهادات الثقاة
اما البعض فقد آل بهم هذا الانحراف عن المنهجية العلمية الى تسرع فى الاحكام ناتج عن تطبيق تعسفى للطريقة التقابلية . فانطلقوا من موته المبكر وأبوا الا مقارنته بالبعض من شعراء الغرب . فنسبوا اليه - سامحهم الله - حياة ماجنة خليعة تنتهى بموته مسلولا ، وذلك شأن المجان الخلعاء
اما البعض الآخر فأبوا الا ان يجروا على اشعاره مقاييس نقدية حديثة لم يفهموها على علاتها ، فتسرعوا فى الحكم تسرعهم في هضم تلك النظريات النقدية الجديدة . وها هم يحكمون عليه نهائيا ، بالرومنطيقية الفادحة والتشاؤمية ، والتجردية ، والضبابية ، والانهزامية ، وما الى ذلك مما يجعل أقرب الى البرعاجية وأبعد ما يكون عن الشاعرية الحق المضطلعة بهموم الانسان والتائقة دوما الى استجلاء أسرار الحياة سعيا لحل مشاكلها
ولكن جميعهم ، على اختلاف مشاربهم وتصادم مواقفهم قد اجمعوا - أو كادوا - على استحسان قصائد منها : (( إرادة الحياة )) و (( صلوات فى هيكل الحب )) و(( النبيء المجهول ))، ومع هذا فقد فاتهم الانتباه الى ان الخيط الرابط بين محاور هذه القصائد - وقد استشهدنا بها على سبيل المثال لا الحصر - انما هو الحب ، يتجلى فيها واضحا : للحياة ، للمرأة ، للشعب .
وهو بايجاز حب الحياة طرفا ومطروفا - فمن اجل هذا ، ارتأينا ان نخصص هذا البحث لدراسة (( الحب ومنزلته فى ديوان أغانى الحياة )) .
يتبين كل متصفح لفهرس (( أغانى الحياة )) وفرة القصائد المخصصة للحب ، عدا التى تخلل الحب معانيها ضمن اغراض أخرى
لقد عاش الشاعر الحب وهو بعد فى الرابعة عشرة معبرا فى قصيدة (( الغزال الفاتن )) ( 23 فيفرى 1923 )عن ذلك الواقع المعيش . ولم يزل متصلا به وثيق الاتصال حتى آخر حياته .
جاء فى قصيدة (( تحت الغصون )) ( 21 سبتمبر 1933 ):
آه ! ما اعذب الغرام وأحلى رنة اللثم فى خشوع السكون
وسكرنا هناك فى عالم الاحلام تحت السماء تحت الغصون
ونسينا الحياة والموت والكون وما فيه من منى ومنون
وحتى لو رجعنا الى ما نشره له زين العابدين السنوسى فى (( المجلد الاول )) من (( الادب التونسى فى القرن الرابع عشر )) سنة 1927 لاحظنا ان مضمون تسع قصائد ومقطوعات من احدى وثلاثين كان فى الحب واحواله . وهو دليل آخر على ما بين الشاعر والحب من قديم العشرة :
(( نسبى فى غرامه نسبا صار معرقا ))
( 1 ) مصادر الحب :
ان يقول الشابى منذ 1927 :
الحب شعلة نور ساحر هبطت من السماء فكانت ساطع الفلق
الحب روح إلهي مجنحة أيامه بضياء الفجر والشفق
لولاه ما سمعت فى الكون اغنية ولا تآلف فى الدنيا بنو أفق
وان يتمادى متصلا به إلى آخر أيامه ، ولا غرو فالحب عنده غاية :
(( الحب غاية آمال الحياة فما خوفي اذا ضمني قبري ؟ وما فرقي ؟ ))
يقتضى ان يكون للحب فى روحه اصول قديمة وفى حياته بذور نابتة
(أ) المصادر العائلية :
