2
( حرية السجن )
قد يثير وقوع النظر على هذا العنوان تساؤلا في ذهن القارىء ، كيف يتعانق الضدان ، فتجتمع الحرية واللاحرية في آن واحد ، ومتى كانت السجون موئلا للحريات ؟ ! وهل خلقت السجون وارتفعت اسوارها الالتخنق الحريات بين تلك الاسوار ، ويتبخر فىيظلماتها ما يمكن ان يستنشقه المرء من نسيم خارج تلك الاسوار ، ويتلاشى فيها ما يمكن ان تستشفه العين من انور الحياة
ولكنها الحالة الرهيبة التي آلت اليها الجزائر فقلبت اوضاعها ، وجعلت من الشوارع والاجنة سجونا ومحتشدات ، وجعلت من السجون معاقل للحرية . ان الحرية اصبحت لا تعنى الهواء الطلق . والشمس المشرقة ، اذا كانت طلاقة الهواء يخنقها ارهاب ، استعماري ، وكان اشراق الشمس اسير الظلم القاتم ، بل اصبحت الحرية تعنى قضبانا حديدية قد يجد السجين بينها متنفسا لصعدائه لا يجده في الفضاء اللامتناهى اصبحت الحرية تعنى الزنزنة الضيقة يخلو القابع فيها الى فكره وضميره مفكرا في مصير بلاده التعس ، ومتخذا من تلك الزنزانة نقطة انطلاق ليوم مشهود ، اصبحت الحرية تعنى ردهات السجون وساحتها التي قد يلتقي الشعب على صعيدها لقاء تضيق عنه ساحات الجزائر ونواديها ، لقد آمن الجزائري بحرية ، السجون متى استطاع ان يجعل منها مدارس وثكنات للانطلاق الثورى . آوى اليها بكل عزة وفخر وثوى فيها السنين الطوال دون ان تفل من عزمه ، اوتزعزع من ايمانه
فلا غرو ان يكون الشعر الجزائري صورة لهذا الجو القاتم الذي يعيشه شعبه خارج السجون . ويكون في الوقت نفسه تجسيما لتلك المثل العليا التى يحملها السجين بين جوانحه حتى صورت له السجن فضاء طلقا ، وذلك الايمان الذي يخفق به قلبه اتقادا وحماسا حتى اذاب به الظلمات الصورية التي
تفرضها الاسوار المنيعة والقضبان القائمة ، وعاش في بحبوحة من رضا الضمير . قال الشاعر الجزائري رمضان حمود : ( 1 )
سمعت بان السجن اضيق من قبر فالفيت قعر السجن احسن من قصر
فماذا يفيد القصر والقلب حائر وماذا يضر السجن من كان ذا قدر
ومن لم يذق طعم الردى بنضاله سيشكو الاذى والدمع من عينه يجري
تلك ابيات ثلاثة تصور بوضوح نظرة الجزائري الذي صهرته نار الاضطهاد ولاحقته زبانية الاستعمار في كل شبر من ارضه حتى استطاب المثوى بالسجن والمعتقلات مع انه فى الحقيقة كمستجير من الرمضاء بالنار
لقد صب الجزائري الحديث في قالب من البطولة قل ان توفر لغيره ، وكونته الاحداث تكوينا خاصا تميز به تميزا واضحا في دنيا الكفاح ، وعمقت الخطوب تفكيره في الامور ، وطوحت بنظره بعيدا عن السطحيات والارتجال واستوت به على قدم راسخة في الاناة والحنكة الكفاحية ، وتمتع بسعة صدر ، وطول نفس في التحمل والمعاناة ، لو ذهبنا نتلمس السبب في ذلك لما وجدناه الا فيما امتاز به العهد الاستعماري في الجزائر من ارهاب واضطهاد لايزالان يلاحقان المواطن كالظل ولا يهدآن حتى يطلا عليه في قعر الزنزانة قابعا ، يتخرج تخرجا لم يدرك الاستعمار كنهه وخطورته حتى جاءت ثورة نوفمبر 1954 .
