الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

الحلفاوي، على هامش أحداث إيران ، تهويمات في التاريخ و السياسة

Share

ان ما حدث فى ايران استرعى انتباه جميع الاوساط سواء منها السياسية أو الدينية أو الاقتصادية أو الشعبية بصورة عامة . وكل يستغرب ان تجرى الامور علي النسق في هذا العالم الذي استحكمت فيه التقنية والتكنولوجيا والسياسية المعتمدة على العلوم وعلى الاحزاب خاصة . ولكن المتتبع للتاريخ ولأحوال العالم الاسلامي قديما وحديثا ، بقطع النظر عن التحمس لهذه الثورة أو عدمه ، لا يستغرب ذلك .

ان جميع الشعوب الاسلامية تخضع فى حياتها ككائن سياسي واجتماعى الى أرضية لها ابعاد ثلاثة هي شرط لوجودها وبقائها وصيرورتها وإن هو غير كاف وهذه الأبعاد الثلاثة هي التعلق بالوطن أو ما يعبر عنه بالروح الوطنية والتمسك بالدين شعورا وعقيدة والتشبث بلغة القرآن أي العربية وثقافتها .

هذه الابعاد الثلاثة هي التى حركت الجماهير فى العالم الاسلامي وكانت سمادا لازدهارها فى فترة طويلة سواء بالنسبة للمغرب العربى أو إيران ) فارس في القديم (  أو تركيا . واذا كان المغرب العربى أجبر عن طريق الاستعمار وعصور الانحطاط على التغاضى عن مقوماته فى الظاهر ، ولكنه قاوم بحركاته التحريرية حتى أبرزها من جديد ، واذا كانت تركيا خسرت ثقافيا حتى في أيام صولتها ، لأنها لم تتبن اللغة العربية بل قاومتها فى بعض الأحيان ، وخسرت سياسيا لأنها تخلت تماما عن البعد الديني واكتفت بالوطنية فقط ، فان ايران قد بدأ انحطاطها فى الواقع من يوم أن قلب أهلها ظهر المجن للغة العربية كلغة علم ودين وثقافة ، ورجعوا الى فارسيتهم فانساقوا شيئا فشيئا الى التقوقع في قوميتهم ولم يعودوا يعطون للعالم ما أعطوه من افذاذ وعباقرة عن طريق العربية والدين .

وكان اهل فارس من الشعوب الاسلامية التى قامت بدور كبير فى السياسة والعلم والدين وهم الذين وطدوا أركان الدولة العباسية وعلى رأسهم أبو مسلم الخراسانى ثم البرامكة وليس من الغريب أن يتسمى المأمون باسم إمام الهدى وهو لقب شيعي ولم يبق لقب الامام بمفهومه الشامل إلا عند الشيعة واقتصر في أغلب البلدان الاسلامية على وظيفة من يؤم الناس في الصلاة فقالوا الى جانب القول بالامامة بالغيبة إيمانا منهم بأن الامام المختفى بواصل حكمه للدنيا فى غيبته ولا يشاركه فى حقوقه الشرعية احد من اصحاب السلطة الزمنية . وهو لا يخضع للانتخاب لأن القائد الروحى يستمد سلطته من العالي تعالى ويعينه نصا الامام السابق . ولهذا فالسنة تقول بالتوحيد والنبوة والمعاد بينما تقول الشيعة بالتوحيد والعدل ( تأثر الاثنا عشرية بكلام المعتزلة خاصة ) والنبوة والامامة والمعاد . واذا كانت دائرة النبوة قد تمت فدائرة الولاية قد تمادت في شخص الامام .

ولهذا فان الجعفرية ( وهم الاثنا عشرية ) التى تنتمى الى جعفر الصادق تقول بالقعود وترى أن الامام الحقيقي لا يحاول أخذ الحكم البتة بل ينتظر ساعته ويقتصر على بث العلم . وزاد هذا الاعتبار رسوخا مع الدولة الصفوية التى سعى فيها اسماعيل (أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر) الى الابتعاد عن الامبراطورية العثمانية شعورا بالوحدة وبالذاتية لبناء دولة وطنية عصرية مع الاعتراف بالصدر كمسؤول ديني ومساندة الجعفرية . وظهرت ألقاب كثيرة كوكيل النفس والنفيس همايون والمهدى وصاحب الزمان الى غير ذلك من الألقاب كالمجتهد والمولى وآية الله .

