- 4 - ( * )
ولئن كان الشعر الديني طابعا مميزا لشعراء القرن الثامن عشر والتاسع عشر في تونس فان ولاية الوطن القبلى قد تميزت به على وجه الخصوص وقد سار فى اتجاهات ثلاثة : مدح الرسول والصحابة ، ثم مدح الاولياء والوليات ثم الشعر الطرقى أو قل الشعر الصوفى الملتزم إن صح هذا التعبير وسبيله الطرق الصوفية المتعارفة فى تونس كالقادرية والعيساوية وغيرها . ومرد ذلك يرجع الى طبيعة هذه الجهة وظروفها الطبيعية لكثرة سواحلها وتعدد رباطاتها وتعرضها منذ فجر الفتح الاسلامى الى نهاية القرن الماضى للغزوات الصليبية وهجمات القراصنة الخاطفة مما كثف فى صفوف سكانها المجاهدين والمرابطين وترتب على ذلك كثرة زوايا الاولياء ومقامات الصالحين قال الرقيق القيروانى فى تاريخه عن شبه جزيرة شريك : ولم تخل هذه الجزيرة من عابد ( 49 ) وصالح " .
لذلك لا نعجب حين رأينا شعراء يتفرغون تفرغا كاملا الى الجانب الديني ويستغرقون استغراقا كاملا فى ابتهالاتهم وتناجيهم الدينى جاعلين الرسول والاولياء - الذين فى اعتقادهم بقايا نبوية محمدية - محاور لما كانوا ينظمون مديحا وابتهالات ومراثى ، على أن هذا الشعر الديني لم يكن كله أصيلا تولد عن معاناة وتجربة فكثيرا ما خانت الشاعرية صاحبها وكثيرا ما استعصت اللغة عليه أو القوافى وتزيلت وتمنعت . وليس بالضرورة أن تحصل
الجودة بمجرد الصدق فى العواطف والتجاوب الملح ، ذلك أن العمل الفنى الابداعى رحلة معقدة لا تؤمن سلامتها لا النفس الكبيرة ولا العاطفة المهتاجة فهذا الشيخ الحاج قاسم الزوارى قد تفجع على الولية الصالحة الخضراء المراكشية حين توفاها الله ودفنت ببلدته سنة 1151 ه . وحاول أن يضمن لوعته فى مرثية وصلت الى ستة وثلاثين بيتا ولكن معظمها إن لم تكن كلها ، منظومة كسائر المنظومات وأصدق تعريف لها ما عرف قدامة به الشعر . إن أحزان الشاعر على وليته الفقيدة ظاهرة ولكنها أحزان متعثرة تقطعت بها الكلمات القاصرة والبحر المضطرب الاوزان والاسلوب الضعيف . وهذه بعض الابيات وأعد القارىء أني سأنتقى وسأختار ليعلم بقية القصيدة كيف كانت بناء ونسجا : (50)
وبدا النداء بأن بدر الأفق قد قطن اللحود فيا لها من نكبة
ما بين ملتهف كئيب صارخ ومهرول نحو الدعاء مصوت
إن الفضيلة ستنا " الخضراء " قد صار التراب ضجيعها فى حفرة
أسفا ودمع العين مسكوب على صحن الخدود ، مجللا ، بالغصة
والنفس بالصعد تئن وتلتوى فرقا مديدا من فراق الدرة
أم الكرامات الجزيلة والنهى والقرب والروض المنيف المبهت
شاقت لها ألبابنا وتمايلت منا النفوس الهائمات وحلت
وتصدعت اوصالنا ضجرا على أمل المنى سيف الاله العمدة
وتلهفت أنفاسنا وتقلقلت منا القلوب وزاد شوق الفرقة
يشكو لها العانى الضعيف الملتجى يأوى لها اللهفان حين الحاجة
آه على ما قد حواه الترب فى شهر الحجيج ، ويوم نصف حلت
من عام ألف واحد مع عشرة مع نصفها مع واحد فى العدة
فالترب بالأنوار حف ولحده بالسعد ساد حجاره وبمدرة
على أن الشعر الديني كما سبق أن رأينا فيه الكثير من الجودة والنضج خاصة ما كان متصلا بالرسول صلى الله عليه وسلم ، واذا كنا قد عرفنا شيئا
