الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الحرية في الشعر الجزائري المعاصر

Share

(الحرية) : أقصد بالحرية هنا مفهوما بعيدا كل البعد عما قد يتبادر لذهن القارىء من هذه الظاهرة التجديدية التى حررت الشعر من الوزن والقافية فكانت له آحيانا وعليه غالبا . أقصد هذه العروسة الحسناء التى لم ينقطع تطلع الجزائرى اليها ، منذ وطئت أرضه أقدام الاستعباد وخنق الحريات ، هذه الحسناء التى لم يغل المهر فى سبيلها منذ ما يزيد عن قرن وربع ، مهر الدماء والضحايا ، هذه الغاية التى تستميت الجزائر اليوم فى سبيلها ، وتتحرق دماء وشوقا الى استطلاع محياها كما قال ابن باديس فى يوم من الايام : " آه ، آه ، أيتها الحرية المحبوبة ، واشوقاه اليك ، بل واشوقاه اليهم ، المحيا محياهم ، والممات مماتهم ، أنقذ اللهم بهم وطنك ، اننى عدو أعداء الحرية وحبيب أحبابها ، سواء كانوا من أهل البرانيط أو من أهل البرانيس . "

وقد تتعب أخي القارىء - حين تحاول أن تجد الحرية باسمها في كل سطر تمر به فى هذا المقال ، قد تغيب عنك الصفحة والصفحتان ، وما ذلك الا لانها قد اتخذت لنفسها اسما آخر ، ولم تتغير مسمى ، وفتحت لكفاحها واجهة جديدة . فليست الحرية سلاحا في كل وقت ولا هي دم في كل انتفاضة فقد تستعيض بالسلاح قلما ، وبالدم حبرا وبالانتفاضة لبودا ، وبالقلعة مدرسة وتبقى هي هي  فى مفهومها ومسماها ، مهما تشعبت بها السبل ، وتعددت لها الوجهات ، وأنت أدرى منى أيها القارىء ، بالظروف العصيبة التى مرت بالجزائر ، فجعلت الكفاح فيها مخبرا أكثر منه مظهرا ، ومقنعا أكثر منه سافرا وما الحرب الا الكر والفر ، ومن الفر توطئة قد لا يتم الاقدام الا بها :

يلبد الورد السبتني       وله بعد افتراس

(الشعر الجزائرى ) ! الفصيح طبعا ، وليس معنى هذا الحصر الاستهانة بخطورة الشعر الجزائرى الذى قيل بلغة فرنسية ، وذلك التراث الخالد من شعرنا الشعبي فلكليهما أياد لا تجحد فى المضمار الوطني ، وكلاهما ساند

وعزز الانتفاضات الثورية التى مادت بالاطلس وسفوحه . وناهيك بالشعر الشعبى ، الذى لا يزال يعتبر السفر الخالد الذى سجل لكل انتفاضة نبضاتها ولكل ثورة حركاتها وسكناتها ، وواكب الركب التحررى حذوك النعل بالنعل مدلجا معه ليلا ، أو مختبئا وإياه نهارا متسلقا جبلا ، أو متفيئا ظل شجرة ، حاديا له ، أو مترحما على من سقط منه شهيدا ، تلك لقطات لم تغادر عدسة الشعر الشعبى منها صغيرا ولا كبيرا ، سجلتها بكل أمانة وإخلاص ، وبما عرف عن هذه الجموع الشعبية من براءة فى الحكم ، ونزاهة فى النظرة .

كلها مزايا أعلمها حق العلم ، ولا تجهلها أخى القارىء ، وتستوجب منا البحث ، وتتطلب منك إمعان النظر فيه ، ولكننا بصدد شعر عربي فصيح ، متراميا فى أطرافه وموغلا فى مجاهله :

يتلون الخريت من خوف التوى      فيها ، كما تتلون الحرباء

شعر يغزر مادة ، بقدر ما ينضب مصدرا . تنوء به الصحيفة - ان وجدت - فيحتمي باللسان ، وقد تكمم الافواه ، فيعيش فى نبضات القلب حتى يتبخر معها ، شعر يذكرنا بعصر ما قبل التدوين ، فان كان الجهل بالكتابة سببا فى الرواية آنذاك . فما أجدر الارهاب وخنق الانفاس ، وابادة الضحى ، أن تكون سببا فى أن يعيش شعرنا الجزائرى المعاصر على الرواية الشفوية ، يعيش مع الراوى ، ويتوارى بفقدانه ، وقد يحتفظ به الراوى أو الشاعر لنفسه ، دون أن يتجاسر به وسط الجموع ، فيضع نفسه فى قفص الاتهام ، وينصب له القاضى المستعمر نقطة استفهام ؟ قل أن ترضى بغير دخول السجن ، أو النفى .

