الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

الحريق

Share

قصة بلا حدود ٠٠٠ .

الحي اخشاب وصفائح وقرميد ومسامير ، ألقيت على بعضها باهمال ، فبدت قبل أن تكون بيوتا . . لوحة تجريدية قاتمة شوهاء ، جل ما فيها من فن انها تأوى الناس ، ملاذا لهم وسكنى ، وهذا ابدع أنواع الفنون ، وفى العمار بناء طريف بلغ حد الاعجاز

هل رأيتم قبضة من حجارة الشطرنج ، ألقيت على رقعة منبسطة ، فتناثرت . ثم قبضة فتبعثرت ؟ وثالثة فوقهما فتراكمت ؟ هكذا كانت تلك الاشياء التى اصطلح الناس على تسميتها بالمساكن والمنازل . لا شوارع فيها ولا فسحات بل أزقة متقاطعة ، تدور حول الاكواخ بعسر . . . فتدفع هذا من صدره وترفس ذاك فى بطنه ، وتلوى عنق واحد وتطوى ذراع آخر ، حتى يبدو وكأن البيوت فى عراك . . بين منطرح وبين متمايل جذعا ٠٠ وثابت ساقا ومتناثر احشاء ومتداع مستغيث

. . . ومناخ رطب ، كريه الريح ، منتن عفن بما انجر في الارض بمئازيب برابية اخضرت جنباتها ، واسودت بطونها ، وصارت من عصارات المطابخ والنفايات ، الى ماء صديد . . كأنها بعض مزارع التفقيس . . الا انها لانواع كثيرة من الحيوان والحشرات ، منها البعوض . ومنها الذباب . ومنها الصراصير وفوق هذه الفئران الجرذ ، سارحة ليلا ، وبعض نهار .

يقال ، ان لكل قطيع نعجته السوداء أو عنزته الجرباء . كذا للاسر . واذا صح المثل فى الناس ، فقد صح فى المدن والعواصم ، فكان هذا الحى المشوه لريو دى جانيرو ، المدينة الغانية الفاتنة ، نعجة حضارية بنائية . . . ولا أسود منها .

ثم ان ما يبين العورة ، أنها تتربع الوجوه . وما يظهر الشوه أنه يبرز للانظار فى منطقة غنية منعمة ، كانت بفعل التطور الزمنى والعمرانى - بالنسبة الى الحى - احاطة سوار بالمعصم

السوار . . صف من البناء السحابى الارتفاع ، احتل القطاع الغربى . أما الشرقى . . فقام فوقه ستاديو ماراكانا . . الاعجوبة البنائية العملاقة الذائعة الصيت في عالم الرياضة ، فى كل الدنيا . ان هذا الملعب مدينة جالسة - اذا صح التعبير - مائتا ألف مكان لجلوس المتفرجين ، وأما القطاعان الآخران ، فكانا ميدانين متسعين لوقوف السيارات

هذا هو السوار الحضارى ، نظاما وهندسة وروعة . أما المعصم ، فكان الرقعة التى تبعثرت فيها بتراكم مخيف الصرائف التجريدية والذوق ؟ .

له دور يعرف به . فهو ذوق عندما يتقزز . عندما يرفض . ضاق الذوق ذرعا بالحي الخشبي المشوه الى درجة دلت على رفعته وسموه ورهافته . وسكان هذا الحي من بسطاء الناس والمغلوبين بمستوى حيهم . وكما الصرائف بدت مكشوفة بالصغار والحقارة ، بجانب العمران الفخيم ، كذا يبدو سكانها ، ضآلة وتفاهة ، إذا ما وضعوا مقابل الأنيقين الفخيمين الكانزين فى الاهاب رواء وهم يمرون بسياراتهم ، دخولا فى منطقة الملعب أو خروجا .

ثار الذوق . . ثار الفرق الاجنبية المتبارية ، ستمر فى هذا الحي ، فتتنفس فى مناخه ، فتشم روائحه ، فترى سكانه

ماذا ستقول هذه الفرق - عن العاصمة - عند عودتها الى بلادها ؟ والسيارات ؟ تعانى من أزمة أمكنة .

