الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

الحركة الأولمبية والسياسة

Share

ان مشكل تداخل السياسة والرياضة يكاد يكون ابرز المشاكل التى تواجهها اليوم الحركة الاولمبية وأكثرها دقة .

فالنجاح المتزايد الذى تسجله الالعاب الاولمبية العصرية وشمولها واثرها الغوى فى الجماهير الشعبية ، عبر القارات الخمس ، والاغراء الذى أصبحت سلطة على الشبان وحتى على من يكبرونهم سنا منذ ان " تحكمت " فيهم بالخصوص مختلف وسائل الاعلام العصرية وأجهزة الابلاغ الجماهيرية وكذلك ما تحدثه الانتصارات الفردية والجماعية من ألوان الرجع والانعكاس النفسية والسياسية ، أعطت - كلها - الالعاب الاولمبية بعدا جديدا لم يكن ليخطر على بال ، بعيد الحرب العالمية الثانية ، واحدث ظاهرة اجتماعية ما كان لرجال السياسة وحتى رجال الدين ان يقابلوها باللامبالاة .

وهكذا فان من بين الرسائل العديدة الموجهة الى الحكومة والى الشعب الكندى بمناسبة الالعاب الاولمبية الحادية والعشرين التى جرت بمونريال فى جويلية 1976 ، رسالة البابا التى ارى من المفيد الاشارة اليها اذ جاء فيها بالخصوص : نحن مقتنعون بانه فى إمكان التظاهرة الرياضية تنمية قيم انسانية خطيرة بالنسبة الى الجميع وعزيزة بصفة خاصة على انفس المسيحيين ، وذلك مع توفير اسباب ربط علاقات التقدير والسلم بين الشعوب فى مجال ، لا بد ان تحل فيه المنافسة السليمة محل الشحناء والتطاحن . ذلك هو الامل الذي يحدونا في تمنياتنا النابعة من صميم القلب ".

كما يحسن ان نشير ايضا الى رسالة السيد كورت فالدهايم الامين العام للامم المتحدة التى وجهها يوم 18 جويلية 1976 غداة انسحاب عدد من الاقطار الافريقية ، وهي تتضمن نداء الى كل الاطراف المعنية حتى تواصل جهودها من أجل حل المشاكل المتعلقة بمشاركة الرياضيين الافارقة فى الالعاب الحاديه والعشرين مضيفا : " ان الالعاب الاولمبية كانت حدثا بالغ الاهمية فى سبيل نشدان الاخوة والتفاهم بين البشر " .

ان اهتمام رجال السياسة يظهر بأشكال مختلفة حسب ايديولوجياتهم وحسب تصورهم لمهمتهم فى مستوى مسؤولياتهم .

فمن السياسة ، وهم الشاعرون بأهمية تحول المدلولات الرياضية على الصعيد السياسى ، من لا يدخر جهدا فى سبيل تنمية حظوظ النجاح لدى مواطنيهم على أمل الانتفاع بما يكتسبون من حظوة واعتبار ، وذلك لدعم زعامتهم او احزابهم او انظمتهم على السواء .

ومنهم من يستغلون الميدان الرياضى لبيان تفوق انظمتهم الاجتماعية الاقتصادية او السياسية ، ولتأكيد وجودهم ، ولتذكير الضمير العالمى بشرعية قضاياهم أو للتشهير بالمظالم أو كشف وهم من الاوهام .

بيد ان معظم رجال السياسية ، سواء كانوا صادقين أو مناورين ، يجدون أنفسهم اليوم مضطرين الى الاهتمام بالرياضة ، نتيجة للضغوط التى يسلطها عليهم الشباب والمسيرون الرياضيون والمربون ، لحملهم على تنمية الجهاز الرياضى الاساسي وتهيئة أوقات ملائمة لممارسة التربية البدنية والرياضية في برامج التعليم ودفعهم الى النهوض سياسة الترفيه وتوفير المساعدات المالية للنوادى والاتحادات قصد اجراء المباريات الرياضية القومية والدوليه في ظروف مرضية .

ان " انعكاسات " الاختيارات السياسية ، ووطأة التناقضات التى لا تفتأ تبرز وتشتد في مواقف بعض السياسة ، وكذلك " الاضرار " المنجرة عن تنازع القوميات أو عن " المباريات " الايدولوجية التى تخف أو تحتد حسب الظروف ، تضغط بصورة متصاعدة عل الرياضة وبالاخص على الحركة الاولمبية التى تتسم اخلاقيتها بالانسانية والشمول وتهدف الى جمع شباب العالم حول مثل أعلى يقوم على تجاوز الذات والتفاهم والتآخى والسلام .

وهكذا يتضح موقف العديد من المسيرين الرياضيين - فى الغرب خاصة - الذين يشهرون بالسياسة ، فى شىء من التلطيف والحق يقال ، ويتنبأ بعضهم بمستقبل قاتم ما لم نتوصل الى تلقيح الرياضة ضد " جرثومة السياسة " وانه من الضرورى فى نظر هؤلاء مراجعة القوانين الاساسية والقواعد الفنيه قصد " التصدى الى عمل الحاكمين " واتخاذ اجراءات الوقاية من اخطار تداخل السياسة فى الرياضة .

كم هو سهل ومريح هذا الموقف الذى يقتصر دفاعه فى مواجهة ظاهرة جدية فمن شأنها فعلا ان تهدد الحركة الاولمبية فى روحها وقيمها المقدسة ، على الانطواء وعلى التشدد بالمعنى الحصرى والقمعى فى مفهوم القواعد الرياضية ، قصد تسليط اللعنه واتخاذ اجراءات الطرد ، وبذلك يتمكن من حل المشكل بتجاهله . . . ( 1 )

ان سياسة النعامة هذه لهى فى نظرى خطيرة فى العاجل ولا سيما في الاجل ، ولذلك اعتزمت فى اطار أولمبيا Olympie الجليل المشحون بالايحاءات (2) ، عرض جملة من الاراء الشخصية التى لا تلزم اللجنة الاولمبيه الدوليه ولا اللجنة الاولمبية التونسية ، والمشاركة فى نقاش هو مفتوح قبل اليوم ، من أجل تحديد موقف أكثر وضوحا وشجاعة وبالتالى أكثر نجاعة يمكن ان يتبناه المسيرون الرياضيون المتفانون فى سبيل الحركة الاولمبية تجاه المشاكل التى تفرضها علينا السياسة ، اى الازمنة الحديثة .