تلك عقبات أقدمها عذرا لعدم التفاتى فى هذه الصفحات لغير الشعر الفصيح . وان مجرد حصر المجهود في هذا المجال اللامتناهى فى اتساعه المسؤولية ينوء بها الكاهل . ويئن القلم تحت وطأتها ، فكيف نحاول ان نشعب النظرة ، ونمد الرجل على غير قدر الكساء ، ولعل الفرصة غدا تسمح بمعالجة ما قصرت اليد عنه اليوم .

(المعاصر) : قد أكون ضيق الصدر في مفهومى للفظة المعاصر هنا ، فأنبه أخي القارىء بأنني أرمي من ورائها الى الفترة التى تمتد من 1832 حتى 1954 ، ولهذا التحديد أسباب منها :

أن شهرة الامير عبد القادر بطولة سيف ، وبطولة شعر ، جعلته علما من أعلام هذا المهيع الثوري الذى يمتد من دخول فرنسا الجزائر حتى اليوم بل هو أول الاعلام وأوضحها فى هذا الطريق الدامس ، لتوفر المصادر التى تناولته ، وصيانة أغلب ما قاله من شعر ، فلا بدع أن نبتدئ به المرحلة ، وإن كنا نعتقد بوجود أشعار جابهت الاحتلال قبيل تولى الامير للقيادة (1) ولا شك من أن هذا الشعر الذى وقف في وجه الاحتلال لن يكون الا بطوليا يساند السيف الذى يحدوه أو يتغنى به ، كما سنرى من شعر الامير . ولكنا نرجىء البحث في مرحلة ما قبيل الامير الى فرصة تمكننا من الاطلاع على مراجع هذه الفترة وما ثبت لها من نصوص شعرية ،

ذاك طرف أول في المرحلة المعاصرة بينا سبب الاقتصار عليه ، وقد يتساءل القارىء عن سبب التحديد فى الطرف المقابل ، وهو تساؤل له مبرره ، فأى كاتب يتكلم عن بطولة جزائرية ثورية ، شعرا كانت أم سلاحا ، ويغفل الثورة الخالدة التى نعيشها بدمها وبالحبر الذى يسجل هذا الدم ولا يقل قداسة عنه .

الامرك كذلك ، غير أن الثورة الاخيرة فى نظرى ثورة متميزة فى كل نواحيها وهى الزبدة التى تمخضت عنها سلسلة ثورات لم تسقط حلقة منها منذ احتلال فرنسا الجزائر حتى يومنا هذا . وهذا التميز للثورة الاخيرة يطلب تمييزا فى تناولها بالبحث ، وانفرادا بها في المعالجة ، وتفرغا كاملا يغوص على مكنونات أعماقها ، وتوسعا متراميا يشمل كل آفاقها فبذلك ننصف الثورة بحثا وتمحيصا وننصف القارىء اخلاصا لذلك البحث وهذا التمحيص والثورة الاخيرة لها نهاية ، ونهاية محتومة تكتمل بها حلقتها ، ويكتمل التسلسل تبعا لذلك . فلنترك الشراع تسوقه الهمم الى الشاطئ المرسوم ، فاذا رست به الموجة وهدأت الريح ، أمكن للباحث إمعان النظر ، وسهل على القارىء تتبعه والحكم له أو عليه .

حرية المعركة

إذا عرفنا أن لفظة الحرية تبرز الى الصفحات حين لا تجد متنفسا في

ميادين القتال ، وتتوارد على أطراف الالسنة حين تضيق عنها أطراف الاسنة ، أدركنا مدى المتسع البطول عند الامير والذى وجدت فيه لفظة الحرية متنفسا لصعدائها ، فتوارت فى اشعاره ، بقدر بروزها فى مواقفه . وتبخرت فى حبر قصائده ، بقدر انصهارها فى الدم الذى يقطر من سيفه وأى تغن بالحرية شعرا والسيوف تتغنى بها دما ، وأية قيمة لاجراس لفظية ؟ ودوى البنادق ، وقتام السنابك يكسوها معنى ما أشد غناءه ، عن أن يتلبس بلفظ .

