نموذج من الادب الاذاعي
وقعت فى حيرة ، حينما القى الى السيد المحترم عمدة هذه المحطة فى تونس مقترحا كريما بالقاء حديث منى يذاع في حصصها الادبية
كان منشأ هذه الحيرة انتخاب الموضوع ، موضوع المحاضرة ..
فأنا اعتبر نفسى الآن ، ضيفا لدى هؤلاء المستمعين إن سمحوا بذلك
لم أتعود التحدث إليهم . وكأن الوهم يهئ لي أننى أباشر أسماعا اخرى ، غير التى تعودت مجاذبتها فى محطتنا التونسية
ولعل الامر قريب من ذلك .. ولكنه على التحقيق أشمل وأوسع من أن ينحصر فى نطاق تصور من هذا الباب .
فالحديث الاذاعي أحفل الاشياء عند صاحبه - بالمفاجآت الغريبة ، والنوادر الباغتة التى تنعقد له من انبثاث صوته على أوسع مدى يمكن افتراضه .
حشدت له هذه الصناعة المحدثة أقوى ما ظفر به العلم من امكانيات تتعاون على الاشاعة والنشر . . تصله بناس لم يعرفهم ولم يجر في حسبانه أنه سيعرفهم وانه سيحدثهم وانهم سيلحظون فيه ما يجد من عنت التفكير ومن مشقة ترتيب ذلك التفكير ، وأنهم سيلاحظون عليه ما يجهد نفسه على ان يخفيه من هنات ضعف واضطراب
فهدا المحدث محرج أشد الاحراج ، وهو مسؤول أعنف المسؤولية . وحسبكم ان تعد وتحسب عليه ، فتسجل فتحفظ حتى أنفاسه التى يلتقطها اثناء الكلام ، وحتى حفيف الورق الذى يتقلب بين يديه !
والتجربة التى مرت بهذا العبد الداعى لكم بخير ، اعواما كثيرة في التمرس بالمحاضرات الاذاعية ، تبين ان حديث الاذاعة ليس كغيره بتاتا ، لا من جهة الموضوع ولا من جهة الاسلوب الانشائى ولا من جهة الاسلوب الالقائى
فأنت هنا لست مدرسا تكد اذهان طلابك لاستيعاب تصور الفضايا العلمية المعقدة . . فلعل من مستمعيك من هو أو هي - اعلم منك بما تقول . . ولعل منهم من حضر وسط الحديث او فتح جهازه اخر الحديث . . ولعل منهم من يعرف أسلوبك وصوتك وشخصك . ومنهم من لم يسمعك ولم يسمع بك قط . بل لعل فيهم من يكرهك كما يكره الشيطان . وفيهم من يحبك كما يحب الملائكة وكما يحب نفسه وفيهم من يتربص بك المزالق والزلل ، وفيهم من يحسن بك الظن حتى يحسب خطأك حكمة خفية ...
ومنهم من يحكم فى الاشياء بحسب ما هو عليه من مزاج ، فاذا كان موجوعا أو ضيق الصدر كان كل شئ امامه تافها سخيفا ، واذا كان منبسط النفس رأى كل شئ جميلا رائعا . . .
ولست تتحكم في الزمن الذي أنت فيه ولا في الاله التي ازدوج فيها الحديد بالنار وأطبقت عليك لتدخل انت تحت حكمها القاطع المحرق !
فهذا وغيره كثير ، ينشئ فرقا كبيرا يجب اعتباره بين الحديث المباشر بالنظر والشخوص وبين الحديث الاذاعي الذي يكون اعتماده اصالة على حاسة السمع وحدها ، او النظر من بعيد . . .
وهذا الملحظ موجة الى حالة المتحدث ، والى فيرق ما بين وصوح شعوره بمخاطبه ، وما يكون هناك من إيحاء بحركة النظر ونحوها ، وبين انبهام ذلك الشعور . .
والمثل يقول : العيون مغارف الكلام ، فإذا نظرت الى محدثك اكتسبت وضوحا لمراده من فحص ما يصدر عن ملامحه وحركته من اشعة ، واكسبته طاقة على توجيه بيانه نحو النقط الخفية ، وفتحت امامه صنوفا من التعبير وسبلا من البلاغ والتبين ما كانت لتطبعه لولا تلاقي النظر وانتصاب الشخوص وارتباط السالب منها بالموجب . . .
اما بعد ، ففقد انفرجت الازمة ، وانحلت العقدة ، وانقشعت غيوم الحيرة .
