ويقولون : ان القائد فلانا كان في طفولته يتخذ من اترابه جنودا يتزعمهم ، فيأمر وينهي ، فى حركات عسكرية ، مما كان دليلا على استعداده لان يكون قائدا بالفطرة ، وربما قالوا : وبالوراثة ايضا حتى إذا كبر نمت فيه هذه النزعة أو الملكة فحققتها الايام تحقيقا يحسبه الاكثرون من اثر الصدفة والحظ الحسن يسوق الي صاحبه التوفيق والسداد في أي امر حاوله ، ولست الان بصدد التدليل على صدق هذا الزعم أو بطلانه فانما ذلك فى مكانه يطلبه من يريده.
ويقولون . ان المخترع فلانا كان وهو طفل يصنع من الورق والاخشاب والحديد لعبا يلعب بها فتعجبه هو ، ويعجب منها اخوانه ، ويغتبط بها من يدعوه الى الاكثار من مزاولة هذه الأعمال التى يحسبها الجاهلون لا تفيد الطفل ، يشجعه هؤلاء فيصنع بعض ما يعجب أحيانا ، وبعض ما يضحك حينا آخر حتى إذا كبر تأتى له من الظروف والاعوان ماجعله المخترع المشار اليه بالبنان ، المخترع الذي أخرج للانسانية ما هود عامة كبرى فى بناء مدنيتها الحديثة ، هذا يقولونه فى معرض التراجم للنابغين والعباقرة من القواد والعلماء والمخترعين أو يدللون به على أثر الفطرة فى الطفل تحمله أن يعنى بامور هو مهيأ لها فى المستقبل ، ومستعد لان يلقاها حسبما ركب فيه من طبائع ، وما تكون له من مطامح ومطامع .
الحق ان هذا صحيح ، ولكن ألا يجوز ان الطفل الذي كان يصنع ما ذكروا ما هو الا كأى طفل يعمل هذه الاعمال أو مثلها فى طفولته ؟ فاما أن يجد عناية وتسديدا وأسبابا تكونه ذلك التكوين العبقرى أولا يجد فيضمحل نبوغه وتموت ملكاته . فكثير من الاطفال كان بناءا يبنى بيوتا صغيرة من الاحجار والطين الذي ينغمس فيه حتى تتسخ أثوابه ، ومع هذا فلم ينبغ فى هندسة المبانى ، وكثير منهم يعمل كطاه ولم ينبغي في الطهى ، وكثير منهم رسام يرسم على الجدر والاوراق اشكالا متنوعة ولم ينبغ فى الرسم ، وكثير منهم يغنى طويلا ليل نهار ولم ينبغ فى الموسيقى ، افتحكم بهذا الاستقراء وهذه النتائج على ان هؤلاء لم يوجد فيهم استعد يكفى لنبوغهم فيما كانوا يعملون فى طفولتهم ؟ . قد يكون الحكم مقبولا وله ادلة تبرهن على صحته ، وتبين بعض الاسباب التى انقصت الاستعداد ، أو أعدمتهم اياه ! ولكن اجزم بان هناك بعض الاسباب التي تغلب على أطفالنا نحن فنجعل منهم جيلا ينعدم فيه النابغون أو يقلون : ذلك انا نصرف أطفالنا بقوة الى وجهة أخرى غير التى يريدونها ، فاذا ما وجهو لها توجهوا ، واتقنوا ما عملوا فكانوا عمالا كابسط العمال ، أو كالات يمشون حسبما يرسم لهم ، ويجمدون عليه ، فلا نبوغ يوحى اليهم التجديد والابتكار ، ولا تفكير يحملهم على القبول والانكار ، بل هكذا قدر لهم أن يعملوا عملا رتيبا بلا تغيير ولا تبديل - وليس كالجمود يميت النبوغ ، ويقتل التفكير ، ويقبر الذكاء قدر لهم من جراء هذا التوجية أن تذبل ملكاتهم الحادة القوية المرهقة التى قد تأتي بالاعاجيب ، وتكونت لها ملكت أخرى بالمراز والتجارب ، هي بلا شك دون ملكاتهم لك كما اسلفت .