فالحرية عند الامير متوفرة على أوسع نطاق ، ما دامت السهول والاودية تمتد أمام طرفه الثائر الى ما لا نهاية ، قال مخاطبا زوجته :

سلى البيد عنى ، والمفاوز والربى

وسهلا وحزنا كم طويت بترحالى

والحرية خفاقة الجناحين عند الامير ، ما دام يعلو صهوة سابح . لا يلوى عنانه جبل شامخ ، أو واد سحيق ، ولا رمح طائش ، أو سيف مسلول :

واشقر تحتى كلمته رماحهم      ثمانى ، لم يشك الجوى ، بل وما التوى

فما ارتد من وقع السنان عنانه      الى أن أتاه الفوز راغم من عوى

وقد ترغب زوجته في أن تحد من حريته ، شفقة وخوفا عليه من الهلاك فتعيد الينا صورا بطولية للمرأة العربية الضنينة بحبيبها البطل ، فتعاتب حاتما على اسرافه فى الكرم ، أو تعاتب عنترة على اسرافه فى الاقدام ، قالت زوجة الامير :

فقالت : أيا ابن الراشدي لك الهنا    كفى فاترك التيار واحمد وجى النوى.

أيا ابن خلاد تطاولت للعلا فيجيبها بقوله :

ويا بنت مأواك الكريم وما حوى

ومدلول الحرية فى ميدان القتال : هو أن البطل يملك زمام تلك الحرية ، فيرخيه أو يجذبه على حسب ما تمليه البطولة الذاتية ، لا خضوعا للقوة المفروضة من الخارج . فما دام الساعد أهلا لقبضة سيف . وحد السيف أهل للاطاحة براس عدو ، فتلك هي الحرية الامتناهية ، ولو خنق أنفاسها قتام

الحرب . وضيق دائرتها استحكام العدو ، ولذا نجد الابطال عادة لا ينتشون الا حينما يقرع آذانهم صوت النفير :

قوم اذا الشر أبدى ناجذيه لهم     طاروا اليه زرافات ووحدانا

وتصبح المعامع أعراسا ، وصليل السيوف زغاريد ، وهي نفس الصورة التى رسمها الامير فى رسالته الى الجنرال ( بيجو ) : " ... وبالجملة فنحن لا نترك فرنسا وقتالها ، ما دمتم في طغيانكم تعمهون ، وفي سبيل أعدائكم تمشون ، والحروب تربينا عليها ، وتغذينا بلبانها ، فنحن أهلها من المهد إلى اللحد . ومما علم من كتب التواريخ القديمة . أن العرب يبتهجون في معامع القتال ، كما يبتهج العروس ليلة عرسه ، فلا يخطر ببالكم أنهم يضجرون منها ، أو يتركونها من ذات أنفسهم ما دامت الأقدار الالهية مساعدة لهم . "

والنظرة في نفسها الى الاشياء تتغير راسا على عقب نتيجة لهذه النظرة البطولية وتكتسي المظاهر الحربيه من جثث ودماء ، وأسلحة مفلولة - صبغة جديدة ، لو اصطحبناها في غير الحرب لكانت مدعاة للاشمئزاز . فألذ شيء يؤكل هو لحم العداء والخمر المعتقة دماؤهم ، وأقحاف الرؤوس كؤوس ، قال عنترة :

وقدما قد شربت دم الاعادي     بأقحاف الرؤوس وما رويت

وتاريخ عنترة يعيد نفسه عند الأمير ، بنفس المقاييس ، ونفس الصور ، يقول الامير :