من لا يجد لسيارته موقفا ، قد يعزف عن الحضور . ان شباك تذاكر الملعب ، لا يسمح ، بأن يعطل حي الاخشاب والمسامير ، موارده القياسية الارقام وللتطور أيضا دور . فالارض صارت بسعر الذهب . والمكان مهيأ لاقامة بنايات سحابية ، تكمل التفاف السوار حول المعصم

أصدرت البلدية حكمها . الارض لها ، كما الدنيا من قبل للسلطان " السلطان " دائما كان جشعا ، واسع الباع ، يحيط بكل شىء . وكل ما يحيط به ، فهو له . دعم " السلطان " الحكم بعفوية هادئة . وماذا يهمه من أمر الناس ؟ !

قبل الآن ، صدرت أحكام مماثلة ، دون أن تعبأ بسكان الامكنة أريحا . وعاي . ومعهما الحريق . . . افناء للبقاء روما نيرون ، ومعها الحريق . . . . جنون انسان وايخستاغ هتلر ، ومعه الحريق . . . سلامة نظام .

.. حتى إذا جنت النيران ، وأخصبت ألسنتها فى الجواء ، بخار دمار ، وذابت حلق الحديد ، والزرد ، وانطحنت الحجارة ، وانعصفت ، كالكحل الاخشاب ، وحوصر الرجال والنساء فى التنور المسدود ، وغلت الخمور فى الدنان . . والتهم الحريق الجائع نهود العذارى واذرع الاطفال وأدمغة الحكماء . . رن فى الموت والخراب ، ضحك الانتصار ، قويا قويا .

اسموه جنونا ، وساقته كتب العصر الواعى . . . الى تصنيف علمى مختلف الاسماء . .

والناس فى القصة برازيليون . الأمى منهم لا ينتخب الا اذا تأبجد ، وان له مع ذلك سائر الحقوق الاخرى : أن يعمل . أن يأكل . أن يعشق . أن يشاهد مباريات الكرة . أن يستشفى من علله . أن يصطاف . أن يصنع كل هذا . اذا استطاع ، وأن يقطن فى الحي الخشبي ، فى منطقة سان فرانسيسكو وبعدئذ أن يعيش كل أجوائه ويتملى كل دنياه ، ويعاقر الخمرة وقوفا ، أمام الكوخ الخشبي ، فى طرف من الحي ، وان يأكل ، والفأر والذباب والصرصار فى صحن واحد .

باولو . جوان . انطونيو . كارلوس . ماريا . مانويلا . لوسيا هيلدا . الجميع وحدة نوعية خاصة ، تطبعهم لونية متميزة ، أخذتها الطبيعة البشرية من العناصر اللونية القاتمة : الاسود . البنى . الرمادي . ومزجتها جميعا فى معجن . . . ثم سكبتها فى الجلود ، صبغة خلاسية كابوكلية ، اختلط فيها الزنجي والهندي والابيض ، فضاع كل فرد فى الجميع . والتقى الجميع فى فرد قوى البنية ، اجعد الشعر ، لماع البشرة . لا يطلب لوجوده اسبابا كثيرة

جرت الحكمة على أن تعظ فتقول : اخشوشنوا فان النعم لا تدوم " هؤلاء على هذا المذهب لباسا وسباتا ، بلا اختيار ولا تمييز

الليل عسعس ، ولوحت البنايات الشواهق بعيونها النجمية المضاءة وارتمى ما فاض عن حاجتها من نور ، يفكك السواد المعقود راية ، فوق ركام الصفيح والقرميد والمجارير ، ويختلط احساسا بشريا ، بأزيز الصراصير ، ووصوصة الفئران

جلس الزنجى مانويل أمام كوخه ، يغنى ، فيروى ملحمة افريقية ، موروثة عن زمن الرق ، تحكى صراع الاله ايشو مع الاله أوغون ، وانتصار الخير على الشر .

تناول زجاجة الخمر ، فكرع من فمها جرعة طويلة ، ومسح على شفتيه الغليظتين ، بظهر راحته ، وعاد الى غنائه بصوت باك ، فيه اللوعة والحرقة والالم ، التى عبر عنها شاعر تحرير الرقيق كاسترو الفز :

كفانى من البؤس

ألا يكون لي وطن ولا سكن .

أن يكون لي شرف وأباع .

أن تكون لي روح ولا أحب

اتركوا الليل الذى يبكى ،

أن يأمل على الاقل بفجر " .