ولو ان اطفالنا وجدوا في محيط توجد فيه معامل صناعية ، وصناعات وافرة او محسنون ذوو عاطفة جياشية نبيلة تحملهم ان يقدروا النابغين فيعملوا على
انهاضهم ومعونتهم وتعليمهم لرأيت كثيرا من ذوى الاستعداد يهرعون الى هذه المصانع أو الى هؤلاء المحسنين ، فيشبعون تهمتهم ويدركون رغبتهم . اما وهم لا يجدون ذلك فسيظلون يصنعون لعبهم اطفالا ، فاذا كبروا صنعت لهم بيئتهم ، وصنع لهم محيطهم من المصنوعات ما أنت تراه .
هذا نقص كبير له اثره لدينا ، فأين المبرزون فى ميدان العمل ؟ انما هي ملكات متواضعة ونبوغ يشع نوره فى الطفولة ليهمل فى الرجولة . فهل من علاج ؟ ! العلاج سهل بسيط هو في التربية الحقة يعنى بها المربون المخلصون الذين يشعرون بعبء الامانة وواجب الدين والوطن والعروبة . وفي الاعمال الوافرة الطبية توجد لتوجيه النبوغ حيث تريد طبيعة الطفل وفطرته وغرائزه ، وفي الاباء العاقلين يتركون للطفل حريته واختياره يختار العمل الذي يريد ، ويطرحون عنهم بعض اعباء التقاليد التى تنافى العمل المفيد المنتج ، فليس من شأن حياة اليوم أن يستحي المرء من أى عمل يدر عليه أخلاف الرزق ، ويكفل له حياة شريفه عزيزة تعود عليه وعلى أسرته بالخير والسعادة ، ثم تكون من مجموع هذه الاسر امة سعيدة تستطيع أن تثبت وجودها فى الحياة أو ليست الامة مجموعة أسر ؟ !
والصناعة تربى الملكة وتنميها وتوسع الحيلة . أفهذا صحيح ؟ ! نعم هو صحيح أفليست الصناعة الميكانيكا وما يتصل بها ؟ أو ليست الميكانيكا علم الحيل عند اجدادنا الاقدمين ؟ ! فعلى هذا كل صناعة حيلة ، وكل حيلة يتمرن عليها المرء توجد حيلا أكثر وأكبر واجدى نفعا - وهذا بالطبع إذا لم يكن جامدا . لقد ترى فى الشارع رجلا يتكسع فتقول له بعاطفة جياشة : اعمل فيقول لك :
لا استطيع ولا اعرف صنعة أعيش منها هذا الرجل لم يثر ملكاته ولم ينمها ، بل آماتها بسبب الترك والاهمال ، فرضى العيش هكذا يشكو مر الشكو وتجد رجلا آخر قد ترك صناعته الاولى التى لا أمل له اليوم فى العيش من ورائها ، فقد لها ما آخرها عن الصناعات الاخرى ، فأخذ على نفسه ان يتعلم وأوجد لنفسه الراحة والسعادة ، ولم يعبا بشئ . هذا الرجل قد اتسعت مداركه وتوسعت حيلته فلم يضق ذرعا بما حدث له ، بل سعى وسعى حتى جبر كسره وانقذ نفسه ولم يشك مر الشكوى التى لا تفيد . . .
من هذه المقارنة تعرف ان انعدام الصناعات ، وعدم تعلم الموجود منها هما السبب فى كثرة العاطلين . فعيشة الكفاف قد يغنى بها الفرد ويقنع . لكن أمة يعيش أفرادها كفافا لا تتقدم فى الحياة التقدم السامي المنشود . وكما ان اثر الصناعة كبير لدى الصانعين والعاملين كما قدمت فانه كبير الاثر لدى الذين يشاهدون هذه الاعمال ؛ ففيها حفز لهممهم وتشجيع لهم ، وكل عمل لم يكن صعبا الا ايجاده واختراعه أو تعميمه والانتفاع به ، فاذا وجد كان سهلا على العاملين ان يعملوه ، وقد يصنعون أمثلة تبلغ في الجودة مبلغا أحسن من ذلك المثل الذي نسجوا على منواله . فعلينا ان لا تخنع ونخضع لصروف الدهر بل نسعى للايجاد والانشاء ليبرز منا القادرون والنابغون والعاملون فهل نحن عاملون ؟ ! هذا تبسيط لأثر الصناعة وله ما بعده . يتبع المدينة المنورة : محمد حسين زيدان
