بخله وحرصه على المال واسبابهما : وهذه العقدة النفسية التى اندست فى عقله الباطن جعلت منه حريصا شديد الحرص على المال ؛ نهما عظيم النهم اليه ، حتى كان احد بخلاء العرب المشهورين ، وهم : الحطيئة ، وحميد الارقط ، وابو الأسود الدؤلي ، وخالد بن صفوان . .
وقد بلغ من بخله الذي كان وليد حرمانه وحنقه على الناس وشدة كرهه لهم ان كان يطرد الضيفان ، ويستكثر عليهم ان يتقيئوا ظلال بيته فقد مر به رجل وهو فى غنم له ، فقال الرجل : يا صاحب الغنم ، فرفع الحطيئة العصا وقال : انها عجراء من سلم ؛ فقال الرجل : اني ضيف ، فقال : للضيفان أعدمتها . . ومر به ابن الحمامة ، وهو جالس بفناء بيته ، فقال : السلام عليكم فقال : قلت ما لا ينكر فقال : انى خرجت من اهلى بغير زاد ، قال : ما ضمنت لاهلك قراك . قال : افتأذن لى أن آني ظل بيتك اتفيأ به ؟ قال : دونك الجبل يفئ عليك . قال . انا ابن الحمامة قال : انصرف وكن ابن أى طائر شئت
وهكذا كان الحطيئة بخيلا شديد البخل ، قضى حياته ، وكان عصا سحرية تدفعه الى ما يريد ؛ وما يريد الا جمع المال واكتنازه . بالحسنى ان نفعت الحسنى وبالسوأى فهى افيد واجدى ، فان عظم نوال الكريم ، قدم له عرائس المدح ، وان قل النوال ارسل عليه شرارة خفيفة من هجائه ، وان لم ينل شيئا ، اطلق خلف صاحبه شياطين شعره تلاحقه وكأنها (مقذوفات) نارية تنصب من السماء ! رضي عن آل شماس بن لأى ، اذ أغدقوا عليه ؛ فقال فيهم :
يسوسون احلاما بعيدا أناتها وان غضبوا جاء الحفيظة والجد
اقلوا عليهم لا أبا لأبيكمو من اللوم او سد والمكان الذي سدوا
أولئك قوم ان بنوا احسنوا البنا وان عاهدوا أوفوا وان عقدوا شدوا
وان كانت النعمى عليهم جزوا بها وان انعموا لاكدروها ولا كدوا
وان قال مولاهم على جل حادث من الدهر : ردوا فضل احلامكم ردوا
ومضى الى عيينة بن النهاس العجلى ؛ وهو من اعيان بكر بن وائل ، فساله فقال : ما انا على عمل فاعطيك ، ولافي مالى فضل عن قومى ، - فقال له : لا عليك ، وانصرف؛ ثم اتى عيينة قوم ، وقالوا : هذا الحطيئة ، وهو لابد هاجينا أخبث هجاء فقال : ردوه ؛ ثم ارسل معه وكيله الى السوق وقال له : لا يطلب شيئا الا اشتريته له ، ففعل حتى قضى أربه ؛ ومضى ، وفيما عيينة جالس في نادى قومه؛ إذا قبل الحطيئة فلما رآه عيينة قال : هذا مقام العائذ بك يا ابا مليكة من خيرك وشرك فقال : اني قد قلت بيتين فاسمعهما ثم انشأ يقول :
سئلت فلم تبخل ولم تعط نائلا فسيان لاذم عليك ولاحمد
وانت امرؤ لا الجود منك سجية فتعطى ولا يعدى على النائل الوجد
ثم ركض فرسه وذهب .
وهابت القبائل والأشراف لسان الشاعر (السليط) فاذا هم يتوددون اليه ويتقون شتمه بجزيل العطاء ووافر الهبات
نزل ببنى مقلد بن يربوع ، وقد اقحمته السنة ، فمشى بعضهم الى بعض وقالوا : ان هذا الرجل لا يسلم احد من لسانه فتعالوا حتى نسأله عما يحب فنفعله وعما يكره فنجتنبه
وقدم المدينة والناس فى سنة مجدبة ، وفى غضبته من خليفة ، فمشى أشراف أهل المدينة بعضهم الى بعض ، وتشاوروا فى امر هذا الشاعر الهجاء ، واجمع رأيهم على ان يجعلوا شيئا معدا يجمعونه بينهم ، فكان اهل البيت من قريش والانصار يجمعون العشرة والعشرين والثلاثين دينارا حتي جمعوا له اربعمائة دينار وظنوا انهم قد اغنوه ، فاتوه فقالوا : هذه صلة بني فلان ، وهذه صلة بني فلان فأخذ جميع ذاك ، ثم اذا هو يوم الجمعة قد استقبل الامام ماثلا ينادى : من يحملنى على بغلين ؛ وقاه الله كبة جهنم !
