الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

الحضارة العربية

Share

مقدمة :

الحضارة في مفهومها مرآة تنعكس عليها صورة حقيقية للتطور العقلي لافراد الامة التى انتجت تلك الحضارة بعامل تفكيرها وارادتها وتطور حياتها  الاجتماعية في شتى الميادين الحية ، وتبقى تلك الحضارة هيكلا اثريا ينطق بواقع تلك الامة وما وصلت اليه بتفكيرها من حضارة لها ارتباط ومشاركة فى وضع الاسس التى تقوم عليها دعائم التطوير العالمي . ويظل واقعها حقيقة ماثلة أمام ادوار التاريخ وهي ذات قيمة جوهرية لا تتغير بمرور الزمن ولا تتاثر بالاحداث مهما اختلفت منابعها ومصادرها ومهما تعاقبت الازمات والفترات . فحضارة تلك الامة تقف ثابتة ثبوت الجبال امام عواصف الرياح توحى بكنه واقع الحياة التى عاشتها تلك الامة فى مجتمع له هيئته المتطورة وله مبادئه الفعالة ، وضرورة الحياة والعمل تستوجب على كل  امة ان تستمد حضارتها من ماضيها لتكون الارادة قوية والعمل مثمرا حينما يدرك الفرد ان كل ما ينتجه من تفكير عقلي وعملى فى الحياة امتداد  لماضيه لكى يعمل على وصل حضارته قديمها بحديثها ليثبت للتاريخ حقيقة تلك الحضارة وقوة العاملين لها . وكل امة على اختلاف جنسياتها واشكالها لا يمكنها القيام  

بحضارة حديثة . . ما لم تعرف كيف كانت ومتى كان وجودها الحضاري على مسرح الوجود . والامة حينما تعرف القيمة التى  لماضيها تسعى بكل الاساليب لان تستعيد ماضيها إذا كان قد تعرض لاحداث وعوامل زمنية خوفا من ان تنسى وجودها وخوفا على قيمتها من الانهيار .  

والامة الواعية تجعل من ماضيها نبراسا تسير على ضوئه فى رسم المخططات الطويلة العريض لحياتها لدرك الحقيقية

وتعرف وجودها فى الحياة فما من شك فى ان ماضى الامة فى حضارتها هو القوة  ذات الدفع للافراد ومن ثم للامة . وما الامة الا مجتمع من الافراد تتحد مفاهيمه واحساساته وعواطفه ليستمد وعيه من ماضيه

اقلام خاطئة :

يبدو جليا أن هناك اقلاما تدأب من أجل تشويه الحقيقة لحضارة العرب وانتاجهم  الفكرى فى المجالات الحيوية متجاهلة الواقع والحقيقة منساقة مع تيارات سياسية واغراض غير خافية . والحملات التى تقوم بها تلك الاقلام قد تكون لها نوازع من التأثير على مجموعة من مجتمعنا فتندفع تحت ضغط التأثير الى الاخذ بتلك الترهات المفتعلة فتسير مع التيار معتقدة ان العرب لم يتركوا حضارة ولم يتقدموا مثل ما تقدم اليونان . . ولا شك ان هذا الاعتقاد ليس له قيمة فى المجال العلمي والادبى لانه من  بقايا طفيليات ورواسب اجنبية تكشفت عن سوء نية وقصد ، نتيجة التحامل والاجحاف والتجنى على المفاهيم الصحيحة . وقد يكون له تعليل آخر وهو الجهل بالحقيقة وعدم استقصاء الواقع وكنه سر الحياة العربية وأدوارها . والتحامل والاجحاف مهما كان نوعهما وتأثيرهما فلوقت محدود . أما الحقيقة فهى حقيقة ثابتة لا تتأثر بما اضفى عليها من غلافات وستائر

وفي الوقت الذى تشتد فيه حملة تلك الاقلام لا تعدم الحقيقة من يكشفها لا لشئ الا لانها حقيقة فقد تصدى بعض علماء الغرب لهذه الناحية واكتشفوا الجوانب الحقيقية وناقشوها بأمانة علمية ، وتاريخية قال احد العلماء الغربيين - نيلكسون . ما المكتشفات اليوم لتحسب شيئا مذكورا ازاء ما نحن مدينون به ، لرواد العرب الذي

