الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

الحركة الأولمبية والتربية

Share

لئن اشتهرت الحركة الاولمبية ( * )  قبل كل شىء بتظاهراتها الرياضية اى بالالعاب الاولمبية ، فذلك لان مجدد هذه الالعاب ، بياردى كوبرتان Pierre  de Coubertin    كان يعتبرها ((  عيدا عالميا للشباب )) . والواقع ان الحركة  الاولمبية لا تقف عند هذه المباراة الدورية الكبرى فقط بل انها فلسفة هدفها تنمية الانسان بصورة متناسقة وغايتها السعى الى اكتماله .

ان الالعاب الاولمبية نفسها لم تكن فى نظر دى كوبرتان غاية فى ذاتها بل هى وسيلة لنشر المثل الاعلى الرياضى واشاعة القيم الاولبية التى تنبنى على رؤية جديدة فى تربية الشباب .

ولذلك فانه من الخطأ اعتبار الالعاب الاولمبية مجرد مباراة كبيرة ضمن مباريات كثيرة اخرى . وقد حرص بياردى كوبرتان فى خطاب الافتتاح الذى ألقاه سنة 1925 فى المؤتمر الاولمبى ببراغ ، على تدقيق هذا المعنى قائلا ان (( عملية التطهير هذه ستكون الحركة الاولمبية المحددة محركا لها ومنشطها بشرط الكف عن اعتبار الالعاب الاولمبية مماثلة لبطولات العالم )) .

واذا كانت الرياضة باعتبارها نشاطا بدنيا ، سواء كان لعبا يوفر الاستراحة والتسلية ام مباراة تهدف الى تنمية الذات او الانتصار على الاخر ، ظاهرة بشرية طبيعية ، مرتبطة ، (( بالانسان اللاعب )) Homo Ludens  أى انها قديمة قدم الانسان نفسه ، فان تبين القيم الاجتماعية والثقافية والتربوية

الملازمة لها لم يتم ادراكه بصورة واعية عبر القرون ، فضلا عن كونه لم يتطور ولم يتضح .

لقد أدرك اليونانيون منذ حوالى 25 قرنا الفائدة التى يمكن ان يجنيها المربون من النشاطات الرياضية المكونة للشباب . لقد كان هدف التربية فى أثينا وسبارتا بالخصوص ، تكوين الانسان (( الجميل الفاضل )) Kalos - Kagathos الانموذج البشرى المتكامل البنية المتناسب القسمات ، الرشيق القوام ، فلقد كل جماع الحكمة اليونانية التوازن والاعتدال قبل كل شىء ، اذ لم يكن بالامكان تصور نفس كبيرة ولا همة عالية بدون جسم جميل على أحسن تقويم. ولقد خصص هوميروس Homere  أكثر من اربعمائة بيت لوصف سباق  العربات الذى نظمه (( أشيل )) Achille    ويذكر (( نستور ))  ابنه (( أنتيلوك )) بأهمية الذكاء والفطنة فى المباراة الرياضية كما هو الشأن فى الحياة .

ولئن تواصلت الالعاب الاولمبية القديمة طوال 1170 سنة تقريبا ( من 776 ق . م. الى 393 م.  ) فانه من قبيل السذاجة الاعتقاد بانها احتفظت دائما بنقائها الاخلاقى والجمالى فضلا عن كونها كانت فى كل العصور عامل تكوين وتهذيب . وبانحطاط أثينا وروما شابت الصدق شائبة الحيلة ، واعترى الروح الرياضية الغش والزور . فساد الاحتفال بالفائزين افراط فى الحماس والحمية وتردى القوم فى لهب العواطف ونزلوا إلى دركات الشطط ومن ذلك (( ان بعض هؤلاء حطموا جزءا من جدار فى سور مدينتهم حتى يمكن لاحد أبطالهم المظفر دخولها من ممر لم تطأه قدم من قبل )) وآلت ارادة الانتصار بأى ثمن كان ، الى توخى الوسائل المنافية للتربية شيئا فشيئا وجعلت من الرياضيين مجرد أدوات بعد ان كانوا غاية كل نشاط رياضى . ولقد أوضح (( قالبان )) Galien   ما عبر عنه ابوقراط Hippocrate   باحتشام عندما حذر من  الافراط في الاكلات الدسمة والادمان على التمارين المكثفة المخلة بتوازن الابدان وقد اصبحت المباريات فى روما خاصة ، مشاهد للفرجة يعلو فيها الصراخ ويكثر الرهان وتسود القسوة البالغة الألعاب وتتفشى الهمجية فاذا الرياضيون ينحدرون من حيث لا يشعرون الى مرتبة المصارعين .

واذا استثنينا بعض الاخلاقيين والكتاب الذين ناضلوا عبر العصور ، فرادى ، من اجل نشاط رياضى نظيف ، يجدد طاقات الشباب ويقوى ملكاتهم البدنية والروحية ، ولم ننس ما كانت توليه الحضارة العربيه الاسلامية فى عهود ازدهارها من عناية بالرياضة وتعهد للجسم ، وحرص على لياقته وقوته ،

فقد وجب انتظار القرن التاسع عشر لملاحظة ما قام به رواد الرياضة من عمل ناجع ومستمر يعتبر الرياضة وسيلة لتربية النشء .