سنت مانويل . تلاشى غناؤه ، وتبددت آهاته . وزجر ولولات صدره بجرعة أخرى

ابتسم فى الليل الاجهم ، حتى همهمت بسمته ، كجيشان قدر ، وعلا صوته ، أجش ينادى : - ماريا . أين أنت يا ماريا ؟ . تناهى اليه وقع خطاها ، ثم احس بها الى جانبه ، فهمس - آه . يا ماريا ، يا زنجيتى الدافئة ، شدينى اليك يا حبى تلمس براحتيه انتفاخ بطنها وخاصرتيها ، واسر فى اذنها ؛ - كل مرة يزداد الفاصل بينك وبينى أكثر يا ماريا . . . ومع ذلك عانقها طويلا

فى مطلع كل نهار ، كان الرجال يلتقون بالشمس على دروب اعمالهم

بعيدا عن أكواخهم ، وبعض النساء كن ايضا يتكسبن الحياة ، فى الفنادق والمشافى ، وبخدمة البيوت الموسرة ، وغسل ثياب الآخرين ، ويسلم الحي عندئذ الى الاطفال والصبية والنسوة القاعدات والعجائز ، فيأخذ الاولاد بممارسة كل أنواع الشقاوة ، والخوض فى المجارير المكشوفة ، والتسكع فى الجوار ، وتسمع شتائم تختلط بنعيق وضجيج متنافر ، متصاعد من أجهزة الالتقاط ، لمحطات اذاعية عديدة ، من موسيقى وغناء ومواعظ كنسية وخطب سياسية ودعايات لمعجون الاسنان وصابون الحلاقة وجوارب النيلون ، وبرادات المنازل ، ومحطات بنزين اسو وشال

وتأخذ الحياة تصرف من رصيدها المتجدد كينبوع لا ينضب ، تستهلك الطاقات ، وتوهن العضل والعصب ، وتفنى الاعمار ، والناس . . فى بقاء فى أمل . الغريب أن البقاء كالامل فى خلوده النفسى . وهو فى خلود الوجود لا يفنى ، وان كان الامل آخر ما يموت .

والمادة البشرية ، على جدب الارض ونكرانها ، تقوى بلا نكسة ، وتزداد تناسلا وتكاثرا . . فتراكم أزقة الخشب والتوتياء والحجارة المجمعة بالاسلاك والشريط والمسامير الصدئة . ويأخذ الانسان ، يزاحم الفار وسائر الحشرات على رقعة الارض الضيقة ، فى موضع سكناه

طار عند العصر نبأ لم يدر أحد كيف ذاع وانتشر ، كما الغيمة الدكناء ، استقطرها المناخ المتكهرب ، خوفا وشؤما تحولا الى قلق ، فذعر فرعب وصاح أكثر من صوت نسائى بالنقمة والتهديد . وخنع الرجال المتمرسون بغضب الحياة وقساوة العيش ، واعتصموا بسكون مفكر مكفهر السمات المصاب يهز وبرحف ٠٠ ثم يذهل ٠٠ ثم يسلم الى استكانة ، وعندئذ تمزق النساء ستر الجمود الصامت . . وينتفض الرجال

صاحب الخمارة المنفوش الشعر الخليط من سواد وبياض ، كان أول من رفع الصوت ، فاقتفى صوت مانويل اثره ، مجررا وراءه الرفض والحنق . و كان بينهما حوار قصير : - أنا ، الخمارة سكنى وعملى - وأنا ، لي ماريا وهى فى شهرها السابع

رمى كل من الحضور قولا ، وقذف البعض بنابيات الكلام ، وصروا جميعا بأسنانهم

وسيد النخاسين ، فى سفينة الرقيق ، صاح : " أرجفوا بعنف أسواطكم ، أيها النوتيون واجعلوهم يرقصون أكثر " حكم النخاسين فى الرقيق لفظ والرقيق يطأطئ الرأس حتى لا يستطيع أكثر يستهان ، فيستهين ، حتى لا يحتمل أكثر

يذاق المرارة ، حتى تحلو المرارة فى فمه ، فيبصقها مستغربا . العنصريون المختارون الاولون ، فى أرض اللبن والعسل . واسياد روما فى السنادو . النازيون فى الرايخستاغ . وتجار الارض فى ريو دى جانيرو . ومن جديد غزاة أرض المن والسلوى يقولون - شئ يجب أن يزول معناه ، سيزول . - شئ يجب أن يكون معناه ، سيكون

