الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

الحرية فى الشعر الجزائري المعاصر،

Share

- 3 -

حرية الضاد

ولو ارتضينا بالمذلة عيشة

لمشى الطغاة بها الينا ركعا

لكن حرف الضاد فى لهواتنا

يأبى لغير العز ان يتضرعا

تلك هى الوقفة الصامدة المستميتة التى وقفها الضاد فى وجه المستعمر في الجزائر وذاك هو الاباء الارعن الجامح الذى تشبث به فاستهدف ضراوة الاستعمار الثقافي والغزوات التبشيرية المسمومة، وعاش فى صراع معها تلاحقه في الصفحات الاسبوعية المحدودة، فيحتى بالمدرسة الحرة، وكان احتماؤه بالكتاتيب قبل ان ترى المدرسة الحرة النور ولقد ضيقت عليه الحلقة في فترة ليست بالقصيرة فاستنجد بالمصحف الكريم الملاذ الاخير للابقاء على حشاشته، وكان المستعمر - وهو يطارد الضاد - على يقين من انه اذا اصابه فقد اصاب المقتل فلا غرو ان يستميت فى المطاردة والملاحقة حتى الملاذ الاخير: " علينا ان نخلص هذا الشعب ونحرره من قرآنه " كلمة قالها رجل دين وهو يعنى ما يقول، ويضيف الكاردينال لافيجورى " فان واجب فرنسا تعليمهم الانجيل او طردهم الى اقاصى الصحراء " وفى اقاصى الصحراء تمتع الضاد بشيء من الغفوة الاستعمارية فانكب يلم شعثه ويستجمع قواه محتميا يمعاقل لم يزل الفضل الاسبق فى الحفاظ على الفصحى يعود اليها.

وكان الشعب وقد خارت سواعده المفتولة، وفلت سيوفه المسلولة، يشهر من العزيمة سيفا لا يفل، ويعلق الامل على دينه ولغته حتى سنوح الفرصة لاعادة الكرة، وكان رغم الجراح المثخنة يتحامل على الاستماتة فى وجه كل موجة ثقافية مسمومة، وتركز الدفاع اول الامر فى الدين واللغة مواجهة لمركز الهجوم، وهل يتجسمان الا فى المصحف بعد ان ضاقت بهما السبل فى فروع العلم الاخرى، وهل وجدا من ملجا غير المسجد بعد ان لم يجدا طريقا الى مدرسة حرة، وفي محاريب المساجد وأقبية الكتاتيب لم يكن المصحف فى معزل من

الطعنات وقد نقلنا لك أخى القارئ قصيدة محمد العيد فى الرد على تهجمات آشيل على القرآن (1) مما يعطى صورة ليقظة الشعب، وتوقد الحمية في رؤوس مفكريه. ومحمد العيد غالبا ما ينصب نفسه وشعره لسان دفاع على المصحف ولغته: (2)

يا معشر الطلاب هل من آخذ        بالذكر، او متمسك بعصامه

فتشرفوا بالاخذ من آدابه              وتعرفوا بحلاله وحرامه

ولكل شئ فى الحياة أذية               وأذية القرآن من أقوامه (3)

عملوا على التخدير من تفهيمه        فكأنهم عملوا على أعدامه

هجروا مبادئه العلي وتنكبوا           أحكامه والخير فى احكامه

زعموا بان صوابه خطأ وفي            ما يزعمون زراية بكلامه

أسطورة. ان الذى قد قالها            لحر بأن يرتاب فى اسلامه

والى اللسان العربى المبين يمتد خط الدفاع:

لكم اللسان الفذ فى ايضاحه             رغما على الساعين فى ابهامه

لا تهملوا هذا اللسان، ففقدكم           فى فقده، ودوامكم بدوامه

ما هو الا عقد در فائق                  رصفا، وعلم النحو سلك نظامه

ويقف محمد اللقانى السائح موقف حافظ ابراهيم من الفصحى ومأساتها: (4)

