الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "المنهل"

الحركة الصناعية ( * )، فى البلاد العربية السعودية

Share

بقى ان نذكر انواعا من الصناعات يمكن ان نستثمرها ، حيث تنتج منتوجا يعول عليه ، وحيث يصبح فى الامكان ان نسد حاجة البلد ، ان لم نصدر الى البلدان الأخرى ، فهناك مواد أولية متوفرة نستطيع استغلالها الى أبعد حد ، ونحن نصنع منها ولكن بقدر قليل غير جيد ولا نافع . ولو امكن محسينه والاكثار منه لأفدنا الوطن فائدة يكون من ورائها خير كبير . وبقى ان نعلل تأخر الصانع وان نبين السبب الذي قلل ارباحه .

هناك صناعات ناجحة نوعا ما ، وصناعات غير ناجحة اذا قسناها بغيرها ، فالدباغة مثلا ينطبق عليها هذا التعبير ، فهي من خير الصناعات الرائجة ، وهذا لا شك نجاح كبير . ولكن لنفحص الجلد المدبوغ . أنا لن نجده جيدا ، ولا يمكن أن نقايس بينه وبين المدبوغ فى بلد اجنبى ، كأمريكا وأوربا ومصر والهند ، فما السبب فى هذا ؟! ولماذا لا ندخل على طريقة الدباغة الطرق الحديثة التى تقوم على التجربة والعلم . والتى ابرزت هذا الجلد الجميل اجيد ؟ ! . الجهل الصانع ؟ . أم لفقره وكسله ؟ ! قد يكون بعض هذه الاسباب كافيا لتأخر أي عمل ، فكيف بأكثرها يجتمع في عامل ! ولكنى اعتقد ان السبب الاقوى هو هذا الروح الفردى ، او النزعة الفردية ، او الانانية ، او سمها ما شئت . هذا الروح أوجد نوعا من المنافسة التى أتجوز فاطلق عليها هذا الاسم :

( المنافسة ) . وانا مؤمن بان المنافسة الحقة تبعث النشاط وتحدو العاملين الى اتقان العمل النافع وتجويده . وهذه المنافسة الحميدة هى التى تقوم على ضوء من العلم ، وعلى قواعد من العمل منظمة محكمة ، فكلما فشلت بالتجارب قاعدة دعمت باسباب اخرى ترسى قواعدها ، وتقيم أساسها ، او عدل عنها الى خير منها فهناك ابتكار وتجديد . اما النزعة الفردية فلم تسبب المنافسة فحسب ، بل اوجدت عدم الثقة التى أثرت على بنيان العمل الجمعى المنشود ، وعرقلت على العاملين الانضواء تحت راية الجماعة او الشركة . فانا وانت لن نجد فى الغالب عاملا يثق فى عامل آخر او يعتمد عليه ، وحتى لو نصح له بانه وفق بالتجربة الى كذا وكذا قد يعتبر هذه النصيحة دسيسة وخديعة . وهناك عامل آخر شجع الروح الفردي ، ونمى النزعة الفردية ، هو عدم استقرار هذه البلاد من مئات السنين على حال واحد ، . ثورات وفتن واضطرابات متوالية ، ولا ريب ان هذا كان من اكبر ما جعل العاملين لا يطمئنون الا الى العمل الفردى فهو أضمن لحفظ المال حينا او اخفائه احيانا أخرى . وانا اعرف تجارا كثيرين كانوا يخفون أموالهم خوفا ورهبة ، او حكرا واستغلالا ، فكيف اذن لا تقوي نزعة الفرد وانانيته ؟ ! .

والشركات لا يمكن ان تقوم ولا ان تقوي الا فى ظلال الأمن والاطمئنان ، الذي نرى بوادر آثاره ظاهرة العيان بهذه الشركات التى ستكون نواة صالحة للنمو التجارى والصناعي . ان شاء الله .

هذه اضرار العمل الفردى : مجهود ضئيل ، ومستوج قليل ، أساسه التقليد والقناعة فمتى يكون لدينا نتاج يفي بحاجاتنا ، فضلا عن ان يصدر ؟ ! . سيكون ذلك يوم نشعر بالواجب تتحمل تبعاته ، ويوم ننضوي تحت علم الجماعة فى الصناعة ، وحين نطمع للربح والغني ، وحين نقتنع بان هناك عملا يجب ان يدرس ، ثم لا نقف ، بل نجدد ونبتكر .

أولا يمكن ان تقوم شركة تتولى دباغة الجلود ؟ وشركة اخرى لتعبئة التمور ؟ وثالثة لتصدير اللحوم : ( لحوم منى ) ؟ . أولا يمكن ان تؤسس شركة الصادرات العربية فرعا او فروعا لدباغة الجلود ، وتصديرها للداخل والخارج ؟ كل ذلك ممكن ومرجو ومأمول .

أذكر مرة أن دباغا جاءني يوما وبيده عريضة مذيلة بتوقيع عدة أشخاص يطلبون فيها توقيف اصدار الجلود من المدينة ، فقلت ما أدري بم اصف عملك هذا ! دع عنك ما لا يفيد . فمن مصلحة البلد تصدير الجلود على الاقل . فقال : لقد كنا نشتري الجلد بخمسة قروش والآن اصبح بريال : هذا حرام ! فقلت له : أو ليس من الحرام على حد تعبيرك ان يخسر البدوى ( القراش ) هذا الفرق الذي لا تكسبه أنت ، وإنما يذهب ضحية الاهمال والكسل ؟ . أو ليس من الحرام أيضا على رأيك ان يستجديك الجزار لتشترى الجلد منه بثمن بخس ؟ ! أو ليس من الحرام على فكرك ان يفقد وطنك غزو السوق الاجنبية ولو بهذا القدر القليل ؟ ، وأنت ( بعد ) لا تحسن الدباغة ، ولا تتعلم كيف تحسنها ولا تبتكر ؟ ثم ليتك تسعى لتربح ما يجعل منك تاجرا كبيرا يمكن الانتفاع بك ، ولكنك تقنع بالربح التافه الهزيل ، والعمل الضئيل . وهذا شعار العاملين غير المجودين . فقال ( وقد قهقه ) : ما جئت لتلقي على درسا فى العمل والرجولة ! وانصرف .

وهذا - ولا ريب - ثمرة النزعة الفردية التى تمركزت في دماغ هذا العامل ، نتيجة انبثاثها فى البيئة ، ولذا يجب ان يبث فى هذه البيئة روحا جديدة ، وعملا مفيدا ، ونصحا رشيدا ، وقولا سديدا . هذا من ناحية الصانع والاسباب التى تؤخر سيره ، وتقلل منتوجه . أما الصناعات التى يمكن الانتفاع بها فكثيرة ، يعلمها كثير من المفكرين . اهمها : التمور والجلود والصوف . الصوف الذي يكاد يذهب هباءا ، ولحوم الاضاحى ، وبعض المحصولات الزراعية

التى يمكن الاكثار منها برعاية الفلاح وتمهيد الطرق له حتى يربح فينتج فيزرع من القمح ما يسد اغلب حاجات السكان ، ويكثر من غرس النخيل التى تنمو وتهيج فى هذه الجزيرة نموا مثمرا مفيدا . ومن الغريب ان تسبقنا كلفورنيا ومصر والبصرة والجزائر الى العناية بالنخيل . الحق انه لا يقوم بهذا الا جماعة . فقوة الفرد محدودة وهناك مواد ادلية متوفرة يمكن استثمارها لو عمل العاملون .

اشترك في نشرتنا البريدية