عن شعر محمد المنزلى الدينى وتخميسه لقصيدة البردة ونجاحه فى ذلك التخميس فان شاعرا من ولاية نابل أيضا كان قد خمس من قبله المنفرجة النونية ونجح فيها وكان سابقا للشيخ الزوارى مما يدلنا على أن عصر النهضة لم يسر فيه شعراء ولاية نابل سيرا مطردا زد على ذلك أن التشطير والتخميس فى خصوص الشعر الدينى عادة لا يكون رياضة قلمية بقدر ما يكون لمطلب ملح وهذا ما يفسر لنا مخمس المنفرجة النونية وهو محمد المعروف بالصغير داود فقد مرض واشتد به المرض فما كان منه إلا أن التجأ الى الله ولم يلبث أن شفى صدره ومن ذلك التشطير قوله : (51)
أحبتى لأطبا الوقت دلونى فقلت : حسبي إلهى مبتدى كونى
مغيث أيوب والكافى لذى النون ينيلنى فرجا بالكاف والنون
لا عن سؤال تعالى الله أنشانا فى أحسن الخلق سوانا وأبدانا
وإنه واحد فى الملك أنبانا كذا سبحانه إن شاء أبرانا
أراكم إن أراد الموت تحيونى
هبني جزعت لما ألقاه من قلق فالعفو حلية منشى الناس من علق
أما ترى الليل إذ يجلوه بالشفق فهو المهيمن رب الناس والفلق
ففى حماه محل الفضل خلوني
وقد كان ذكر صاحب الذيل أن الصغير داود ( له معرفة بمناقب الصالحين وأخبار الناس وخدم جناب المصطفى صلى الله عليه وسلم بقصائد ومنظومات منها تخميسه بردة الشيخ البصيرى فمنها قوله ) : ( 52)
تنفي الهوى وتريق الدمع من مقل وحال خديك لا ينفاك فى سلل
لا والذى خلق الانسان من علق لولا الهوى لم ترق دمعا على طلل
ولا أرقت لذكر البان والعلم
واذا راجعنا تشطيرات محمد المنزلى لبردة البصيرى وقارناها بتشطيرة سلفه الصغير داود ، هذه تبين كيف تطورت القوافى على يد شعراء هذه
الولاية فبقدر تقلقل النسج فى شعر الشعراء الاوائل رأينا من بعد كيف تمكن الشاعر التونسى لولاية نابل من طول النفس وتداعى القوافى تداعيا جميلا . ولعل الجهود المبذولة فى فهرسة التراث المخطوط سيزيدنا تصورا للحركة الشعرية فى هذه الجهة إن شاء الله
(11) والى جانب تلك الاجواء العقلية والعلمية التى عرفناها عند اسماعيل التميمي وأبى الحسن على النابلى وكذلك الاجواء الخاصة بالادب الدينى عند محمد المنزلي وغيره نجد لونا آخر فى الاجواء الادبية لعل من أبرز أصحابها أحمد القليبي بققصته الوطنية التى قالها عندما استولت فرنسا على الجزائر
ولقد كنا أول من عثر عليها فى موضعها ( 53 ) حين أعددنا أطروحتنا عن الشعر التونسى 1969 وعددناها فى قسم مراثى المدن ( 54 ) .
ونظرا إلى أهميتها باعتبارها وثيقة أدبية داخلة فى الادب القومى المبكر الظهور فى تونس فاننا نسوقها هنا وننبه القارئ إلى أن يقارن بين نظرة هذا الشاعر الفقيه التونسي أحمد القليبي والشاعر محمد الشاهد ( 55 ) فى المسألة الجزائرية وكيف كان موقف كل منهما إزاء ذلك الحدث المريع " قال صاحب الكنش ( ورقة 85 وجه ) : " وللفقيه سيدى أحمد القليبي يرثى الجزائر أعادها الله للاسلام وكان دخول النصرانى لها دمره الله يوم الاربعاء ستة عشر مضين من محرم الحرام سنة 1246 ستة وأربعين ومائتين وألف "
عظم الله أجركم فى الجزائر وجزاكم برزئها أجر صابر
فهو والله فى البلاد لحق أ ن تعزي به وتبكى الجزائر
ولحق علينا لبس السواد بعد وقعتها وحلق الغدائر
فليبك من يشاء البكاء فليس بعزيز علينا فقد النواظر
ولتكن مقلة الحزين عليها فى انتباه فما النوم كساهر
هذه الروم أقبلت تتغالى وأرادت على الأنام التظاهر
بدأوا بالجزائر حيث كانت فى نحوهم كنبلة وآتر
وأعدوا لحر بها ما استطاعوا من خيول وهدة وعساكر
ورموها برمية فصموها وعموها ، وما رأوا غير دابر
ألقت الناس لهم كل سيف كان قبل الورود فى الغمد صادر
دخلوها وملكوها خداعا ودنوا من أميرها دون زاجر
وتولوا خزانة لوحوتها يد قارون لم تزل تتفاخر