غير أن خلفاء فتح عل شاه قاجار ( الدولة القاجرية ) ابتعدوا عن رجال الدين وتأزمت العلاقات معهم لسبب هام وهو طغيان التأثير الغربي على القرارات السياسية مما قرب رجال الدين من الشعب إثناء احتجاجه على اللزمات الاجنبية وجعلهم يقاومون سلطة الشاه قاجار عند قيام الثورة الدستورية فى بداية هذا القرن .

وزادت حدة هذه الجفوة مع قيام الدولة البهلوية بجعل التعليم لائيكيا علمانيا وكذلك القانون المدني والجزائى وبابطال العمل بما جاء فى الدستور من سلطة سياسية للعلماء وأكثر من ذلك عمد رضا شاه الى ارجاع التقويم الجلالي الشمسى ربطا بالتقاليد الفارسية القديمة وتنكرا للفترة الاسلامية .

وزاد كل هذا اعتراف الشاه باسرائيل وإعانته لها بالبترول وعدم اعتباره للثورة الفلسطينية مما خدش شعور الشعب الايرانى الحاد بالأخوة الاسلامية

وجعله لا يؤمل شيئا من حكم افقده كل مقومات شخصيته وحكمه بالحديد والنار .

ولهذا فان ما حدث فى إيران وانطبع بهذا الطابع الديني الحاسم يرجع الى عدة اسباب هي في نظري :

اولا : ان الشعب الايرانى يخضع كما ذكرت الى ما تخضع اليه الشعوب الاسلامية قاطبة من ارتباط بالوطن والدين واللغة وهو وان رضي عن طواعية مثل أغلب الأقطار العربية بالتمسك بوطنيته أى التشبث برقعة محدودة من الارض وبناء دولة خاصة به كمصر والعراق وتونس والجزائر والمغرب الاقصى وغيرها لأنني كما حللت ذلك اعتقد ان الاسلام هو الباني لهذه الوطنيات ( 1 ) وإن تقوقع الشعب الايرانى من تلقاء نفسه في لغته وأبعده ذلك عن العالم العربي وكانت فيها خسارته فانه لم يرض وحده بممارسة شؤونه بعيدا عن الدين ففقد بذلك بعدا هاما من مقومات شخصيته لا بد له من استكماله فظهر بهذه الحدة وهو فى الآن نفسه استرجاع لمقومين اثنين لا واحد فقط اذ أعلن الخميني عن عزمه على تكوين الجمهورية الاسلامية وفي الآن نفسه اقترابه من العالم العربى في مناصرته للقضية الفلسطينية بكل قوة وهو حنين للغة العربية ولأهلها . وهكذا فانني اعتبر ان انتصار الثورة الإيرانية ليس إلا فتحا جديدا هو بمثابة فتح القادسية والمدائن : هو إدخال الشعب الإيرانى فى حضيرة الاسلام من جديد لأنه اعتبر نفسه بنظام حكم الشاه كأنه مصروف عنه ، مبعد منه .

ثانيا : إن هذا يجر في الواقع الى ان مفهوم الامامة عند الايرانيين يرتبط ارتباطا كبيرا بالحكم إذ هم زيادة على التوحيد والنبوة والمعاد وهي المبادئ التى يقول بها اهل السنة يقولون بالامامة والعدل . واذا كان القول بالعدل من تأثير المعتزلة : فان الإغراق فى القول بالامامة وجعل شبه كنيسة أو رهبانية أو كهنوت بينهم وبين الشعب وهو مما تكرهه السنة يكون راجعا الى طقوس قديمة عرفت في فارس قبل الإسلام وأخذت شكلا قريبا من الاسلام وهو نفس ما فعله البربر عندما قالوا بما يقول به الخوارج على نفس النمط الذى حدث عندهم لما اصبحوا فى العهد الرومانى " دوناتونسيين " نكالة فى الكنيسة الرسمية .