أولها متصل يكون الشابى قد أخذه عن اجداده آل الشابى من الارث الاخلاقى الذى ترعرع فى نفسه وقد تفتحت له تضاعيفها تفتح الارض الكريمة للغيث ، وتاريخ الشابية حافل بالمفاخر ، فقد دافعوا فى القرنين الخامس عشر والسادس عشر ( الميلادى )خير دفاع عن الوطن وحضارته العربية الاسلامية ، وقاوموا أعداءه من مخذولى الحفصيين ومن والاهم ، اتخذوا السيف والقلم وسيلة لبلوغ أهدافهم الوطنية انطلاقا من القيروان حيث أسسوا دولة كان لها عظيم الشان . وقد أشرف على تسييرها قادة اشتهر بعضهم بالحنكة السياسية وبعضهم بعمق النظرة الصوفية اثروا معها الدين على الدنيا والفناء فى محبة الله على الجرى وراء الترهات . ومن أشهرهم الشيخ محمد المسعود الشابى الذى ألف كتاب (( الفتح المنير )) وضمنه معلومات عن الشابية وعرضا لأهم آراء طريقتهم الصوفية
وثانيها ان والد ابى القاسم الشيخ محمد بن بلقاسم ولى خطة القضاء بمدينة قفصة ، بعيد ولادة ابنه البكر بسنة . فكان التفاؤل بميلاد هذا الابن المبارك بعيد الاثر على المناخ العائلى . وسيكون ذلك من أهم الاسباب التى ستجعل الطفل ينشأ محفوفا بمحبة والدين تقيين محبين لله وللناس
سوف يكتب الشابى فى اهدائه لكتاب (( الخيال الشعري عند العرب )) سنة 1929 :
(( الى حضرة الوالد الكريم الشيخ سيدى محمد بن بلقاسم الذي ربانى صغيرا ، وثقفني كبيرا وافهمنى معانى الرحمة والحنان ... ))
ومما جاء فى احدى رسائله الى صديقه الحليوى :
(( انى أسألك يا صديقى ان تضرع معى الى بارئ الحياة ان لا يفجعنا فى هذا الوالد الكريم الذي لا استطيع أن أصور لك عطفه على أبناء البشر )) .
واثر موته بلغ به اليأس مبلغا جعله يؤثر الموت على الحياة:
يا موت قد مزقت صدري وقصمت بالارزاء ظهري
وفجعتني في من احب ومن إليه ابث سري
وأما أمه فانها أضفت عليه من عطفها ، ما جعله يحبها حبا كاد معه يضحي بأقدس ما يتمتع به شاعر فى هذه الحياة :
وأود أن أحيا بفكرة شاعر فأرى الوجود يضيق عن أحلامي
فاعيش فى غابي حياة كلها للفن للاحلام للالهام
لكنني لا استطيع فان لى أما يحد حنانها أوهامي
فمدرسة الوالدين هي اذن التى نشأت الشابى على الحب فتبادله معها خالصا لا تشويه شائبة الى آخر حياته .
أما العامل الثالث الذى سيساهم فى غرس بذور الحب فى قلبه فمأتاه سكناه فى أول عهده بالدراسة بجامع الزيتونة مع احد اقاربه ( ي . ع . ج . ) قطن مع زوجته بتونس . وجلية الامر ان ذلك القريب قد تزوج زواج حب باحدى جميلات (( ورتان )) قرب مدينة (( ابة قصور )) ، واضطر الى الهجرة معها الى تونس بعيدا عن آله من شابية توزر وما كانوا عن زواجه براضين ويشاء الحظ ان يسمع به ابن عمه والد أبى القاسم وكان اذ ذاك قاضيا بمجاز الباب ، فيتأثر لحاله ، لما عرف به من التسامح ( ولا غرو فقد تتلمذ بالجامع الازهر على الشيخ محمد عبده ) ويساعده ماديا شأنه مع بقية الطلاب من أقاربه . وقد يتفق للشيخ القاضى ان يزور تونس مع أفراد أسرته ، فينزل عند قريبه ذلك ويجدد له تقديم ما يحتاج اليه من العون ، وهكذا قرر الشيخ القاضى أن يودع ابنه الصغير أبا القاسم عند قريبه يطمئن عليه فى تلك السنة الاولى من دراسة بجامع الزيتونة
وهكذا عاشر التلميذ الصبي ذلك القريب وزوجته المحبوبة الجميلة ، ولا ريب انه تأثر بذلك المناخ تأثر صبي حساس بالفعل ، شاعر بالقوة .
