الشعر هذا العالم الذى تسبح فى أرجائه طموحات أمم وآمال ومآس عدة تغربلها ثقوب الحس الرهيف اللامتناهية الدقة الشعر هذه التناغمات الحديدية والموسيقية . والتفاعلات الوجدانية والشطحات الخيالية أحيانا تحول إلى مرآة تعكس روح العصر بما تنطوى عليه من تشنجات ورفض وايمان وتدليل على مكامن الخطر فى مسيرة المجتمعات .
واذا كان " الفنان يبذل اقصى جهد ليجد ثانية ويلتقط . . ويعبر ويمثل فى اثره الفني كل عناصر الغنى التى بلغها الانسان فعلا فى فترة زمنية معينة من فترات التاريخ . . وهو يبذل جهده ليدخل فى الاثر الفنى ادوات الحياة وتجسداتها الخارجية ومظاهرها " على حد قول ماركس فان الشعر بالاضافة الى ذلك مؤهل اكثر من غيره للتنبؤ بما ينتظر البشرية من مصير وما يتربص بها من اخطار وما يحيطها من اوجاع وهموم . . فاضحا لاسبابها ومشيرا الى تناقضاتها
ولكى يبرهن الشاعر عن مدى استيعابه الواعى لما يتحرك حوله وما تحبل به تحولات العصر من آلام وضحايا وبما تحمله الكلمات من أمل وألم . فانه - وعبر قصائده - يحدد موقفه من كل ذلك سلبا او ايجابيا . . معبرا بذلك عن طموحات الجماهير المسحوقة التى تتقاذف نحو الاصداء مستبشرة دون ان تدرك حقيقة ما يجرى بذلك يتجاوز الشاعر أنانيته . . وهمومه وعواطفه التى هى جزء من هموم القوم وعواطفهم وبحكم التصاقه والتحامه بالجماهير . . ونتيجة لوعيه العميق بتوجهات وتفاعلات المجموعة التي يعاصرها فى حالة تعفن الاوضاع . . عليه ان يأخذ مقود الجماهير زاحفا بها لتغيير ما رث من التقاليد والعقليات
واذ كنت لا أجارى هنرى باربوس فى " ان الاسفار لا تجعلنا نكبر " فانى اقر معه بأن كثيرا منها كان عائقا لتطور الانسانية بما صدىء داخلها من أفكار حجرية . . ونظريات لا تجد طريقها للتطبيق
وبديهى ان يأخذ الشعر منعرجات خطيرة فى الحياة عموما فالثورات التى يعج بها العالم ليست خفية على احد كما ان الثقافات التى يستوردها البشر من بعضهم البعض فيها الكثير من عناصر التغذية والتطعيم والدعوة الى التجاوز وقلب المفاهيم والمتلقي المتعطش الى الاسمى والى الجديد لا يدع فرصة تمضى دون أن يجرب الرفض حتى مع الرافضين انفسهم . . بحثا عن القيم الخالدة وعن مصير يكفل سعادة الانسان
وكانت الواقعية الثورية :
من هذا المفهوم انبعث اتجاه الواقعية الثورية فى الفن الذى انضوت تحت لوائه مدارس عدة كانت امريكا اللاتينية وكثيرا من بلدان آسيا وافريقيا مسرحا لها وفقا للخصائص الاجتماعية والمرحلة التاريخية التى يمر بها كل بلد منها ورغم تعدد مدارس هذا الاتجاه فانها تلتقى جميعا فى الجوهر النقدى الثورى الذى يناضل فى سبيل ثقافة جماهيرية ديمقراطية تحرريه علمية . . ويرتبط ارتباطا وثيقا بقضية الانسان والشعب والثورة ويلعب دورا طليعيا فى مجال الصراع الثقافي الذى لا مفر له من السير جنبا الى جنب مع الصراع بالبندقية والتنظيم والعمل السياسي
وقد طرحت الواقعية الثورية سؤالا مفاده : ما هو المطلوب من الفنان سواء لان اديبا او شاعرا أو رساما أو نحاتا او موسيقيا حتى يصبح فنانا واقعيا ثوريا ؟
وجاء الجواب ملخصا فى خمس نقط هي التالية :
1 ) ضرورة الالتزام بقضية الثورة والشعب عمليا كمواطن وفنيا من خلال عمله الفني
2 ) ضرورة العيش مع الجماهير والثوار ومشاركتهم نضالاتهم وامالهم والامهم ومختلف تجاربهم ليصبح بالامكان الاغتراف من ينبوع الالهام الحقيقي الانتاج روائع فنية وأصيلة
3 ) ضرورة خلق اعمال فنية تمس شغاف قلوب الشعب وتزيد من وعي الجماهير وقدراتها النضالية والتنظيم ومتابعة الثورة مهما بلغت الصعوبات وتازمت الاوضاع وازدادت شراسة الاعداء
4) ضرورة ادراك الدور القيادى الذى يلعبه الفنان من خلال فنه فى مجال الثقافة الثورية مع الوعى العميق بعظم المسؤولية التى تفرضها هذه القيادة سواء من ناحية المسؤولية أمام الشعب أو من ناحية المسؤولية الفنية والثورية . . ولكن لكى يستطيع الفنان الثورى الاديب الشاعر . النحات المغنى الخ ان يقوم بمهام هذه القيادة عليه ان يصبح تلميذا للشعب يتعلم منه قبل ان يصبح قائدا له .