ثالثا ان ما حدث في ايران هو بالضبط بمثابة الحركة التحريرية . لأن إيران لم تعرف الاستعمار المباشر إلا فى فترة قليلة ولكنها بقيت تحت التأثير

العميق للغرب يملى عليها سياسته مثلما بقيت طويلا تحت الحماية الأنفليزية مصر والعراق وغيرهما من بلدان المشرق وكذلك المغرب العربى . ولهذا فانه لا مجال للغرور واعطاء هذا الحدث صبغة اخرى بل إن الشعب الايرانى تحرر اليوم حقيقة مثلما تحررت الشعوب الاسلامية الاخرى واسترجع مقومات شخصيته الاساسية حسب طبيعته وتقاليده الراسخة فى القدم .

ولهذا فان المشاكل التى وضع أمامها الشعب الايرانى اليوم هى فى الواقع نفس المشاكل التى وضعت أمامها شعوب المشرق والمغرب العربيين إبان استقلالها وهو أسلوب الحكم الذي به تتحكم فى مصائرها بعد ان رجع تقرير مصيرها إلى ايدى ابنائها . وهو نفس المشكل القائم بالنسبة للمسلمين منذ ان توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وترك مصير المسلمين بين ايديهم فى مجال الحكم وهم الى اليوم يتعثرون ويترددون وتعثرهم وترددهم أباح لكل المتعصبين والمغامرين والمشعوذين والطالبين للحكم من أجل الحكم فرصة بث الفوضى واستغلال الشعوب الاسلامية .

ورغم ذلك فموضوع الرجوع الى الاسلام والابتعاد عن الرؤية الغربية للعالم أمر مطروح اليوم أمام المسلمين . إذ أن الشعب الايرانى لم يحل المشكل بثورته على الشاه بل ان الموضوع بقى كاملا بالنسبة اليه مثلما هو على بساط البحث أمام العالم الاسلامي كله خاصة وأن المثقفين فى هذه البلاد فهموا ان الغرب لم يجب عن تساؤلاتهم وان الماركسية التى استهوت البعض منهم هي في نظر حتى أقطاب الغرب منحازة . وهذا كلود ليفى ستروس مثلا يقول : " ارى ان الإيديولوجية الماركسية الشيوعية والكلاتية ليست إلا حيلة من التاريخ لشد أزر التغريب السريع لشعوب بقيت خارج إطاره الى فترة قريبة"(1) .

وهكذا فان العالم الاسلامي يجد نفسه أمام معظلتين فى الواقع ترجعان الى واحدة ولكنه يريد التفريق بينهما : موضوع إحياء علوم الدين وموضوع الحكم . ففيما يخص الموضوع الاول امكن لأجدادنا فى فترات ازدهار حضارتنا العربية الاسلامية التوفيق بين ما وصلوا اليه من علم وما تتضمنه الشريعة الاسلامية من محتوى إذ كان اغلب المجددين منهم لهم باع فى العلوم الصحيحة

أى انهم لم  يكونوا بمعزل عن اهم الآراء والافكار التى تهز عالمهم آنذاك وعلى عكس هذا فان المصلحين اثناء النهضة الاولى فى أواخر القرن التاسع عشر الى يومنا هذا لم يتوصلوا الى إحياء علوم الدين بقوة ما فى الفلسفات الحديثة الطاغية على العالم بحيث لم يتسن لهم على ضوء العلوم الجديدة وتمشياتها الفكرية الفلسفية أن يعطوا لا للعالم الاسلامي فقط بل للعالم أجمع غذاء جديدا - فغاية ما أمكن لهؤلاء هو ترديد ما انتهى اليه الأسلاف لا تجديده .

اما الموضوع الثاني وهو موضوع الحكم وما يتعلق به من تطبيق فى الحياة الاجتماعية فهو مطروح الآن مثلما كان الشأن فى أول عهد الاسلام وبقى بدون حل لأن علماء الاسلام الذين كانوا قادرين علميا على حل هذه المعظلة على حسب الشورى احجموا عن ذلك خوفا من الأنظمة الحاكمة ولم يخوضوا فيها بصورة عميقة مثلما خاضوا في مبادئ الاسلام وتركوها الى الفرق والملل والنحل التى لم تهتم بالتعمق في الفكر الاسلامي بقدر ما اهتمت بالصراع السياسي الناتج عن فراغ تركه الرسول صلى الله عليه وسلم الى اجتهاد المسلمين عن حكمة ودارية لأن الحكم بطبيعته اكثر من غيره من ميادين حياة الانسان مدعاة الى التلاؤم السريع مع مقتضيات البيئة وضغوط الساعة .

