الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

الحجرة المظلمة

Share

كان أبي مؤمنا ، كان يحلو له أن يقبر بنفسه ابناءه عندما يتوفاهم الاجل ، وأصبحت عادة من عاداته ، لا يستطيع أن يتخلى عنها . فكلما انجب طفلا علم أنه سيحفر له قبرا بنفسه بعد شهر أو سنة أو سنتين ، فيذهب إلى الفاس والمسحاة فيجعلهما فى مكان أمين حتى يعثر عليهما كلما حان الاوان نفس الفأس والمسحاة اللتين عرفتهما منذ كنت صغيرا . ورغم ذلك كان أبي مؤمنا . . . كان مؤمنا .

الرياح والليل وأنا وحجرة ضيقة . . . كنت في الفراش ، وكانت الحجرة مظلمة وكنت أريد أن أنام ، كنت أريد الفرار ، أريد أن أهرب من هواجسى ، أهرب من يقظتي . . . يقظتي تعذبني هذه الليلة الوجود يعذبني . . . وفجأة شعرت أن الباب ينفرج ، فتدخل قامة طويلة سوداء ، ذابلة ، وفتحت عيني في الظلام وعرفته ، عرفته رغم أنني لم أره . واستلقى فوق الفراش الملقى في الركن الآخر من الحجرة ، عرفته ، كان أبي ، وفهمت أنه ينتظر ، وحاولت أن أنام ، أغمضت عيني ، جذبت اطراف الغطاء ولكن أبي سوف لن ينام هذه الليلة ، كان السرير يزأر تحت قامته الطويلة . . . كان يتحرك ، يتقلب ، يريد أن ينام ولكن سوف لن ينام هذه الليلة وكدت أقول له (( انتظر يا أبي . . . هذه ليلتك ))

كان الظلام دامسا ، ولكن رغم ذلك كان أليفا . كم كنت أحب الظلام . . . ظللنا صامتين . لم يرد أحدنا أن يقطع صمتنا . فقد كانت تجول في خواطرنا نفس المشاعر . نفس المخاوف ونفس الاضطرابات ، ولاول مرة في حياتي أحسست أنني قريب من أبي ، أحسست أنني افكر فيما يفكر أبي . أحسست أن المترين

اللذين يفصلان بيني وبين أبي اكثر من مترين . وشعرت أنني في مسيس الحاجة إلى مخاطبة أبي ، ولكن حاجته إلى محادثتي كانت اكبر فقطع صمتنا الثقيل هامسا كأنه لا يريد أن يوقظني : (( أ أنت نائم )) ولكننى لم أجد ما أجيب به ، وبعد لحظات كانت ثقيلة باردة على أبي (( لا يا أبي )) ثم أردفت بصوت يكاد لا يسمع كأنني أحدث نفسي (( انني انتظر))  انني انتظر  يا أبي )) وأخذت أتقلب فوق الفراش الذي تبين لى أنه يضيق بي هذه الليلة . يكاد يختنقني ، وجذبت أطراف الغطاء من جديد وتململت ثم عاودنا الصمت الثقيل . فامنت أن الصمت أعظم وأنبل تعبير ، وصمت وصمت أبي . . . وأخذت الافكار تتلاعب في خاطرى ، وأخذت الخيالات تتراقص من مخيلتي . خيالات عنيفة رهيبة ، كنت أريد أن أنام ، أريد أن أهرب وأدخلت رأسى تحت الوسادة وجذبت أطراف الغطاء . ووضعت أصابعي في أذني أريد أن لا أسمع شيئا . . . ارحمني يا الآهي . . . ولكن إلاهي لا يريد أن يدنو منا هذه الليلة كان بعيدا . . . وشعرت لاول مرة في حياتي أن الله يبتعد عني . أنه يتجاهلني . أنه يتركني في الظلام الدامس وصرخت (( أين أنت يا إلاهي . . . أين أنت يا إلا هي ، إلاهي كان بعيدا . . . وشعرت بيد والدى تتسلل بين طيات الغطاء ثم تمر بكل رفق فوق جبينى الذى تندى عرقا (( مالك يا بني )) (( لاشئ يا أبي )) ثم أحسست أن أصابعه تنزاح برفق عن جبيني . ثم تجذب الغطاء في هدوء إلى رأسي ، وسمعته يهمس في أذني وهو يعود إلى فراشه (( نم يا بني . . . يفرجها الله )) وكدت أصرخ في وجهه (( الله لا يعرف دارنا يا أبي . . . الله لا يعرفنا يا أبي . . . الله يعرف الاغنياء . . . الله في بطون الاغنياء . . . وعاد صوته حزينا يهمس إلى (( حاول أن تنام يا بني )) وحاولت أن أنام وأحسست أن اعصابي تتراخى وجفنى يتثاقلان . وأحسست أن النوم يدب متثاقلا ولم أدر هل نمت أم لا . هل داعب النوم جفني ، ولكن لابد أن تكون مجرد اغفاءة ، مجرد مداعبة خفيفة وسرعان ما أفقت مذعورا ، كنت أرتعش ارتعاشا . كانت اسنانى تصطك اصطكاكا مذهلا وجاءنى صوت أبي مرتعشا كذلك . . . أفققت يا بني )) فتيقنت أنه كان خائفا مثلي . . . كان خائفا . . . خائفا . وأخرجت رأسي فتبينت فامة أبي . . . كان واقفا وراء الباب . وعندما أحسست أنه بجانبي ,