كانوا مشعلا وضوء فى القرون الوسطى المظلمة ، لا سيما فى اوروبا ، هذه حقيقة تتجلى فيها الامانة عن عالم قال بصراحة غير متأثر بالتيارات التى تذهب مذهب التجنى وقلب   الحقائق وهضم الأمانة والاتجاه. لجنس دون آخر ويقول ايضا " جسون داربر " : . عندما كانت اوروبا لا تعرف من المعرفة الا قليلا ، مما تعرفه كان العرب يعملون على تهذيب العلوم وترقيتها بل كانوا يخترعونها . ان انتصاراتهم فى الفلسفة والرياضيات والفلك والكيمياء والطب اثبتت انها ابقى واعظم من انتصاراتهم الحربية ومن ثم أهم منها ،

حضارة العرب :

تفتحت الحضارة العربية على صعيد الوجود رافعة لواء الحرية يرفرف خفاقا فى سماء الافق وسائرة على قدم وساق لتبنى حركة التطوير البشرى والانطلاق من قيود الرجعية والتخف الى الحلبة الطويلة العريضة لصهر ذلك الجمود وخنقه فى بوتقة للاعودة . بذلك المبدأ وبتلك العقيدة خلقت - بكسر اللام - الحضارة العربية وقدر لها ان تعيش عمرا لا يوازيه عمر بالنسبة للحضارات التى سبقتها او التى عاصرتها وكان مما امتازت به تلك الحضارة انها كانت من امة متجانسة تعيش عيشة اجتماعية  متمشية فى العقيدة والاحساس والشعور الفردى والجماعي . واذا استفصيت واقع الحقيقة خرجت بنتيجة . هي ان العرب قاموا بحركة حضارية  واسعة ذات اهداف مثالية ومبادىء سامية الغرص منها هو  تثبيت الحركة الحضارية بصفة شاملة تيسر للمجموعة  العصرية - السير فى ركاب التقدم والارتباط برابط السلام والتعايش فى حياة يرتسم معها طابع الحياة الوادعة الائتلافية . والمبادئ التى   تعممها تلك الحضارة مبادىء

مثالية انشأت تمازجا طبعيا سليما بين تلك الحضارات التى قدر لها ان تذبل وان تغرب بتأثير الحضارة العربية الجديد وذلك التمازج ليس باليسير فى ظروف كتلك الظروف الشائكة فقد كان هناك بلاد لها حضارات ومعتقدات مذهبية وطبائع اجتماعية تحتلف عن الطبائع الاخرى ولكن التاريخ اثبت تحولا فى تلك البلاد فى حضاراتها ومعتقداتها المذهبية وما هى عليه من عادات الى الحضارة العربية ، وكان اعتناقها لها بوحى تأثيرى لا يخرج عن كونها تحمل طابع الاصلاح فى مفاهيمها ومعانيها فى التطور واكتمال التقدم للجنس البشرى

ولست أقول هذا من جزاف القول . فقد قال " جوستاف لوبون " فى كتابه حضارة العرب : " لقد انشأ العرب بسرعة حضارة جديدة كثيرة الاختلاف عن الحضارات التى ظهرت قبلها وتمكنوا بحسن سياستهم من حمل أمم كثيرة على انتحال دينهم ولغتهم وثقافتهم ولم يشذ عن ذلك اقدم الشعوب كالمصريين والهنود الذين رضوا بمعتقدات العرب وعاداتهم وفن عمارتهم "

واستطرد جوستاف في حديثه قائلا : ) ان الامم التى غابت عن التاريخ لم تترك غير اطلال ، وصارت اديانها ولغاتها وفنونها ذكريات . . أما العرب فما زالت عناصر حضارتهم باقية حية " .