(ب) المصادر الشخصية :
دخل الشابى غمار الحب وفى نفسه من بذوره ما هيأه ليعيش تجربته مبكرا . كان ذلك بمدينة - مجاز الباب - حيث كان والده قاضيا . وفي تلك
القرية الريفية الحملة ذات المزارع والحصول الشاسعة ، تعلق أبو القاسم بمن ستزدهر لها حياته ، ومن أجلها (( يجيش شعوره )) ، وينبع شعره فى عهد الصبا السميد . وما قصيد (( الغزال الفاتن )) ( سنة 1923 ) على ما فى أسلوبها من الخصائص الكلاسيكية الا تعبير صادق عن ذلك الحدث الهام فى حياته العاطفية . وسوف يدوم هذا الحب الاول ما دامت حياته ، فهو لن يبلى حتى بعد موت الحبيبة :
- فقد بقى وفيا لم تنسه الايام ذكراها :
كنا كزوجي طائر فى دوحة الحب الأمين
نتلو أناشيد المنى بين الخمائل والغصون
ملأ الهوى كأس الحياة لنا وشعشها الفتون
حتى اذا ما كدنا نرشف خمرها غضب المنون
- ولم يكن يتصور الزمان الا مقترنا بها :
لست يا امسي أبكيك لمجد أو لجاه
سلبته مني الدنيا وبزتني رداه
فأنا احتقر المجد وأوهام الحياه
إنما ابكيك للحب الذي كان بهاه
يملأ الدنيا ، فانى سرت فى الدنيا أراه
وهى فى قلبي - الذى عانقه الفجر - إلاه
( ج ) المصادر الثقافية :
عاش الشابى تجربة الحب فى سن مبكرة ، وسيكون لصوقه بنفسه لصوق الحياة أو الشعر بها ، وسوف يعظم امره مع الايام لانه سوف يزداد ثراء وعمقا بما سوف يغنمه من حصاده الثقافى
اما التراث العربى فيجعله يتفاعل مع شهداء الحب منذ عروة بن حزام الى جميل وابن زيدون وغيرهم كثير . ولعل هذا التفاعل مما جعله يعد دراسة عن جميل وبثينة ، الا ان الظروف لم تساعده على انهائها فبقيت في مرحلة المسودات .
واما التراث الغربى فقد مكنه من ان يعيش (( الام قرتز )) مع جوتي ، وحب (( رفائيل وغرازيبلا )) مع لامرتين ، وهو ما هيأه ليسمو بالمرأة مصدر الوحي والالهام على مر الازمان :
(( انت فوق الخيال والشعر والفن وفوق النهي وفوق الحدود ))
(د) المصادر الاجتماعية :
وأهمها متصل بما كان يعانيه الشابى من تردي وضع المرأة في البيئة الاجتماعية . وما قد يكون منزلة - بنت حواء - تلك ، كما يسميها ساخرين المحافظون وانصارهم من الشعب المتخلف ، وقد حرمت من التعليم ، واقصيت عن كل ميادين العمل عدا ما اتصل بشؤون المنزل . ويقدر ما كان الرجل يعانى انذاك من وطأة الاستعمار بقدر ما كان يضطهد المرأة ويعاملها أسوأ معاملة
وان وقف الطاهر الحداد صديق ابى القاسم الشابى مدافعا عن المرأة وحماها فى الحياة دفاع المفكر المحسس فى كتابه (( امرأتنا فى الشريعة والمجتمع )) فان الشابى سيضطلع بنفس الرسالة لكن بطريقة شعرية وجدانية تعلي من شأن المرأة وتشعر المتغافلين بما لها من خطير المنازل في الحياة
( 2 ) ماهيته :
يستحسن ، تمهيدا لتحليل تجربة الحب عند الشابى ، وضبط مختلف صورها وابعادها ، ان نحاول تحديد رؤية الحب واستخلاص أهم مميزاته عند من قبله عن الشعراء .