ولكن لنتساءل قبل كل شئ ، هل ان تداخل السياسة فى الرياضة بوجه عام وفى الحركه الاولمبية التى تعنينا اليوم ، أمر جديد ؟ لا أظن ذلك ، اذ علاوة على شهادة التاريخ القديم والحديث بالخصوص ، فان تحليلا - ولو كان سطحيا لمعنى كلمه " سياسة " ومدلولها يبرز الى أية درجة يكون موقف حاملى لواء للاسياسة الرياضية خياليا بعيدا عن الواقع .

وهل السياسية في أنبل معانيها وأكثرها شيوعا سوى فن تصريف شؤون مجموعة بشرية أو تسيير مؤسسة ، باسم مبادئ اخلاقية وقواعد قانونيه رضيت بها وانضمت الى تأييدها أغلبية الاطراف المتعاقدة ؟ ان الامر لا يتعلق بالسياسية القائمة عل الدس والانتهاز والوصول والمخاتله والتخابث والتخمين بل السياسية التى تعتمد الالتزام بخدمة الغير ، والتفانى فى سبيل المجموعه التي تنتسب اليها عن طواعية ، فالامر يتعلق اذن بخدمة مثل أعلى ، وبخدمه الجماعة لا باستخدامها ، بالعطاء لا بالاخذ ، بالصدق لا بالرياء .

وليس من الجائز ولا من الامانة السهر اجتماعيا أو ثقافيا على حظوظ أمه أو بلديه أو جمعية من دون الرجوع الى سلم قيم مضبوط وتصور معين للخير والشر " للحق والباطل . للجمال والقبح ، للقدسى والوثنى ، للانسان والشيطان . . . فلو ان كل الاختيارات التى نواجهها وكل القرارات التى يتعين علينا اتخاذها لم تنبع من رؤية شاملة للحياة ولم تكن منسجمه مع المعنى لدى نعطيه للوجود ومع تصورنا للمصير البشرى لكانت خبط عشواء ولدلت على تهافتنا وتفاهتنا .

بيد انه لابد لنا من الاعتراف بأن سمو ايديو لوجيتنا وسخاء مثلنا الاعلى لا توازيهما الا نسبيتهما في الزمان والمكان . وانه لمن قبيل العبث ولغو الكلام ان ندعى فى هذا الميدان قيام مقاييس موضوعية وعلمية مضبوطة . ان احدا لا يستطيع ان يزعم تقمص التاريخ او امتلاك سر العصمة . نحن جميعا منطبعون بتربيتنا وبارثنا الثقافي ويبئتنا الاجتماعية وان الايديولوجيه الفردية والجماعية المحيطة بنا . تبددى عملنا وتكيف الى حد كبير سلوكنا ، وتوجه ف أغلب الاحيان أحكامنا .

ان من بين العوامل التى تزيد من حدة سوء التفاهم بين البشر ، وتذكي جذوة التطاحن القومي بينهم وتدفع بهم الى المغالاة عندما يمارسون مسؤوليتهم السياسية ، العامل الذي ذكره " بيار دى كوبرتان "(1)  والمتمثل فى الطريقة التى يدرس بها التاريخ في أغلب بلدان العالم بحيث يصبح " معمل تضخيم اجبارى للاحداث ان لم يكن معمل تهييج قومى " وهكذا فاننا فى الوقت الذى نستمتع فيه الى بعض الخطب الرنانة التى تؤكد ايمان اصحابها بالانسان ونشاهد فيه بعض المواقف التى قد تكون مخلصة - على سذاجتها الواضحة

فى تعلقها بمفهوم ضبابى للرياضة باعتبارها فوق الاهواء ، وبعيدة عن النزاعات السياسية وعن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية يبدو لنا انه لم تتوفر شروط فتح حوار حقيقى وخاصة منها التحلى بالتواضع والتسامح والاحترام المتبادل وانفاق الجهد اللازم فى التعرف على الآخرين ثم فى الاعتراف بهم وذلك لان العقليات تنغلق على نفسها باعتبار كونها - كما اكده بياردى كوبرتان - تكيفت بسبب تدريس للتاريخ القومى ، سابق لاوانه ، مع ما يتضمنه من مبالغة وتشويه لا يمكن اجتنابهما .

كم تبدو وهمية اذن نظرية اللاسياسة فى الرياضة عندما تتجاهل واقع العالم المعاصر وكم تبدو مشبوهة او على الاقل قابلة للنقاش قضية تسييس الرياضة عندما تسمح لكل انسان يتزيى فى عفة واحتشام بالمبادىء الكبرى وان يؤاخذ غيره على ما يؤاخذه به الآخرون .

وليس بأقل احراجا من ذلك موقف الذين لا يتهمون السياسة والسياسيين بكل ما يحل بالرياضة من مصائب ، ولكنهم يلوذون بحياد رياضى مريح ويمتنعون عن اتخاذ موقف ازاء النزاعات التى يمكن ان تندلع فى عالم الرياضه وان تفرق بين الناس .