هذه الصرائف ، البومة في الروضة الغناء ، وركام الزنك والخشب المهترئ . والمجارير الوخيمة ، فى الاحياء ذات الناس البشر ، شوهاء دردبيس فى التخطيط العصرى . بطاقة عليها أسو أعنوان ، فلتزل من الوجود

صدر الحكم . بلغ الحكم . فهم ، فرفض ، فثار السكان ، وقال مانويل يجادل جلواز البلدية : - ونحن ؟ ! نحن . . . ألسنا فى الحساب ؟ . - هذا قرار البلدية . - ونحن ماذا ؟ . - لا أدرى . أنا موظف مأمور - هل لانك مأمور ، عليك أن تدوس قلبك ؟ - أنا بلغتكم . . أمرونى ، فقمت بواجبى

صاح مانويل : - اسمع يا جيرالدو . يا شيكو . يا انطونيو . اسمعوا يا اخوتى . ونحن لا شأن لنا ؟ ! الى أين نمضى ؟ أين نتآوى . ونساؤنا . وأولادنا وماريا ، ماريا فى شهرها السابع

يتضامن الناس فى الملمات ويلتفون . مانويل صاح ناقما . صاحب الخمارة ، جعر كحجر الطاحون ، وآخرون كثيرون تجاوبوا

قذف مانويل الى جوفه بمحتوى قدح من الخمرة ، فدمعت عيناه من حرقة الحلق . . . ومضى الى كوخه ، فجلس مسند الظهر الى الباب ، وراح يحلم بالماضى القريب ، محاورا ماريا :

- سوف ترين ماريا ، ان القساوة موجودة فى كل مكان . لكن أنا وانت ، نلين الحياة . نعركها . نروضها بالحب يا ماريا . بالحب يا زنجيتى أنا وأنت بجرعة من خمرة ، وبقليل من طعام . نواجه الحياة . نعمل . نعيش يا زنجيتى فى حب ، فوق الصعاب . فوق العلل . فوق الحرمان . يا ماريا ، يا قلبى النابض . شدينى اليك يا حبيبتى . . لا ينقصنا كوخ . صفائح كثيرة وأخشاب قديمة ، ومسامير ، نجمعها بيتا فى الصرائف يا زنجيتى

- لا يا مانويل . ليس قبل أن يباركنا القس بصلواته . . هذا زنا يا أسودى . انتظر حتى يباركنا .

- أنت بلهاء يا زنجيتى . . كأنك امرأة غنية . . بلهاء . وماذا تجدى تمتمات الرجل ذى الرداء الابرش ؟ . هل تزيد قلبينا حرارة يا حبي ؟ هيا . بلا حمق . .

- هذه خطيئة يا اسودى - جهنم . . . قال الاب القس . مصير الخطاة . نار تشوى يا حبى . لكن قبلني كما تشاء . . الا ذلك . . اعتصرنى . حطمنى . . آه . . الا هذا . .

استعاد الحوار ، ولحظت ماريا ، ما ران عليه من احاسيس ، ولحظت ابتسامته الجامدة على ثغره . كان يفكر : " لا بأس بالحياة ، كيفما أتت ، اذا كان ثمة الى جانب الزنجي امرأة تبادله

الود وتمنحه الحنان . يسند رأسه الى صدرها ، يلف ذراعه حول خصرها .  يدغدغ . . " . انتفض .

خصرها غليظ . سيأتى بعد شهرين . سيكون وليدا قويا . . مثلى . . يشابهنى . قريبا يتلقى أول أشعة النور . أين ؟ أين ؟ أين ؟ .

هرعت ماريا اليه . سألته بخوف : - ماذا بك يا مانويل . ماذا قلت ؟ - لم أقل شيئا . - بل سمعتك تسأل ضحك مجلجلا : سمعت الى صوت وهمى لست خائفا . لست رعديدا

اسر لذاته : . . وجميل بالزنجى أن يواجه المصاب بلفيف من صحب يشاركون  لن يكون الزنجى يومئذ لوحده . . بل الجميع فى المواجهة . شد ماريا اليه .