وأقاموا علامة الكفر فيها وأطاعتهم أناس فواجر
ومحوا حسنها كان لم تكن فيها لله قبل ذاك شعائر
وكأن لم تكن تصول فيها ملوك عندهم نازل سواء وطائر
وكأن لم تقدم فيها رجال بحقوق الجهاد فى كل فاجر
وكأن لم تدن ولاء وعزلا لمجير من الأنام وجائر
قدر الله أن تعود لنقص بعد هذا التمام والله قادر
فهي بعد علوها فى الحضيض وهي بعد شبابها فى الغوابر
أخذتها الأعدا وماذا يفيد إن بكى منشد وإن ناح شاعر
إن تعيشون (كذا) بعدها سترون ما به تحسدون أهل المقابر
ذلة وإهانة وعناء وكفاهم بمسلم طوع كافر
وتقولون إذ فشلتم سوف يأتي الله عقبى ذاك بثائر
فنعم إن بلغتم ما سألتم بعد أن تبلغ القلوب الحناجر
ما يكون اعتذاركم بعد أسر لا تررون له مفاداة عاذر
وبقيتم وأهلكم طوع من لم يرض إن غضبوا بغير التشاجر
هذه الموت والبلاء عظيم والمصاب الذي يضيق الخواطر
فاعملوا الحزم ما استطعم إن هذا الزمان بالناس غادر
واستقيموا على طريقة رفق واتفاق وانتظموا كالجواهر
إنها نار فتنة أوقدوها بيدى نجس وسموه طاهر
كافر ، فاجر ، ظلوم ، خؤون عاضد لأولى الضلال ، وناصر
جاء من حضرة الخليفة يترأى باختلاق أوامر ، وبشائر
أضحك الناس ساعة ثم أبكى من له مقلة بدمع تحادر
وأدان الخداع فى الناس فهو لم يزل ناهيا بشر وآمر
فاسألوا الله بالنبى عساها أن تدور به عليه الدوائر
" قال منشاها(كذا ) انتهت عن عجز وتقصير والحمد لله اللطيف الخبير " ( ورقة 86 وجه) .
الولاية فبقدر تقلقل النسج فى شعر الشعراء الاوائل رأينا من بعد كيف تمكن الشاعر التونسى لولاية نابل من طول النفس وتداعي القوافى تداعيا جميلا . ولعل الجهود المبذولة فى فهرسة التراث المخطوط سيزيدنا تصورا للحركة الشعرية فى هذه الجهة إن شاء الله
(11 ) والى جانب تلك الاجواء العقلية والعلمية التى عرفناها عند اسماعيل التميمي وأبى الحسن على النابلى وكذلك الاجواء الخاصة بالادب الدينى عند محمد المنزلي وغيره نجد لونا آخر فى الاجواء الادبية لعل من أبرز أصحابها أحمد القليبي بقصيدته الوطنية التى قالها عندما استولت فرنسا على الجزائر .
ولقد كنا أول من عثر عليها في موضعها ( 53 ) حين أعددنا أطروحتنا عن الشعر التونسي 1969 وعددناها فى قسم مراثى المدن ( 54) .
ونظرا الى أهميتها باعتبارها وثيقة أدبية داخلة فى الادب القومى المبكر الظهور فى تونس فاننا نسوقها هنا وننبه القارئ إلى أن يقارن بين نظرة هذا الشاعر الفقيه التونسى أحمد القليبى والشاعر محمد الشاهد ( 55 ) فى المسألة الجزائرية وكيف كان موقف كل منهما إزاء ذلك الحدث المريع " قال صاحب الكنش ( ورقة 85 وجه ) : " وللفقيه سيدى أحمد القليبى يرثى الجزائر أعادها الله للاسلام وكان دخول النصرانى لها دمره الله يوم الاربعاء ستة عشر مضين من محرم الحرام سنة 1246 ستة وأربعين ومائتين وألف " :
عظم الله أجركم في الجزائر وجزاكم برزئها أجر صابر
فهو والله فى البلاد لحق أن تعزي به وتبكى الجزائر
ولحق علينا لبس السواد بعد وقعتها وحلق الغدائر
فليبك من يشاء البكاء فليس بعزيز علينا فقد النواظر
ولتكن مقلة الحزين عليها فى انتباه فما النوم كساهر
هذه الروم أقبلت تتغالى وأرادت على الأنام التظاهر
بدأوا بالجزائر حيث كانت فى نحوهم كنبلة واتر
وأعدوا لحر بها ما استطاعوا من خيول وعدة وعساكر
ورموها برمية فصموها وعموها ، وما رأوا غير دابر
ألقت الناس لهم كل سيف كان قبل الورود فى الغمد صادر