(1) رؤية الشعراء الكلاسيكيين : اما العصر الجاهلى فمن أشهر غزليه : امرؤ القيس وقد قال
خليلي مرا بي على أم جندب لنقضى لبانات الفؤاد المعذب
وطرفة بن العبد وقد قال :
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ببهكنة تحت الخباء المعمد
وعنترة فارس الغزلين وقد قال :
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لانها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
وأما العهد الأموى ففيه : - جميل وقد قال :
خليلي فيما عشتما هل رأيتما قتيلا بكى من حب قاتله مثلي ؟
وعمر ابن أبى ربيعة (( قمر )) الغزلين :
قالت الصغرى وقد تيمتها : (( قد عرفناه وهل يخفى القمر ؟ ))
يسهل القول : إنها احسن الاشيـ اء طرا ويصعب التحديد
ان العيون التى فى طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
واما العهد العباسى :
فنبتهج مع ابن الرومى فى وصفه لوحيد المغنية :
وغرير بحسنها قال : صفها قلت : امران بين وشديد
يسهل القول : إن احسن الأشيا ء طرا ويصعب التحديد
اهم شئ لا تسأم العين منه ؟ أم لها كل ساعة تجديد ؟
بل هى العيش لا يزال متى استعرض يملى غرائبا ويفيد
ونقرأ للشريف الرضي :
داء طلبت له الاساة فلم يكن الا التعلل بالدموع يطيب
عشققت ومالى- يعلم الله - حاجة سوى نظري والعاشقون ضروب
ويذكر ابن الفارض المدعو (( سلطان العاشقين )) : (( إن الحب أوله سقم وآخره قتل )) ويقول :
فان شئت ان تحبا سعيدا فمت به شهيدا والا فالغرام له أهل
ولو عرجنا على الاندلسى لقرأنا لابن زيدون فى حنينه الى ولادة :
أضحى التنائى بديلا عن تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقا اليكم وما جفت مآقينا
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضى علينا الاسى لولا تأسينا
(2) رؤية شعراء النهضة :
ولا حط لعصا الترحال فى تلك العهود الا بعد التوقف قليلا فى عصر النهضة مع أحمد شوقى :
خدعوها بقولهم حسناء والغوانى يغرهن الثناء
نظرة فابسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء
ونقرأ لخليل مطران :
أحبك حتى لا سرور ولا منى ولا شمس الا ان أراك ولا نجما
أحبك حتى ينكر الحب رسله جميلا وقيسا والالى استشهدوا قدما
ولو لم تكن في الموت سلوى اخافها لاحببت حتى الموت فيك ولو ذما
ولو قمنا بغربلة عامة لهذه الشواهد بغض النظر عن قائليها ومختلف عصورهم ، لاستفدنا :
(1) فيما يخص (( الحبيبة )) ألفاظا مثل : الغوانى - حور العين - بهكنة - حسناء - مليح - ثغر - قاتل - قتل - قتلن
( 2 ) فيما يخص المحب :
قتيل - موت - استشهد - شهيد - سقم - داء - أسى - بين - دموع - سلوى تعلل - ودع الصبر
(3) فيما يتصل بسلوك المحب واهدافه : نظرة - ابتسامة - كلام - سلام - موعد - لقاء - تدان - تناء - بكى - تحمل الاذى - قضاء اللبانات - تقصير يوم الدجن ببهكنة
وتشعرنا هذه العبارات مهما تنوعت مدلولاتها حسب الظروف والعهود ، بخصائص أهمها : 1 ) ان هناك صلة لا تتجاوز الحبيبة والمحب 2 ) ان هناك معاناة من جهة واحدة ( المحب ). 3 ) ان الهدف يتلخص فى قضاء الوطر
والخلاصة هي ان المحبين - وهم (( وحدهم فى الدنيا )) كما يقول المثل الفرنسى : - لا يمكن أن يفكروا في غيرهم سواء كان ذلك قبل الوصل أو خلاله أو بعده . وهو ما قد يؤول الى نوع من العقم يصيب الشاعر الغزل فيعيش ثنائية مع الحبيبة ، فانطوائية على النفس تبعده عن كل الناس وتنسيه مشاكلهم - اما الحب فينقلب لهفة حسية حرى على قضاء مأرب مادى محض المادية ولو حاطه صاحبه بهالة من العاطفية
فما هو موقف الشابى من الحب ؟ وكيف عرفه ؟ وهل تمكن من تحديد ذلك التعريف ؟
(3) رؤية الشابى :
(1) الحب :
طالما عالج الحكماء والفلاسفة والادباء ولا سيما الشعراء منهم موضوع الحب ، اما نظريا فحددوه وضبطوا اعراضه ، واما تطبيقيا فوضعوه عن تجربة معانين مره متملين حلوه .