وألذ شيء عندهم لحم العدا      ودماؤهم كزلال عذب المنهل

النازلون بكل ضنك ضيق         رغما على الاعدا ، بغير تهول

لا يعرف الشكوى صغير منهم     أبدا ، ولا البلوى اذا ما يصطلى

يوم الوغى يوم المسرة عندهم(1)     موت الشهادة غبطة المتسول

فدماؤهم وسيوفهم ، مسفوحة        ممسوحة بثياب كل مجندل

وعجز البيت قبل الاخير ، يعطينا صورة مبدعة لجانب من جوانب الحرية البطولية ، بل الجانب الاعز منها ، فاستشهاد البطل الذى يعد الحد الحتمى من حريته ، والستار الذى لا مناص منه لاختتام مسرحيته ، هذا الاستشهاد يفسره البطل تفسيرا لا يتخلى قيد أنملة عن المقاييس التى يزن بها الاشياء ، فالاستشهاد ليس حدا من الحرية ، ولكنه باب إلى حرية أبدية ، إلى الخلود الذى لا يمسه فيه نصب ولا لغوب ، فلا بدع أن يتسول الشهادة ، ولا غرابة أن يريق - لا ماء المحيا - بل دم المهج في سبيل العثور عليها : " موت الشهادة غبطة المتسول " ، ويؤكد نفس الفكرة فى بيت آخر :

لا يحزنون لهالك ، بل عندهم     موت الشهادة غبطة المتسول

ما الموت بالبيض الرقاق نقيصة      والنقص عندهم بموت الهمل

فالبطل المؤمن بما وراء مصرعه ، لا يرى فى استشهاده إلا احرازا على شهادة تؤهله لحرية أوسع ، فهو مبلبل العاطفة ، متقد الشوق ، لا يهدأ له بال ، ولا يغفو له جفن ، حتى يطل على هذا الافق الواسع ، حين يتدحرج على صخرة شهيدا . أو يهوي من متن فرسه صريعا . وتحسرا على مثل هذا الشرف ، وعضا للبنان على فواته ، قال خالد بن الوليد : " شهدت اكثر من مائة موقعة ، ولم يبق من جسدى محط اصبع دون ضربة سيف أو طعنة رمح . ثم اموت على فراشى كما يموت العير ! ؟ "

على أننا حين نلقى نظرة عابرة على بعض فقرات وردت فى الخطبة التى القاها الامير غداة مبايعته بالقيادة . نتلمس الخطوط العامة لثورته التى دامت سبعة عشر عاما . وندرك الغايات البعيدة التى يرمى لها من وراء تحمل مسؤولية الامارة مع جسامتها ، وتلك الخطوط العامة ، وهذه الغايات تقرب وتبعد ولكنها تدور فى فلك واحد هو فلك الحرية التى يجب توفرها لكل انسان ذي كرامة ، وقد تملى المصطلحات المعاصرة للامير أن لا تطلق الحرية باسمها ، ولكنها تتراءى شفافة وراء تعابير تمليها الصبغة الاسلامية التى اكتستها ثورته ، قال فى ثنايا خطابه :

" ... وقد قبلت بيعتهم وطاعتهم ، كما أنى قبلت هذا المنصب مع عدم ميلى إليه ، مؤملا أن يكون واسطة لجمع كلمة المسلمين , ورفع النزاع والخصام من بينهم ، وتأمين السبل . . . وحماية البلاد من العدو ، واجراء الحق نحو القوى والضعيف . . .

فاجراء الحق نحو القوى والضعيف أسمى غايات الحرية ، ورفع النزاع الذي زرعه المستعمر بين الاهالي ليجد من فرقتهم سبيلا الى سيادته ، وتأمين السبل وتطهيرها من ألغام بشرية جندها أو خدعها المستعمر . كلها نظرات بعيدة الى افق ملؤه الحرية والامن ، لا يباغت فيه المدلج بقاطع طريق ، ولا يمزق فيه الرحم بنزاع أو خصام . يتساوى فيه القوى والضعيف أمام الحق لا يهيض الضعف جناح الضعيف ، ولا تقيل القوة عثرة القوى ، ولو ذهبنا نتلمس مبادئ الثورة الفرنسية ، لما وجدناها توغل الى أبعد من هذا فى ما ترمي اليه . ولعل الامير وفق الى تجسيم ما لوح به فى خطابه ، والى تحقيق الامانى التى تراءت له وهو يتسلم راية القيادة ، كيف لا ! وهو الرجل الذى تسبق أفعاله أقواله :