همس فى اذنها : طوقينى يا ماريا . ادفئى بثدييك صدرى . . آه . . هكذا . أجل . . . . هكذا يا زنجيتى

ابكروا ، واحاطوا ، وطوقوا ، وبدت عدة الهدم والتدمير على أهبة . ومضى اليهم ، الوفد المفاوض . . . ثم عاد ، يطوح بذراعيه ، بالاخفاق وعدم الاتفاق تطلعت العيون الى العيون ، وتشابكت الاذرع بالاذرع

وانتصبت الاجسام الخلاسية والسوداء تلمع تحت الشمس ، كالسبور الاسطورى المنبع . وانحفرت الاقدام فى التراب ، كالاشجار العتيقة المتأصلة تستسقى الارض ، نسغ البقاء والصمود

نظرت النساء بزهو الى رجالهن ، ولوحن فى وجوه الغزاة بايديهن عنفا ووعيدا . والاولاد انجروا حول بعضهم ، بلغط وصراخ ، وضحك ولعب حتى الاطفال ، فى أول سنى مشيهم ، تعلقوا باذيال أمهاتهم ، يرون ولا يدركون

أمام هذا الجدار البشرى ، وقف " السلطان بعسكره وآلياته الجرافة الكاسحة ، يهدد ويتوعد ، ويتقدم ، ويبتعد ، ويشدد الحصار ، وينجزر ، وقد يختلط بين الوقت والآخر ، بعض الطرفين ، ثم يفترقان منحسرين ، بلا دم ولا ضحايا ٠٠

وتبدو المقاومة أشد من الهجوم . سادت الميدان ، لحظات هدوء . واستتب السكون ، فحبس سكان الحى انفاسهم يتوجسون ويتربصون ، ولا يزال الامر اليومى الذى ألقاه الزنجى مانويل ، يرن فى نفوسهم : - لن نغادر بيوتنا ونحن أحياء

خفت هدير الحرارة ، وتدحرج الطوق ، وانزاح الحصار ، وابتعد اصحاب القانون ، وتوارى " السلطان ساحبا وراءه الجلاوزة والعسكر ، وكل قوى القمع والهدم ، دون كلام أو اتفاق ، أو هدنة أو بلاغ .

انتهت الحرب ، وانسحبت القوة المهاجمة ، مخلفة جوا محموما متحفزا متمرسا باليقظة ، متمرسا بالحذر ، وانفجرت النساء بأصوات النصر ، وصاح الاولاد وقفزوا ، وتعانق الرجال

ان نيرون ، كان فى الارض ماردا شقيا : ارخوه ، فخلدوه . واعماله أبقته على مر العصور ، حيا مذكورا . كذب المؤرخون . وصدق التاريخ ، فلا فذلكة ولا مداراة ان نيرون بغى ولم يكن مجنونا والنار ، راية ذات لون فريد النار اكتشاف الانسان ، كما الهبوط على القمر حكاية النار قداسة وطهر ، واتقان صنعة

اصطلاها الشنفرى قوسا قطعها شذرا فى ليلة قر فاضرمها فعاش ليرى الشمس من جديد فى جديد صباح .

ونيرون ، اصطلاها ليلة ، روما قطعها ، احياء وميادين . وساحات ، ونصبا وتماثيل . ورياضا وبساتين . وحدائق غناء ذات قناطر وخمائل ، واشجار ذات أعشاش واسوارا تذود عن كل هذا ، ما اجتاحها ، مجمعا قواه ، من الصحراء ، والجبال والبحار ، آتيا من الخارج ، يضغط على الداخل . . . وما ادرك الرومى ، ان النار ، تتفجر من الداخل ، من القلب اليائس ، من القيتارة فى اليد الاثيم وما نفعت الاسوار والحصون ، وهي تصد الناس عن النجاة ، فيضيقون بها وما عرف التاريخ ، اسوارا ، هدمها اصحابها من الداخل ، الا ان يكونوا ، والخسة والحقارة والاستسلام ، على موعد مباراة

روما تحترق وتزغرد النار كالاعلام . ألسنتها فوق المعركة وتصرخ الحياة . والانسان والبهيم ، يتزاحمان على طرق النجاة وترن قيتارة " السلطان " من شبع ، لحنا أشأم وتمعن الافعى ، على موسيقاها رقصا . ويسكت في روما التذمر ، ويهدأ الانتفاض . . والثورة تموت

اريحا تتلظى ، منكفئة على لهبها ، وعار ما حل بها وزغردت " راحاب " ، وهى كل ما بقى من آثار حضارة . . زغردت زانية ، تفاهة ، كالرجس انضوى تحت استرة عار وخيانة وعاى تلظت شعلة تأكل ذاتها ، شجرة وبيتا وطفلا وبهيما . اجتاحتها يد العنصرية المبيدة ، فأفنت قومها ، لاحلال قوم

والمسجد الاقصى ، تلظي بنار أثيم . اشعلتها ، كما الحضارات رزحت تحت زحف الهمجيات الحديثة .