ومن بين هؤلاء الرواد (( فريدريش لودفيغ ياهن )) ( 1778-1852 ) Friedrich Ludwig Jahn  وهو احد مؤسسى الامة الالمانية ، وثومان ارنولد ( 1795-1842 )  Thomas Arnold الذى يعتبر اول باعث للرياضة فى انكلترا وخير من أدرك أهمية الرياضة فى تنمية الجسم والروح معا وقد طور بأفكاره التربية الانقلوسكسونية وأثر فيها من الداخل وهو من اهلها .

الا ان شرف اعطاء الرياضة فلسفة انسية شاملة ، واخلاقية تربوية جديدة ، وبعدا اجتماعيا ثقافيا شاسعا يعود بلا منازع إلى بياردى كوبرتان ( 1863 -  1937 ) .

ان اسم بياردى كوبرتان يذكر اليوم بمناسبة الالعاب الاولمبية أو فيما يتعلق بالجدل القائم حول الهواية فى الرياضة . ولكن الناس ينسون النداء التاريخى الذى صدع به فى 17 نوفمبر 1892 بجامعة السربون عندما القى محاضرته الشهيرة عن (( تنمية النشاط البدنى فى العصور القديمة وفى القرون الوسطى وفى العهد الحديث )) حيث دعا الى اعادة اقامة الالعاب الاولمبية العتيقة وكان ذلك نتيجة بحث طويل عميق حول التربية واتصالها بالحركة الاولمبية ، ونتيجة مسعى بيداغوجى حول تكوين شباب سليم الجسم والعقل بادماج التربية البدنية والرياضية فى مناهج التعليم )) .

وما ان بلغ دى كوبرتان العشرين ، ( سنة 1883 ) حتى انكب ، كما يقول هو نفسه ( 1 ) ، (( بشىء من الحذر ومن الافكار المسبقة . . . على دراسة التربية الانكليزية )) وقد نشر فى غرة نوفمبر من سنة 1886 مقاله الاول بمجلة (( الاصلاح الاجتماعى )) . ثم اصدر من سنة 1888 الى 1890 ثلاثة كتب : (( التربية فى انكلترا : معاهد وجامعات )) (321 ص ) و (( التربية الانكليزية بفرنسا )) ( 207 ص ) و (( جامعات ما وراء الاطلسى )) ( 331 ص ) .

ولم يكن بياردى كوبرتان يقوم بأبحاثه لمجرد البحث وولوعا به ، بل انه كان يرمى الى هدف مرسوم وهو القائل : (( يجب ان تأخذ الرياضة مكانها فى النظام التربوى الفرنسى ، وذلك اهم ما انتهى اليه تفكيرى ولو كان غريبا ( التربية بانكلترا - هاشيت - 1888-327 ص ) ))

ولم يلبث ان تجاوز اهتمامه حدود وطنه فوسعت نظرته العالم بأكمله واعتبر الرياضة فى مفهومها الصحيح وسيلة لتكوين الانسان الجديد الحر ، سليم الجسم والعقل المتضامن مع مجتمعه والمكتمل فى انسانيته .

ولقد أكد فى الصفحات الاخيرة من كتاب (( حملة 21 سنة )) ما يلى : (( انى باق على اقتناعى سنة 1908 كما كنت سنة 1887 بان البيداغوجيا الرياضية كما كان يدركها (( ثوماس ارنولد ))  هى احسن وأنشط ما يرتكز عليه المربون فى كافة الاقطار من اجل تكوين مراهقين اقوياء اخلاقيا وبدنيا )) كما انه كتب فى 26 اكتوبر 1918 بحريدة (( لاقازيت دى لوزان )) : " ان الحركة الاولمبية تنادى باقامة تربية رياضية شاملة فى متناول الجميع ، تزينها فحولة الجرأة والاقدام وروح الفروسية وتندمج فى التظاهرات الجمالية والادبية وتقوم مقام الدفع للحياة القومية ، وتكون بمثابة القطب فى الحياة المدنية . ان هذا الا البرنامج المثالى )) . وفى سنة 1919 ظهرت بلوزان الطبعة الاولى لكتابه (( بيداغوجيا رياضية )) ( 3 اجزاء ) . واخيرا وعندما قرر ان ينسحب من رئاسة اللجنة الاولمية الدولية ، صرح فى الخطاب الذى القاه فى 29 ماى 1925 بقصر بلدية براغ قائلا : أود بالخصوص ان أكرس ما تبقى لى من العمر للتعجيل قدر الامكان بانجاز مشروع اكيد هو ظهور بيداغوجيا خلاقة للوضوح الفكرى والنقد الهادىء . ( مؤتمر براغ الدولى الاولمبى البيداغوجى الاول - التقرير الرسمى - براغ 255/1925 ص ) .

وهكذا ترابطت التربية والحركة الاولمبية متين الترابط فى الكفاح الذى قام به بياردى كوبرتان طوال حياته لتمكين الانسان من تحقيق ذاته كليا .

وقد شهر بوصفه بيدغوجيا بارعا بعيوب النظام التربوى الفرنسى فى مطلع القرن تشهيرا لا يزال ينطبق فى اعتقادى على عدد كبير من اقطار القارات الخمس ، اذ ان هذا النظام لا يعدو ان يكون نظاما عقلانيا نظريا صرفا يمثله احسن تمثيل حامل الباكالوريا كما وصفه دى كوبرتان فى ذلك العهد وهو (( الشاب الطرير الشارب المتطلع بحكم ميوله الى مهنة ما ، القادر على ان يترجم مباشرة من كتاب مفتوح ، وبدون اخطاء لغوية كثيرة ، نصف صفحة من شيشرون أو ان يرسم بصورة مرضية مربع الوتر المثلث ، والقادر كذلك على ان يعدد - حسب الطلب - خليلات لويس الرابع عشر أو مركبات الكبريت )) . ( بيار دى كوبرتان - ملاحظات حول التربية العمومية - 1901 ) .