5 ) ضرورة تطوير موهبته الفنية واغنائها بالدراسة والاطلاع والمران من أجل انتاج روائع فنية حقيقية لا تمتاز بصحة ما تقوله فحسب وانما بديناميكية وتماسك المحتوى والشكل فيها ايضا .
وقد نفذ الشعراء مختلف هذه البنود بكل اخلاص
الشعر واسباب التطور
الشعر العربى فى تونس لم يحاول التخلص من تبعية الماضى ولا تخاطب مع الجماهير الا باحتشام فمنذ الشابى وجيله كان الشعر محدود الانتشار وهي اكبر مؤامرة على الفكر تحت اعذار واهية واشاعات كاذبة يطلقها محاربو الوعى فى الانسان العربى
ولئن كان جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية قد تأثر بالجراح وبهول قنبلة هيروشيما فاصبح يخفى همومه عبر تلاعب الكلمات ودسامة الالفاظ محاولا وضع الكلمة فى حالة تستطيع ان تعدد مفاهيمها للتخلص من المسؤولية السياسية أمام أشكال الاستعمار وممارساته الارهابية على امتداد الوطن العربى وفى العالم كله فان جيل الخمسينات استطاع الانفلات من الروتين بايجاد مدارس فنية مجددة على المستويين شكلا ومضمونا وحاول افراز لغة اكثر قابلية لابلاغ المواقف والتعبير عن الرغبات المكبوتة ردحا من الزمن
وليس غريبا ذلك فالمواقف السياسية بدأت اذ ذاك تأخذ شكلا حادا بفعل ضغط الشعوب ووقف اغلبها وقفة حازمة مطالبين بالتحرر من التبعية الاقتصادية وفرض سيطرتها على كل ممتلكاتها ان سلما او اغتصايا وانتزاعا .
وكان من تأثير هذا الجو ان ان انعكست روحه على الفن عامة وعلى الشعر بصورة خاصة فكانت مساهمتهما ذات بال رغم تخاذل العديد من الادباء والفنانين فصار مجمله محاولة لعبور جسر يصل الكلاسيك بالجديد فتحول نفس المحاولين الى المادة التى يتكون منها الجسر فاذا المحاولات كلها تخضع للضبابية المضطربة والقناع الداكن احيانا
وتلت ذلك فترة الستينات التى كان جيلها خلاصة الثورات المنتشرة فى العالم المتامل المتأثر بكل ما يدور فى فلك الكون الرحب بحكم تطور وسائل الاعلام والتكنولوجيا وانتشار التعليم والتجمعات السكنية وما الى ذالك من وسائل الاخبار والدراسة والتأثير . فاذا هو يتمرد على الاشكال وعلى اللغة وعلى الافكار الجاهزة ونشأ عن ذلك انفصام فى العلاقة التاريخية للادب والفن عموما . وتفاوت وعي هذا الجيل تجسم فى محاولاته الفردية المقلدة للدادءية والسريالية وغيرهما . . ونجم عن ذلك صدام بين القدامى والمحدثين " المقلدين حول مفهوم التجديد الا ان احدا لم يستطع اقناع الآخر بجدوى " فعله ورؤيته وحقيقة تجربته لان من شروط الالتزام بقضية ما يجب الصدق والاخلاص لا التزلف والتمسح بها
وفى تلك الفترة كثر الخلط بين الشعر والكلام بين الفن والعبث بين الوعى واللاوعى . . وتولدت عن ذلك تجارب يناضل اصحابها ويدافعون عن اتجاهات غير واضحة حتى لديهم متجاهلين بان " ثمة فرقا بن اللغة الادبية المؤلفة من الاشارات واللغة العادية المؤلفة من الدلالات " يقول جيرودو
وبما " ان عدم تنضيج التجربة يدفع الى ضياعها وتلا شيها والخروج منها بغبار السفر فقط " فان تجارب هذه الفترة كلها باءت بالفشل للسبب المذكور واسباب أخرى . ولم تبق منها الا انقاضها التى تنعى اصحابها واحتار هؤلاء بين الردة والاستمرار لكن انعدام النضج كان له دور فى تحريج كلا الموقفين فابتعلتهم الحيرة وسقطوا تحت عجلات الزمن والتاريخ ولم يبق الا من تمرد على اسطورة المظهر ورفض المساحيق المستوردة وتشبت بنصول واقعه ومرحلية تطوره.