ولهذا فان هذا الفراغ استغله بنو أمية فيما بعد لأنهم كانوا بحكم ثروتهم وسؤددهم في الجاهلية مؤهلين اكثر من بني هاشم الى الحكم ولولا ما جاء به الاسلام من اخوة ومن انتشال للمستضعفين فى مجتمع ما قبل الاسلام ومن مساواة لكان بنو أمية على قاب قوسين أو أدنى من التسلط على قريش ثم على العرب . ولكنهم استكانوا فى فترة الرسول صلى الله عليه وسلم والخليفتين الاولين ثم خططوا للحكم فيما بعد ووصلوا اليه وبذلك فانهم حرموا المسلمين من امكانية ايجاد حكم متماش مع مبادئ الاسلام جامع لكل المسلمين وأقاموا امبراطورية شبيهة بامبراطوريات فارس والروم والأقوام الأخرى .

فهذا بالضبط هو الذي يعانيه العالم العربي الاسلامي اليوم كما عانى من ذاك الفراغ المهول الذي اتاح للمغامرين والطامعين الفرص لاشاعة الفتن والثورات مما نتج عنه في عصور الانحطاط الانظمة الدكتاتورية والكلياتية التى أغرقت البلدان العربية في الجهل والتعصب والتزمت ودفع الفرق والملل والنحل الى اعتبار الفتن والفوضى ضربا من العمل السياسي ولم يحجموا عن اضفاء الصفة الدينية عليه ليكون مستساغا عند الجماهير بينما السياسية هي علم مثل سائر العلوم . وبما انهم يحتجون بأن الاسلام يجيب عن كل شئ مضوا الى إدعاءات ما انزل الله بها من سلطان معتمدين فى ذلك على الفقهاء ظنا منهم انهم هم وحدهم القادرون على تمثيل الدين . رغم ان الاسلام لا يبيح لا الكنهوت ولا

الوساطة بين الله والإنسان . ومن الغريب ان اولئك الفقهاء يحجمون عن الخوض في العلوم الاخرى ويتركونها للاختصاصيين والبارعين فيها مثل الطب والهندسية واللغة والادب ويبيحون لانفسهم الاجتهاد فى السياسة واستنباط النظريات فيها فأعانوا المغامرين وأصحاب الشعارات والمتخذين الدين مطية على بث الفوض واشعال نار الفتن التى هى اشد من القتل للاستيلاء على الحكم وللزج بالعالم الإسلامي في التأخر والتدهور والانحطاط . فخلط السياسة بالدين  في هذا المحال هو من قبيل خلط الطب بالدين والهندسة بالدين والرياضيات بالدين بينما الدين اساسه الايمان الذي به ينطلق الانسان في كل مجالات الحياة ومنه يستمد الواعز لخدمة المجتمع وفيه الوازع عن كل الاضرار التى تلحق بالجماعة .

ولهذا فانه ليس من الغريب ان نجد الايرانيين بعد تخليص شخصيتهم مما انتابها من مسخ بالإستعانة بايمان الجماهير الفعال الذي هو شبيه بالجهاد فى سبيل الله أن نجدهم يبحثون عن ماهية الجمهورية الاسلامية وكأنهم فى بلاد تم فتحها . فعلى علماء السياسة استنادا الى روح الاسلام ومبادئه أن يشمروا على ساعد الجد ليعطوا نوعا من الحكم أخطأه المسلمون فى عصورهم الاولى ولكنهم مجبرون اليوم على الارتباط بروح العصر لأنه لا يمكن لهم أن يعيشوا منعزلين عن العالم . فهل سيوفقون الى استنباط نظام سياسي مغاير للانظمة السياسية الموجودة في الدنيا ؟ هذا هو الرهان الذي ينتظره لا العالم الاسلامي فقط بل العالم بأجمعه .

اما موجة الحقد والازدراء التى اكتسحت معظم دول الغرب اليوم تجاه الاسلام فانها لا تعدو ان تكون مظهرا عصريا للصليبية ونحن نأمل أن تتضافر جهود كافة المسلمين هنا وهناك على تجاوزها والتمهيد الى توطيد علاقات بشرية جديدة اساسها الاحترام المتبادل والتسامح وحوار الحضارات .

اشترك في نشرتنا البريدية