.فبقدر ضيق السجن اتسع صدر السجين لتحمل ويلات الجلادين وبقدر طول الايام به في هذه المدرسة الخاصة طالت انفاسه في الصبر والجلد ، وبقدر ما احاط به من اسوار منيعة طوح بفكره وتخطى الاسوا وعاش في غايات واهداف تقصر عنها يد الجلاد . ويتارجح دونها ساطور المقصلة . فلاغرابة ان نجد شاعرا كأبى اليقظان يعنون قصيدة له ب : السجن مجمرة تفوح بها قيم الرجال . ( 2 )
منها :
ان الحياة خطيبة فتانة وصداقها فى النفس والاهوال
كاس العذاب لاجلها مستعذب والموت عيش فيه كل كمال
والحزن أنس ، والبكا ضحك لها والعسر يسر فيه كل نوال
والاسر دون نوالها حرية والقيد اطلاق من الاغلال
ما قام للاحرار مجد باذخ الا وكان ( 1 ) من الاساس العالى
فيه غدا فى مصر يوسف جالسا فوق السرير متوجا بجلال
لولاه ما نبتت ( لهوجو ) غرسة كلا ولا نجحت بذور الجمال (2)
فالسجن ان كانت مغبته العلا نعم المهاد ، مهاد جل رجال
السجن مجمرة تفوح بفضلها قيم الرجال . رخيصها والغالى
لولا السوار لما بدا شوق . ولا كانت لدينا لفتة لهلال
تلك هي الصورة الصادقة للسجن في نظر المواطن الجزائري ، صورة تتعلق بالمثل العليا والاهداف البعيدة تعلقا راسخا لاتعبث به تقلبات الحياة ، نظرة تسمو على الظلال العابرة مهما كانت كثافتها ، وترفرف في افق من السمو يعز على المتطاول . فان دخل الجزائري السجن فلينصهر في أتونه ويخرج منه بمعدن خالص لا يشوبه الصدأ وان رزح في الاغلال فلينطلق في وثبة ثورية لا يشق لها غبار ، وان جحظت عيناه من هول ما راى من جلاديه ، فلكي يشق ببصيرته استار الغيب ، ولست انكر ان للسجون أيادى وذكريات سيعتز كل جزائري باسترجاعها
السجن مجمرة تفوح بفضلها قيم الرجال ، رخيصها و الغالى
وحين نتصفح كتابا ككتاب بذور الحياة للشاعر والكاتب الجزائري رمضان حمود نجد المؤلف يفرد بابا خاصا للسجن ويدبجه بهذه الحكم المنثورة " بين جدران السجون تنبت شجرة الحياة الاستقلالية " السجون مدرسة فيها يتعلم المهضومون كيف يقاوم الظلم والاستبداد "
" السجن جسر بين المرء والعظمة " " السجون لابد ان تمتلى بالاحرار في بداية كل نهضة قومية ، كما ان النهضة لابد ان تتم رغم الحواجز والعراقيل التي تنصب في سبيلها "
" ان الحرية لا تؤسس الا على السجون " " ان السجن رمز على ضعف الاستبداد والجبروت " " ليس العار ان تغشى السجن . ولكن الخزي الاكبر ان تتسامح في بنيك ووطنك وشرفك خوفا من السجن . "
" ما سمعنا يوما بان السجن والابعاد والاعدام قضت على امة أبدا ، بل ما رأينا ذلك الا فاتحة عزها ومجدها وعظمتها " " لولا السجون لما قامت قيامة للاصلاح ، ولا تغيرت النظامات العتيقة البالية "
" لولا مشاركة المجرمين للاحرار في السجون لقلت انها بيوت مقدسة يجب ان تحترم الرجل الحقيقي من يزيده السجن اقداما ، والابعاد ثباتا ، والتهديد بالاعدام اطمئنا " ( 1 )
ولولا فخامة التطويل لتصدينا لشرح كل جملة وردت من هذه الحكم التي لولا الترسل لسميتها شعرا ، وان كانت بالنظرة الحديثة الى الشعر لا تخرج عن حدوده ، ويبدو لى انه لولا السجن لما اتحفنا الشاعر رمضان حمود بهذه الدرر الغالية التي صورت السجن تصويرا يشرئب اليه كل ذي ضمير حي حر .
ولعل اجلى صورة للسجن نتلمسها في أشعار مفدى زكرياء ( 2 ) وفي نشيد ( بربروس ) بالذات ، وقصيدة ( الذبيح الصاعد ) وقصيدة ( سيان عندي مفتوح ومنغلق )
حرية المنفى
وللنفي في ارض الجزائر تاريخ طويل ، فما من عنصر وطني حي تهيبه الاستعمار الا ورمى به بعيدا بعيدا ، ظنا منه ان الابعاد قد يخفف من خطورة المنفي في بلده ، ولكن النتيجة كانت عكس ذلك تماما فما ازدادت الاوطان بزعمائها الا تعلقا بعد ابعادهم ، وما ازداد المبعدون عنها الا تفانيا في حبها والتعلق بها
ولما ابعد الامير خالد بن الامير عبد القادر الجزائري الى الاسكندرية تقمصه الشاعر الجزائري محمد السعيد الزاهري فقال على لسانه :
وصر اسر إلى
قضيت حياتى مدلجا ومؤوبا ولكن كاني رمت عنقاء مغربا
بلوت مراس الحادثات فلم اجد خبيرا بعقبى الدهر الا مجربا
اذا جد صرف الحادثات الى العلا فاهلا بصرف الحادثات ومرحبا
تركت ورائى بالجزائر ، من اذا تذكرتهم زاد الفؤاد تلهابا
وما همنى خطب سوى انني ارى هلال بلادى للافول مصوبا
ابيات تعبر عن حسرة والم ، بقدر ما تعبر عن تحد صارخ لكوارث الدهر ونوائبه :
اذا جد صرف الحادثات الى العلا فاهلا بصرف الحادثات ومرحبا
وتكاد تنسى نفسك من غمرة العاطفة الصادقة التى تجيش الأبيات بها ، ويخيل اليك ان الامير بنفسه هو قائلها ، وما ذلك الا للتجاوب الصادق بين الشاعر المترجم والامير المترجم له تجاوب يبين الى اى مدى كان الشعر الجزائري ينصهر في بوتقة الكفاح الوطني ، والى اي مدى يتقمص ابطال هذا الميدان ، فيكون الترجمان الصادق في تصويره لخلجات النفوس ، وتجسيمه لخفقان القلوب
وعند ما يؤدي الشعر دوره في التقمص ، وتفرغ الريشة الصناع من اللوحة الناطقة يتصدى لتمثيل دور آخر ، دور المودع ، دور المنديل الذي يكفكف دموع الوداع . دور الوطني الذي اجتاحته فاقة الزعامة ، فحرمه المستعمر الصبابة الباقية
من زعمائه من تقتيل لهم ، وزج بهم في السجون ، والتطوح بهم بعيدا عن ماساة بلادهم :
الا في ذمام الله يا خير مرشد الى حيث خيم للفخار وطنبا
لئن كنت من افق الجزائر كوكبا فقد لحت من الاسكندرية كوكبا
اما كان قرن الشمس عند شروقها شبيها بقرن الشمس تقصد مغربا
فدنياك ذا جاش قوي ثباته اذا ما خطوب الدهر تنشب مخلبا
الى الآن لم تلق السلاح . ولم تكن لتلقى ايا مقدام من بعد ذا الظبى
فانت اخو العلياء والبطل الذي اذا جد جد ، زاد منه تقربا
انها دمعة سخينة تحدرت من العين وهي تودع الامير ، ولكنها في نفس الوقت عزيمة صارخة ، وايمان راسخ بان المبعد مهما اختلفت به الميادين فان سمة البطولة لن تفارقه ، فهي ملازمة له انى شرق او غرب ، وليست ملازمة للميدان
الى الآن لم تلق السلاح . ولم تكن لتلقى ايا مقدام من بعد ذا الظبى
وان شكرنا لهذا الابعاد يدا ، فشكرنا لما غرسه فينا وفي زعممائنا من انسانية واسعة كانت نسيجة لضربهم في الآفاق . وقد تحرم الجزائر من زعيم من زعمائها حكم عليه بالنفي ولكن الجزائر في نفس الوقت قد كسبته سفيرا لها وشاهدا محسوسا لما يجرى بها من ظلم واضطهاد ومن عجب ان الاستعمار الذي كان يفصل بيننا وبين جاراتنا في العروبة باسوار من حديد هو نفسه الذي تكفل بانتداب سفراء للجزائر في الاقطار العربية وغيرها من هؤلاء الزعماء فازدادت بهم الجزائر في الخارج تميزا ووضوحا ، وكانوا لماساتها نعم الرسل :