ها هى أم اللغى تنعى لمصرعها           ها هى ألفاظها تبكى وتبكينا

صارت شبيهة أثواب مرقعة               تضم من خرق طمر ملايينا

خلطتموها بألفاظ مشوهة                ولم تقيموا لها يوما موازينا

وصفتموها بضيق في النطاق وقد         كنتم على وصفكم قوما ملومينا

بل هى أم لغات الارض أجمعها          كل لها عند ضيق اللفظ يأتينا

ياربة الحسن، ياذات الجمال ويا          مليكة الامر رفقا اذ تلومينا

وفي حومة الذود عن الفصحى نجد حملات اصلاحية لاستنهاض الشعب لشق طريقه الى المعرفة التى يلوح منها منار الشاطئ، وكان الجهل وقتها والمستعمر يقفان على صعيد متساو من حيث العداوة أمام الشعب وكانت الحملات ترابط فى واجهتين واجهة المستعمر السافر، والمستعمر المقنع وكان الجهل أشد الاقنعة كثافة، فلا غرو ان يستهدف معاول الاصلاح:

اناس دعوكم للضلال، وناصبوا             ذوى العلم والتقوى العداء لهم حقا

الم يعلموا ان الجهالة، غبها                  وخيم، وان المرء بالجهل كم يشقى

فويل وويل، ثم ويل لجاهل                  قضى عمره بطلا ولم يعرف الحقا

رمى جانبا تلك العلوم التى بها              غدا الغير حرا عند ما حرم الرقا

فمن رام منكم نيل عز ورفعة               بدنيا واخرى فليبادر لها سبقا (5)

وخيبة الامل التى كانت انعكاسا للجهل الضارب اطنابه فى اوساط الشعب، كانت تقابلها اشراقة امل فى استقبال المتغربين العائدين بالعلم الى وطنهم المهيض الجناح وهم قلة افلتت من قبضة المستعمر الى جامع الزيتونة بتونس، فعادت الى الشعب عودة الكتيبة المدججة بالسلاح، فانحصرت فيها آمال الخلاص: (6)

فأهلا وسهلا بالذين تطوعوا             لخدمة هذا الشعب شعب الجزائر

تجلوا على هذى الجزائر، بعد ما         سجا الليل، اشباه البدور الزواهر

فقر بهم شعب الجزائر، مثلما             تقر لدى الاياب عين المسافر

شباب يرى تفريطه فى بلاده              وتضييعه للقوم احدى الكبائر

ليهنا بهم شعب الجزائر انهم               هداة ذوو خبر بوعر المصاير

فلا زال ابناء الجزائر، طالعا               عليهم فتى منهم جميل المظاهر

ووجدت المدرسة الحرة طريقها الى الحياة، ولكنه طريق ملؤه الاشواك والعقبات لا يمكن تخطيه الا بخطى دامية، وقد تتعثر الخطى فى منتصف الطريق فيقبل الشعب العثرة بعرق جبينه، وسعة صدره، معلقا امله ببناء المدرسة وافتتاحها فى يوم مشهود ولو لم تبن المدرسة الا فى سبيل ذلك اليوم المشهود الذى يرتفع فيه صوت الضاد مدويا وصوت العلم صارخا فى جمهور الشعب الذى فرض عليه المستعمر ان يعيش افرادا - لكانت اسدت للشعب اليد الطولى فى حفظ وحدته وتماسكه، واشعاره بالرابطة التى كادت تنفصم عراها.