ولكن هل بوسع المرء ان يشارك كليا فى ادارة منظمة رياضية دون ان يبدى رأية بوضوح حول كل المسائل التى يطرحها أو يفرضها عدم انسجام القوانين والتراتيب الرياضية مع واقع اليوم ، وكذلك عدم تلاؤمها  مع الغرافيه السياسية الجديدة تبعا لحصول عدد كبير من الامم على الاستقلال والحرية " وللتحولات الاجتماعية السريعة العميقة الحاصلة في كافة القارات ، سواء فى الأقطار الغنية أو الاقطار النامية ؟ هل بوسعه ان لا يعير انتباها الى تحرير المراة ، والى انتفاضة الكرامة والعزة التى تهز اليوم " المعذبين في الارض " الذين يناضلون من اجل الحصول على مكان تحت الشمس ، والذين تصدهم بعض الاحكام المسبقة والتقاليد البالية عن الاضطلاع كليا بمنزلتهم كبشر احرار و مسؤولين ؟ كيف نثير حساسية وحماس ملايين الشبان والشابات بخصوص عظمه الحركة الاولمبية ؟ كيف نجعلهم يتعرفون على ذواتهم فيها ، وينهضون باعتبارها اخلاقا وفلسفة ، اذا كانوا الى جانب ذلك مهما قبل ومهما يقال لا يفهمون اللاسياسة فى عالم تتواصل فيه المظالم والتمييز العنصري الا كموقف سلبى وتعلة تدعم الامتيازات وتقوى نزعة المحافظة العقيم .

أتراهم يمارسون السياسية اولائك الذين ناضلوا وظفروا باقصاء افريقيا عن العائلة الاولمبية لكونها تتمسك - رسميا - بالتمييز العنصرى من قبيل الضلال السياسي ان نعمل على ايجاد تمثيل اكثر ديمقراطية لكافه القارات لدي اللجنة الاولمبيه الدولية أو لدى الاتحادات الرياضية العالمية ؟ هل من قبيل الانحياز السياسي ان نعمل على مراجعة التراتيب الاولمبيه حتى لا يرجع شرف تنظيم الالعاب الاولمبية الى مدينة معينة بل الى قطر او مجموعة اقاليم متجاورة ؟ والى متى يتشبث بالنصوص القديمة انصار المنزله المرصوده للمرأه فى المباريات الاولمبية ، كيف نتوصل الى اقناع فتيات العالم ، رغم ما تحصل عليه من تقدم محسوس خلال السنوات العشر الاخيرة ، بانه من الطبيعى ان تتضمن الالعاب الاولمبية الصيفية 44 مباراة نسائيه مقابل 137 مبارا للذكور (1) .

أفليس من باب الصدق فى الرياضة ومن قبيل الوفاء والشجاعة الفكرية ان نقاوم الجمود والاتباعية والافكار الموروثة ؟ أفلا يدل رد الفعل هذا على نظرة رياضية سليمة وضرورية لتحقيق الانسجام بين القواعد ومقتضيات الساعه وعلى التوقي من كل الاسباب التى يمكن ان تشوه الصورة المثلى للحركه الاولمبية ، او ان تضر بالاشعاع المتزايد للالعاب الاولمبية ؟

كل شيء يتطور ، الاشياء والبشر على السواء . اليس سقراط ، أبو الفلسفة الابن الجدير بهذه الارض الاغريقية المشحونة تاريخا وحكمة ، هو أول من علمنا بسؤاله الخالد " ما هذا ؟ " ان نحلل الكلمات وان نعمق المفاهيم الاخلاقيه وان نحيط بالواقع أكثر فأكثر ؟ لقد تجرع السم وتلاشى جسمه . ولكنه لم يزل حبا فينا ، لا يفتأ يعلمنا تجاوز الذات ، والحذر من المغالطات ، والتفكير بصورة متحررة من الاحكام القبلية والعادات الموروثة والاراء المسبقه ، والبحث عن الحقيقة والسعى الى خلقها واعادة خلقها على الدوام وصنع المستقبل .

ان التاريخ يجعل الافكار والاحداث نسبية . وانه ليحسن ان نذكر الذين يتمسكون في اصرار بابقاء الوضع على ما هو عليه ، وبأسم اللاسياسة

الرياضية أو الاولمبية ، بتصريح لبياردى كوبرتان مجدد الالعاب الاولمبية يقول فيه : " مارست كثيرا العيش فى صلب التاريخ العام ، وتفحص مطاوية لذلك لا أجهل قيمة فكرة التطور ، ولا اندهش فضلا عن كوني لا اغتاظ للاقاتها فى كل مكان . ان كل مؤسسة وكل عملية خلق مهما كانت حيويتها ، نتطور طبقا لسنن الظروف وانفعالاتها . ان السياسة تدخل اليوم في صلب كل مشكل . كيف نود اذن ان تفلت منها الرياضة والفتوة وحتى الحركة الاولمبية ؟ "

اعتقد ان هذه الكلمات التى تفوه بها مجدد الالعاب الاولمبيه ستسهم فى التخفيف من الحساسية التى يشكوها اليوم المتمسكون بضرب من اللاسياسية فى الرياضة ، أعني ابطال إبقاء الوضع فى جموده المرهق .

وفوق ذلك فقد ندد بيار دى كوبرتان اكثر من مرة فى " مذكرات أولمبية " بالنزعة المحافظة المتصلبه ، كما انه ابرز بطلان مقابلة نزعات التجديد بهشاشة الرفض التقليدى البات .

فباسم سياسه رياضية سخية واعية ، غايتها الاولى دعم الحركة الاولمبية بجعلها تحظى بمزيد من الثقة والجاذبية لدى كافة البشر فى العالم دون أى تمييز ، وبجعلها عامل تنشيط للشباب ، وأداة نهوض وتهذيب وتحرير عمل بياردى كوبرتان - وبلا جدوى - من أجل " فتح افريقيا " ( لصالح الحركه الاولمبيه بالطبع ) الذي شد ما كان متعلقا به الى نهاية عمله فى الحقل الاولمبى . وليس من نافلة القول اليوم ومنزلة الرياضة الافريقية على ما هى علية ، ان نستشهد بصفحة من " مذكرات أولمبيه " حيث يذكر المؤلف بالجهود التى قام بها فى هذا الاتجاه منذ العشرينات .