ويلاحظ بياردى كوبرتان ان التربية البدنية كانت مهملة تماما او تكاد . وهكذا نراه فى مؤلفاته البيداغوجية يلح ، لا فقط على هذه التربية بوصفها عنصرا أساسيا للتكوين الكلى ، بل انه يبرز ضرورة اعطاء المباريات الرياضية مكانة ممتازة .

ان الرياضة فى جوهرها وسيلة تربوية ضرورية للتكوين الفكرى والاخلاقى والروحى والاجتماعى للانسان . فالرياضة فى نظر دى كوبرتان (( تهىء الجسم وتزكى السجية لخوض معارك الحياة (( ( ب . دى كوبرتان ، بيداغوجيا رياضية ) فلا ريب اذن ان تطبق المبادىء الاولمبية فى كل نظام تربوى مركز على القيم الاخلاقية والروحية والفكرية والجمالية .

ان الرياضة تهدف الى تحرير كل طاقات الجسم البشرى والى تنسيقها وتدريبها على الانضباط بغية تحسين صحة الفتى وجعله أشد قوة واوفر مهارة وأكثر شجاعة وهى بالتالى ترمى الى تنمية سيطرته على العالم المادى واعطائه مزيد القدرة على التأثير فيه .

ولا يتعلق الامر فقط بالترابط الموجود بين تنمية الذكاء وتكوين الضمير ونمو البدن ، بل ان تنمية الجسم ينبغى الا تطلب الا من اجل غايات عليا ، نعنى قبل كل شىء تحرير الفكر من الشواغل والهموم المتولدة عن تداعى الصحة واعتلال الجسم حتى يتمكن الذهن من الاقبال فى اطمئنان على ما ينبغى له من عمل ، ثم تمكين الانسان من القدرة والشجاعة والفتوة الضرورية لكل عمل أخلاقى .

ومن جهة أخرى فان على التربية الفكرية الا تطغى على التربية البدنية فقط ، بل بالعكس عليها ان تساعد على تركيزها . ان الكلل الذهنى الناتج عن الانتباه المتواصل والتوتر العصبى تنجر عنهما فى الواقع الاخطار التى تتهدد الاشخاص غير النشيطين الذين لا يوفرون لابدانهم اسباب الحركة . ذلك أنه ليس بامكان الذين يستنفدون قواهم ويبلغون حدود الاجهاد ان يقاوموا التعب الا بالسهو والارتخاء وتشتت الخاطر .

ولقد تبدو التربية الاخلاقية مضرة للتربية البدنية مرة ونافعة مرة اخرى وفق ما نلقنه للاطفال من احتقار او احترام للبدن . ان لاجسامنا علينا حقا فى نظافتها وحفظها صحيا ، كما ان لها علينا حق التقوية بالرياضة وبذلك يعتدل المزاج وينشرح الصدر وتكون السعادة .

ان للجسم حقوقا وواجبات ، وليس له ان يمارس تلك الحقوق ولا ان يضطلع بهذه الواجبات من دون ان يهيأ وان يمرن وان يراض وان يربى . وانما تتم هذه التربية فى اطار النظام التربوى العام ، وتكون غايتها اثراء الذات المعنوية مستفيدة هى نفسها من ومضات الذكاء ووثبة الحماس التى بها تكون لعمل الانسان قيمة ومعنى . يقول بياردى كوبرتان فيما كتبه عن الاحترام المتبادل : (( ان التنمية العضلية والتدريب البدنى عند المراهقين اليوم من شأنهما ان يحفظا اخلاقهم كأشد ما تكون المحافظة وان يبرزا شخصياتهم كأخصب ما يكون الابراز )) .

ان الحركة الاولمبية لا تخضع الى الموضة اذ هى حركة دائمة لا تتأثر بالظروف والاعراض ، يقترن فيها العمل بالفكر وبها يكون الفرد انسانا متفتحا متوازنا ، فهى تربية للجسم والعقل والروح معا .

ومعنى ذلك أنها تهدف الى تكوين شباب سليم البدن ، متفتح الذهن متفاعل مع الحياة . انها تعلم الشبان كيف يضطلعون بمسؤولياتهم ، ويفقهون الماضى ويندمجون فى عالم اليوم لتهيئة غد افضل . (( ان وقت الظهيرة لم يحن بعد أيها السادة وان ايام التاريخ طويلة ، فلنتحل بالصبر ولنبق واثقين من أنفسنا )) . ( بياردى كوبرتان ، جامعة لوزان 23 جوان 1934 ) .

واليوم وبعد مرور اكثر من 40 سنة على وفاة بياردى كوبرتان ، وبعد الحربين العالميتين اللتين عقبتا الاحتفال بالالعاب الاولمبية الاولى فى العصر الحديث واللتين زعزعتا أسس الحياة الاجتماعية وغيرنا منزلة الانسان المعاصر فى هذا الربع الاخير من القرن العشرين الذى انتصر فيه العلم والتقنية والتكنولوجيا وتعمقت فيه اكثر من اى وقت مضى التحولات السياسية والثقافية والجمالية والحضارية ، بعد كل هذا من حقنا ن نتساءل عما اذا كانت الثقافة الفكرية التصورية اللا رياضية بل حتى المناهضة للرياضة والتى كان يتذمر منها بياردى كوبرتان قد عرفت تغييرا حقيقيا .