ولكن المدرسة كانت لما وراء اليوم المشهود، كانت ثكنة للجيل الصاعد، وقلعة للفصحى، مدرسة مهما تنكر لها المستعمر فلا اخالة جاحدا رسالتها فى خلق الوعى الشعبى واذكاء الشعلة الثورية:

يا دار انت على التقوى مؤسسة             بناك بالطهر مرصوص ومشدود

يا دار حملت آمال البلاد، ففي             فنائك اليوم اشبال صناديد

يا نشأة العلم، يا فخر البلاد، ويا           روح الجزائر تقديس وتمجيد

يا نشأة العلم لا تقعد بكم همم             عن الجهاد فان الوقت محدود

كونوا الخلاص لشعب لا نصيب له         ممن يعذبه الا المواعيد

وحطموا القيد والاغلال ان له           فما، وجسما، فموصود ومصفود

أمانة الشعب قد شدت بعاتقكم         فما لغيركم تلقى المقاليد

فابنوا المدارس فى عرض البلاد فما       غير المدارس للتحرير تمهيد (7)

تلك هى رسالة المدرسة، ورسالة نشئها فى الحفاظ دون الفصحى التى ابقت على الوشيجة التى تربط الشعب بماضيه المجيد، ورمت بنظره الى الغد فى تطلع متحفز.

ولكن الرسالة لخطورتها فى نظر المستعمر، كان يؤلب للنيل منها ومن قداستها كل امكانياته، ويجند لها حتى من ابناء الشعب من يرميها بكل نقيصة، فاصبح المتحمل لها هدفا للضربات الاستعمارية المباشرة، وغير المباشرة على يد الاعوان الذين يغضون الطرف من رسالة العلم لانها رسالة معنوية، وكانت المادة ميزان الحياة بالنسبة لهؤلاء الاعوان وبالنسبة لجانب كبير من الشعب الذى حرمه التفقير الاستعمارى لذة الروح والمعنى، والابقاء على الاعتزاز بهذه الرسالة يتطلب ايمانا بها راسخا، وتضحية صامدة وتحكيما للنظرة البعيدة المتفانية فى اهداف الغد، حين يحكم ذو النظر القصير المصلحة المستعجلة العابرة، وهو ما نستشفه من ابيات محمد العيد: (8)

ارى جل اصحابي ازدروا بوظيفتى               وقالوا هموم كلها ووجائع

وقد زعموا عمرى مع النشء ضائعا            وتالله ما عمرى مع النشء ضائع

سيروون عني الشعر والعلم برهة                وتطلع للاسلام منهم طلائع

فمنهم خطيب حاضر الفكر مصقع           ومنهم اديب طائر الصيت ذائع

ومنهم ولوع بالقوافى، لفكره                   بدائه في ترصيفها وبدائع

ومنهم زعيم للجزائر قائد                      له في مجالات الجهاد وقائع

نظرة بعيدة من السهولة بمكان ان نعيش اليوم واقعها، ولكن من الصعوبة بمكان، ومن التضحية بمكان استحضار هذا الواقع والاقتناع به قبل ربع قرن، ولكنها النفوس الابية، غضت الطرف عن النعيم الزائف الذي زخرفة المستعمر لاجتلابها، وطارت الى النعيم المتجاوب مع كرامة الشعب فى ظل دينه ولغته، طارت اليه على اجنحة التضحية، والتلاحم الراسخ مع المميزات القومية لهذا الشعب وفي مقدمتها الضاد: (9)

رعى الله فى ارض الجزائر نهضة           مباركة في العلم تسمو الى النجم

وترمى الى اهدافها بقصودها             موفقة الانظار صائبة السهم

وتنشئ للفصحى مدارس عدة           مشيدة البنيان محكمة الدعم

وكانت القوانين الاستعمارية الجائرة، الجارية على اعتبار الفصحى لغة أجنبية، وتوطين اللغة الدخيلة، تستثير فى الشعب تمسكا اقوى وتشبثا اعنف بابنة عدنان

تحن الى نيل الحقوق نفوسنا                    وتأبى علينا نيلها قوة الغشم

ونقصى عن الفصحى ونلهى بغيرها           وليس سوى الفصحى لسان لنا رسمى

وما نحن الا من سلالة يعرب                  فمن رام عنها فصلنا باء بالرغم (10)