جاء فى الخطاب الذى اتجه به بياردى كوبرتان الى الملك فكتور ايمانويل فى افتتاح اجتماع اللجنة الاولمبية بالكابيتول ما يلى : " ربما يبدو من السابق لاوانه ان نركز فى قارة متخلفة عن الركب وضمن شعوب لم تزل محرومة من الثقافة الأولية ، مبدأ المقابلات الرياضية - كما يبدو من قبيل الغرور المحض ان نتوقع من جراء هذا الامتداد مددا كفيلا بتعجيل سير الحضارة فى تلك البقاع . لنفكر مع ذلك فيما يعذب الروح الافريقية . هناك قوي متروكة غير مستغلة - كسل فردى وضرب من الحاجة الجماعية الى الفعل - ألف حقد والف غيره من الانسان الابيض ، مع الرغبة فى تقليده ومشاركته امتيازاته - هموم

متناقضه تدفع إلى الانضباط والى الامتناع عنه - والبروز المفاجئ للعنف القديم المتوارث ، وسط نعومة عيش لا تخلو من السحر (1) .

تلك سمات - من بين السمات الاخرى - لهذه الاجناس التى تتطلع اليها                                               اجيالنا الجديدة التى تلقت من الرياضة منافع كبيرة فقد زادت من صلابة اجسامهم وبعثت فيهم لذة الانشراح الناشىء عن النشاطات العضلية وشيئا من ذلك الاستسلام الرصين ، استسلام الكائنات النشيطة عندما تفرغ من بذل الجهد ، ولئن قوت الرياضة الجسم فهى تبعث فيه ايضا الطمأنينة والراحة . إنها تستطيع ان تنشئ النظام وان تشحذ الفكر شريطة ان تبقى وسيلة والا تصبح غاية . فعلينا اذن الا نتردد فى اعطاء افريقيا حظها منها " خاصة وانه قد وفد علينا نواب مفوضون اكفاء للتباحث معنا فى هذا الامر " .

ويضيف بيار دى كوبرتان : " وبالفعل ، التأمت على هامش دورة اللجنه الاولمبيه الدولية جلسات اللجنة الاستشارية التى شارك فيها الى جانب ممثل عن الوزارة الايطالية للمستعمرات ، مندوبون عن الجزائر والمغرب والايالة التونيسية وكذلك العقيد " سى "  SEE الذى حمل رسالة خاصه من الماريشال ليوتي ، المقيم العام آنذاك ( بالمغرب ) وكان الكونت ( دى بنها - قارسا ) مكلفا بتمثيل بلاده فى تلك اللجنة . انى لا اود الدخول فى تفاصيل المداولات ، ولكني أقول على الفور حتى لا اضطر للعودة الى الموضوع ، ماذا كان مصير المشروع ، وهو مصير وقتي على الاقل ، فانا مقتنع بأن المخطط سيراجع ، ويتضمن المشروع اقامة " العاب افريقية " مرة كل سنتين باطراف القارة الضخمة ، يكون برنامجها بسيطا فى البداية ، ويكتسي بالطبع صبغة اقليمية بحتة . وكان بودى ان تكون تلك الالعاب خاصة بالاهالى ، ولكن فضلت اللجنة ان تضاف اليها مسابقات خاصة بالمعمرين الذين اقاموا سنتين بالبلد المعنى (2) .

انها وجهة نظر وجيهة بالتأكيد ولكنها تكبل عملية الانطلاق . وكانت المدن المتفق على صلاحيتها لاقامة الالعاب الاولى هى : تونس ، الرباط ، الدار

البيضاء ، داكار ، بالنسبة الى افريقيا الفرنسية ، وطرابلس وبنغازى وأسمرا بالنسبة الى الممتلكات الايطالية ، وليبرفيل بالكنغو البلجيكي (1) ولوندا وسوماك بالنسبة الى افريقيا البرتغالية . والكاب ونيروبى بالنسبة الى جنوب افريقيا .

ولقد اخطأت اذ فكرت ( وحملت اللجنة الاولمبية الدولية على مشاطرتي رايى ) فى انه من المناسب ان ندشن الالعاب بصورة اكثر ابهة واعتبارا سنة 1925 بالجزائر العاصمة وقد كان لهذا القرار فى البداية صدى بالجزائر ، فاهتم بالامر السيد " ستيغ " STEEG  الحاكم العام آنذاك ، ولكنه لم يلبث ان لقى معارضة رهيبة ، خاصة وانها لم تكن واضحة ولا محدودة . كان السعى يتجه بالخصوص الى اضاعة الوقت وفل العزائم الطيبة . لقد وجدت منافسات قد تكون شخصية ، ولكنها فى جميع الاحوال ادارية . ولقد تقرر فيما بعد تأجيل التدشين الى سنة 1929 وتعويض الجزائر بالاسكندرية .

وكانت الاستعدادات ضخمة وتم تشييد ملعب رائع جدا . وقد سخر زميلنا بمصر " أ . بولاناكى " A. BOLANACHIجهوده لهذا المشروع بحمية وسخاء دعمتهما كفاءته المعترف بها من قبل الجميع . . وفي آخر لحظة ضاعت سدى كل المجهودات المبذولة واضطر الملك فؤاد الى افتتاح ملعب الاسكندرية بطريقة محتشمه وفى نطاق محلى بحت بسبب مناورة سياسية دبرتها انجلتر وانضمت اليها فيها فرنسا . ليس بوسعي ان اشرح هذه القضية المؤسفة ، اذ كنت قد غادرت اللجنة الدولية الاولمبية عندما انتهت التطورات الى هذا الحد . والواقع هو انه كان ثمة نزاع جوهرى يتمثل فى مكافحة الروح الاستعمارية لكل ميل نحو تحرير الأهالى ، وهو ميل ملئ بالمخاطر فى نظر قيادات البلدان الاستعمارية . ربما لم تكن الحجج المستعملة عديمة القيمة آنذاك ولكنها تعود الى ماض ولى وانقضى ، وهيهات ان يكون لها مفعول فى المستقبل .