رفعنا ثوبنا عن كل لؤم        وأقوالى تصدقها الفعال

وتصديقا لاقواله صار فى أصحابه سيرة الفاروق فى أول الاسلام ، وما الفاروق الا عنوان الحرية والعدالة والمساواة ، والنظر الى الناس وكأنهم أسنان المشط ، كل بما قدمت يداه ، من بطأ به عمله ، لم يعجل به نسبه ، وهو القائل : متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ، فلا بدع أن يشبه الامير نفسه بالخليفة العادل في غير ضعف ، الحازم في غير عنف ، فيقول :

وقد سرت فيهم سيرة عمرية     وأسقيت ظاميها الهداية فارتوى

وإنى لارجو أن أكون أنا الذى     ينير الدياجى بالسنا ، عندما لوى

تلك هى الحرية بمسماها البطولي العملي عند الامير وفى أشعاره . وهو مفهوم ساير الثورات التي تلت ثورة الامير دون انقطاع فى أنفاسها ، فعرفت الحرية كفاحا وتفانيا ، قبل أن تعرفها تغنيا بها في الاشعار ، أو إشادة بها فى الخطب ، تجرعت من الدخيل مرارة الظلم ، فجرعته مرارة الاستماتة

فى الميدان ، وعاصرت الاحتلال مقاساة ومعاناة . فقدمت من تجارب أبطالها مسرحيات تتساوى ومرارة المعاناة ووثبات تتماشى وآلام المقاساة .

فلا غرابة أن تنضب فترة ليست بالقصيرة نضوبا أدبيا ، بقدر خصوبتها بطوليا ، وحين يجد الباحث مجالا للاحصائيات الدامية للمعارك ، والتعداد المضرج لجرحاها وشهدائها ، فمن التجنى على قداسة المعركة أن لا يقتنع بذلك فيحاول العثور على صفحات أدبية معاصرة للمعارك ، ولله در أبى تمام حين قال :

السيف أصدق أنباء من الكتب      في حده الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح ، لاسود الصحائف فى    متونهن جلاء الشك والريب

وإذا عرفنا أن الاثر الادبي الشعرى منه بالخصوص - يحتاج إلى ثلاث مراحل يمر بها قبل أن يصل الى يد القارىء ، وهذه المراحل هى : التأثر - الهدأة - الانتاج - ، فان المعارك الحامية التى توالت فى الجزائر لم تعرف الهدأة التى يستوجبها الاثر الادبى ليجد طريقه الى نور الحياة , بل تلك المعارك لم تتجاوز حد مرحلة التأثر . فالفترة الاحتلالية للجزائر التي تمتد الى ما يزيد عن قرن ونصف . يراها المنصف للتاريخ فترة ثورة متصلة الحلقات لم تعرف الهدوء ولا السكينة فى سنة أو سنتين الا لتندفع أعنف ما يكون الاندفاع ولم يخامرها الركود فى شبر من أرض الجزائر ، الا لتندلع بركانا فى واجهة أخرى .

حرية التفويض

مر على الجزائر حين من الدهر استطاع المستعمر فيها أن يمكن رجله من الارض ولو الى حين . فلا تلبث أن تميد به مرة اخرى ، لكن النفس الجزائرية التى لم تعرف الاستكانة عز عليها أن تحني الرأس للمستعمر في تلك الفترات الحالكة من الظلم والاضطهاد فراحت تبحث عن متنفس لحريتها التى تبخرت مع أنفاس الشهداء فى ميادين القتال ، ولما آبت الكتائب المفلولة الى المدن والعواصم عللت نفسها بحرية فى الفكر والمنطق تستعيض بها ما قصرت عنه يد البطولة السلاحية ، ونهضة فى ميادين الثقافة والاجتماع لا تقل ثورية عما عرف عن فرسان القتال فى الجزائر .

لكن المستعمر الذى استمات في خنق الانفاس ماديا ، لن يحررها معنويا وهو يعرف أن الاولى نتيجة للثانية ، فلذلك لم يترك بصيصا من النور يتراءى للقابعين فى ظلمات الظلم ، بل بالعكس فقد زج بهم فى غياهب السجون والمعتقلات . والسجن والمعتقل فى فترة من فترات الاستعمار فى الجزائر ، بل فى كل فتراته ، ليعتبران الافق الواسع لحرية السجين (1) بل إن النهاية الطبيعية المحتومة لكل من حمل السلاح فى وجه المستعمر وتسلطت عليه يده : هى المقصلة على مرأى ومسمع من الجمهور .