ان قلة الاعتبار التى تقابل بها النشاطات البدنية شأن النشاطات اليدوية قد خفت وتضاءلت بالتأكيد . ان احدا لم يعد اليوم ينازع نظريا فى دور الرياضة التربوى بالمدرسة . ولكن - كما يلاحظ ذلك ( رونى ماهو ) Rene  Maheu هيهات ان تكون كل الامكانات التى تقدمها الرياضة فى هذا المجال  قد استغلت بما فيه الكفاية أو عرفت ابعادها حق المعرفة ( بيان حول الرياضة ص 4  C.l.E.P.S.     ثم ان المدير العام السابق لمنظمة اليونسكو الذى توفرت

له بالتاكيد فرصة دراسة مجموعة كبيرة من الأنظمة التربوية يضيف فيطرح هذا السؤال الذى يجمع بين الصراحة والوجاهة : (( كم عدد الاقطار التى تقوم فيها المعرفة العلمية والادراك العاطفى لقيمة الحياة البدنية فى تنمية الطفل والمراهق ، بدور الملهم للتربية فى مجموعها فتهديها وتطبعها بطابعها . انها أقلية )) . ( رياضة - شغل - ثقافة - الندوة الدولية المنعقدة من 10 الى 15 اوت 1559 - التقرير الرسمى ، هلسنكى 1960-255 ص )

ان التربية هى فعلا ضحية داء يعتبره بعضهم بمثابة الخطيئة الاصلية . الا وهو كما صرح به (( ادقارفور )) Edgar Faure القطيعة بين المقومات الفكرية والبدنية والجمالية والاخلاقية والاجتماعية وهى (( ظاهرة )) تكشف عما تعانيه الذات البشرية من تدهور واستلاب وما يسلط عليها من تشويه ( تعلم ان تكون - اليونسكو - نشر فايار ص 80 )  .

لقد ظل الجسم طوال قرون عديدة محل شبهة ومدعاة للاحتقار واعتبر عدو الروح الالد ورجسا من عمل الشيطان ، وهذا (( بوسوى ))    Bossuet    يعبر فى نهاية الفصل الخامس من كتاب الشهوة عن اعجابه بالقديس برنار اذ كان يخشى على اتباعه من رجال الدين صحتهم الجيدة ، ومع هذا كما لاحظ ذلك الدكتور (( دلاى )) Delay فان الجانب النفسى والجانب العضوى يبدوان لنا وكأنهما تحرك لطاقة واحدة . ورغم تطور الافكار فى هذا الميدان منذ ما يناهز القرن ، ورغم التقدم العظيم الذى أنجز فى هذا الميدان ، فان الرياضة فى أغلب الاقطار لا تدرك وظيفتها التربوية الادراك الواضح ولا تحتل المكانة التى يجب ان تعود اليها فى المناهج المدرسية والجامعية .

ان الاوقات المخصصة للرياضة غير كافية وتبقى حبرا على ورق فى الكثير من الاحيان لعدم توفر أساتذة الرياضة او التجهيزات الملائمة او العنصرين معا .

ولو كان المسؤولون عن الأنظمة التربوية ورجال السياسة عموما مقتنعين حقا بأهمية نشاطات الاطفال البدنية وتأثيرها النافع لا بالنظر الى شعورهم بالنعمة البدنية فقط بل ايضا بالنظر الى قدراتهم الفكرية وتوازنهم النفسانى ، لخصصوا الاعتمادات الضرورية لتحقيق حد أدنى من التجهيزات الرياضية بكل المدارس والمعاهد ومؤسسات التعليم العالى ولا عدوا سياسة تكوين لاساتذة الرياضة والمدربين ولاسندوا الى الرياضة الضارب والتوقيت الكفيلين باقناع جمهور التلامذة والطلبة بانهم يتلقون مادة هامة ضرورية لنجاحهم المدرسى ،

أى لنجاحهم فى الحياة . هذا هو وجه من الوجوه الاساسية لسياسة رياضية تربوية حقيقية وهذا ميدان من جملة الميادين التى يجب ان تقوم فيه اليونسكو بدور اكثر جدوى .

ولو كان كل الاولياء من جهتهم مؤيدين للرياضة مقتنعين بأن النمو البدنى وتنمية ملكات اطفالهم النفسية والذهنية مرتبطان الى حد بعيد بالرياضة ، لما قبلوا ما تعانيه الرياضة فى المدارس من اهمال مثلما لا يقبلون انعدام مخابر الفيزياء والكيمياء او تغيب استاذ الرياضيات ولو لفترة محدودة .

واذا لم تكن الرياضة فى المدرسة فى نظر اغلب الاولياء والمسؤولين ورجال السياسة مجرد ترف ، فهى على الاقل نشاط ثانوى ولعب اطفال وتزجية للايام تلهى عند الاقتضاء ولكن بالامكان التخلى عنها دون ان يحصل أى ضرر .