ان المجلة الاولمبية قد عالجت موضوع " دور الرياضة فى البلدان المستعمرة " ضد صدور عددها المؤرخ فى جانفى 1919 وقد ظننت بعد مضي عشرين سنة على ذلك ان الاذهان تطورت بشكل كاف يسمح بالانتقال الى التطبيق ولكنه كان يبدو ان القضية لم تنضج بعد ولا بد انها أوشكت الآن على ذلك ، واني باق على اعتقادى انه لن يمضى وقت طويل حتى تنظم افريقيا الرياضية نفسها بالرغم عن كل شئ . ولكن ربما بصورة أقل جودة مما لو تولت أروبا ، فى

الوقت المناسب ، مساعدة الحركة بنفسها . وعلى كل فقد بقى " الوسام الافيريقى " الذي وضع تحت تصرف رؤساء المراكز ، والبعثات ليوزعوه سنويا تشجيعا للانشطة الرياضية فى حالة انتظار الى الآن وما لا يدرك كله لا يترك جله .

ان هذا الوسام يمثل من جهة زنجيا يرمي رمحا ومن الجهة الاخرى كتابه على القصب باللاتينية ) نظرا إلى ان افريقيا متعددة اللغات بالنسبة الى المعمرين والاهالي على السواء ) تقول : " ان يعرف الانسان ذاته ، ان يتحكم فيها ان يتغلب عليها ، ذلك هو جمال الرياضة الخالد وتلك هي المطعامح الاساسية للرياضى الحق وشروط نجاحه " .

واذا تركنا جانبا بعض الاحكام التقييمية حول النفسية الافريقية والتى هى                                        قابله للنقاش بطبيعه الحال ، فان بيار دى كوبرتان قد كان بلا ريب فى عمله ذلك سابقا لعصره ذا بصيرة نافذة ، لقد كان يهدف الى ضمان البقاء والمناعه للمؤسسة الاولمبية بتمكينها من الانتشار على الصعيد الدولى مساحه وعمقا كان مقتنعا بوجوب السعى الى ملاقاة افريقيا . الى مساعدتها على التخلص من شياطينها على غرار القارات الاخرى ، والى تخليص البيض والسود على السواء من عقدهم ، ولو انه نجح فى مشروعه لما كانت الحركة الاولمبيه واجهت الصعوبات التى تعترضها اليوم في افريقيا . ولكن الابصار الخاسئه الحسيره في ذلك العهد ، حسب تعبير دى كوبرتان نفسه ، شاءت ان تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن .

ولا شك في ان بعضهم قد اتهم بيار دى كوبرتان بممارسة السياسة . . ولقد كان من " السياسية " فعلا ان يطالب بأن تضاف الى تلك الالعاب مسابقات خاصة " بالمعمرين الذين اقاموا سنتين في البلد " . ففي هذه المسألة كما هو الحال في كثير غيرها ، لم يكن بالامكان اتخاذ موقف محايد . لقد كان هناك " سياستان " : احداهما تحترم الكيانات القومية وتساعد على ان تتولى الشعوب تقرير مصيرها ، والثانية تهدف الى دعم النظام الاستعمارى ، وتفوق قارة على اخرى . ان شرف بار دى كوبرتان وعبقريته يكمنان فى انه احس بروح التاريخ وفي انه رسم وناضل من اجل سياسة مطابقة للمثل الاعلى الاولمبي وذات بعد حركى سخى . وشتان بين السياستين .

ان قراءة آثار بيار دى كوبرتان ، وعلى الاخص " مذكرات أولمبية " تمكن من تقييم رؤياه فيما يتعلق بعلاقات الرياضة بالسياسة ، ومن تقييم موقفه

الشجاع الايجابى امام رجال السياسة وخاصة الغنم الذى اكتسبه من ذلك لنصرة القضية الاولمبية .

ففي حديثه عن دورة برلين للجنه الاولمبية (1909 ) أكد على أمر اعتبره استثنائيا وهو ان " بيان الاعمال ( لتلك الدورة ) لم يثر فى تلك السنة مسالة لها مساس ما بالسياسة ! " .

بل اكثر من ذلك فقد كان بيار دى كوبرتان يسعى الى ايجاد تعاون مع الدول التى يمثلها ملوك ورؤساء جمهوريات ووزراء . . وقد كان يختار عدة اعضاء فى اللجنة الاولمبية الدولية من بين اعضاء الاسر المالكة ، والشخصيات السياسية . والميثاق الاولبى ينص فضلا عن ذلك على مشاركة رؤساء الدول فى المراسم الاولمبية العليا ( مثل افتتاح الالعاب الاولمبية ذاتها ) .

ولم يتردد بيار دى كوبرتان عند تعرضه للتطور الايجابي للفكر الرياضى بالسويد وخاصة ما حصل هناك من تنازلات فيما يتعلق ببرامج الجمباز ان عبر عن تقديره " لما قام به الملك والامراء من عمل نافع " اذ اقنعوا الاتحادات الرياضية المعنية بالامر بأن تقوم بتنازلات التزاما بالبرنامج الاولمبي لألعاب ستكهولم " . ومعنى هذا ان رجال السياسة اعانوا مؤسس الألعاب الاولمبية العصرية على بعض الفنيين الرياضيين المتحجرين فى دائرة اختصاصاتهم .

ولم يخش كذلك ان يتعاون مع وزير الدولة " ايشن " EYCHEN رئيس الحكومه لتحضير دورة اللوكسمبورغ للجنة الاولمبية (1910 ) ومن غريب الامور انه وجد لدى هذا السياسي تشجيعا ومعونة مكناه من التغلب على المقاومة والترددات التى ظهرت فى صفوف اللجنة الاولمبية الدولية نفسها .

