اذا كان الكاتب يعيش همومه الشخصية من خلال حياته اليومية لتبرز تلك الخطوط المختلفة الالوان والاشكال ، والمتداخلة فى اضطراب فى كتاباته وأعماله بدون زيف ولا تكلف فان تلك الهموم الشخصية تتلاشى عند - الفنان الصادق- أمام هموم شعبه وآلامه وعندما يهدد كيانه خطر الموت والاندثار والتلاشي . من هذه الزاويه أردت أن ادخل الى رواية " رفقة السلاح . . والقمر " لدراسة هيكلها ومضمونها وبنائها الفنى . . ذلك أن ذاتية الاديب تنتهى عندما تدق ساعة الحقيقة حول مصير امته ووطنه فرواية " رفقة السلاح . . والقمر" لمبارك ربيع جاءت فى فترة حساسة من حياة الامة العربية لذلك فهي لم تحد عن الطريق الذى يجب ان تكون عليه الكتابة الملتزمة بالواقع المر الذى يمر به ويحياه والا حكمنا عليه بالزيف والمروق فمبارك ربيع رحل فى " رفقة السلاح" دون ان ينسى " القمر " فهذا التكامل فى العنوان نفسه بين " السلاح والقمر" تجده على امتداد الرواية وهكذا استطاع أن يمزج بين عنف السلاح والموت والانتحار من اجل الحق وحلم القمر وشفافية الليل وحلم الادب والفن . ولست مبالغا ان قلت أن رواية " رفقة السلاح . . والقمر " أرجعت الجسور بين الأدب المشرقى والادب المغربي ليكونا الادب العربي ككل . . ذلك أن هموم المشرقى فى الجولان ، وفى سيناء ، وجنوب لبنان ، والكرامة يحملنا كتاب
المغرب . . فهذا التلاحم بين الانسان هنا وهناك وهذه المشاعر الملتهبة لدليل صادق على وجود وحدة أدبية متكاملة اذ اتحدت مشاعر الفرح وآلام الهزيمة. ومرارة الانتظار ، وأمل الانتصار . . وهى بدون شك وحدة الشعوب .
فرواية " رفقة السلاح . . والقمر " تنطلق من مدينة الرباط بالمغرب . لتمر بدمشق . . ومرتفعات الجولان ومدينة " القصيبة " فى الاطلس . و " حى الويلى " من أحياء القاهرة القذرة العتيقة وزقاق النورية " بأحذيته وحضرواته بباعته المتجولين وحوانيته المتلاصقة " ببيروت . . لتعود أخيرا الى مدينة الرباط فنقطة البداية هي بلا شك نقطة النهاية . . فالرواية جاءت في شكل حلقة مسديرة ومغلقة . فالفصل الاول ينطلق يوم رجوع التجريدة المغربية من الجولان وهي تقوم باستعراض عسكرى وسط شوارع الرباط المكتضة بالجماهير المتحمسة لتنتهى فى الفصل الاخير بمشاهد من الاستعراض العسكرى على شاشة التلفزيون فى منزل الشيخ " ميمون الركراكى " لذلك اعتمد مبارك ربيع فى هذه الرواية حديث الذاكرة عندما يرسم لنا :
يوميات التجريدة المغربية فى الجولان منذ وصولها الى مشارف دمشق وسط زحمة الجماهير فى تحية " لغضبة الاطلس الاشم " فى ظروف المحنة . ثم " تتجاوز مشارف دمشق فى طريقها الى خطوط الجبهة " . . لتغيب أخيرا مدينة دمشق " حتى جبل المهاجرين المطل من علاه اختفى والصوامع وبدأت فرق التجريدة المغربية تتوزع فى اماكنها المحدودة على خطوط الجبهات . وأسرع الجنود يحفرون الخنادق ويقيمون التحصينات . . كل شيء هنا جهاد من جهاد الرسول الاعظم . . كل ضربة فأس وكل حبة عرق ، كل نبضة فى عرق جهاد . . " . . فمن خلال رواية " رفقة السلاح . . والقمر " نعيش مع الجنود فى بناء التحصين والحياة اليومية فى الجيش من مراقبة ، وتفتيش ، ونظام وحراسة وحتى احاديثهم ، وأفكارهم حول الادب ، والشعر ، والحرب ، والثورة والدين ، والحب ، وحتى اللهو والعبث فى فترات الاستراحة . . انك لتكاد تلمس كل ذلك من خلال هذه الرواية لتبرز خواطر الجندى وأحلامه وأماله وحتى مواقفه السياسية المتناقضة والمضطربة بين المقاتلين المغاربة والفلسطينيين والسوريين . . وكذلك أوقات تمضية اجازتهم فى دمشق ومعاركهم ودورياتهم الروتينية على الجبهة . .
ذكريات الشيخ " ميمون الركراكى " وهو برتبة " سرجان " فى الجيش الفرنسى فى الهند الصينية و " نابولى " فعلى امتداد رواية " رفقة السلاح .
والقمر " والشيخ " ميمون " يتذكر فى كل عمل أو حدث يقع على جبهة الجولان أعماله البطولية الضائعة فى الهند الصينية " جهاد غير الجهاد فى أدغال الهند الصينية والرقيب ميمون الركراكى يتقدم فرقته فى بحيرات راكدة ليس لها آخر . والمياه الى الصدر والطحالب تلتف بالاقدام والسلاح مرفوع فوق الرأس . أوحال قتال وجهاد لا كالجهاد وبلا غبار ، بلاحج ولا دمشق الشام ولا عز العروبة ، بلا زغاريد بلا هتاف التحايا والترحاب ! لم يكن ثمة شيء عدا مغامرة الفتوة والشباب وبراءة المروءة واندفاع التحدى امام الصعوبات وأمام الفرنسيس . . بطولات فى الفراغ ضاعت ضاعت يا ابنى يا سلام . . "
ذكريات المقدم " سلام بن ميمون الركراكى " لزوجته - آمنة - وهي منهمكة فى اصلاح الكراسات ليلة أن تقرر رحيله الى الجبهة فانه لم يفاحئها بالخبر مباشرة بل اعلمها انه لا يستطيع الذهاب الى الحج مع الشيخ " ميمون الركراكى " هذه السنة لانه ذاهب الى الجبهة وعندما سألته بهدوء : ومتى ؟ " أجاب وهو يتجه نحوها يهز من كتفيها وينهضها مبتسما : ليلة الغد . . ان شاء الله " وكذلك ذكرياته لوالده وأبنائه حتى فى رسائله الى العائلة .
ذكريات " الرقيب أوباها " لمدينة " القصيبة " على سفح الاطلس الشامخ وذلك فى ليالى حصاد الذرة مع الاسرة " وأمي رقية " يتخلل ذلك حديث الزواج المقبل ممزوجة بتلك الترانيم الاطلسية الحزينة . .
فرواية " رفقة السلاح . . والقمر " وان كان فى تركيبها القصصى نوع من التعقيد . . وذلك فى توالد القصة كما عرفها " تورودوف " فاذا الفروع تتراكب وتتشابك لتعود الى خط القصة الاصلية لكن ما هو الخط الاصلي او القصة الام فى رواية " رفقة السلاح . . والقمر " ؟ لنستطيع بعد ذلك أن نحلل هذا التداخل والتشابك ذلك ان مجموعة من الجنود المغاربة يلتحقون بالجبهة السورية على هضبة الجولان وذلك فى " موقع متقدم ثابت للمراقبة والمناوشة تفصله عن خطوط العدو بعض تلال بسيطة يمتد وراءها سهل أجرد تقع فيه خطوط العدو وراءها المرتفعات ووراء الوراء تعود الارض الحبيية السلبية لتخضر سهولا وهضابا . . " ففي هذا الاطار تدور جميع أحداث الرواية لتنطلق منها الذكريات والفروع . . وهذه المجموعة المغربية تشمل " الملازم سلام بن ميمون " و" الرقيب اوباها " لتتمركز مع قوات سورية منها الملازم " منير أبو سعيد" والمقدم " هاشم عزت " وعلى يمينهم قوات فلسطينية تشمل " أبو محمد" - الولد - ابن " ابو محمد عبد الباقى " و " سامية أبو عزيز " والقائد " أبو على "
" كانوا على الخط الاول فى الجبهة الثانية والى يسار موقعهم تتركز قوات سورية وهناك الى اليمين قوات فلسطينية فى وضع يتقدم فيه اليسار واليمين نسبيا نحو المرتفعات وتتخلف عن ذلك قليلا نقطة الوسط حيث هم . . " فمن هذا المركز كانت تنطلق الدوريات للبحث عن العدو والانقضاض عليه . . وفي وسط هذه النقطة تدور المناقشات الحامية حول الشعر ، والحرب ، والحب والدين والامل . . وخارجه وقعت المواجهة واستشهاد القائد " ابو على " و " سلام بن ميمون " وهذا الاتحاد والالتحام بين القوات المغربية والفلسطينية والسورية يمثل أمل الوحدة فى المصير " وانضم القواد الثلاثة فى شبه دائرة ينشرون الخرائط ويحددون عليها مكانهم على ضوء خافت لمصباح يدوى. أذن فقد بدأت تتشكل احدى اللحظات البسيطة المتناهية الصغر التى يتكون منها التاريخ ، ويجب أن يظهر فى المكان المحدد المضبوط الموقع الاول المتقدم نحو خطوط العدو وأمام الخطوط الاولى الرئيسية للجبهة الثانية من جبهات الحهاد . وتكونت بالفعل منذ هذه اللحظة الفرقة الاولى المشتركة مكونة طليعة جنود الموقع وطليعة القوات المناوشة والمناورة . . " . . وهكذا تنتهى أحداث الرواية باستشهاد لبعض القوات المغربية والفلسطينية والسورية فوق أرض الجولان ليمتزج الدم غزيرا على الارض الطيبة ولتمر فوقه أقدام المنتصرين نحو التحرير فهذا الرمز لوحدة المصير الذى يمثل الموقع المشترك على الجولان والدماء الغزيرة السائلة فى الخطوط الامامية والاستعراض المشترك بين القوات الثلاثة فى شوارع مدينة لرباط المغربية . . فاذا كان هذا هو الخط الاصلى للرواية فما هى الفروع الممتزجة معها والمتكاملة فى تحديد الاحداث وتوضيحها وحتى ابرازها . .؟ فلو قمنا بقراءة " استقرائية " و " وظائفية " لوجدنا أن هذه الرواية بأحداثها وتداخلها تبرز من خلال هذه الفقرة البسيطة فى النص "اطفئت المصابيح الصغيرة ، وطويت الاوراق ، وعلا الصمت والظلام وهواجس النجوم المتلألئة فى انتظار القمر والبرد القارس يشتد . واتكأت أكتاف الجنود ومرافقهم على السفح المنحدر بعيون متيقظة وأصابع على الزناد . وتداخلت على السفح المنحدر لمع الذكريات والخواطر فى صمت يلتحم فيه شارع الجزاء بغوطة دمشق وسوق النورية وحي السيدة زينب ومخيمات اللاجئين فى تضارب منسجم تعلو فوقه حينا بعد حين أصوات المجندين الافارقة السود والبيض وأنخاب الكونياك فى أدغال الهند الصينية . . "
ففي شارع الجزاء بغوطة دمشق يقضى الجنود ساعات اجازاتهم فى غفلة من الزمن . .
وفى " سوق النورية " ببيروت كانت تسكن الطالبة " سامية أبو عزيز " فى ظروف صعبة " وهي مشردة " فلسطينية حكم عليها التاريخ بالتمزق فالاo الاكبر مسجون بالرملة يقضى عقابه بالارض المحتلة لانه ثار ضد الدخلاء . . وهي الان على الجبهة فى الجولان..
وفى حى السيدة زينب " القذر بالقاهرة تسكن عائلة " أبو محمد عبد الباقى " فى بناية " المعلم عبدة " فى حالة قاسية من المرض المزمن بعد ان فقد بنين تحت لواء الثورة الفلسطينية ورغم ذلك عارض المعاش من الثورة والتحق الابن - بالجبهة لانه ما زال يحمل كنه الفلسطيني المشرد من " رام الله "
وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ينزف الدم من أرجل الصغار وهم حفاة فى ظروف حياتية قاسية تحت الخيام .
وفى ادغال " الهند الصينية " حيث تمتزج أصوات المجندين الافارقة السود من - السينغال - والبيض من - شمال افريقيا - تحت لواء الاستعمار الفرنسى ومن بينهم الشيخ " ميمون الركراكى " والد الملازم " سلام بن ميمون "
وهذا التمازج فى الفروع والاطار المكانى والمساحة القصصية يكون تداخلا فى الاطار الزمانى فاذا كانت لحظة البداية هى لحظة النهاية فى الرواية فان الاحداث تتشعب لتدخل الى عمق عمر " الشيخ ميمون الركراكى " فى الهند الصينية . . وشباب الرقيب أوباها فى مدينة " القصيبة " وذكريات " أبو محمد عبد الباقى قبل الغزو الصهيونى لفلسطين . . لذلك جاء أسلوب الرواية شاعريا حيث تتعانق السماء مع الارض وتمتزج الدموع مع صراخ المقاتلين وأصوات البنادق وعنف الطبيعة فى هذا الامتزاج وجدت شخصيات رواية رفقه السلاح . . والقمر المتناقضة فى مفهومها وتفسيرها للاحداث فاذا كان أبو سعيد " والطالب " أبو محمد عبد الباقي " والقائد " أبو على " وعطفة" الالتحام لا عن طريق البندقية من بعيد بل الالتحام الجسدى بالعدو فان " سامية ابو عزيز " تؤمن بالشعر والبندقية فهذا التناقض فى المفاهيم والاهداف يكون تكامل حقيقة الوضع الراهن للمجتمع العربى الثائر . . المتترقب الصاهت . . الصامد . . المتحفز . . المتفرج . . الهازىء . . الناقم المتمرد . . وهذا التناقض حقيقة فى الواقع وفى رواية " رفقة السلاح . . والقمر " من خلال
احاديث وخواطر واعمال " أبو محمد " و " سامية أبو عزيز " و " الملازم منير أبو سعيد " والطالب " أبو محمد عبد الباقى " والقائد " أبو على " وعطفة الرقب " أوباها " و " محمد خليل " و " الشيخ ميمون " والملازم " سلام بن ميمون " و " رئيف محيى الدين " و " آمنة " . . لذلك جاءت الروايه فى شكل لوجات مضطربة كخوالج النفس الانسانية المكبوتة ثم انفجرت . . وهكذا رغم الاضطراب البادى فى كيفية بنائها ونفسية شخصياتها وانفعالاتهم ، وخواطرهم وأحلامهم وآمالهم ، ونظرتهم للاحداث كشأن كل مقاتل عاش على الجبهة وجها لوجه مع الموت فانها تمثل تكاملا فى شكل حلقات ودوائر مغلقة كدوائر النفس البشرية المعذبة والمتألمة . . فشخصيات رواية " رفقة السلاح . . والقمر " ! يمثالون انفسهم فقط من خلال احاديثهم وخواطرهم وآمالهم بل نفسية وخواطر و آمال حلقات ودوائر معينة من المجتمع الذي يعيشون فيه رغم تناقضه ذلك أن الدم السائل على هضبة الجولان هو الرمز الخالد للوحدة رغم التناقض والتشتت والتمزق وان رواية " رفقة السلاح . . والقمر " تمثل الامل لواقع تجسمه احداث عاشها الجندى على الجبهة وهو ينظر بعين تملؤها الحسرة للارض المسلوبة البادية امامه حتى الافق . . ومن كيانه تنبعث زفرات التمزق والحسرة وهو يحمل آلام . . واعباء . . وآمال . . وجرح مجتمعه . .