وهكذا فانه رغم ما قام به بياردى كوبرتان من عمل فى هذا المجال ورغم التأثير الذى لقيته أفكاره فى المجتمع المعاصر    ،      ورغم العمل الدائب الجدير بالاعجاب الذى قام به بعض الرواد المشتتين فى مختلف الامصار والاصقاع ، وهم المربون بحق والمنشطون الذين لا يتطرق اليهم الكلل ، وهداة الشباب المخلصون المتحمسون الرازحون تحت عبء مهمة شاقة تثقلها الاحكام المسبقة والكسل الذهنى وتحجر البيروقراطيين (( والخبراقراطيين ))   Les expertocrates وشذوذ الايديولوجيات وعقم الدغماتيات القديمة والحديثة المشوهة والمستلبة للانسان . . ورغم كل هذا اذن يمكن التأكيد بان العمل الذى ينتظرنا ما زال فى البداية ، وهكذا فان القيم الاولمبية ضرورية للتجديد التربوى الذى يحتاج اليه العالم اليوم اكثر من الامس ورسالة دى كوبرتان ملتصقة بواقعنا اكثر من اى وقت مضى .

وفعلا فانه بالرغم من الرفاه المادى والتسامحية الاخلاقية والاجتماعية التى توهم بالحرية ، فان الشباب فى جزء كبير من المعمورة حزين مكتئب ينوء تحت عبودية اللحظة وحكم الغريزة ويتحمل صدمات وانحصارات متتابعة كالذبابة التائهة على بلور نافذة ، وتتلاقفه فى كل الاتجاهات رياح الموضة فاصبح ضحية مجتمع المتعة والتجارة والتقنوقراطية وتعلق ب (( هات )) على حساب (( الذات )) .

بيد أن هذه الازمة تكشف النقاب عن الوضع الراهن وتبعث على الاطمئنان فى الآن نفسه فاذا لم يتردد الشباب الغارق فى النعمة والمدلل من قبل الكهول ، فى الاتباعية العقيم ولم يسلك سلوك القطيع واذا لم يتهالك فى هوة أحلامه ،

وتمرد واتخذ حسب طريقته وسائل للتعبير برزت فى صور من السلوك من شانها ان (( تصدم )) الكبار ، فذلك كله بفضل القبس الالاهى المشتعل بين جوانبه والمنير لسبيله وبفضل البعد الروحانى الذى هو جوهر الانسان لم يزل حيا فى ذاته ، بفضل كل ما يخفق به فؤاده من نبضات الحياة ، ومن هنا جاء بحثه الممض عن محط روحى لرحاله وعن مرجع ايديولوجى ، وهو بحث عن رسالة سامية فيها شفاء لنفسه المعذية وفيها مدعاة للاقبال على الحياة واستشفاف الامل وفيها فسحة لاكتمال ذاته والاضطلاع بانسانيته .

اعتقد ان تصالح هذا الشباب مع نفسه وهذا الفضل من الروحانية الذى ينشده الناس لا يمكن ان يتحققا بمجرد تعميم رغد العيش وتحوير الهياكل والتمسك الطاغى بالتقنية ، والتعلق ببعض الايدولوجيات التى ليست فى الحقيقية سوى خليط من الشعارات الجوفاء . ان التربية وحدها هى التى تستطيع أن تغير الانسان ، أو على الاصح أن تمكنه من سلاح وأن توفر له الادوات اللازمة ليغير ما بنفسه وما بمحيطه . ان الانسان تاريخ يصنع ذاته ومصيره ، وهو ينوء بحمل حياته ، ولكنه بوسعه ان يزيح الجبرية عن الواقع الذى فيه يتحرك، وان يتخلص من النسيج العنكبوتى السوسيولوجى الذى يطبع روح العصر . . .

هذه التربية ينبغى ان تكون متواصلة وشاملة حتى تسمح ببروز كل طاقات الشباب البدنية والنفسية والذهنية . كما يتعين ان تندرج فى رؤية انسانية شاملة ، وان تكون ارادية المنزع هادفة الى تحسيس الشبان بقيم التجاوز والسيطرة على الذات وتتعهد فيهم عبقرية المبادرة وكذلك موهبة الحفاظ ، موفرة لهم فرحة العمل والحياة ونخوة المسؤولية ومضاء العزم ولذة الكفاح ، اى التجاوب الكامل مع (( غيوم تال )) عندما قال (( انه ليس من الضرورى ان تؤمل كى نبادر ولا ان ننجح كي نثابر )) وينبغى ان تكون التربية اكسيرا يزيل كآبتهم وجوابا منعشا عن سؤالهم عن (( جدوى الاشياء )) ويجب ان تعمل على ابقائهم شبابا دائما ، فى القلب والفكر .

انه لتأخذنى القشعريرة عندما أقرأ فى (( الكراسات البيداغوجية )) ( رقم 147 اكتوبر 1976 . فرنسا ) : (( ان ادخال الرياضة فى التعليم من شانه ان يجعل المدرسة رأسمالية اكثر فاكثر ووسيلة توالد للنظام . . . الرياضة هى المباراة ، وتقنين للعدوان والعنف ضد الاخرين وضد الذات نفسها )) .

وامام هذه النزعة اللا انسانية التى يتبناها عدد من أشباه المفكرين أتذكر قولة جيرودو الشهيرة : (( ان اعداء الرياضة أمرهم عجب ، انهم يلزموننا ان نتحدث عن الرياضة ، وحينئذ فلأحدثكم كذلك عن الهواء والماء والثلج . . . )) .