ان الفقرة الواردة فى " مذكرات أولمبية " والتي يذكر فيها هذه الاحداث جديرة بأن تقرأ بامعان . ومما جاء فيها : " ألقى وزير الدولة " ايشن " كلمة                              الترحيب وأثنى عن اقتناع على تأسيس اللجنة الاولمبية الدولية التى كانت تتعرض الى انتقادات مسيرى الاتحادات الرياضية التى كانت اللجنة تضايق طموحاتها ( كذا فى الكلمة ) وكان " ايشن " الذى حظى مفهومه السياسي بتقدير كبير فى أوروبا ، ادرك واستحسن طرافة الدواليب الكفيلة بضمان الاستقلال التام للجنة الدفاع عن الحركة الاولمبية المجددة رغم كل العراقيل لان ذلك بالنسبة الى تشجيعا ثمينا لتجاوز بعض التخوفات التى كانت تظهر أحيانا فى صفوفنا " .

واقتناعا منه بأنه من الصعب ان نتجاهل المسؤولين السياسيين الساهرين على شؤون المجموعة داخل حدود اقطارهم وان نطلب اليهم فى نفس الوقت المدد والمعونه" يذكر بيار دى كوبرتان بشئ من التهكم موقف أحد زملائه الامريكان (كيسار ويتني) Gspar Whitney الذى كان يطالب من سفارة الولايات المتحدة بباريس ، قبيل انعقاد العاب 1900 بالحصول من ادارة المعرض الدولى اى التخلى عن الصبغة الرسمية وتسليم " المال والحريه " للاشخاص الذين اختارتهم اللجنة الدولية الاولمبية . ولئن اعرب عن اسفه للتدخلات الملحه التى كان يقوم بها بعض السياسيين من اجل قبول اعضاء جدد باللجنه الاولمبية الدولية فانه كان اذكى وأشد تعلقا بنجاح عمله الاولمبى من ان يمتنع عن                                            اخذهم بعين الاعتبار . ولم يغفل فى مذكراته ان يسجل ان " الكونت تون فلتسينا Tun . Valtesina حاجب فرنسوا جوزيف ، طالب باسم الامبراطوريه ، فى 14 افريل 1900 ان يلتحق باللجنة الاولمبية الدوليه عضو نمساوى و " ذلك استعدادا لألعاب باريس " وقد قام الكندون فى نفس العام بمسعى مماثل (1) .

ولقد يطول تعداد الامثلة والاستشهادات ، الدالة على اكساء الروابط الوجودة بين الحركة الاولمبية والسياسية صبغة نسبية وتجريدها من كل طابع تهويلى ، الدالة كذلك على الروح " السياسية " التى يتحلى بها دى كوبرتان من جهة اخرى . فهو لم يتردد من أجل تجديد الالعاب واكسابها الشمول وضمان اشعاعها ودوامها ، فى ان " يتشبث " بواقع عصره الاجتماعى والسياسي فسعى وتحصل على تعاون واسهام كل الذين يمسكون بزمام النفوذ ، اى بالسلطة التى تملك اتخاذ القرارات والنهوض عن طريق القانون والوسائل المالية والادارية ، ببرنامج تشجيعى للرياضة وباستراتيجية تربوية وتكوينية لصالح الشباب .

علينا اساسا ان نعرف ماذا نريد . واذا كان الامر لا يتعلق بمجرد تنظيم الالعاب مرة كل أربع سنوات ، بل بأن نواصل انجاز عمل بيار دى كوبرتان هذا الرجل المتشبع بالروح الانسانية والمربى العظيم وان نكون رواد اخلاق رياضية ورسل التفاهم الدولى والسلام فى العالم بفضل الرياضة ، فانه لا

يجوز ان نتجاهل السياسة ، أعني ان نقطع صلتنا بالحياة وان نختار العزلة . . . الرائعة .

ان التفانى فى الحركة الاولمبية ، يتطلب منا علاوة على الاصداع بالعقيدة واقامة الاحتفالات الدورية ، عملا يوميا وعلى جميع المستويات ، قصد تعديل الانظمة التربوية فى اتجاه استيعاب الاخلاق الاولمبية ولاثراء برامج تكوين الشباب بممارسة رياضية سليمة باعتبارها عامل تفتح لكل الطاقات البدنيه والنفسية والاخلاقية لدى كل انسان وباعتبارها وسيلة تفاهم وصداقة بين الشعوب . ان الالعاب الاولمبية التى يضفى عليها دى كورتان اسم " الربيع البشرى ، تشكل هكذا تتويجا لعمل لا يعتريه الكلل طيلة أربع سنوات بلا انقطاع وانطلاقا لرباعية جديدة من الجهود النزيهة .

بل الى اؤكد انه ليس من صالح المسيرين الرياضيين والمسؤولين الاولمبيين ان يقابل رجال السياسة سير الرياضة ببلدانهم باللامبالاة .

فلقد عانى بالفعل هؤلاء المسيرون كثيرا مما احسوا به من عزلة عندما سعوا الى انجاز مخطط تكوين وتربية رياضية لفائدة الشباب . فالمجهودات الفردية التى قد يبادر بها بعض الاغنياء المولعين بالرياضة وتطوع بعض ذوى النوايا الطيبة . عدا بعض الاستثناءات ، قد نقصت فعاليتها ولم تعد كافية وحدها . ان انجاز جهاز أساسى رياضى عصرى يطابق المقتضيات الفنية المتزايدة للاتحادات الدولية يتطلب تعبئة وسائل مالية وبشرية تند عن طوق المسيرين الذين يتجندون على قاعدة العمل التطوعي وليس لهم ما يقدمون للرياضة سوى أوقات فراغهم المتناقصة بحكم الحياة العصرية وشغفهم الصادق بشؤون الشباب .

ان ما كان كافيا قبل ربع قرن ، لم يعد اليوم يفي بالحاجة فينبغي لنا اذن ، وعلى غرار دى كوبرتان ، اثارة حساسية وحماس المسؤولين الحكوميين والبلديين والنواب ، والهياكل الاجتماعية والاقتصادية والمنظمات الحكومية الدولية ، وكذلك اقناعهم بأن الحركة الاولمبية ليست نظاما باطنيا ولا ناديا مغلقا ، بل هى فلسفة انسانية ومفهوم تربوى عصرى يرميان الى اسعاد الشباب ويتجاوزان النزاعات والانانيات الفردية والجماعية ويستأصلان الجذور القديمة لشياطين الحقد والحرب والشر ، ويكافحان التعصب والتطرف القومى .