يد منذ ساحق ، سرقت الفضة والذهب ، واختلست آنية مصر . فمن يد سلبت ، بكل حقارة . . الى يد دمرت ، بكل وحشية . الى يد حرفتها الحرق . . يأخذون فى بناء كيان له من الحق بريق ، ليس غير البريق

" الهى . يا رب التعساء قل لى يا سيدى الاله أجنون أم حقيقة ، كل هذه الفضائح ، تحت السماء ؟ أيها البحر ، لماذا لا تمحو باسفنج أمواجك بوشاحك ، هذا العار ؟ . يا نجوم . يا عواصف تدحرجى من أعالى ابعادك وكنس البحار أيها الاعصار " .

وانتقل الزمن السحيق الى الحاضر . من امجاد اريحا وروما ، الى الحى ذى الخشب والتوتياء والمسامير ، والمجارير الزنخة ، حيث " سلطان " يشعل النار ليشوى هذا البؤس الحقير

ويقوى الجبار على الضعيف ، ويسجل نصرا ، المعتدى على الأمن فى داره . " من هم هؤلاء التعساء الذين لم يجدوا فيك غير الضحك الهادىء الهزؤ ، الذى يثير غضب الجلاد ؟ من هم ؟ اذا النجوم سكتت . والموجة الطاغية انزلقت ، كضالع ظالم أمام الليل المريب ؟ أجيبى ، أيتها الالهة الملهمة ، موزا الجريئة القاسية

ان الصرائف ، فى سان فرانسيسكو ، فى ريو دى جانيرو - تزغرد - وتهزج . وترفع الى السماء السنتها العطائش . تلسع السحاب ، ثم تخر صريعة ، على اعتاب النار

والناس يتدافعون خارجين من أكواخهم ، الى أطر اللظى ، يتسابقون الى السلامة وأضواء تلهب الوجوه ، فى جهة الليل ، تبارى الانوار المرسله من البنايات السحابية . لف مانويل ذراعه النحلية حول عنق ماريا ، وسحبها راكضا بحذر ، صائحا فى الناس - الى بناء مشفى البلدية ، يا اخوتى مشفى البلدية ؟

بناء لم يكتمل . وصل الى طابقه الثانى عشر ، فأكلت مواد البناء ، والجيوب التى لا قاع لها ، كل مخصصات الميزانية ، فتوقف العمل فيه ، قبل التقطيعات النهائية وتركيب النوافذ والابواب . وانه ليبدو الآن ، قرب الصرائف هيكلا ضخما ، سلطت عليه الانوار ، فبدا والهرم الكبير ، على تناسق بالحجر والجبروت ، بمئتى غرفة ، عدا القاعات والمماشى والمطابخ والمستودعات

مشى اليه النازحون بأطفالهم وعيالهم ، يحملون ما استطاعوا انقاذه ، مما علقت به النار . أخذت النيران تهدأ حتى تلاشت . اخمدتها المياه التى وصلت متأخرة ، دون أن تخمد الفوران المتأجج فى الصدور

وطلع الفجر ، فألفى رأس ماريا مسندا الى صدر مانويل ، فى احدى غرف بناء المشفى البلدى المهجور ، والتقت عينا ماريا بعينى زوجها . . بعد أول ليلة من انتقالهما الى مسكن جديد . .

مسح على رأسها براحة خشنة ، وابتسم لها بكل بياض أسنانه ، وناجاها ، وفى عينيه زهر الليمون : " اتركوا للاغصان أزاهيرها . وللعش عصفوره وللام وليدها . وللحب المصيبة . ان ابنى . . . لي . يا ظلالا صديقة فى هذه الصحراء القاسية وتيقظ الآخرون ، أيضا ، على أول فجر لهم بعد الحريق ، فلم يكن للناس ، هو آخر فجر قبل آخر حريق

اشترك في نشرتنا البريدية