أليست الملكة . التى يكتسبها الانسان بفضل التمرين البدنى والمباراة الرياضية المشبعة بالقيم الاولمبية والتى تجعله يسيطر على بدنه ويحسن استعماله من اجل النشاط الحر الخلاق هى من مظاهر تحرير الانسان وتقدمه بواسطة الرياضة التربوية ؟ أولم يؤكد ج . ج . روسو انه (( على قدر ضعف الجسم يكون تحكمه فيه وتأتى طاعته على قدر قوته )) ؟ ( * ) ان المرء اذا تحكم فى بدنه تحكم فى الطبيعة وآنسجم مع علاقاته الاجتماعية ونزع عنه منزلة المحكوم السلبى والمتفرج العاجز . ان جسما هزيلا موهنا يكون فى الغالب مصدرا للعقد والاختلالات الاجتماعية الثقافية ، اذ يشكل عائقا فى مجال الفعل ورد الفعل بين الانسان وبيئته .

ان الانسان اذ يعيش فى وضع بيولوجى ما وفى اطار اجتماعى معين ، ينبغى له ان يتأقلم مع هذا الوضع وهذا التكييف متحكما فيهما بتحكمه فى جسمه ، فاذا ما أخفق كان عبدا واذ ذاك يحاول الفرار من الواقع فيغرق فى الحيرة .

وهكذا تتمثل مهمة المسؤولين ، على مختلف مستويات المسؤولية ، من أولياء ومسيرين ورجال تعليم وسياسة ، فى مساعدة الشبان على شق طريقهم والتوفيق بين ظمئهم الى الحرية والازدهار وبين الاندماج الضرورى فى اللحمة الاجتماعية والقدرة على الحياة داخل المجموعة والتعايش مع الاخرين . تلك هى بالتدقيق مهمة التربية الاصلية ، أعنى التربية التى تتبنى الرياضة باعتبارها وسيلة أساسية لتكوين انسان قوى بالمعنيين البدنى والاخلاقي ، اذ بدون هذه القوة التى يجب ان يعتنى بها لدى الصغار منذ نعومة الاظفار اى منذ فترة تكوين (( النسيج )) ( كربلو Carballo ) أو (( التمثل الادراكى )) ( بياجى  Piaget ) فان الناشئة قد تطغى عليها نزواتها ، كما قد يختل عندها  التوازن الضرورى بين الشهوات والكوابح ويتلاشى الازدهار الافضل للانسان ذلك الازدهار الذى هو اقصى غايات التربية الحق .

واذا ما وقع تصور الرياضة كركن من اركان بيداغوجيا حقيقية فانه من المفيد ان نؤكد ، والوضع على ما هو عليه فى عصرنا هذا ، ان الامر لا يتعلق بالرياضة المشهدية او (( الرياضة المهرجان )) التى تتخذ من النجومية قاعدة لها وتتيح فيها تجارة الفرجة والتسويق الرياضى للجماهير الهائجة المائجة فرصة

الصراخ والصياح امام فئات من الدخلاء على الرياضة تبرقعوا بابتسامات آلية واستعرضوا عضلاتهم المنكشفة من خلال ألبستهم النيلونية المزرية . كما ان الامر لا يتعلق (( بالرياضة السياسة )) حيث يستعمل الشبان من قبل حكومات عاجزة بقدر ما هى غير مستقيمة للتدليل على تفوق ايديولدجيا أو نظام سياسى ما ، ولا يتعلق الامر كذلك (( بالرياضة التجارة )) التى يتحول فيها الرياضى وقد ابترد وجف قلبه ، الى لوحة اشهار والى دابة سباق ، ولا يتعلق الامر فى الاخر (( برياضة النتائج )) التى تجعل الانسان مجرد كتلة عضلية فى خدمة المردود ، حيث يستفحل مرض البطولة والكلف بالميدالية ، وحيث يبالغ فى تدريب الرياضيين الشبان وفى (( تنشيطهم )) للالقاء بهم فى حفرة الاسود .

ان الانسان ليزور عن هؤلاء ازوراره عن السم ولكنه لا يقدر على ذلك لان مشهد بعض هذه الاجسام المحدبة وبعض هذه الوجوه الممطرقة ، وبعض هذه المشيات المذهولة والمختلفة تذكره بواجبه نحو هذه الشبيبة التى تحركها بعض الاصابع الاثيمة وتستغل باسم ما لست أدرى من منطق (( النصر مهما كان الثمن )) . وهذا (( التنشيط ))  المخجل الذى يتلقاه بعض الشبان بصورة سلبية ويتحمل مسؤوليته رهط من الممرنين ، والاطباء مع الاسف ، ليبعث على التقزز ويتنافى مع ابسط مبادىء الاخلاق ومقاييس الجمال .

وان رؤية بعض المبلهين الذين تذكرنا وجوههم بانها جعلت لتصفع ، ورؤية بعض الرياضيات اى بعض الفتيات اللاتى (( ترجلن )) لكثرة ما تناولن من (( الاسمدة العضلية )) والانفيتامينات Amphetamines واسترويدات الابتناء Steroides anabolisants والمواد الكابحة Betas bloquats  وغير ذلك مما  لست ادرى . . .  كل هذا لا يشكل فقط - وخاصة فى البلدان المتقدمة التى لا تفوت أية فرصة لتلقين الامم الفتية دروسا فى الديمقراطية والوطنية واداب السلوك - اعتداء على حقوق الانسان وعلى ذاتيته البدنية والمعنوية ، بل انها تثير الاشمئزاز وقد تصرف المربين عن ممارسة النشاط البدنى وتجعل الرأى العام منغلقا ازاء قضية الرياضة التربوية .

أجل ، امام استغلال الشبان بواسطة ما هو مسخ للرياضة وكذلك بواسطة وسائل اخرى اشتد ضررها اذ وسعت من ذيوعها وزادت فى فعاليتها وسهلت استعمالها وسائل الاعلام وسطوة التكنولوجيا ، فاننا نحن المسيرين المتشبعين بالقيم الاولمبية ، نحن المربين الذين اخترنا ان نخدم الشباب ، نحن المسؤولين المخلصين الامناء ، لا نتردد فى الاصداع بان الرياضة وسيلة نهوض بشباب اليوم ورجال الغد .

و اذا كانت الالعاب الاولمبية تشكل خير اداة لنشر الرياضة وتبسيطها وديمقراطيتها ، فان المثل الاولمبى الاعلى ليس فقط ترياقا لكل انواع الشطط الراجعة الى صلف البدن والجشع الرأسمالى والى رذائل الفسقة ونقائص الشواذ التى تذل الانسان وتحط من منزلته ، بل انه يسمح بتجديد الانظمة التربوية وانعاشها فى كافة أقطار العالم .

ان الامر اذن لا يتعلق فقط بالزيادة فى ساعات التربية البدنية والرياضية ، ويتجهيز المعاهد المدرسية والجامعية بالمسابح والملاعب وقاعات الرياضة ، وبتكوين أساتذة الرياضة والممرنين ، بل يقتضى التثبت من الروح التى بها تلقن الرياضة وتمارس ، كما يجب ان يكون كل المدربين بالمدرسة وخلال التمارين والمباريات مربين قبل كل شىء هدفهم تهذيب سلوك تلامذتهم وطريقة لعبهم وفوزهم قبل اعتبار النتيجة .

ان ممارسة الرياضة يجب أن تكون مدرسة لتكوين الارادة وللتحكم فى النفس ، ويحب ان تمكن الشبان من معرفة حدود طاقة ابدانهم ، وفى الان نفسه تمكنهم من تعلم التحمل والمثابرة وحتى الصبر على الالم لتجاوز طاقة أبدانهم ورفع مستواهم بآستمرار ويجب ان تعدهم للحياة وخاصة الحياة التى تعقب المجد الرياضى الزائل . ذلك ان الحياة ليست تتابع انتصارات وافراح ، بل ان المهم هو الا تلعب بالراس حميا النصر فى حالة الفوز اذ الغرور لا يحسن الارشاد بل هو نذير خيبات مرة ، بل ان الرياضة الحق تعلم الحفاظ على المعنويات العالية فى حالة الاخفاق ، سواء فى الملعب أو الامتحان او الحياة الاجتماعية ، وان اعظم الهزائم تكمن فى الانكسار واليأس والهروب من الميدان ! وانما الاهم ان نحسن الكفاح ، ان نحسن المقاومة ! ان المحافظة على الروح الرياضية أمر لا جدال فيه . وما ادراك ما الروح الرياضية ! هى الامانة واحترام قواعد اللعب واعتبار المنافس طرفا مقابلا لا خصما أو عدوا . . .

ولكن الامر لا يقف عند هذا الحد اذ لو فرضنا ان قطاع التربية البدنية والرياضية كان اكثر تعزيزا وأوفر تجهيزا وأحسن توجيها ، فان ذلك لا يكفى، لان السحن الذى تحبس فيه الاحكام المسبقة الرياضة بالمدرسة ، سيبقى على حاله وستظل الرياضة فى المحل الادنى ، مادة اختيارية وترفا لا ينظر اليه بعين الجد .

ان ما يتعين القيام به هو تغيير العقليات فى مستوى المتفقدين والاساتذة الذين يدرسون كافة المواد الاخرى وخاصة العلوم الانسانية فى مراحل التعليم

الثلاث . وينبغى كذلك تحويل البرامج واثراؤها واشباعها بالقيم الاولمبية وبفلسفة كوبرتان .

وفى هذا المجال ، استحسنت كثيرا التقرير النهائى لاشغال الدورة الحادية عشرة لاطارات التعليم التى نظمتها الاكاديمية الاولمبية الدولية ( اوت 1977 ) ، اذ اكد ذلك التقرير ضرورة تعزيز الجانب التطبيقى للتربية البدنية والرياضية بادراج دروس نظرية تتعلق بالاخلاق الاولمبية القائمة على تكامل القيم البدنية الذهنية والروحية . وتنص التوصية رقم 7 فعلا على ما يلى :

" بما ان نشر المبادىء الاولمبية لا يمكن ان ينحصر فى حدود دروس التربية البدنية فانه ينبغى ادماج هذه المبادىء فى كل المواد القابلة لذلك ، مثل دروس التربية المدنية والفلسفة والتاريخ واللغة ، وذلك بادراج نصوص نبرز القيم الانسانية الجوهرية التى تشكل اساسا لكل نشاط رياضى )) .