وتفاقم شر الحطيئة وهجائه ؛ حتى اتقاه الشعراء انفسهم . . وقف مرة على حسان بن ثابت وهو ينشد -وحسان لا يعرفه- فقال حسان : كيف تسمع يا أعرابي ؟ قال : ما اسمع بأسا . قال حسان : اما تسمعون الى الأعرابي ؟ ما كنيتك ايها الرجل ؟ قال : أبو ميلكة . قال : ما كنت اهون على منك حين اكتنيت بامرأة فما اسمك ؟ قال : الحطيئة . فوقع اسمه من حسان موقع الصاعقة فاطرق برأسه ، ثم قال له : امض بسلام
وربما سئل عن شئ فادار الجواب على نحو يحقق رغيبة من رغائبه . . دخل على خالد بن سعيد بن العاص ، فسأله ، فاعتذر اليه ، وقال : ما عندي شئ فلم يعد عليه الكلام ، وخرج من عنده . فارتاب خالد ، فبعث يسال عنه ، فاخبر فرده . فاقبل الحطيئة فقعد لا يتكلم ، فاراد خالد ، ان يستفتحه الكلام فقال: من أشعر الناس ؟ قال الذي يقول .
ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتقي الشتم يشتم
فقال خالد لبعض جلسائه : هذه بعض عقاربه ، وامر له بكسوة وحملان فخرج بذلك.
وكان الحطيئة لا يقيم وزنا للقيم الروحية ! ولا للامجاد التى يعتز بها العرب وقد كان قليل الوفاء ترك جوار الزبرقان من غير اساءة لحقته من الرجل ، ولم يكتف بذاك بل هجاه من غير ان يكون منه اليه منع ، ولكنها النفس الشريرة كالنار تكمن فى الحطب فيؤججها عود ثقاب .
ولم يعرف عن الحطيئة قط انه اخلص فى حياته لشئ من الأشياء حتى فلذات الأكباد الذين قال فيهم :
ماذا تقول لأفراخ بذى مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
القيت كاسبهم فى قعر مظلمة فاغفر عليك سلام الله يا عمر
الخ القصيدة ، وكانوا سبب طلاق سراحه من سيدنا عمر بن الخطاب . أقول حتى هولاء ضاق بهم ذرعا وهجاهم بقوله :
اشكو اليك فاشتكى ذريةلا يشبعون وأمهم لا تشبع
كثروا على فما يموت كبيرهمحتى الحساب ولا الصغير المرضع
بل لقد هجا نفسه حين تحرك في نفسه شيطان الشعر فلم يجد امامه من يهجوه :
ابت شفتاى اليوم الا تكلمابشر فما ادرى لمن أنا قائله
وجعل يدهور هذا البيت فى اشداقه ، ولا يرى انسانا اد اطلع فى ركي او حوض فرأى وجهه فقال :
ارى لى وجها شوه الله خلقه فقدفقبح من وجه وقبح حامله
وكان مضطرب العقيدة فاسد الدين ، وكانت تلك اليد السوداء التى اندست فى كهرف (شعوره) تحجب عنه ضوء الاسلام ، وتشيع فى نفسه هذه البليلة الفكرية المقيتة ، فقد كان مخضرما ادرك الجاهلية والاسلام ، فاسلم ثم ارتد وفي ذلك يقول :
أطعنا رسول الله اذ كان بيننا فيا لعباد الله ما لأبى بكر
ايورثها بكرا اذا مات بعده ؟ وتلك لعمر الله قاصمة الظهر
ومع كل هذه الألوان من عدم الاخلاص ، يخيل الى انه قد اخلص لشئ واحد فقط ، وهذا الشئ هو فنه الشعرى ، فقد عاش عيشة فنية ؛ ومات ميتة فنية عجيبة ، وكانت عرائس الشعر او شياطينه تتراقص حول روحه وهى تصعد الى السماء ، وهذا ما سننكشف عنه في العدد القادم ان شاء الله
يتبع