فقد وجهنا اذن مفتتح القول الى موضوعنا . . فليكن عنوان هذه المحاضرة حديثا عن " الحديث "
ولهذه الكلمة فى لغتنا بركة وتقديس وتشريف ، فقد اصطلح رجال التشريع الاسلامي فى القرن الاول على تسمية ما وقع تدوينه من كلمات الرسول العربى عليه السلام بالحديث . . . ( الحديث الشريف )
فكان علما قائما بذاته ، الفت فيه كتب لا يحصى عددها ، واختص في فروعه رجال كبار من العلماء قضوا اعمارهم فى التحصيل والتدوين والبحث والارتحال .
وروى أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب " الجاحظ " فى كتاب( الحيوان ) كلمة تنسب الى الامام الاوزاعي ، وهو ند لاقطاب المذاهب الفقهية الاربعة :
مالك وابى حنيفة والشافعى وابن حنبل . . .كان الاوزاعى يقول كلمة نسيت نصها ، ولكن محصل معناها ان لحسن الاستماع اثرا كبيرا فى اصلاح شان المتكلم وإلهام الى افضل وسائل التعبير ، وروت كتب الادب عن عبد الله بن مسعود ، وهو من أجل اصحاب رسول الله ، أنه كان يقول : حدث الناس ما حد جوك باسماعهم ولحظوك بابصارهم : فإذا رايت منهم فتورا فأمسك . .
وقال الشاعر أبو الفتح البستى :
إذا احسست في لفظى فتورا وحفظي والبلاغة والبيان
فلا ترتب بفهمي ، إن رقصى على مقدار توقيع الزمان
فانتم ترون أن المتحدث مع مستمعيه فى نظر هذا الشاعر راقص يوقع له المستمعون . .
" يشدو له الميزان . . " وهذا عجيب !
اما ان حاسة السمع تقوم لصاحبها بأعظم شؤون الحياة ، فأمر لا شك فيه ، فكم تعرفون من مكفوف جعل من مسمعه بصرا ونورا ، وقد يرى السامع باذنه ، ويحس بها ، ويلمس ويتذوق ، ويشم . .
وقلت انا فى بعض أشعاري :
. . تلك أزهار من الالحان تستهوي وتسحر . .
لغة للفن . عجت بمعان ليس تحصر .
فى انسجام تلمس الاذن به الشوق وتبصر ،
وتؤدى أرجا للشم مسكيا معطر . .
وللشريف الرضى فى قيام الاذن مقام العين قوله :
عارضا بى ركب الحجاز ، أسائلة عن الساكنين في ارض سلع
عزني أن ارى الديار بعيني فليعلى أرى الديار بسمعي
وقال بشار بن برد الشاعر الاعمى :
يا قوم أذنى لبعض الحى عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا : بمن لا ترى تهذي ، فقلت لهم الاذن كالعين توفي القلب ما كانا
وقال بشار ايضا :
قالت عقيل بن كعب ، اذ تعلقها قلبي فأضحى به من حبها أثر :
أنى ولم ترها تهذى ؟ فقلت لهم :
إن الفؤاد يرى ما لا يرى البصر
وطبائع الناس شتى . فمن حيث الانصات والتطلع الى السماع وعدمه
يوجد من تختلف مقاييسه عن مقاييسك في النظر الى الاشياء ، فقد يهتم بأمر تراه انت تافها ويكون عكس ذلك ، فعلى من يتحدث ان يصطاد انفعال سامعه من مقتضيات حاله ، وكم هى عميقة وصادقة وشاملة تلك الكلمة التى يفتتح بها علماء البلاغة دروسهم :
( البلاغة مطابقة الكلام المقتضي الحال ) وكم كان موفقا وحكيما ذلك الشاعر الشعبى التونسى " الرويسي التوزرى "
الذي زعم ان مجال اعتزاز الشاعر ونخوته ، عند وجوده ، بين منصتين أحرباء بسماع القول البليغ ، من الذين يميزون القول ويحسينون التفريق بين الزائف الغث وبين المحكم الاصيل ، ولا احرمكم من نص كلمة هذا الشاعر وهى بلغتنا الدارجة :
عز الغنا صنات ( 1 ) يتصنتوا من كل حد أقوال
يفرقوا الابيات م الشيركو ( ٢ ) لسبيكة المثقال
يقولوا للشاعر : هات ويسكتوا اللى فى كلاموعال ( 3 )
ومن الناس الصامت القليل الحديث ، ومنهم المتحدث الحسن البيان ، ومنهم الثرثار الكثير الهذر والفضول ، وهناك المتحدث ، وهناك المحدث ، وهناك المحادث ، واختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى كما عرفنا النحاة فلا أتطوح بكم فى مجاهل لغوية مضجرة ، ولكنا نعرف كلنا انه يوجد من يتحدث لئلايسكت ، ومن يتحدث ليعيد كلمة جديدة عنده يحسبها جديدة ايضا عند الناس الى آخر تلك الاصناف .
وقد رأى أبو حنيفة النعمان فى حلقته بالمسجد - رجلا طويل الصمت كثير
السمت ، فسأله :
- لم لا تتحدث ، ولا تسأل ؟
قال : بلى - اصلحك الله . متى يفطر الصائم ؟
قال : عند مغيب الشمس . . .
قال : فإذا لم تغب . .
قال الامام : تالله ! لقد أصبت فى صمتك فسترت عن نفسك . .
ولو عرف الامام ابو حنيفة انه يوجد فى قطبى الارض جهات لا تغرب عنها الشمس ، لاجرى عليها قواعد فقهه ، ولعلم ان لسؤال هذا الرجل ، على فهاهته
وسقمة ، معنى واقعا وان لم يقصد ، ولا جرى بخاطره .
وبعض الناس يرى في كثرة الحديث سببا للفضيحه والركاكة ، ويقول الشاعر زهير بن ابى سلمي فى معلقته :
وكاين ترى من صامت لك معجب ، زيادته او او نقصه فى التكلم . .
لان الكلام مظهر للسريرة ، فما دام الشخص صامتا فهو خفى لم يعرف ، أما اذا تكلم فقد كشف عن حاله .
وسألت بعض اصحابي عن طول صمته فى المجالس ، فلا يفتح فاه الا جوابا عن سؤال او لضرورة ملحة ، فكان يقول لي :
إن في الامر تجارة . فعند سكوتي وانتصابي للسماع ، اربح معرفة سرائر الناس المتحدثين وطبائعهم ودخائلهم وجميع ما عندهم ، دون ان اعطيهم انا من شؤوني واحوالى شيئا مقابل ما اخذت فأكون اعرف بمواضع ضعفهم منهم بمواضع ضعفي . .
وهذا مكر شديد فما ترون وهو يشير الى حكمة تروى عن اهل الصين : ان الله اعطاك اذنين ولسانا واحدا لكى تسمع ضعف ما تتكلم . . .
ومن حكمة العرب انه على الآنسآن أن يسمع خير ما يقال وان يكتب خير ما يسمع ، وان يحفظ خير ما يكتب ، وان يقول خير ما يحفظ ، فما يجب ان يتحدث به خيار من خيار من خيار من خيار
ويقال مع هذا : اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ، وقال الشاعر :
ما ان ندمت على سكوتى مرة ولقد ندمت على الكلام مرارا . .
وفى الاثر النبوى : ان الله يلعن الثرثارين المتفيهقين . . .
ولا تشمل هذه اللعنة بالطبع من يتحدث حديثا مفيدا نافعا ، ولكنها تنزل
على من يكثر من الهذر بلاطائل . . .
وكلمة ( المتفيهقين ) مشتقة من ( الفهق ) وهو فوق الامتلاء ، يقول الاعشى
وهو يصف قصعة ملآى بالطعام :
نفي الذم عن آل المحلق جفنة كجابية السيح العراقي تفهق
بمعنى تفيض ، ويسيل ما فيها على جوانبها ، وقل الفرزدق فى الهيجاء :
تفهق بالعراق أبو المثنى وعلم اهله اكل الخبيص
ولنا فى عامية تونس كلمة لعلها تتصل بهذا الحرف ، وهي اننا نصف من يتشدق فى حديثه فنقول : " هو يتكلم بالفقهى " وقد جرى فيها ) القلب ( فسبق القاف الهاء وذلك يقع
ومن عجيب ما رايت بخصوص الاكثار من التحدث والتماس علة ذلك وحكمته ومصلحته ، ما يوجد فى كتاب " زهر الاداب " لابى اسحق الحصرى القيرواني ، وأنقله كما ورد فى الجزء الاول :
( . . وقال احمد بن الطيب السرخسي تلميذ يعقوب بن اسحق الكندى : كنت يوما عند العباس بن خالد ، وكان ممن حب الله اليه ان يتحدث ، فأخذ يحدثني ويتنقل من حديث الى حديث ، وكنا فى صحن له ، فلما بلغتنا الشمس :
انتقلنا الى موضع آخر ( عملا نقول الشاعر :
وان صريح الحزم والعزم لامرئ اذا ادركته الشمس ان يتحولا . )
حتى صار الظل فيئا ، فلما اكثر واضجر ، ومللت حسن الادب فى حسن الاستماع ، وذكرت قول الاوزاعي : ان حسن الاستماع قوة للمحدث ، قلت له : - اذا كنت ، وانا اسمع ، قد عبيت مما لا كلفة على فيه ، فكيف اراك وانت المتكلم ؟
فقال : إن الكلام يحلل الفضول اللزجة الغليظة التى تعرض فى اللهوات واصل اللسان ومنابت الاسنان . .