يتعين اذن على التربية الحق . اجتنابا للكبت والاستلاب ، ان تمجد الجسم وان تساعد على اكتماله وكذلك على تهذيب الذوق وشحذ الذكاء وتنمية الضمير . ولقد عبر(( ألان )) عن هذا بقوله : (( ان أستاذ الفلسفة يحيل الى استاذ الرياضة الذى يحيل بدوره الى استاذ الموسيقى )) . وهذا ما كان يريده بياردى كوبرتان . تلك هى الحركة الاولمية الاولى وبذلك يربط مجدد الالعاب الاولمبية الصلة بالحكمة اليونانية القائمة على التوازن والانسجام والجمال والفضيلة . وهكذا يحق لنا ان نقول اننا نحيا عصرنا بقدر ما نستلهم حكمة اليونان القديمة .

وزيادة فى الايضاح اقول ان الحركة الاولمبية ليست ترياقا لكل الامراض وليست الدواء السحرى الشافى من كل الامراض التى يعانيها الشباب . ان منزلة الانسان هى هى وليس الانسان ملاكا ولا وحشا . انه قادر على الخير قدرته على الشر . والتربية الحق تطمح الى الرفع من مستوى الانسان والى تحريره واعانته على الاضطلاع بمصيره . والا فانه سيحمل مصيره كالعلم المنكس .

ومهما كانت العقائد والايديولوجيات والانظمة السياسية ، فانه يمكن ويحسن ان نشبع الانظمة التربوية بالقيم الاخلاقية والجمالية والثقافية والبدنية التى تشكل لباب الحركة الاولمبية . اننا لن نذكر بالامر بما فيه الكفاية : ان الحركة الاولمبية ليست ديانة ولا مذهبا سياسيا ولا نظاما اجتماعيا واقتصاديا ، انها عقلية وقيمة حياتية ، انها رؤية انسانية ومدرسة نبل ونقاء اخلاقى ، وعبادة للمثل الاعلى الذى لا يطلب من ورائه شىء انها مجهود يبذل للرفع من تصورنا للشرف والكرامة الى مستوى اندفاعنا العضلى ، وانها يبداغوجيا

للجسم والفكر معا ، تهدف الى تحسين الذات البشرية والى الاكتمال المتواصل اللامتناهى للانسان الذى لا كينونة قارة له ، بل يكون ويعيد كيانه بلا انقطاع

ان المربين سواء كانوا من اعضاء اللجنة الاولمبية الدولية او مسيرين رياضيين فى النوادى او أساتذة يحسون بأن مهمتهم شاقة ، ذلك ان ظاهر الاشياء يحكم حسب ما يبدو لفائدة أدعياء الواقعية (( الذين لا يخضعون فقط للواقع والعبث وقانون المال وضغط الموضات ، ولكنهم لا يلبثون ان يتورطوا فى كل ذلك ، وهم لا يفتؤون يرددون ضاحكين فى هزء : بما ان بلوغ المثل الاعلى مستحيل فلنترك الحالمين يحلمون والمثاليين تهدهدهم الاوهام ، ولنتملق الشباب بما هو فيه زائل ولنغنم الحياة )) وبذلك يسير الشبان على غير هدى من جراء قصر نظر الكهول وجبنهم وأنانيتهم .

ان بياردى كوبرتان الذي حبر ما لا يقل عن ستين الف صفحة لشرح أفكاره والاصداع بالكلم الاولمبى الطيب ، تعرض لابتسامة الهازئين وحتى لسخرية المتشككين ولزفرات المنافقين الذين فضلوا السلبية . بيد انه وثق بزملائه فى اللجنة الاولمبية الدولية ، وبكل مريديه واصدقائه فى العالم . واليهم وجه كلماته الاخيرة فى براغ سنة 1925 عندما جاء يسلم مشعل رئاسة اللجنة اذ قال : (( انهم سيواصلون بنفس الروح تسلقهم القمة التى نريد اقامة المعبد بها بينما تنتظم فى السهل سوق صاخبة فأما المعبد فيبقى وأما السوق فتزول . وعلى الرياضيين ان يختاروا اذ ليس بوسعهم بلوغ القمة والقبوع فى السوق . . . فليختاروا )) . ( مؤتمر براغ ) .

وعلينا نحن المربين والمسيرين ان نختار بين القمم ، طريق الشرف المجيدة وسبيل التجدد البشرى ، وبين منحدر السهولة ودرك اليأس والخضوع للطبيعة والحيوانية ، وليس لنا فى هذه الحالة من سلوى غير ترديد كلمة فولتير . (( سنبقى العالم على ما وجدناه عليه من غباء وشر )) .

ولكن وجودنا هنا فى أوللميا بالذات ، فى كنف الاكاديمية الاولمبية التى تعلق عليها اللجنة الاولمبية الدولية عريض الامال لنشر القيم الاولمبية باعتبارها اداة تربية ونهوض بشباب العالم ، يقوم شاهدا على ثقتنا بالمستقبل ، ودليلا على تفاؤلنا والتزامنا بخدمة مثلنا الاعلى ، رغم ضغط التافهين وتصاعد الاخطار .

وعلينا نحن جميعا الذين نؤمن بالحركة الاولمبية أن نتفانى ونتجاوز نفسنا كى نهدى الشباب رجال الغد ونوجههم ونقودهم وليس بوسعنا ان نفلح فى مسعانا اذا حدثناهم عن تعاستهم وعن شهواتهم ووساوسهم ، أى إذا بقينا امامهم مشدودين الى الحضيض . فلنخاطبهم اذن بلغة المجهود والتجاوز والشرف والعظمة ، ولكن لهم قدوة . وحينئذ تزيد حظوظ اصغائهم الينا !

اشترك في نشرتنا البريدية