واذا كان الضاد مرجع الفضل فى المحافظة على الرابطة الاخوية التى تربط بين ابناء الجزائر، وهم المستعمر فك عراها، وكان مرجع الفضل فى استجلاء الهوة السحيقة التى تفصل بين الشعب والدخيل، وهمه استبعادها باغشية ضبابية. فبالاحرى ان تكون الرابطة الواسعة بين الجزائر والشعوب العربية ترجع فى فضل الابقاء عليها الى الضاد:

صل العرباء واحم لسانهم         فانك من اصلابهم تتحدر

ويقول محمد العيد:

يا شباب اتجه الى الشرق واحفظ          كل كنز له اليه انتساب

انما الشرق للعروبة ورد                    ارد الماء سائغ مستطاب

هو صفو وغيره لك شوب               فرد الصفو لا ترد ما يشاب

واحيانا تتلاشى ملامح هذه الرابطة، وتتوارى معالمها. فيستمد التائه الحيران البصيص النورى من الضاد:

حرت فى عزونا الى العرب، لولا         فكر خصبة، ولسن حداد (11)

حرية الصحافة:

دبت الحياة في الضاد، بفضل تلك الجهود المضنية من عرق شعبى متصبب فذهب يتحسس ميادين لنشاطه فى المدرسة والنادى والصحيفة، وليس من السهل ان تنفتح هذه الميادين، وبالاحرى ميدان الصحافة، وحرية الفكر وحرية القلم ترزح في قيود من الكبت الاستعمارى، ولكنها النفس الجزائرية البناءة، التى لا تتذوق لذة العمل الا في المرتقى الصعب، فاستطاعت بهذه الروح ان تفتح صدور جرائد وطنية، وجد الضاد فيها كل متنفس، وطلعت عليه باشراقة أمل تكاتف حولها ما تبخر من آمال، وعلى ضوئها بانت له معالم الطريق، وحول الصحيفة التى احتضنت رغبات الشعب التفت الجهود واليها اشرأبت الاعناق، وتباشر الشعر بمواليدها وحتى بالموءودة منها قبل ان ترى نور الحياة، وكانت الآمال تسابق صدور الجريدة يجسمها شاعر فى

قصيدة، وقد تصادر الجريدة قبل الصدور، فتبقى القصيدة تشتكى اليتم، وتجسيم مأساة الفكر فى ظل الارهاب الاستعمارى: (12)

حي (الجزائر) ما دامت تحيينا             وانهض بشعب قضى فى جهله حينا

واعمل لخير بلاد، طالما هضمت          حقوقها، واتخذ من حبها دينا

حي (الجزائر) ما قامت بواجبها           وحي صاحبها مهما يحيينا

تلك الصحافة لوتندى الاكف لها         لا شئ عنها مدى الايام يسلينا

مرحى لها ولمن قاموا بواجبها               يدعوننا علنا، للحق مصغينا

ولا يألو الشعر جهدا فى التنويه برسالة الجريدة، بتعداد أهدافها وغاياتها حتى تجد من الشعب الحنو والعطف ان وجدت من المستعمر الجفاء والقسوة: (13)

ان الصحافة نور للبلاد، اذا               سارت موفقة في احسن السبل

هي الفؤاد لشعب قد غدا سكنا           هي الحسام طويل الحول والحيل

هى اللسان لها حكم وسيطرة              هي الرسول لدى الاجناس والدول

هى الطبيب يداوى من به مرض           من الجهالة، او ميل الى الزلل

تهذب القوم للاصلاح ترشدهم            وتدفع الجور، كالارهاق والختل

فأمة نبذتها، لم تنل ابدا                     ما ترتجى، لحياة العز لم تصل

واذا استدعى استدرار عطف الشعب على الصحافة، ان يذكره الشاعر بانها العزاء على حسامه المفلول فى المعركة، بل هى الحسام ذاته، وانها العوض عن المنبر المخرس، واللسان المقطوع، فقد يستدعى الاستدرار ايضا التفاتة الى الماضى الماضى الذى هو العزاء، كل العزاء لشعب حرم حاضره فكاد ينكره، لولا استعطافه بصور غابرة ما زال يتجاوب معها اعتزازا وفخرا وايمانا برسالتها، فليست الصحافة صحافة، ولكنها (سوق عكاظ)، ولكنها (ذو المجاز) (14) بل هى تتخطاهما اهلية لاداء الرسالة ان ساعدتها الظروف:

ان الصحافة للشعوب حياة                  والشعب من غير اللسان موات

فهي اللسان المفصح الذلق، الذي           ببيانه تتدارك الغايات

فهي الوسيلة للسعادة والهنا                  والى الفضائل والعلا مرقاة

ما ذو المجاز وما عكاظ، وما وما             ان ساعدت لرواجها الاوقات

واني للاوقات ان تساعد على الرواج، والرواج من حقوق الدعايات الاستعمارية وحدها، واذا برزت ذات الجلالة لتنهض بحمل الآمال الذى كاد كاهل الشعب ان ينوء بها، وخطت خطواتها حادية الركب الذى اوشك ان يضنيه طول الطريق، فانها نفسها غالبا ما تفتقر الى من يحدوها، وكان صاحبها رهين مسؤولية لو لا مساندة الشعب له لا لقى عصا التسيار واختار سلامة الجلوس على الربوة:

يا رافعا قلما، للحق تشهره                    جزاك ربك منحلا كمرتحل

الى الدعاية، فالآذان صاغية                   فاصدع بحق ولا تركن الى ملل

فسر ودع قول من خست مقاصده           (فى طلعة البدر ما يغنيك عن زحل)

وانذر، ونهض بلادا، ساء موقفها              بين الانام، وكانت قبل فى قلل

وانفخ بها قوة تشفى الغليل بها                واصرخ، وحرض، وايقظها من الكسل

صيغة امر صارخة، تعطيك صورة صادقة للارض الصلبة التى تزرع الصحافة فيها افكارها، والتي لا يمكن ان تنبت الا تحت ضربات الفأس والمعول التى تشبه هذه الاوامر، وما صلبت الارض الا بالجدب الفكرى والقحط الثقافي اللذين فرضهما الاستعمار على قرائح لا ينقصها الخصب ولكن تنقصها السماء السخية. رسالة وأى رسالة تحملها الصحافى الجزائرى يصارع بها دولة ذات حول وطول فتصرعه احيانا بهما، ويصرعها حينا بايمانه الراسخ، وروحه المتوثبة، وكثيرا ما تكون لها الغلبة، فتطوى الصحيفة على كمد، مطوية معها آمال الشعب، ويخر اليراع الفدائى صريعا، منبعثة منه هذه الزفرات الجريحة: (16)

" ... تضاعفت رياح الفتن، وتوالت امواج المحن، فهوت بها من منبرها العام، الذى طالما هزت منه اوتار القلوب، وارسلت منه اشعة النور الى ما وراء الغيوب. ولو ان النكبة وقفت عند هذا الحد، لهانت المصيبة، ولساغ مذاقها فأن هذه الكوارث شئ عادى، بالنسبة للصحافة خصوصا فى بلاد لم تكن فيه الضمانة الكافية لحريتها، كما هو المتعارف فى البلاد الراقية، ولكن تجاوز طمها حسب مقتضيات السياسة الى مديرها نفسه فحرمته من حقوقه الطبيعية، والى قلمه فحجرت عليه الجولان فى ميادينه المشروعة، فصدرت الاوامر بذلك الى اطراف البلاد

تلك صورة الواقع الذى عاشه الصحافة العربية فى الجزائر، بريشة صحافى تجرع مرارته، ودمعة سخينة على صفحة توارت برغبات الشعب الندية

التى لا تكاد تجد متنفسا فى واجهة حتى يسابقها خنق الحريات بيد من حديد دخيلة. ولم لا تكون الصدمة قاسية؟ والدمعة سخينة، وقد اغمد - عن كره - السلاح الوحيد الذى بقى فى يد الشعب.