الا ان اغلبهم كان يقصره على ما بين المتحابين من وصل وصد وما يلقى المحب خاصة من البلايا .
وأبى بعضهم إلا الاقتصار على جانبه السلبى ، فسلك المسلك الترهيبى تجنبا لسوء المنقلب .
ولم يحد عن هذا المسلك حتى أمثال ابن الفارض المشهور (( بسلطان العاشقين )) . أو لم يعرف الحب بقوله :
هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل فما اختاره فطن به وله عقل
وعش خاليا فالحب راحته عنا فأوله سقم وآخره قتل
وليس ببعيد عن هذا ما قاله الشريف الرضي صاحب (( الحجازيات ))- وكان الاقدمون يرون (( ان نفس المتأدب لا يتم لها الصقل الا اذا حفظ هاشميات الكميت ، وخمريآت أبى نواس ، وزهديات أبى العتاهية ، وتشبيهات ابن المعتز ، ومدائح البحتري ، وحجازيات الشريف الرضي ))
ولو نزلنا عن هذين وأمثالهما الى الشابى ، لاحظنا مدى بعده عنهم فى الرؤية فهو يشعرنا من أول وهلة بأن الحب موضوع خطير ليس له حدود ، وليس من اليسير ضبط معالمه . ولكنه يقدم على الارتماء فى ذلك الخضم ، وها هو ينطلق من تجربته الشخصية ، ويعتمد الظاهر - أعني الجمال - ولكنه لا ينتهى الى الضالة المنشودة ولا يعبر عن التعريف الدقيق الذي يطفئ ظمأه ، فيعود على اعقابه ولم يغنم من رحلته البعيدة المدى الا تساؤلا :
ليت شعري يا أيها الحب قل لي : (( من ظلام خلقت أو من ضياء ؟ ))
وقد يبدو لك أحيانا انه تخلص من تلك الحيرة ، وان الاستفهامات ستنجلى عن الجواب الشافى ، ولكنك لا تزداد الا شعورا (( بمطلقية )) الحب ، وسمو عنصره :
الحب شعلة نور ساحر هبطت من السماء فكانت ساطع الفلق
الحبب روح ألهي مجنحة أيامه بضياء الفجر والشفق
يطوف فى هذه الدنيا فيجعلها نجما جميلا ضحوكا جد مؤتلق
وانهى ما نلمسه في آخر هذه الابيات ان الحب نعمة إلهية تضفى على هذه الدنيا ، فتجعلها خليقة بأن تعاش حقا .
ويواصل الشابى تطوافه التعريفي للحب ، مبرزا بعض آثاره الظاهرة فى السلوك وما تولده من الثمرات :
- فهو مصدر دفع ، ينطلق معه المحب مقداما لا يهاب المخاوف مهما كانت :
الحب جدول خمر من تذوقه خاض الجحيم ولم يشفق من الحرق
- وهو فيض شعرى ينبع كريما من روح المحب :
هو جدول الحب الذى قد كان فى قلبى الخضل
بمراشف الاحلام منطلقا يسير على مهل
- وأكثر من كل ذلك ، فهو ينبوع الانسانية الاول ومصدر الحياة فى أعمق معانيها :
لولاه ما سمعت فى الكون أغنية ولا تألف فى الدنيا بنوافق
- لكل ذلك فهو نعم ما يؤمله الانسان فى حياته :
الحب غاية آمال الحياة فما خوفي اذا ضمنى قبري ؟ وما فرقى ؟
- ناهيك ان المحب الحق يتخذه مقياسه الحياتى ، لا يكون للحياة معنى الا به ، ولا تقاس ازماتها الا به .
(ب) للحبيبة :
لعل قارئ هذه الابيات التى انتقيناها شواهد للحب ، يعتبر اغلبها تعريفات نظرية للجانب المطلق من الحب ولما يتسم به من صفات التجرد . ولعله تطلع الى معرفة رؤية الشابى للحبيبة توقعا لما قد تحتويه من صفات تقربها من رؤية القدامى .
وها نحن ننكب على الديوان ، ونقتفى فيه آثار الشواهد على هذا الغرض ، ثم نبحث عما قد يبلغ القارئ بغيته ويشفى غليله ونجتهد فى البحث ولكن سدى . ان هدف القارىء ان يعثر على ما تعود عليه من اعتبار الصلة بالحبيبة مادية ، كثيرا ما تنتهى بقضاء الوطر . اما الشابى ، فلئن كانت حبيبته من لحم ودم ، فهو يخلع عليها الجمال والطهر ما يسمو بها سموا عظيما وينزهها عن نقائص المادة الفانية في العالم الدون :
... ودعيهم يحيون في ظلمة الاثم وعيشى فى طهرك المحمود
انت تحت السماء روح جميل صاغه الله من عبير الورود
وحتى عندما يصور ما للحبيبة من فتنة مادية تغرى وتثير فانه لا يزول عن تقديسه لها وترقيق ميوله ترقيقا تنقلب معه النظرة المادية مدعاة لنشوة روحية بعيدة المدى :
ليتنى كنت زهرة تتثنى بين طيات شعرك المصقول
أو فراشا يحوم حولك مسحورا عريقا فى نشوتى وذهولى
وليس أدل على هذا المنحى الغنى التجريدى من الانطلاق من المنظر الجمالى المادى ، والسمو به الى معان فنية مطلقة تحرر الحبيبة من (( المحدودية )) المادية وتحلق بالحب الى عالم الخلود حقا :
كل شئ موقع فيك حتى لفتة الجيد واهتزاز النهود
وتشعرك هذه (( السنفونية )) الجمالية ان الحبيبة محدودة مطلقة ، وتحديد تعريفها مما يفوق طاقة الانسان ولو كان شاعرا :
انت فوق الخيال والشعر والفن وفوق النهى وفوق الحدود
ولئن كان الشاعر الغزل العادى يشعرنا بتوقه الى التمتع (( المادى )) بجمال الحبيبة الذى انطلق من وصفه ، فان الشابى لا ينطلق من ذلك الجمال المادى الا بكونه مصدر الهام ثم خلق لما لا يحد من العواطف والاخيلة ، وهو من أهم مصادر شعره :
فى فؤادى الغريب تخلق اكووان من السحر ذات حسن فريد
وحياة شعرية هى عندى صورة من حياة أهل الخلود
كل هذا يشيده سحر عينيك والهام حسنك المعبود
وكثيرا ما تولد النظرة من اللذة والسعادة فى الحياة ما يعقبه شعور بالسمو يصل بالشاعر حد الاتصال (( الصوفى )) بالوجود :
أراك فتخفق اعصاب قلبى وتهتز مثل اهتزاز الوتر
وتملؤنى نشوة لا تحد كأنى اصبحت فوق البشر
أود بروحى عناق الوجود بما فيه من أنفس وشجر
وليل يفر وفجر يكر وغيم يوشي رداء السحر
ولم يعد الوصل عند الشابى - كما كان فى الماضى - مجرد صلة حسية وقرب مادى ، بل هو تجاوز للمكان المحدود ، وتناسق مع الوجود هى السعادة ذاتها :
نحن مثل الربيع نمشي على أرض من الزهر والرؤى والخيال
فوقها يرقص الغرام ويلهو ويغني فى نشوة ودلال
( يتبع )
