( 1 ) الليل فوق الافق مشدود الجناح جناح خفاش كئيب جلل البطاح عيناه لا ترى الضياء ، تبغض الصباح أصم لا يعى الآلام والافراح والنواح
ومارد كالموت يسعى فى الرحاب يسوق قطعان السحاب الود ما بين الشعاب يشدها والليل بلاوتاد فى الارض النئوم يسرقع النجوم بالغيوم ويبسط السكوت والظلام والخراب
الشمس لا ترى الارض الخبيئة النئوم لافرجة بين الغيوم السود ما بين التخوم يطل منها بارق يحيى الرميم وفى وكورها الاطيار ترقب السحر تحجرت تحجرت مقرورة على الغصون وأذرع الشجر تغضنت تيبست وغالها الهرم وصوحت أوراقها كحفنة الهشيم
المرج في السهول عشبه الندى مات حتى شحبوبه المريض لم تلحظه عين
فسليل أطفأ الشموع أطفأ العيون
لم يبق إلا الصمت والاسى والاين
والمارد الكئيب أطفأ النجوم .
الارض أنت . غالها الضجر !
والبرد فى أوصالها استسر واستقر
تململت . تروم لمحة الضياء
يصب دفء الشمس . يسكب الرجاء
لكن غول الليل فوق صدرها جثم
أوتاده فى قلبها تسمرت بالدم
جناحه المثلوج خط فوق وجهها الضحوك
وجمد الحياة فى إهابها النضير
ومر يوم . مر يوم . . مر ثم غاب
من يعرف الايام ؟ . من يددرى الحساب ؟
والوقت ليل واحد مسلسل طويل
لئن عرفنا البدء . من لنا بآخر السبيل !
تجمدت تجمدت في بردها البطاح
والموت فوق صدرها لنومه استراح
والثلج أسودا على أديمها زحف
كموكب الصلال للجحور تختلف
أصم لا يعكس ظلا للحياة أو طرف
من دوحة أو زهرة ضجت بها الحياة
الصمت كفن الوجود ، كفن القبر الفسيح
أناخ فى التلال والوهاد والسفوح
وحط فى الوديان فى الاكسواخ فى الصروح
وبالكآبة الخرساء التف والتحف
ومر يوم ، مر يوم ، مر ثم غاب
من يعرف الايام . من يدرى الحساب !
والوقت ليل واحد مسلسل طويل
لئن عرفنا البدء من لنا بآخر السبيل !
(2)
لكن فى جوف الثرى لم يزل
جمر ونار من قديم الازل
من يوم كانت أرضنا فى الفضاء
شظية فوارة من لهب
تفطرت فى غابرات الحقب
عن أمها الشمس بقلب السديم
النار تحت السطح لا تأتلى
تفور بركانا عتى الغضب
تبحث عن شق به تقترب
من ذلك السطح البرود النئوم
واقتربت من سطحها الهامد
فزلزل الثلج وشج السكون
تخلخلت أكداسه الراكدة
وارتج منها كالرعود اللحون
وانفجر البركان يلقى الحمم :
سيوله الحمراء ذات الرهج
وأذرع النيران ذات الوهج
تدافعت للأفق تشوى الظلم
فروع الخفاش خدن الظلام
( 3 )
ومر يوم . . مر يوم . مر ثم غاب
وذاب فى وهج الضياء السحاب
والشمس فى المشرق مجلوة
والارض نشوى من عبير الضياء
والعشب نديان بحضن المروج
والافق سكران بنفح الاريج
والدوح مخضر الذرا ضاحك
تبرقرقت فى جانبيه الحياة
قد نور الزهر بأعطافه
وضوأت فى شاطئيه المياه
والطير يشدو فى ذراه اللدان
ألحانه مخضلة بالفرح
يرتعش النور بأنغامها
والحب والنجوى ودفق المرح
وجاء طفل من وراء التلال
من منبت الشمس ونبع السنا
عار ، كضوء الفجر ، غصن الجمال
مجنح الخطو ندى
الورد فى أعطافه ذائب
والشهد فى عينيه صافى الندى
يطفر فوق العشب في نشوة
وينشر الفرحة أنى سرى
طراوة العشب بأقدامه
نشوانة باللثمة العارية
طازجية الخضرة نديانة
مبتلة بالنضرة الحالمة
وفى ظلال البدوح لاحبت له
بحيرة رقراقة صافية
الظل فى أطيرافها ناعس
والنور فى أكنافها لاعب .
وزهرة بيضاء وسط المياه
ريانة مجلوة ظافرة
كمثل من قالوا بأن الحياة
تخلقت من طهرها الناصع ( 1 )
العطر من أكنافها نافج
والنور من أردانها ساطع
فجاء طفلى طافرا ضاحكا
وقال : " ما أحلاك يا باهرة !
" حبيبتى ، بوحى وقولي لنا
ما اسمك يا حسنائى الظافرة "
تبسمت غراء فى طهرها
جليلة كالشمس وسط السماء
قالت : " أما تدرى صغيرى الحبيب
أنى بنت الشمس بنت الضياء
تلك التى مهما أقاموا السدود
ليحجبوا أنوارها الباهرة
أو زيفوا الاستار سحبا غلاظ
ليحبسوا أنفاسها العاطره
تسلل العطر وفاح العبير
ومزق النور إسار الستور "
قال الصغير : " يا زهيرتى الوريقة
افرحي .... لقد عرفت الحقيقة !"