دخلوها وملكوها خداعا ودنوا من أميرها دون زاجر
وتولوا خزانة لوحوتها يد قارون لم تزل تتفاخر
وأقاموا علامة الكفر فيها وأطاعتهم أناس فواجر
ومحوا حسنها كان لم تكن فيها لله قبل ذاك شعائر
وكأن لم تكن تصول فيها ملوك عندهم نازل سواء وطائر
وكأن لم تقدم فيها رجال بحقوق الجهاد فى كل فاجر
وكأن لم تدن ولاء وعزلا لمجير من الأنام وجائر
قدر الله أن تعود لنقص بعد هذا التمام والله قادر
فهي بعد علوها فى الحضيض وهي بعد شبابها فى الغوابر
أخذتها الأعدا وماذا يفيد إن بكى منشد وإن ناح شاعر
إن تعيشون ( كذا ) بعدها سترون ما به تحسدون أهل المقابر
ذلة وإهانة وعناء وكفاهم بمسلم طوع كافر
وتقولون إذ فشلت سوف يأتي الله عقبى ذاك بثائر
فنعم إن بلغتم ما سألتم بعد أن تبلغ القلوب الحناجر
ما يكون اعتذاركم بعد أسر لا تررون له مفاداة عاذر
وبقيتم وأهلكم طوع من لم يرض إن غضبوا بغير التشاجر
هذه الموت والبلاء عظيم والمصاب الذي يضيق الخواطر
فاعملوا الحزم ما استطعم إن هذا الزمان بالناس غادر
واستقيموا على طريقة رفق واتفاق وانتظموا كالجواهر
إنها نار فتنة أوقدوها بيدى نجس وسموه طاهر
كافر ، فاجر ، ظلوم ، خؤون عاضد لأولى الضلال ، وناصر
جاء من حضرة الخليفة يترأى باختلاق أوامر ، وبشائر
أضحك الناس ساعة ثم أبكى من له مقلة بدمع تحادر
وأدان الخداع فى الناس فهو لم يزل ناهيا بشر وآمر
فاسألوا الله بالنبى عساها أن تدور به عليه الدوائر
فالقصيدة تمثل عزاء وطنيا حقا (عظم الله أجركم في الجزائر)( ولكنه عزاء مؤقت لان الامة العربية بامتدادها فى الجزائر لن تكون عقيما هذا هو رأى أهل عصر الشاعر ولئن شايعهم فانه كان أوضح رؤيا منهم وكأنه ينظر يعين الغيب فى ذلك ولم يخف غضبه على من أطاعوا الدخيل وساروا فى ركاب الفجور :
وتقولون إذ فشلت سوف سوف يأتي الله عقبي ذاك بثائر
فنعم إن بلغتم ما سألتم بعد أن تبلغ القلوب الحناجر
نعم لم يبلغ الشعب الجزائري ما سأل الا بعد أن بلغت القلوب الحناجر وقدم لاستقلاله مليون شهيد قربانا .
أما حملة الشاعر على مبعوث الخليفة واتهامه والطعن عليه ووصفه بالكفر ، والخيانة ، والخداع ، والفجور فذلك ما لم يكشف عنه التاريخ . ومن المرجح أن الشاعر كان على علم ببعض الدواخل للخلافة العثمانية متمثلة فى بعض مبعوثيها على أنهم موفدون للانقاذ فكانوا شر الوافدين فلذلك كانت غضبته وسخطه عليه .
ولسنا ندرى هل الشاعر قال شعرا آخر فى مثل هذا الموضوع والمهم هو أن شعراء ولاية نابل كانت أصواتهم تتجاوز الحدود وتتجاوب مع أقطار المغرب العربي وأن هذا اللون من الشعر القومى حرى بالوقوف عنده والبحث فيه لو عثرنا على الكثير من نصوصه غير أن فنونا أخرى نعثر عليها وهى لا تقل قيمة ، عند شاعر متفرد فى ولاية نابل جمع بين الشعر والنثر فى ادبة والجد والهزل فى حياته الطريفة وهو أبو عبد الله محمد بن محمد ماضور السليمانى الاندلسى القيسى الثغرى الاشبيلى ؛ كان أسلافه من حماة الثغور وجده هنالك أبو القاسم أحمد بن يحيى بن محمد بن عيسى بن منظور عالم اشبيلية وقاضيها المتوفى سنة 520 ه . ( 56)
هاجر آباؤه فى جملة المهاجرين الفارين بدينهم 1009 ه . فنزلوا أول أمرهم بقرية من قرى الوطن القبلى هي " الجديده" ثم تحولوا إلى مقرهم المعروف اليوم " مدينة سليمان " وقد كان اسم جدهم المهاجر الاول الحاج محمد ماضور وقد تسلسل من نسله المحمدين ستة كان شاعرنا خامسهم ( 57).