ولنا قدوة فى بيار دى كوبرتان مرة أخرى ، ففي مواجهة ما كان يعتقده في بداية الثلاثينات تصاعدا للاخطار التى تتهدد فى نظره النهوض الرياضى

و " فتوحات حركة نسائية عادلة " - هي حسب تعبيره ، فوضى التعليم ، و الاخلاق الممزقة ، والشهوانية المرضية والجبن او حسب عبارة دى كوبرتان ذاتها نرجسية الاولياء - لم يكتف بالتشكى والنحيب فى صلب اللجنه الاولمبيه الدولية او فى الاجتماعات الخاصة .

يا انه اضافة إلى الاتصالات التى كان يقوم بها فى شجاعة ومثابرة مع المسؤولين السياسيين ، فى الاقطار الاوروبية بالخصوص ، لم يتردد فى ان يوجه سنة 1931، وهو فى عقده السابع ، رساله مفتوحه الى رئيس مجلس عصبة الامم للتشهير بالادواء المستفحلة فى الشباب ، ولتحليل اسبابها ، مطالبا اياه ، باسم المثل الاعلى الاولمبي ، وباسم محبة الشباب وتقدم البشرية ، ان يقوم بعمل نشيط من أجل تطهير خلقي في مستوى الكره                                        الارضية .

وليس من نافلة القول في هذا السياق ان نلاحظ قلة الاهتمام الذى كانت ندرية ازاء الرياضة ، المنظمات الدولية وكذلك عدد كبير من الحكومات وذلك حتى الحرب العالمية الثانية .

فالكتاب (1) المشتمل على 1216 صفحة والذى نشرته " مؤسسة بروكينس "                          Brookings Institution سنه 1957حول النشاطات الاجتماعية للامم المتحدة لم ترد فيه كلمة رياضة ولو مرة واحدة .

واذا اصبحت اليوم منظمة اليونسكو تبدى اهتماما بالرياضة ، أفليست هذه فرصة لفتح حوار مفيد معها ، ومن خلالها مع كل الوزراء أو سامي المسؤولين عن الشباب والرياضة والثقافة فى اقطارهم بغية :

أ) مساعدتهم على التعرف بصورة اجدى على الحركة الاولمبية ودعمها من أجل مزيد من خدمة الشباب فى اقطارهم ، واحترام الميثاق الاولمبي .

ب) مطالبتهم بالنهوض بالرياضة فى المدرسة والجامعة ، ليس فقط لتكوين اجسام سليمة بل كذلك لتقوية سجايا الشباب ولتنمية ما يسميه دى كوبرتان العضلية الاخلاقية للانسان . ولقد وجد مؤلف " البيداغوجيا الرياضية " تعابير رائعة للتأثير في العقول اذ يقول مثلا : " ان الكلمة الاولى والاخيرة للبيداغوجيا الرياضية تنحصر فى اثارة او تيسير عملية التقوية المعنويه بواسطة التقوية البدنية ، تقوية الروح بواسطة تقوية الجسم " . ويذكر دى كوبرتان كلمة الصلب للتعبير عن قوة الروح والبدن ويؤكد ، أنه يجب

أن نجعل من كل شاب " رجلا من برنز " قصد اعداد الجسم وسجايا النفس لخوض " معارك الحياة " وتعليم الانسان احترام نظام اختاره عن طواعية ، وكبح غرائزه ، والتحكم فى ذاته . ويضيف قائلا : " إذا كانت الرياضة من خلال بيداغوجيتها قد جعلت للجسم كتفين عريضتين ، فذلك ليتمكن أيضا من حمل همومه ، واذا كانت قد جعلت له عضلات متينة ، فذلك للسيطرة على اعصابه وجعله سيد امره " .

ج ) ادخال او تعميم الرياضة فى أماكن الشغل كنشاط معوض ومرفه ، والاسهام بهذه الطريقة فى فك استلاب الانسان ومساعدته على تحسين عيشه .

د) الكفاح بفضل المعدات المتوفرة للسلطة السياسية ، ضد الجشع التجارى والشوفينية والتعصب والمنشطات المصطنعة التى تفسد صحة الشباب بصورة قد لا يرجى لها شفاء .

ه) بناء الملاعب ، والمسابح ، وقاعات الرياضة ، والمراكز المهوأة ، وتهيئة مخيمات للشباب . . . وتقوية هذا الاستثمار فى الامد المتوسط وهو ذو مردو واز إن لم يكن أوفر من مردود تهيئة الطرقات وبناء الجسور واحياء الاراضى ، وهو على كل حال أكبر نفعا وأقل ضررا من ملايين المليارات التى تتفق سنويا لشراء الاسلحة .

وهكذا ، فلنتصور ولنضع حيز الانجاز تعاونا ايجابيا مثمرا فى خدمة شباب العالم عوضا عن تجاهل المسؤولين او معارضتهم وعوضا عن التنديد بتصاعد النزاعات القومية والتظاهر بالاعتقاد بأن الحل يكمن فى حذف الاناشيد الرسمية أو إزاحة الرايات عن الملاعب . فلنميز بين الوطنية وهو شعور نبيل وشرعى ينبغى تشجيعه والرفع من شأنه ، وبين التحيز القومى الذى هو بمثابه انحراف مرضى وعبثى للوطنية ، ولنشجع الشعور الاول ولنجتث جذور الثانى بالاشتراك مع كل السلط المسؤولة وبكل الوسائل وفي مقدمتها التربية المدرسية وأدوات الاتصال الجماهيرى التى تراقبها الحكومات أو القوي الاقتصادية فى معظم الاقطار .

واذا أردنا القيام بعمل ايجابى ومفيد لاشعاع الحركة الاولمبية فانه ينبغي ان لا تتجاهل السياسة لان السياسة لن تتجاهلنا .