اتجاه هذا الخنق المعنوى لم تجد النفس الجزائرية التى خانها الحظ فى العثور على متنفس بين قضبان السجون . أو تحت صليل المقصلة ، وقعد بها حظها فى بؤرة عفنة من الاستبداد الحسى والارهاب الفكرى ، لم تجد بدا من التماس جو تجد فيه راحتها ، وتفسير ما حل بها تفسيرا تفوض فيه الامر للخالق ، وتستريح فيه من عناء الضمير وتأنيبه فالامر كله قضاء وقدر لا دخل للعبد فيه ، وإذا قضى الله فلا راد لقضائه . شان المؤمن اذا حزبه الخطب وخانته الحيلة فى الافلات فوض الامر الى الله ، وتنفس الصعداء في هذا التخريج للمصيبة الجاثمة .

ولا أفسر هذا الاتجاه الصوفى الذى طغى على الجزائر فى تلك الفترة (2) ، وهذه الموجة الروحية التى غمرتها ، الا تفسير الملتمس لحريته من الشطحات الصوفية ، بعد أن قعدت به الشطحات البطولية ، ورغبة العثور على نسيم لها بين الزوايا والقبور حين تبخر فى جو خنقه ظلم الاحياء واستبدادهم ، ويوم كانت العزيمة البطولية فى الجزائر تستنفد المعارك كل طاقتها ، وتستهوى الدماء بالغ اهتمامها ، لم يبق لها من الدقائق الجوفاء ما تفكر في تعويضه بواجهات اخرى صوفية كانت أو اصلاحية . ولكن يوم أن صوح العمر من أى وثبة نضالية ، أزهر بالشطحات الصوفية ، والشعب الذى عرفنا أبناءه

أحلاسا لظهور الخيل ، رأينا من أبناءه أحلاسا لقباب الزوايا . ولا أجانب الصواب اذا قلت ان هذه الظاهرة الروحية تبين لنا بدقة مدى صلة الرحم بين الجزائرى وحريته ، فهو لا ينفك يلاحقها ملاحقة السمكة للماء حتى فى أحواض تصبيرها وتجفيفها ولايزال يتفنن فى توجيهها - لاأقول التوجيه الاصلح - فهناك من التوجيهات ما أصبح قيدا لحريته ، وشلا من انبعاثها . وهناك من التوجيهات ما اعتبر رمادا هيل على جمرة هذه الحرية ولكن حسب الموجه ارضاء لضميره أن يكون باعثه على ذلك هو الجرى وراء حرية مفقودة ، والعثور على هذه العنقاء أغلى ما تشرئب اليه العين ، أكان العثور على غصن شجرة من قمة جبل أو على قبة ولي فى مجمع أموات .

وطبيعي أن لا ننتظر من هؤلاء الابطال فى شطحاتهم أدبا ثوريا ، ولا تغنيا بالحرية على ما عهدنا وما سنعهده . فهم قد فسروا الثورة تفسيرا أملته الظروف وتغنوا بالحرية تغنيا فرضته الاحكام الخانقة ، فقد استعاضوا بالقصائد الثورية قصائد مديحية ، وتغنوا بالماضى المجيد سلوانا عن الحاضر الشقي ، وضرب بينهم وبين المستقبل بسور من حديد ، فكفكفوا الدمع بالتفاتة الى الغابر . ولله در شوقي حين قال :

وإذا فاتك التفات الى الما      ضي ، فقد غاب عنك وجه التأسى

ورويدا رويدا غرق الشاطحون فى غمرات الروحانيات ، وطوحت بهم الموجة بعيدا عن شاطىء واقعهم . وواقع شعبهم الاليم ، والفت القصائد المطولة فى المديح ، مدح آل البيت والاشراف والاولياء ، بل ألفت الدواوين فى ذلك ، وحين تحاول العثور على اسم الجزائر فى هذه المطولات سيخونك الحظ ، كأن المؤلف والقصيدة وردا على هذه التربة الشقية من بعيد ، والواقع عكس ذلك تماما ، فالمؤلف جزائرى والطبعة جزائرية ، وفى غمرة المآسى والآلام ، وأوج الاضطهاد الاستعمارى ، ولعل النقطة الحساسة فى الموضوع لم تعد جزائرية ، وهي هذه النفس الذى كتبت أو أملت ، فقد خدرتها الاضاليل ، وختمت عليها الاباطيل فأصبحت فى واد وشعبها فى واد آخر . .