أنه قريب مني . . . كان صراخ أمي يدخل إلينا من الحجرة المجاورة لحجرتي ، يصم آذاننا فارتعشنا له . كان أبي قريبا مني . . . كان جالسا على حافة السرير . . . وكانت أصابعه المرتعشة تمر فوق جبيني . . . كان يجمعنا حب واحد ، حب كبير ، كانت تجمعنا امرأة واحدة ، أول امرأة أحببتها في حياتي ، وشعرت أن أبي يحبني . كانت أصابعه نتحس جبين أمي ، تتخلل شعرها وكدت أصرخ  . .. أبعد أصابعك عني . . . انني ابنك . أنت لا تحبني. . . أنت لا تحبني  . . . ولكن تركته يمسح جبيني . كان الظلام الدامس يحوينا . فكنت لا اراه . لعله كان يبكي في تلك اللحظة ولكنه غالب نفسه فحاول أن يبدد الصمت الاسود موجها حديثه إلي في همس . . . هل تريد أخا أو أختا . . . وتوترت أعصابي وتحرك دماغي وعاد الصراخ يعذبني ، وانتقلت الآلام من أرحام أمي إلى رأسي إلى أعصابي ، إلى كل خلية من خلايا جسمي ومسكت أصابعه وأزحتها عني وصرخت (( أنا لا أريد أحدا . . . أريد أن أعيش وحدى . أريد أن أعيش وحدي )) كنت أحب أمي ومازلت أحبها . . . وعادت أصابع والدى تتحس جبيني ، تداعب شعري ، وشعرت أنه قريب مني ، فمسكت يده قائلا وقد عاودني الهدوء . . . هل تحبني يا أبي )) توقفت أصابعه قليلا ثم قال في برود (( طبعا أحبك )) وغمرتنى راحة عميقة ، فسألته متضاحكا (( لماذا اذن تحتاج إلى طفل آخر . . . لماذا تريد طفلا آخر. . . وعادت أصابع أبي تدب فوق جبيني , وعادت تتخلل شعرى وعاد صوته يهمس في أذني في رقة وحنان يجب أن لا تكون أنانيا يا بني )) تضاحك قليلا فكدت أصرح . . .لست أبي . انت أبوه وحده . . . له وحده )) وأحسست أنني انهار . . . أن أعصابي تتراخى ، فكان انخذالى وكانت هزيمي وكان افلاسي . . .

وهدأ الصراخ فجأة ، وعادت وشوشات النسوة تصل آذاننا فعاد أبي إلى فراشه واستلقى عليه وبقينا صامتين ، وانفرج الباب . فدخلت إلينا خيوط النور الباهتة . . . بدأت ستر الظلام في تلك الساعة تتبدد شيئا فشيئا وعندما انطلق المؤذن يدعوا إلى إلآهه ، علمت أن الساعة فجر . وسرعان ما انقطعت خيوط النور عن الحجرة الضيقة فقد دخلت عمتى بقامتها الطويلة . . . ولكنها لم تكن تعلم أنني مستيقظ في تلك

الساعة ، فهي تعرفني كسولا ولا مباليا ، وكانت لحظة عنيفة ، لحظة انتظاري (( إنه طفل )) هكذا تمتمت ، فذهلت وشعرت بالهزيمة . . . جاء من يشاركك حبك . . . من يقاسمك الحنان الذي تمتعت به طويلا . . . جاء غريمك . . . وعاد صوت أبي . . . عادت كلماته تثقب دماغى (( لا تكن انانيا يا بني . لا تكن أنانيا )) وكدت أجن . . . فأزحت عني الغطاء وانتصبت جالسا فوق الفراش . . . ضاعت كلمات عمتي في أرجاء الغرفة . فلم أسمع ما أردفته . . . ولكن جملة أخيرة تناهت إلى مسمعي (( البركة في أحمد قالتها في همس حتى أني كدت لا اسمعها  . . . فانتفضت في مكاني وصرخت في وجه عمتي (( اني أريده . أريده ، أريده أخي ، وامتثلت أمامي صورة أمي . أمي وقد استسلمت إلى عجوز حمقاء ، أمي وهي ترفع يديها إلى السماء ، ترفعهما إلى الله ، فنقمت على الله والعجوز . . . لتخرج العجوز الحمقاء وليخرج الله . عجوز حمقاء وإلآه أحمق ، الله لا يعرف دارنا ، الله لا يعرفنا , الله في بطون الاغنياء . . . وسالت دموعي وأحسست أن أبي كان يبكي , واستسلمت وأحسست أن أصابعه عادت تمسح برفق جبيني ، عادت تتخلل شعري واستسلمت .

وفي الصباح كان أبي يبحث عن الفأس والمسحاة ، ثم شاهدته يحفر قبرا . . . كان قبرا صغيرا ، طوله شبران ، وعندما كان يوارى سادس ابنائه التراب ، أخذت الفاس والمسحاة ، وحفرت قبرا ، كان شاسعا وكان طويلا . . . سألنى أبى باسما (( لمن هذا القبر )) فقلت وأنا أنفض يدى من بقايا التراب العالق بهما (( هذا القبر حفرته لإلآهى )) ابتسم ثم ضحك . . . وقد كان مؤمنا . . . كان مؤمنا .

اشترك في نشرتنا البريدية