لئن كنت فى أفق الجزائر كوكبا فقد لحت فى الاسكندرية كوكبا
واذا اصبح المواطن الحر المبعد سفيرا ، فلا بدع ان تتوجه اليه التهنئة بمناسبة الابعاد وذاك ما نجده عنوانا لقصيدة لابي اليقظان ودع بها ابراهيم طفيش عندما حكم عليه بالنفي الى مصر وعنوان القصيدة : ( تهنئة بنفى ) منها :
راموا الاساءة جفوة وسفالة لكنهم قد احسنوا احسانا
ونفوه من رق الى حرية ومن الممات الى الحياة عيانا
قد اوصدوا ابواب تونس عنه بل فتحوا له ابواب مصر مجانا
قد ابعدوك فقربوك الى الرجا ل فنلت عطفا بينهم وحنانا
قد صغروك فعظموك وانزلو ك منازل العظما فقم شكرانا
خفضوك جهلا منهم لكنهم رفعوا علاك لترفع الاوطانا ( 1 )
ولنا مع الابيات وقفة ، فهي صورة معبرة للتضاد المتطرف في المفهومين مفهوم الاستعمار لخططه واساليبه ، والمفهوم المعاكس الذي يزن المواطن به هذه الظواهر . فالرق ، والحرية . والممات والحياة ، والابعاد والتقريب ، والتصغير والتعظيم ، والخفض والرفع كلها مفارقات . لولا التسامي في نظرة الجزائري الى مظاهر الحياة لما اجتمعت له على صعيد واحد وتعائقت له في موقف واحد
وكان على طرف نقيض مما يريده له الاستعمار مهما اشتط في ارادته من هذه الخطط الجهنمية
وتجذب طرفى لفظة مجانا في البيت الثالث ، لا لجرسها فقد تكون عامية ، ولكن لموقعها المعنوي من البيت ، موقع تشوبه مسحة من السخرية والتهكم من هذا المستعمر الذي يوصد الابواب دون مصر . ويقيم اسوارا من حديد بيننا وبينها ، ثم ينتجها ويدفعها مجانا في وجه من كتب له حسن الحظ ان يكون من المبعدين
و ( الحرية ) التي لم تزل عنوانا عاما لهذه الحلقات لم نكن لنغفلها فهي تواكبنا في كل سطر وبيت ان لم يكن مبنى فمعنى كما اشرنا في الحلقة الاولى . وما التهنئة بالنفي ، وما الحياة وما التعظيم وما الرفع الامن سمات الحرية ، بل انك لتجدها بعينها في قول الشاعر :
ونفوه من رق الى حرية ومن الممات الى الحياة عيانا
تلك هي : حرية المنفى
حرية العقيدة
استسمحك - أخي القارى عفي اعتبار الفصلين السابقين ، جملة اعتراضية فبين ما نحن بصدده ، وحرية التفريض التي تحدثنا عنها في الحلقة الاولى ، فقد أشرنا الى أن الحركة الصوفية الطرقية جانبت طريق الصواب ، وآلت مع مر الزمن الى سلاح فى يد المستعمر لتخدير الشعب باسم أعز مالديه وهو الدين ، وأحاط دنيا الطرقية بهالة من الاكبار والاحترام ، طالما خودع بهما الساذج البسيط ففسرهما تفسير الغاية من أم الوطن بدين البلاد وتقاليدها . فزادت المأساة استفحالا ، وازدادت الدائرة اتساعا ، وساعدها على الاتساع الجو الموبوء بالتجهيل والتفقير حتى شملت جل المواطنين ، فاستطاعت الزوايا أن تفتح لها زوايا في قلوب الشعب وتسحب وراءها جيشا جرارا من ضحايا المسخ الاستعماري مع مظهر ديني مزيف وقد بلغت الظاهرة من الخطورة مبلغا كان له الفضل الاول في انبعاث الحركات الاصلاحية والجمعيات الثقافية ، والنوادي الخطابية كرد فعلى للمأساة ، فقد أصبحت العقيدة الدينية في مهب الرياح ، ورانت على جوهردين أدران الدين منها براء ، وساء فهم الشعب ، فقد أصبح يفهمه فهما يساير سياسة المستعمر في البلاد ، ولن تكون سياسته الاكما قال أحد رجال الدين المسيحي: " ليس غرضنا من فتح المدارس في شمال افريقيا أن نكون عقولا مثل مونتسكيو أو جان جاك روسو ، ولكن لنبدل لغة بلغة وعادات بعادات .
وقدم الجنرال بيجو بعض النشىء من أبناء الجزائر ، الى الأب المسيحي ( بريمو ) قائلاله : حاول ياأبت أن تجعلهم مسيحيين ، واذا فعلت فلن يعودوا الى دينهم ليطلقوا علينا النار .
وكتب سكرتير الجنرال في مذكراته عن الاحتمال : آخر أيام الاسلام قد دنت وفي خلال عشرين عاما لن يكون للجزائر إله غير المسيح . ونحن اذا أمكننا الشك في أن هذه الارض تملكها فرنسا ، فلا يمكن لنا ان نشك على كل حال أنها قد ضاعت من الاسلام الى الابد ، اما العرب فلن يكونوا ملكا لفرنسا ، الا اذا أصبحوا مسحيين جميعا
وأرسل الكاردينال لافيجوري رسالة الى الادارة الفرنسية يبين فيها وجهة نظره في احتلال الجزائر كرجل دين ، فقال :
علينا ان نحرر هذا الشعب ، ونخلصه من قرآنه ، وعلينا أن نعنى على الاقل بالاطفال لتنشئتهم على مبادىء غير التي شب عليها أجدادهم ، فان واجب فرنسا تعليمهم الانجيل أو طردهم الى أقاصى الصحراء بعيدين عن العالم المتحضر . ( 1 )
تلك هي الخطة المبيتة للدين في الجزائر ، وليس من غرابة في ان تجند لها جيوش من المبشرين يختطفون فلذات الاكباد من مهودهم ، ليترعوا في مهود مسيحية ولكن الغرابة فى ان الاستعمار استطاع بواسطة التدجيل الديني واسباغ القداسية على الاولياء ان يجند ايضا من ابناء الشعب المخدعين من كانوا في خدمة التبشير المسيحي ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
ولم تكن الشاعرية المرهفة الحس ، الوقية لدينها ومبادئها ، أن تختار سلامة الجلوس على الربوة ، وتعيش بمعزل عن هذا المعترك العقائدي الذي ، يقف الاسلام فيه بين الحياة والموت بل كانت الشاعرية من الخطوط الاولى من الواجهة تكيل الصاع صاعين لمن يكيد للاسلام وتنزع في صمودها الى عرق عربي أصيل في عروبته ودينه ، والحفاظ دونهما
فهذا ( رآشيل ) المعمر الفرنسي الذي تصدى للتهجم على الدين والقرءان ، في سلسلة مقالات كتبها بجريدة ( لادبيش ) ( La Depiche) بقسنطينة يتصدى له بدوره الشاعر محمد العيد . ويقف له بالمرصاد :
هيهات لا يعترى القرءان تبديل وان تبدل توراة وانجيل
قل للذين رموا هذا الكتاب ، بما لم يتفق معه شرح وتأويل
هل تشبهون ذوى الالباب في خلق الاكما تشبه الناس التماثيل
فاعزوا الاباطيل للقرءان ، وابتدعوا في القول ، هيهات لا تجدى الاباطيل
وازروا عليه كما شاءت حلومكم فانه فوق هام الحق إكليل
ماذا تقولون في آي مفصلة يزينها من فم الايام ترتيل
ماذا تقولون في سفر صحائفه هدى من الله ممض فيه جبريل
إن كان أعدل قانون يساس به امر الشعوب ، ففيم وقال والقيل ؟
ثم يتصدى الشاعر لاشيل في مبارزة حادة ، وتحد صارخ :
مابال آشيل في الدبيش . يسخر من آيات محكمه ، لا كان آشيل
مابال آشيل يهذى في مقالته كحالم راعه في النوم تخييل
ما بال آشيل يزرى المسلمين وهم غر العرائك . انجاب بهاليل
أفكارهم بهدى القرآن ثابتة فلا يخامرها في الرأي تضليل
وأمرهم بينهم شورى ، ودينهم فتح من الله ، لاقتل وتمثيل
واذا تجسم في ( اشيل ) المعمر الفرنسي ، عنصر التبشير المسيحي ، والسعي وراء إبادة الاسلام ، فهناك من يتجسم فيهم العنصر المساند لهذا التبشير ، بما الصقوا بالدين من خرافات واضاليل ، وبهم يعرض الشاعر الجزائري محمد السائح اللقاني في هذه الأبيات ( 1 )
وما كل علم في البلاد أريده ولا ما هم يدعونه علم زهاد
فمن كيدهم للخلق سموه باطنا فاصبح مبنيا على غير أوتاد
وقالوا اذا لم تدرك الأمر ، سلمن لما فتح الرحمان من فيض أمداد
والا فخف من سوء فعلك أن ترى على غير هدى المصطفى يوم ميعاد
فقلت : وان أقررت بالله وحده وآمنت بالمختار من غير الحاد
فقالوا وإن واصلت صبحك بالدجى وأصبحت بعد اليوم من خير عباد
فقلت : تعالى الدينى ، دين محمد على مابه الصقتم دون إسناد
ألم يكن الرحمان أكمل دينكم فما بعد ذاك اليوم أحلام سهاد
ومن المحاورة بين قالوا وقلت . ندرك الى أي مدى أصبح الدين الاسلامي في واد ، وأصبح هؤلاء الدجالون في واد آخر ، فما انفك الشعر يلاحقهم ويصليهم شواظا من النقد اللاذع ، والتهكم الساخر وذلك مات تستنشقه من أبيات حمرة بوكوشة ( 2 )
برمت من الاقامة فى بلاد يؤول اهلها الكفر الصريحا
يقودهم المدجل للرزايا ويأخذ منهم الثمن الربيحا
ليعطيهم من الجنات قصرا ويمنعهم اذا قدر اتيحا
ونافسهم من العلماء قوم بترك الدين يشرون المديحا
ويخشون اليهود مع النصارى ولا يخشون من خلق المسيحا
ويمر حول على وفاة والد الشاعر حمزة بوكوشة ، فيتذكره ، بهذه اليد العظمى التى سجلها في هذه الابيات الثلاثة مكتفيا بها في ذكرى والده ، ومقتنعا بها في تأبينه :
أبي مضيت الى الرحمان تسأله عفوا ومغفرة والذنب يغتفر
علمتني كيف لا أعنو لمشيخة تحارب الدين ، بالعادات تستتر
علمتني كيف لا أعنو لمشيخة تظن أن الورى من دونها بقر
ولم تتوقف المأساة عند العنو للمشيخة المضللة ، ولكنها امتدت الى العنو للقبور ، والتمرغ على ترابها وتقبيل احجارها ، والاستنجاد بالرميم البالى من هياكلها
سمعتك تدعو الميت في القبر ضارعا فيا عجبا للحى يستصرخ الميتا
تخذت من الدعوى لباسا ، ولوترى بها مايرى أهل النهى لتعرينا
هياكل قابعة على هياكل حاول شاعرنا محمد العيد ان يهزها بهذين البيتين لعلها تتعرى من اللباس الخادع ، والقناع الزائف ، فتثوب الى رشدها ، الى عقيدتها الصحيحة التي حاول الاستاذ الطيب العقبي أن يلخصها في هذين البيتين ( 1 )
لله ربى وحده ، لا أ رتجي الاه عونا عند كل ملمة
واليه أضرع في الشدائد كلها لا للقبور ولا لصاحب عمة
وكان الرسالة الاصلاحية لهذه الفترة في نظر حمزة بوكوشة محصورة في محاربة هذه البدع والتفرغ الكامل لدحضها ، فإذا كانت هذه الرسالة من الذكرى الخالدة واليد البيضاء في التأبين الحولى لوالده فهي كذلك النقطة الحساسة ،
المحور الذى تدور عليه أبياته في تهنئة جريدة ( الوزير ) بسنتها الجديدة ، بعد ربع قرن في خدمة الصحافة ، قال مخاطبا صاحب الجريدة : ( ١ )
ربع قرن قضيته في الصحافة دائبا ساعيا لنشر الثقافة
لم تؤيد مدى الحياة خؤونا غادرا بالبلاد ، أو ذا خرافه
يدعي العلم والمتصرف ، حتى يكسب الفلس أو يروم اختطافه
ظنه الجاهلون شيخا تقيا وهو من يحتس كؤوس السلافه
تلك لوحة قائمة للعقيدة ، باهتة الالوان ، لم تأل ريشة الشعر جهدا فى بعث الوانها الزاهية ، وبعث الحياة في ظلالها الباهتة ، وللشعر في ذلك يد لا تنكر وتلك هياكل هامدة كان الشعر الحقنة التي فجرت الحياة فى شرايينها ، والهزة التي بعثت الحركة فى مفاصلها
( يتبع )