وبما ان نكسة الخامس من حزيران ادخلت الشعر فى فلك النكسة وحتمت على العربى من المحيط الى الخليج - النقد الذاتى ومراجعة المواقف والانظمة والعلاقات على المستوى العربى فقد زادته وعيا واعتماد على امكاناته وادراكه للمخاطر التى تحدق به والفناء الذى يهدده نسب الانقسامات وتضارب
المصالح بين هذه الرقعة وتلك فى الوطن الكبير وزادت النكسة الشعب الفلسطينى تشبثا بمبدإ الاعتماد على النفس والقوى الذاتية ايمانا منه بانها وحدها القادرة على التصدى للمؤامرات الصهيونية والرجعية العربية على حد سواء . . وقد برز بعض ذلك الاعداد فى سبتمبر الاسود وفي الحرب الصليبية الطائفية فى لبنان المدعمة بازلام الامبريالية الامريكية وغيرها
السبعينات وولادة الوعى الآخر :
هذه الاحداث وما شاكلها افرزت جيلا يتسم بل يمتاز بالصدق فيما يقول عن وعي ملتزما بمبادئ الواقعية الثورية متخذا من الفكر والممارسة كفتى ميزان محللا لكل التناقضات التى وقع فيها السلف مع بداية فترة جديدة
يمكن ان احدد الاطار الزمني لهذه الفترة الشعرية منذ بداية السبعينات فقد برز جيل واعد يؤمن " بالفعل " و " ضرورة التطور " واتخذ لنفسه مناها وأساليب يختلف فى رسمها العديد منهم . الا انهم جميعا يتحدون موقف وفكرا ورؤية وطموحا ولا يمكن ان نمر دون الاشارة الى ان من بين هؤلاء من كان مع التجارب المنتهية لكنه لم ينته فارا بنفسه . . منضما الى الاحياء لتأصل الحياة فى فكره .
بعض ملامح هذه الفترة ما زالت بين التخلى والامتداد تعصف بها تطورات العصر ومخلفات الماضى ومتطلبات الثورة . . وامكانات الشعب وعوامل اخرى فلا هي اوجدت لنفسها لغة تخصها ولا هي التقت عناصرها بواسطة الحوار لرسم معالم الطريق الموصلة الى الهدف لكن رغم القطيعة المفجعة بين متساكنيها فانهم يلتقون حول نفس المبادىء وعلى العموم فرؤيتهم للواقع تكاد تكون واحدة . . او على الاصح تشكل مع بعضها وحدة متكاملة لتمثل الواقع المعاش تصويرا ونقدا . وتوجيها فكانت روح السخط هى الجو المخيم على انتاجهم رغم المسحة التفاؤلية والمستقبلية التى تصادفك هنا وهناك والثقة بالنفس . . والتلويح الى صنع حياة أكثر سعادة وتماسكا للانسان العربى اينما كان
ورغم حواجز النشر التى لا تعد والتى تقف فى وجه الكثير منهم فان الانتاج غزير كاروع اشكال التحدى للعراقيل وعدم الاستسلام امامها . زد على ذلك فالتجربة فى تطور واغلبهم لم يقل بعد كلمته لذلك . ولكي نكون موضوعيين فانه علينا ان لا نحدد منهم أى موقف نهائى
ويمكن ان نلاحظ وجود السلبية الفنية فى تركيب العمل الادبى عند بعضهم الا ان الوعى السياسي والاجتماعى يشكل الجانب الايجابى المهم فى انتاجهم ورغم ما يعترض القارئ من غموض هنا وهناك فبالتأمل يصل الى استبطان المضمون من خلال شفافية الكلمة الجديدة والعلاقات الجديدة التى يحاول خلقها بين الكلمات والجمل
الشعر تعريفا للمرحلة
وبناء على ما استعرضنا هل بامكاننا ان نعرف الشعر تعريفا يتماشى والمرحلة الراهنة . . والمهمات المناطة بعهدته ؛
فما هو الشعر اذن : ؟
- انه رصيد الافكار والمواقف المتكاملة التى تحدد انتماء الشاعر وهويته الحقيقية وتعامله مع الكون كمجموعة من العلاقات المتناقضة فى اطار فنى أصيل وبلغة موحية شفافة يحدوها الصدق ورائدها التطور المستمر
- هو العنف الواعي والتغلغل المباشر فى اوبئة العصر لتفجيرها . . وهو المجهر الذى من خلاله نستشف حقائق الكون
- هو التمرد على نظام الموروثات البائدة والتشبث بمقومات الاصالة والتعطش الى سعادة الانسان . . وهو المؤشر والمستقطب لتناقضات العصور وتحركات الاجيال
- هو الثورة العارمة فى الداخل والخارج مكتسحة محظورات الاشياء . ممزقة لتقلصات الاوضاع وتضييقاتها وهازئة بنياشين الكبت وعلامات الوقوف راسمة فى ذات اللحظة نقط استفهام على كل الوجوه وفي كل الواجهات
- هو الوفاء للضمير وللجماهير والتحدى للياس والرفض للاستسلام والكفر بالغوغائية الجوفاء والصمود فى وجه التيارات الجارفة . . والقدرة على فرز الظلمات المتطفلة من الليل الاصلي
- هو القلق المتستر فى اطار شفاف من الكلمات ذات المدلولات المحدودة والواسعه المعنى ايضا من الهياكل الكارتونية التى تحرسها طوابر الممسوخين واشباه الفيلة
- وهو - فى ذهن الانظمة والعلاقات المتخلخلة - المازق الخطر الذى لا يقع فيه الا اسراب " المعتوهين " لكنى أؤكد أن الشعر هو خلاصة قانون التطور والوعى . . وعلامات الطموح وصبح الثورات
الثابت هو العروبة . . وما سواها متغير :
هكذا نفهم الشعر ونتعامل معه وهكذا نعيشه ونحس به وهكذا ايضا نستخدمه فى كل تحركاتنا فكرا وممارسة غير ان ثمة شيئا لا بد من الاشارة اليه هو ان جميع مميزات الانسان العربى فى تونس قد شمل التغيير جزءا منها اذا لم تتغير كلها لكن شيئا واحدا بقى كما هو ولربما زاد رسوخا ووضوحا وعزا كاعنف رد فعل على المحاولات العديدة التى توالت متآمرة على طمسه فيه او فصله عنه ذلك الشئ الوحيد هو عروبته الانسان العربى فى تونس لم يفرط لحظة واحدة فى جذوره وتربته . لان التفريط فى ذلك يعنى الاجتثاث فالانبتات . . من أجل ذلك تصدى للمؤامرات الداخلية والخارجية . . رفض التجنيس ومختلف اشكال الفرنسة . عرض صامتا على كل الدعوات الاقليمية وغوغائية الذاتية الخاصة قاوم كل أشكال المسخ التى فرضت عليه فى وقت ما . . وما يزال بالمرصاد لكل التحديات التى تصدر عن لقطاء الحضارة . . وسقاطة الشعوب المستبدة
وطبيعي ان يتميز فكره بهذه الميزة الاصيلة وان تكون موضوع مختلف ألوان فنونه . . بل هي جلية وواضحة فى تعامل الفرد مع اخوته فى الداخل والخارج على امتداد الساحة العربية وفي تفاعله المستمر والعميق مع الثورة الفلسطينية وقد عاش من قبل اطوار الثورة الجزائرية موقفا وممارسة وهو من استعداد ايضا لمواجهة اشرس أعداء الانسانية وطرد اشباح الاستغلال والامتصاص التى يمثلونها
كما ان لهذا المجتمع طموحات واهدافا مصيرية يشترك فيها مع اشقائه فى مختلف ارجاء الوطن الكبير والشعراء من أهم مستوعبي هذه الطموحات لتحويلها الى نبض يخفق عبر قصائدهم كطريقة من طرق النضال التى يعتمدها هذا المجتمع . . فهو تارة يدعو الى الالتزام للعروبة فى كل ما يأتيه :
كن عربيا فيما تقرأ
كن عربيا فيما تكتب
(المختار اللغمانى )
وطورا يحتج ويفضح مختلف الممارسات المشبوهه التى يجنى نتائجها الانسان العربى
عربى هذا الوطن المعروض بأسواق القمح الامريكية
عربى هذا المصلوب بساحات التمزيق اللبنانية
عربى هذا المشنوق بحبل ضفرته الايدى المصريه
لقد كان الشاعر العربى فى تونس مطلعا ومستوعبا لكل التطورات التى تحدث على الساحة العربية فهو يعيش باحاسيسه وتفاعلاته مع الاحداث المتواجدة على تلك الساحة لان ما يحدث عليها لا يخص مجموعة من البشر دون أخرى
من المحيط الى الخليج العربى يعانى الانسان العربى من نفس الادواء فتحفر فى القلوب نفس الجراح : التجزئة القطيعة تضارب المصالح واشكال الاستلاب وغير ذلك من ضروب التخلف واللاوعى المفروض عليه إلا ان الشاعر الذى هو ضمير المجموعة يدرك اثقال المعاناة ويتحسس من خلال الظلام نور الصباح وهو لذلك لا يعرف اليأس
وقد تعجبين ويحلو الحديث
اذا ما ذكرت عذابي
لك الله كيف تلذ حياتي ويحلو شرابي
اذا انا لم اعتصر من شقائى رحيقا
ينور لى فى الظلام الطريقا
( السجن داخل الكلمات ص 26 - محيى الدين خريف )
وها هو يقفز محطما كل مخلفات عصور الانحطاط متجاوزا ما سمى بعلامات فصل الاعضاء بعضها عن البعض الآخر فاذا هو كبقية العرب من مائها ومن طينها وهم أهله وعشيرته :
بلاد العرب اجداد
واعمامى واخوالى واحفادى
انا سويت من ارضك
من ماء ومن طين
( الليل والطريق ص 55 - الميدانى بن صالح )
تأكيدا لامتزاج الدم والفكر بالمصير واعترافا بوحدة الحضارة والهدف والتاريخ واستشرافا لآت سلاحه الوعى واداته الصدق وتأكيدا أيضا على أن كل فصل لجزء عن الآخر يهدد جسدنا بالفناء .
فاذا الخليج بلا محيط كاللقيط
وكاللقيط هو الخليج بلا محيط
( الصادق شرف - بلاد الثقافية مارس 78 )
حين يلتحم المحيط بالخليج العربي بواسطة الارض العربية يبقى أمامنا ان نعلم الاجيال شرف النضال من اجل المثل العليا واستحضار التراث للاتعاظ به عن سلبيات الآتى ولتفاديها بالقضاء على اسبابها :
اصدرى تعر
علم اطفال المدينة
سيرة " أبى ذر "
وتواريخ " الحلاج " الحزينة
(البحر فى كأس ص 89 - محمد أحمد الفابسى)
لكن الساحة العربية - الآن - ما زالت لم تبلغ تلك المرحلة مرحلة الالتحام هي الآن فى اجزاء منها على وشك ان تفتح ذراعيها لاحتضان المستغلين الممتصين دماءها وخيراتها وكمثال على ذلك ما يجرى فى المشرق العربى الا ان الانسان العربى لا يقبل ذلك ولو دخل فى صدام داخلى وخارجى فى نفس الوقت :
فقولى لهم : نحن خلف المتاريس نكتب للقادمين وصيه
وتلك خنادقنا فى جبال الترقب تلك عروق الرحم
سينفجر اللغم قبل الأوان
( سويلمى بو جمعة - الفكر افرريل 1978 )
الشاعر بركان الامل . . ووجدان الامه من هول ما الم بالوطن العربى فى عموم اجزائه كاد أن ييأس كاد أن يكفر بالحياة
الى أين تمضى
وفي كل أرض
شتاء مقيت ليال رهيبه
(العطر والرصاص ص 44 - الهادى عبد الملك)
الا ان ذلك لم يكن غير هاجس ما ظهر الا ليختفى فاذا الشاعر الانسان العربى كأشد ما يكون عنيفا ورهيبا واذا الموت لا شئ واذا الاحزان عصافير فضية تحدث فى النفس اهتزازة فتستحيل الى يقظة :
واصحو على صيحة لملمتني
وآخر من قد احبوك يا وطنى
قدم الآن رأسه مهرا
(عبد الحميد خريف - الدوحة ص 66 ديسمبر 1976 )
الارض العربية لم يمسك القاهرون عن اهدار الدماء على ثراها والانسان العربى ما فكر ان يشح بهذه الدماء التى ستسقى شجرة الحرية والشرف العربى كل ذلك وسماسرة الغرب ما يزالون يقدمون العروض المغرية واعوانهم يفتكون بالرقاب ولنا فى لبنان اكبر شاهد على هذا ولكن هل توقف الامر فى لبنان ؟
من ذا يصيخ لمنطق الازهار
فوق رفوفها الثكلى
ومن يبكى اذا سمع الدعاء ؟
يا طائرا
ارجع الى البحر الذي
فرت اليه نوارس الغدران
من عفن الدماء
:على اللواتى - الرأى عدد 17 )
عوامل الاستمرار :
امن الانسان العربى ان الاسس الحقيقية لبناء المجتمعات تتلخص فى ثلاث نقط بادىء الامر :
1) وعى الجماهير 2 ) حرية التعبير والمعتقد والانتماء
ز ) تنقية الجهاز السياسي من المتآمرين على مصالح الشعب العربي ان وجدوا .
لان الهياكل التى تبنى وجودها على تكميم الافواه وتحديد مناطق تحرك الفكر والجسم والطموح هى بالضرورة تصنع المواد السامة وتتناولها . فالاعتماد على جماهير تخدع ببريق المظهر كالاعتماد على سياج خشبى تسرب اليه السوس . . ان التاريخ يخبرنا عن الدكتاتوريات التى سقطت الواحدة بعد الاخرى فمدتها لم تتجاوز عمر من اوجدوها ولم يبق الا حكم المجموعة.
والانسان العربى اليوم يهزأ بالممارسات المشبوهة . . ويعتبر ذلك خيانة فى حق الانسان يحتج ويصرخ كمرحلة تليها مراحل فاذا التهم بلا حصر.
وها جاءك الطلق فانتبذى - الآن - منهم مكانا قصيا
ومدى يديك لريح البحار
واذكرى انهم ضيعوني صغيرا
واذكرى انهم حملوني كبيرا دماءهم المستباحه
ولكن ستنسلح الارض من جلدها واخضب ايتها
النساء يديك
اكحل عينيك امسح بالزيت جبهتك البارده
هو عصر جديد تدق سنابكه الارض
( المنصف الوهايبى - الاقلام - شهر ماى 1977 )
تتجسد على ارض الواقع فى عالم الحس العميق بين جدران الانفس الثكلى التى تنعى وجودا اخرس يتقاسمه التجار فى سوق النخاسة . . تتجسد
الغربة فى كل حركة وفي كل ايماءة . . الضياع القاتل كارثة على احساس الانسان . . لان بناء الانسان من اهم مهام الانظمة اذا ارادت ان يبقى سبب رئيسى لبقائها اما ان تحدث انفصاما بين جسمه وروحه . . بين فكره وواقعه فذلك من اشد الويلات عليها وعليه.
نجوع ونعرى
ولكننا فى المنافى
نغنيك يا حلوة الوجه
تحم بالحب فيك
وتكتب عنك مواويل عشق
وشعرا
( قراءة الاسفار المحترقة - محمد الخالدى)
ان المثقف العربى لا يمكن - وقد آمن بذلك - ان يقف فى حدود الاستنكار والاحتجاج فعليه اولا أن يدخل فى صراع مع المتناقضات وتهيئة العقلية واعدادها لطرح البديل فهو يدرك جيدا ان الكلمة موقف لانه يؤمن ان لا فاصل بين القول والعمل . . لذلك كان لزاما عليه ان يبدأ بتشريح العلاقات والوظائف وجزاء الطموح المنتظر
افر اليك من الاحباب
فيلقانى الحرس طوابير سلام ونباح
يتولون العد البرقي
بايد اذكرها تتعقب رأسى
والطلق يفيض على عثراتى
مولاتى:
هل تكفى ذاتى ؟
جاوزت حدود العبد
فكلفنى المعبود حياتي
( على دب - الرأى عدد 4 )
والجيل الشعرى الجديد يستخدم كل امكاناته للتعبير عن الداء الدفين فى عماقه يقترح مختلف الحلول التى يعتقد فى نجاحتها لاصلاح ما افسدته الظروف والآخرون هو يعرف جيدا التركة الموروثة عن عهود الانحطاط والاستعمار لذلك فهو يعلن ان هذا الجيل
إذا ما أراد اختراق شعاب الليالى
فلينزع خرقته الصوفيه
وفى بحر دماء عروق صلاب يعوم
جيل يطهر مدن الشام
من وقع سنابك خيل الروم
( محمود الماجرى - بلاد الثقافية جانفى 1978 )
كل شئ على الارض العربية يدعو الى الالتحام يدعو الى الضم والامتزاج كل شىء مهيأ لان يصبح مع الآخر شيئا واحد ان يعود كما كان . . صحيح أن هناك انقسامات على انفسنا تاريخيا لكنه انقسام كان لاختبار امكانات ولابراز التناقضات التى حملناها وما كان انقساما عدانيا بل كان فكريا وفى مسائل استغلها العدو وعمق الشقة من خلالها الى مستوى الدم فهل يصح ان نبقى لعبة بايدى الاعداء
تترقبين على الرمل مرور قافلة التيه بانت لعينيك
تلوحين لها بالمنديل يلوحون لك بالقرب
تكونين لهم الماء يكونون لك الرفاق
هى لحظة التلاقي ما عادت فى سجل التمنى
تجرين اليهم جريا جريا يجررون اليك
هى لحظة العناق
( سوف عبيد - الثقافة العربية ص 120 - العدد الاول سنة 1977 )
ويستمر ترديد ذلك الحلم / الحقيقة على ألسنة المفكرين والمثقفين الاصليين دعوة للثورة على بقايا العبودية والقبلية وكل ما يلي من مظاهر الحياة وما بعفن من دواخل الاوضاع . . كيف لا يكون ذلك ومن نصيب الانسان فى الارض العربية :
غالبنى الزمن
دخلتك يا مغاور الهجرة
ويا الحنين الى الوطن
وعشت الاهانه
( نور الدين عزيزة - قصيد صفحات من جواز سفر)
ومن حين لاخر . ترتفع الاصوات لتؤكد استمرار التعفن بلهجة حادة حينا وسافرة احيانا لفضح الاسباب . . وتكشف عن الوجوه من تحت الاقنعة الكاذبة وتقولها صراحة
الهاكم التناطح الهاكم التناكح
الهاكم التملق الهاكم التملص
الهاكيم التضاجع حتى خنتم الوطن
( الصافى السعيد - الاسبوع الثقافي الليبى - 29 ربيع الاول 1389 ه )
الآتي . يتحدى :
ورغم تضخم الزمن الميت فى اذهاننا . . ورغم غرابة الحاضر الذي ياكلنا ونأكله فان التوجه للآتى هو من اكبر مهمات المثقف العربى اليوم الايمان الصلب والعزيمة الصادقة هي السلاح الاول والرئيسى . . والوعى الكبير والمعرفة الواسعة هى الطريق الموصلة وهو يعتقد جازنا انه لا يمكن فصل الزمان عن الهدف ذلك تفكك لروح هذه الامة وجيل الشعراء اليوم هم خلاصة الصدامات العديدة وجنين المأساة لذلك فهم على يقين من ان الزمن لا يصمد امام الارادة . . وكما انهم يؤكدون على عامل الزمن في بناء الامة . . هم يتألمون على ما يهدر منه لفائدة رواد الاستلاب الامبرياليين والصهاينة والرجعيين في المشرق العربى وغيره وغيره . . اكثر مما يتالمون على الدماء المهدورة . هم يتألمون على الشرف العربى أكثر من التذمر من اقتطاع جزء من الارض . ويتحسس الواحد افكاره فاذا هو