ولهذا الغرض ينبغى ان تكون لنا سياسة أولمبية نعمل بلا انقطاع على انعاشها ومراجعتها وجعلها ملائمة لمقتضيات عصرنا ، وذلك مع الحرص على

ابقائها وفية لأسسها ومبادئها المقدسة . فلنضبط اذن هذه السياسية بوضوح ولنقر العزم على الدفاع عنها .

واذا كان لا بد من مقاومة السياسة ، فانه ينبغى ان تقف ضد سياسة المدسوسين على السياسة الذين يحاولون استغلال الرياضة لتدعيم مراكزهم واستخدام هيبة الالعاب الاولمبية والبطولات القومية والدولية لابراز مزايا انظمتهم واشباع اهوائهم .

ان تدخل هؤلاء السحرة اللاعبين بالنار لا يماثله سوى جهلهم بالرياضه الاحتقار الذي يكنونه للشاب بآستغلالهم لغايات أخرى لا تمت الى الرياضه ولا الى الاخلاق بسبب !

وان هذا لحجة اخرى للمبادرة والسير قدما حتى نسستميل الشباب                                                   المثل الاعلى الاولمبي ونشهد الرأى العام على ذلك .

ان بعض نذراء الشؤم لا ينفكون يذكرون بالصعوبات ، وحتى بالازمات التى تتخبط فيها الحركة الاولمبية . وهذا ليس بالامر الجديد . ان دى كوبرتان نفسه قد تحدث عن هؤلاء المتكهنين بالعواقب السيئة والذين لا يترددون فى القول عند كل دورة أولمبية بانها هى الاخيرة . ويلاحظ : " ان العقل السليم اذا انعدم العلم - يكفي لمعرفة ان الالعاب القديمة لم تسلم من الحوادث المؤسسفة ومن الفترات الباهتة ومن هجومات قام بها خصوم الداء لقد عرفت أولمبيا الحظ العاثر ولكن الحركة الاولمبية تجاوزت كل ذلك بدون ان تضمحل . وعل هذا النحو ستتطور الحركة الاولمبية الجديدة . ان الالعاب لها عل سابقاتها تفوق مزدوج : طابعها العالمي وحركية الاحتفال بها فهى  اكثر مرونة وقوة . لقد حفت بها بعض المخاطر فى البداية فقط . اما الآن  نسغها اغزر من أن يجف " .

ان ثقة بيار دى كوبرتان بمستقبل الالعاب الاولمبية ستثبت صحتها اذا ما استلهم المريدون وحاملو المشتعل المتعاقبون من آثار هذا المصلح وطرق عمله بتكييفها مع معطيات عالم اليوم ومتطلبات شباب الغد .

واذ يتعلق الامر بروابط الحركة الاولمبية بالسياسة ، فان الاهم بالنسبه الينا معشر المربين والمسيرين الرياضيين الذين يدفعنا - ويجمعنا - مثل                                          وحب الشباب والتفانى فى بناء عالم قابل للتحسين باستمرار ويستطاب فيه العيش أكثر من ذي قبل - هو ان نعرف ماذا نريد ، اى ان تكون لنا عقيدتنا الرياضية وان تدافع عنها وان نمكنها من الاشعاع وان نتعاون من أجل ذلك مع كل الذين تتوفر لديهم وسائل مباشرتها بفضل السلطة التى يمسكون بها .

المهم هو ان تتوفر للمسيرين الرياضيين حيثما كانوا رباطة الجأش وقوة النفس وان يتمكنوا بفضل مواهبهم الشخصية وسلوكهم الاخلاقي واشعاعهم " فرض انفسهم والقدره على الاقناع وان يقووا على جلب الآخرين لنصرة قضيتهم .

المهم أيضا هو أن يتجنبوا التشبث ببعض القواعد التى يعتبرونها مقدسة او الدفاع عن أوضاع يدينها التاريخ والتقدم والمعاصرة وذلك بدعوى التبرؤ من التدخلات السياسية وغيرها .

فالدفاع عن الحركة الاولمبية والسهر على استقلال المنظمات الرياضية شيء ، ونشر الاخلاق الرياضية والحفاظ على وحدة الحركة بقوتنا الخلقية دون سواها شئ آخر . وان القوانين وحدها لا تكفي اذ ان مستوى الرجال وشخصيتهم وتصورهم للأشياء أكثر من ذلك أهمية اذ ان الرجال بامكانهم ان يغيروا القوانين وان يجعلوها ملائمة ولكن النصوص لا يمكن ان تحيا ولا ان تدخل حيز التطبيق بصفة تفى بالغرض الا بفضل اخلاص الرجال وذكائهم .

ان هذا العرض لا يطمح الى استخلاص نتيجة نهائية وهو بالاحرى لا يطمح الى تحديد وصفة شافية اطلاقا لتجاوز تداخل السياسة فى الرياضة ، انه بحث دائب يكون فيه كل اعتراض مسالة قائمة الذات ، وانه مجهود يهدف فى اقرار جدليه بين مثل أعلى سخى نعمل على بلوغه وبين واقع متغير باستمرار .

وبالتاكيد ليس في هذا الاخذ والرد راحة . فان بعضهم بفضل طمأنينة الافكار العامة والاراء الجاهزة ، بينما يبسط الآخرون على الملأ واقعيتم التى هى تخل وفرار امام معطيات الواقع القاسية والمحرجة .

ابن هذا الحوان ١ - ان هذا التوازن المتغير يمكن ان يتوصل اليه من يؤثرون التوليد السقراط فى غرير المخدر للاحكام المسبقة والافكار الموروثة . ان شعار دى كوبرتان ى " بالنظر الى بعيد ، والتحدث بصراحة ، والعمل بحزم " يبدو لى قاعدة ذهبيه ينبغى ان يتذكرها كل الرياضيين لمواجهة هذه المشاكل ولاتخاذ هوهن من السياسة والسياسيين . فقد يكون ذلك من حسن السياسة !

اشترك في نشرتنا البريدية