الحياة الاجتماعية :

لما استولى العرب على كثير من البلدان في الشرق وفي الغرب وفى الشمال والجنوب أخذوا فى تنظيم الحياة الاجتماعية تنظيما دقيقا يتفق ويتلاءم مع الشعور الجديد فى العالم الجديد وذلك التنظيم جعل الحياة الاجتماعية تتوسط بحبوحة من التسامح والائتلاف فى نواح من الحياة لا وجود فيها مطلقا للمفارقات بين الاجناس المختلفة

وكان التسامح العقدى هو الوسيلة التى خلقت الانسجام وصفاء النفوس فى الحياة فى جو يسيطر عليه الاحساس والشعور المشترك . ولا شك أن تلك الحياة الاجتماعية كان لها اقوى تأثير فى حمل تلك الامم الكثيرة على التخلى عن عاداتها وتقاليدها والسير فى ركاب الحضارة الجديدة واحتضان اساليبها الدينية واللغوية بشكل يسوده الرضاء والاطمئنان . وقد كانت الحياة المنتظمة تسود جميع ما يتصل بالحياة الفردية والجماعية . وقد كفلت تلك الحياة الحقوق لكل فرد سواء كان رجلا او امرأة بعكس ما ينسب الى الامة العربية من أباطيل تنطوى على عدم الرضاء من متزعميها ويتشدق اصحاب تلك الاباطيل زاعمين أن ديننا انتقص حق المرأة وحرمها الشئ الكثير في حياتها .  بعكس المرأة فى الاديان الاخرى . اننا اذا  استقصينا هذا القول وسبرنا غور حقيقته وجدناه لا يخرج عن نطاق التجنى على حقيقة الحضارة التى جاء بها العرب وكان لها الاثر فى انعاش الامم الاوروبية من عصور الظلام . فديننا الحنيف كفل الحقوق بأكملها للمرأة في غير نقص او تقليل  فقد شرع لها الحقوق على الزوج فيما يتصل بالقيام بشؤونها وقد جعل مشروعية التعليم  والتثقيف على حد سواء لها وللرجل . وهناك حديث يروى لنا أن طائفة من  النساء الصحابيات أتين الى النبي صلى الله عليه وسلم وطلبن منه تحديد يوم يكون خاصا لهن للاجتماع به ليعلمهن ما يتصل  بأمور الدين أسوة برجالهن وعلى الفور وافق الرسول صلى الله عليه وسلم على تحديد اليوم نزولا على رغبتهن . . هذا بالاضافة الى ان الشريعة الاسلامية اثبتت مشروعية التعليم للمرأة شريطة المحافظة على دينها وانسانيتها  ولكن التعصب المصطنع الذى ساد المجتمع

العربى ردحا عن الزمن بتأثير المستعمر أحدث ثغرة استغلها المتزعمون للحركة العدائية لحضارتنا . أما ما يتصل بالحياة  العامة فقد التزمت المبادىء العربية الاسلامية مبدأ التآلف والاجتماع ونددت بالاختلاف بين الشعوب واعتبرته تغييرا لمجرى الحياة الحرة ، ودعت الى ازالة الرواسب والطفيليات عن المجتمع ليكون صافيا من الشوائب والرواسب مستقصية جميع ما يجب على  المجتمع من حفظ حقوق الفرد واحترام كرامته وتحريم قتله أو اهانته بدون وجوب .  وجملة القول أن الحياة الاجتماعية العربية تدور فى فلك احترام المبادىء التى أنبت على أساسها  تلك الحياة .

ونرى تأثيرها ملموسا يتجلى فى طبائع

تلك الامم الحديثة العهد بتلك الحياة حيث نسيت حياتها  الاجتماعية وما فيها من أساليب وأشكال متنوعة . واذا رجعنا إلى دراسة تلك الظاهرة من الناحية الاجتماعية خرجنا بنتيجة واحدة هي ان طبيعة النفس بحكم احساسها تنساق مع الحياة التى تضمن لها الحرية والأمن فى حياتها وحفظ حقها واعداد أساليب استقرارها ورفاهيتها ولا شك ان كل هذه الاساليب متوافرة فى الحضارة العربية مما جعلها حضارة ذات تأثير فى الحياة الاجتماعية

والى عدد قادم نتابع فيه البحث لنبين مدى ما وصلت اليه الحضارة العربية من تأثير  عالمي .

اشترك في نشرتنا البريدية