منكسر هذى العشية ان الطريق أمامى
بركة حزن
يبللها بالدم المر جرح
(عبد الحميد مواعدة - الراى عدد ١2 )
الشاعر العربى فى تونس هذا الانسان الذي لا يختلف عن كل البشر فى العالم الا من حيث طباعه الحسنة وقدرته على الجام شهواته ككل عربى أصيل . لانه يرفض البديل لعروبته وشرفه مهما كان مغريا :
أحببتك فوق الحب
فكنت هواى وكنت جنوني
لكنك من أصل صهيونى
ان كنت رفضتك يا مارتين
فلأني سمعتك أمس تغنين
(يورشليم شل هاف
شل نحوشت شل أور)
وترجمتها : أورشليم يا مدينة الذهب يا مدينة النحاس يا مدينة النور ( سالم الشعبانى - أغنيات منجمية - ص 57 )
ورغم كل ذلك والى جانب الاعتزاز الكلى بالعروبة . . تحيا نماذج من مظاهر التعفن لا بد لها ان تنسحب :
هنا في بلادى
على قمة الجلجلة ( أين صلب المسيح)
وتحت صليب المسيح
تموت النسور اغتيالا
تموت العنادل فوق السفوح
وتحيا الخفافيش جذلى
( محمد على الهانى - الرأى عدد 15 )
هكذا فى عصر الكتل والعصبيات والعنصرية العرقية والدينية . اصبح العربى أينما كان يدعو الى لم الشمل لتشكيل قوة يقرأ لها ألف وزن فى الصراعات الكبرى . . وما ازمة البترول الا دليل قاطع على قدرة العرب على فرض وجودهم لذلك فليس هناك من يتردد فى النداء الى توحيد الامة العربية والقضاء على السلبيات واستخدام الطاقات العربية فيما ينفع الامة
العربية كل الاحرار فى العروبة يعتبرون الوحدة أمرا حتميا ولا بديل له فى عصرنا هذا فلا امان اليوم الا مع القوة ولا يمكن ان تتحد القوة مع التشتت والتجزئة
ورغم ايمان العربى بكل ذلك ، فانه وطبقا لاخلاقه وطيبته يتمنى لو كان العالم اطفالا ينضحون طيبة وبراءة :
لو كان العالم أطفالا
ما احتجت نهارا لهويتى
ونذرت دمائى الى جنسى
( حسين العورى - الرأى عدد 11 )
وللاسف فهذا العالم اشرارا وذئاب تترصد الحمل لافتراسه مستعملة فى ذلك افتك الاسلحة الا وهي تغريبه وابعاده عن جذوره الحضارية والتاريخية وان عز ذلك عليهم يلجؤون الى خطة التدمير الذاتى فاذا الشمال يطعن لجنوب فى صدره وان عجز ففي ظهره لقاء جزاء امبريالى صهيونى رخيص فهل من يقظة ؟
وختاما :
أؤكد أولا انه ليس من حقى ان ادعى اننى استحضرت كل الاصوات التى تناضل فى سبيل تأصيل الانسان العربى وليس باستطاعة اى كان ذلك الآن بسبب حاجز النشر وأؤكد ثانيا اننى لم ادرس النماذج التي حصلت عليها طبق منهجية معينة ولا حتى تتبعت خطى تطورها تاريخيا وفنيا فكل ما هنالك انى جمعت بعض النماذج مما نشر اخيرا لكنها تلتقي كلها فى نقطة واحدة هى الدفاع عن اصالة الانسان العربى والشرف العربى
قد تكون المآخذ كثيرة من حيث الجانب الفنى خاصة لكنى مقتننع بأن الرابط المشترك بين كل النماذج المشار اليها هو الحس القومي العربي لذلك لم يستوقفني الجانب الفنى واتصلت مباشرة بالموضوع وعسى ان اعود الى ما اهملته فى فرصة قريبة.