خذ مثلا ديوان ( المنار ) (1) لمؤلفه عاشور بن محمد ، المشهور ب : ( كليب الهامل ) وصاحب الزاوية المشهورة : ( زاوية الهامل ) ، والديوان بعنوان : ( منار الاشراف على فضل عصاة الاشراف ، ومواليهم من الاطراف ) وقد تصفحت نسخة منه فى دار الكتب ، وهى عبارة عن قصائد مطولة ، القصيدة الاولى فى 200 بيت ، عنوانها : ( حسن الامل ، فى فضل الشرف المجرد عن العمل ) . انك لن تجد في كل هذا الديوان ذكرا للجزائر ، ولا التفاتا الى ما تقاسيه من آلام ومآس .

وامتدت يد المستعمر الى هذه الجسوم الهامدة ، والتى لا تقوى على حركة إرادية ، أشبه شئ بالجسم المريض الممتد على طاولة التشريح . بعد أن أفقده المخدر كل معنى للحياة ، امتدت يد المستعمر اليها لتنحت منها هياكل وتماثيل ، يخدر الشعب بدوره بها وغدت الحركة الصوفية الطرقية بأساليبها المعهودة ، لتنشغل عما وراء الزاوية من شعب طعين أثخنته الجراح ، وتناوشت أشلاءه غربان الدخيل .

على أن اليقظة كانت تعاود هذه الجسوم الفينة بعد الاخرى ، وكانت تعتريها صحوات تعود بها الى الواقع المر الذى ابتعدت عنه ، وتضم جناحيها لتقع بين مآسيه كما قال الشاعر :

في سماء الخيال ، ضم جناحيك تقع بيننا فتصبح منا

فالشيخ البصير عبد الرحمان بن محمد الديسي ، وهو المشهور بزهده ، وطريقته التى تسحب وراءها غير قليل من أبناء الشعب ، تزوره فى زاويته فتاة فرنسية ، فيحدثه طلابه عن بارع جمالها ، فيرسم لنا الزيارة فى أبيات شعرية لا تخلو من طرافة ، فيقول :

أفدى التى سلبت حسن الطواويس     بديعة الحسن من جنس الفرنسيس

عقيلة ، من بيوت الملك نشأتها       فى غمرة العز ، ليست بنت أريس (2)

لا تعرف الهم ، بل شبت على ترف    بالقصر والروض فى ابهى الملابيس

وفي غمرة الانسياق وراء الجمال ، وسكرة الاعجاب به تدرك الشيخ صحوة يثوب فيها الى رشده ، والصحوة كانت نتيجة لسؤال نابز من الفتاة

نفسها ، وقد تكون صورة الاخذ والرد بين الاثنين ، والسؤال والجواب بينهما من نسج خيال الشاعر ، لكن الصورة لا تخلو من تجسيم للحالات النفسية التى كانت تتوارد على هذه النفوس . قال الشيخ على لسان الفتاة :

تاهت علي بعز الملك فاطرحت   قدرى بما جمعته من كراديس (1)

قالت : عريب ، وهل للعرب منقبة     الا العناء والف البيد والعيس

وهنا تتيقظ النخوة العربية ، وينجلي التخدير ، وتتحفز العروق الى ما يتجاوب مع أصالتها وأرومتها العزيزة الجانب :

يا هذه . العرب أهل كل مكرمة       أولوا الوغى والقرى والحذق والكيس

القاهرون العدا فى كل معركة       الناحر والكوم ، (2) والبزل القناعيس (3)

سلي التواريخ عن أخبارهم ، فلهم      وقائع آثرها فى قرب باريس

وامشي بأندلس ، أو أرض صقلية       ترى مآثرهم من دون تلبيس

وهكذا تنقلب الغفوة الصوفية يقظة صارخة ، ويؤول الاحساس المخدر الى التحدى المتوثب ، مما يبرهن على حشاشة عربية عريقة نابضة ، مهما عبثت بها النوائب فلن تخمدها تمام الاخماد .

وابن اللبون اذا ما لز فى قرن          لم يستطع صولة البزل القناعيس

اشترك في نشرتنا البريدية