ولكى تعرف مدى الآمال التى كانت ترفرف حول الجريدة الجزائرية، التعرف مدى الخيبة بمصادرتها فأقرأ معى هذه الابيات لمحمد الهادى السنوسى الزاهرى، كتبها وبعث بها الى ابى اليقظان: (17)

دعا بك من قومي خيار شباب            فلا تنا عن داعى الهوى بجناب

اذا كان همى هو همك، فليكن             عذابك فى دور الكفاح عذابى

وليس لنا الا الجزائر موطن                  ترابك فيها، واحد وترابى

هى الام وافت في الصبا كل مرضع         وفيها اهتدى الساعون سبل صواب

ساقضي لها حق الامومة، انها               بلادى التى فيها محط ركابي

هى الجنة الفيحاء من قبل نشأتى           وان كنت ظلما نازلا بيباب

ولولا زمان بالممالك عاصف                لتم لها فى العز كل نصاب

اما الحرية والوشيجة التى تربطها بالصحيفة فلا تسل عنها، واسترسل معى فى قراءة ابيات الزاهرى التى تحول فيها الى لسان حال الجريدة:

وكل امرئ حر الضمير، فاننى          سأنزله منى فسيح رحابي

واني لحر فى حياتى، وان امت         فحريتى المثوى وحسن مآب

أحرر شعبا، قد دهاه زمانه            بما ليس فى حسبانه وحسابي

تيقظت الاوطان بعد خمولها            ولا زال يبكى من جليل مصاب

لعل الذى اودى به غير مرة           من الجهل، ينجاب انجياب سحاب

ونظرة واحدة يرميها المطلع على اسماء الجرائد والمجلات السيارة لتلك الفترة (18) يدرك مدى المعركة الطاحنة التى كانت الصحيفة تشق فيها طريقها والرسالة الكفاحية التى كانت تقوم بها، وتشرع فيها قلما لا يقل حدة عن السيف الذى كان يشهره الامير عبد القادر فى ثوراته السلاحية، وكأن الحرف تبوأ واجهة السيف المغمد، والبندقية التى اخرست.

وكان السيف فى عهد الامير يواجه عدوا سافرا، فتحدد امامه الهدف، لكن الحرف فى اوائل هذا القرن حتى الآن، كان يواجه اعداء مقنعين، الى جانب العدو الصارخ الذى يتجسم فى الرقابة، التى لا اخال جريدة مرت على مقراضيها الا وكانما تصعد فى السماء الى جانب قصر ذات اليد بفعل الحصار المادى للجريدة وانتشارها او الوقوف دون المطبعة واجتلابها، لكن كل هذه العقبات ان قصر عنها باع المادة فللروح باع اطول لا يضنيه ان يصل بين قطرين - مع بطء التنقل فى تلك الفترة - فى سبيل التئام صفحات جريدة : (19)

وتجاوبا مع التحدى فى الدم العربى، لم يشتد ازر الكفاح الصحفى الا في مثل هذه الغمرات وكانت الصحيفة تفضل ان تصدع بحقيقة مرة قد تكلفها حياتها، اشرف لها من المداهنة مع طول العمر، وكانت تخلق لنفسها حرية قد تتبخر بعد اربع وعشرين ساعة، لكنها كانت تتنفس الصعداء فى تلك الساعات المحدودة من الحرية المفروضة تحت تأثير ايمانها برسالتها. ان الصحافة بجانب النوادى والجمعيات لم تتمتع بالحرية بقدر ما هيأت اذهان الشعب، لتقبل مفهوم الحرية والتشبع به، حتى يصبح المفهوم على مستوى عام وقاعدة شعبية، بعد ان كان محصورا فى اذهان النخبة.

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية