لقد كان لى احساس منذ عهد الدراسة بان شخصية محمد الحليوى * ( شخصية فذة وانها عطاء طبيعي للبيئة التى يعد الادب من اعظم مآثرها وأجل مفاخرها واستمرت العلاقة بيننا بعد عودتي من فرنسا فلم تزدني الا تقديرا لعصاميته ورغبة فى السماع منه . وكنت أجلس اليه فى بيته أو مع نفر من اصحابنا تحت سور باب الشهداء فنخوض فى شتى قضايا الادب والثقافة والساسة فأنسنا اليه وأنس الينا وباح لي خلال تلك الاحاديث من أسرار نفسه بما جعلنى اكتشف شخصية ثانية تختفى وراء هيبة الاستاذ الذى يعرف حدود حريته فى مدينته المحافظة
كان رحمه الله ظريفا يحب النكتة مع حدة فى الطبع تنم عن حساسية مرهفة وطيبة لا تكدرها الضغينة ، وكان جديد الافكار ، حر التفكير ، ثائرا فى غير تطرف ، قليل التعصب الا للشعر الجميل والادب الجيد - حدثني مرة عن حملة قام بها ضده بعض رجال الدين بعدما روجوا عنه أكاذيب نسيوها اليه فى دروسه ، فأغروا به نفرا من العوام ليؤذوه ببذىء القول في غدواته
وروحاته ، ولكنه كان مسلما يبكيه استحضار مواقف العظمة والبطولة فى حياة النبيء ويؤلمه تحجر المسلمين
كان يحب القيروان حبا حضاريا - ان صح التعبير - زيادة على تعلقه بالمدينة التى تربطه بها أهم ذكريات حياته . كنا مرة على سطح من سطوح القصر الرئاسى برقادة وقد قرب عهد تدشينه وقويت النخوة باستعادة عاصمة الاغالبة شيئا من عزة الحكم التى ضيعتها ، وكانت السهول ممتدة حول القصر فى جدبها وعرائها . " ألا تصبح القيروان فى يوم من الايام مدينة صناعية فترتفع هناك مداخن المعامل وتقام العمارات الشاهقة ويتغير وجه هذه الارض ؟ فأجابني في ثقة وهدوء ، لن تكون ! ان هذه المدينة بناها اصحابها لاداء وظيفة وقد ادتها ، وان سر بقائها فى وفائها لتلك الوظيفة . فسألته وما هى ؟ فقال : الحفاظ على القيم الحضارية الاسلامية . هل يستطيع الاديب ان يغير شيئا من الواقع المتعفن والزمن الردىء ؟ هذا موضوع كثيرا ما خضنا فيه ، فوجدت الحليوى رجلا واقعيا لا يكلف المثقف الا وسعه ، لا سيما فى العصر الجديد . قال لى : لو كان لشاعر أن يحرر أرضا لحرر سليمان العيسي أرض فلسطين بشعره ، ولكنه قال لى معجبا بعبد الله القصيمي وكتابه ( العالم ليس عقلا ( : ان مثل هؤلاء الرجال لو كانوا كثيرا فى العالم العربى لغيروا وجه التاريخ ولم يكن الحليوى مع ذلك بتحمس كثيرا لأدب الالتزام لا سيما فى الستينات التى قوى فيها أنصار هذا المذهب واشتدت مقاومتهم لشعراء الغزل ، فكنت أخلو اليه وأشكو له ألوانا من غلو أصدقائنا وسعيهم الى إيذائنا احيانا فيقول لى : دعهم يفعلون ! ويضيف : أنا لم أر الشابي يوما فى حياتى وهو يطالع جريدة ، وأعجب كثيرا من الذين ينسبون اليه أفكارا سياسية واضحة - انما كان رجلا فنانا تغنى بالحرية والثورة مثلما تغزل بالمرأة ، ولو وقف شعره على الاغراض السياسية والاجتماعية لما كانت له هذه الشهرة
ولم يتقوقع الحليوى داخل ذوق جيله من جماعة أبوللو والعالم الادبى بل استلذ كثيرا من الشعر الجديد خاصة شعر نزار قبانى الذى كان يسميه جوهرى الالفاظ لحسن انتقائه الكلمات ، وهو لذلك لا يفضل قصيدة على أخرى لشرف غرضها وقد نعت قصائد أحد الشعراء المعاصرين الذين يلتزمون الايقاع والقافية ويتحرون من البحور بأنها مقامات مسجوعة لان هذا الشاعر لم يكن فى رأيه يكد ذهنه فى صقل أداته واختيار كلماته - وسمعته يدافع عن شعر المديح مستشهدا بالعقاد الذي لا يشترط فى الشعر الا الجودة ويرى فى
المديح غرضا مثل بقية الاغراض . على انه كان يضيف : ان المديح أخذ لنفسه ثلاثة ارباع الشعر العربى ، ولا يخفى أسفه لذلك
قال لى أكثر من مرة عن الشابى : الشابى شاعر كبير ولكن الناس لا يميزون بين جيد شعره ورديئه . أما انا فاعتقد انه كتب حوالى ثلاث عشرة قصيدة هى قمة نبوغه . وسألته عن سر عبقرية ابي القاسم فقال : ان لغته جميلة جدا . أما معانيه فقد جارى فيها جماعة المهجر ، ولو امتد به العمر لكان عليه أن يغير ذلك اللون والا خمل ذكره كأبى ماضى فى آخر حياته
وكان يعد محاضرة الاستاذ الشاذلى بو يحيى ) الشابى والشاعرية الحق ( المنشورة بمجلة الفكر ، هي خير ما كتب عنه
كان الحليوى مع اعجابه بأدب الغرب قوى الدفاع عن الثقافة العربية حدثني عن مشاركته فى مؤتمر للادباء العرب بالقاهرة وعن التفاف بعض كتاب المشرق بأديب تونسى قد ذاع صيته فى ذلك الوقت وتهافتهم عليه يهدونه كتبهم بتوقيعهم ، فلم يزد على ان تركها بغرفته بالفندق متأففا لا من كثرتها وهو ما قد يعذر عليه بل من مستواها ؛ فكان يلومه ويقول : ان هؤلاء الناس ملأوا الدنيا علينا كتبا ، فيها الغث وفيها السمين ، فلماذا لا نعترف لهم بهذا الفضل ؟
لم يكن الحليوى يعد نفسه من الشعراء ويشبه شعره بشعر العقاد فى كثير من التواضع . الا ان قرض الشعر ساعده على اتقان صناعة النقد اذ ان الناقد الذى لم يجرب القريض ولم يعرف معنى المعاناة يبقى فهمه للشعر قاصرا وتذوقه له محدودا - اما الحليوى فقد كان يطرب له طرب الصبيان . كان يستمع الى صالح جودت بدار الثقافة ابن رشيق فى أمسية شعرية فلم يتمالك عن اعلاء صوته لابداء اعجابه ، مؤكدا أن جمال الشعر قد خفف عنه وطأة المرض . وتكرر منه ذلك فى غير هذه المناسبة . وكلم رأيته يضحك طربا لبيت يتلى عليه حتى تظهر نواجذه
لم يكن رحمه الله كثير الاهتمام بالسياسة وان علق أحيانا على أهم الاحداث فى العالم . وقد لمست فيه تعلقا شديدا بحرية الفرد ، فكان يبغض المذاهب التى تضحى بالفرد لاجل المجموعة ويقول لى : أنا شخصيا عشت المرحلة الاولى من حياتي في ظل الحكم الاجنبى ثم أدركتنى الحرب العالمية الثانية التى حملت مثل ابناء جيلي بعض اوزارها ، وتلتها مرحلة الكفاح الوطني الذي صرفنا بدوره
عن التفكير فى الراحة والتمتع بطيبات الحياة فهل يطلب من جيلى تضحية اكبر لاجل الذين لم يولدوا بعد ؟ وهذا لا يعنى طبعا ان الحلبوى لم يكون يفكر فى مصلحة المجموعة وانما كان ليبرالى العقيدة ، يرى ان العدالة تقتضى تقسيط التضحية بين الاجيال وتقسيط المنافع كذلك . وحياته كلها تشهد بانه وضع نفسه فى خدمة الادب وهى خطة لم تكن تدر على اصحابها الا القلق المزمن وتكلفهم اشد المشاق وتحملهم على الانفاق فى غير وجوه الرزق ولا تجعل حياتهم ميسورة بين الناس
قلت له مرة : ان الهادى العبيدى عبر لى عن رغبته فى أن يتمتع الحلوي بالتفرغ للانتاج فقال : انى اكره ذلك ولا احلم الا بشئ واحد هو ان يصبح الاديب قادرا على كسب قوته بقلمه ولكنه حلم عسير المنال