فوثبت قائما وقلت :
- لا ارانى معك اليوم إلا " إيارج الفيقرا " فانت تتغرغر بي ! ! "
وهذه كلمة فارسية معناها ( مسهل ومنظف )
فاعجبوا لهذا المتحدث التى اتخذ من حركة لسانه وشفتيه رياضة تعينه
على تنظيف اللهوات واصل اللسان ومنابت الاسنان ، وازيد على ذلك انها توفر لمن اكل اكلة دسممة مادة من اللعاب الذى يعين عند ابتلاعه على الهضم . .
ولا احسب العباس بن خالد إلا مصيبا فى قوله .
وازدخرت كتب الشعر بالمقطوعات التى تصف حلاوة الحديث خصوصا اذا كان صادرا عن الجنس اللطيف . فقال على بن العباس الرومى يستلذ الحديث وإن طال :
وحديثها السحر الحلال لوانه لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل ، وإن هى اوجزت ود المحدث انها لم توجز
ويقول القطامى :
وفى الخدور غمامات برقن لنا حتى تصيدننا من كل مصطاد
يقتلننا بحديث ليس يعلمه من يتقين ولا مكنونه باد
فهن ينبذن من قول يصبن به مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
والشاعر ابو حية النميرى يرى ان حديث حبيبته اطيب من الشهد ، وانه كشفى من الموت :
حديث اذا لم تخش عينا كأنه اذا ساقطته الشهد او هو اطيب
لو انك تستسقى به بعد سكرة من الموت كانت سكرة الموت تذهب
اما ابو تمام فقد اضفى انس الحياة على كلام حبيبته عندما ودعها ، فابدع فى تصور الفاظها وهى تستحيل الى دموع ، واسمعوا قوله يذكر حرقة الشوق
عند الوداع :
بسطت اليك بنانة اسروعا ( ١ ) عند الوداع ، ومقلة ينبوعا
كادت لعرفان النوى . الفاظها من رقة الشكوى ، تكون دموعا
ويقول بشار بن برد الاعمى ، وفى شعره يتوهم السامع ان المتكلم مبصر بألف عين
وكأن رجع حديثها قطع الرياض كسسين زهرا
حوراء ان نظرت اليك سقتك باللحظات خمرا
وكان تحت لسانها هارت ينفث فيه سحرا
وتخال ما جمعت عليه ثيابها ذهبا وعطرا
ومن مشهور الشعر في وصف لهفة السامع لحو الحديث ، ولتأثير لقاء المحبوب الذي تتبخر وتتحلل فيه الاحقاد والضغائن :
وكنت اذا ما زرت سعدى بأرضها
ارى الارض تطوى لى ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها
اذا ما انقضت احدوثة لو تعيدها
تحلل احقادي اذا ما لقيتها وترمى بلا جرم على حقودها
ومن اقدم من وصف حسن حديث الحبيبة وسحره وسلطانه على المستمع ،
زياد بن معاوية ، النابغة الذبياني في قصيدته التى انشأها لوصف ( المتجردة )
حظية النعمان بن المنذر ، فكانت هذه القصدة سبب الوحشة بين الرجلين . .
فيقول فيها :
ولو انها عرضت لا شمط راهب
عرف الالة صرورة ( ١ ) متعبد
لرنا للهجتها وطيب حديثها
ولخاله رشدا وان لم يرشد نظرت اليك بحاجة لم تقضها نظر السقيم الى وجوه العود
فما احسن مازاوج بين الحديث والنظر ! وما ابدع ما وصف نظرة الاستعطاف والرجاء ، فشبهها بنظر المريض الى وجوه عواده
وهكذا ايها المستمعون الكرام والمستمعات الكريمات - يردنا شعر النابغة الى صدر كلامنا عن حاجة المتحدث الى تيار من عيون السامعين يحمل له الايحاء والالهام ويبصره بمواقع الكلام .

