- 3 - (9) ومن العلماء الذين ملأوا عصرهم وكان لهم فى ولايه نابل دور كبير تعليما وإنتاجا الشيخ أبو الحسن على بن عمر بن محمد بن سالم معتوق شهر قريش النابلى منشأ ومسكنا ، ومذهبه مالكى أما اعتقاده فأشعري .
والرجل لا نكاد نعرف عن حياته شيئا من غير تفسيره والغريب أن صاحب الشجرة لم يتعرض له كما لم يتعرض له صاحب الاتحاد ، وعلى كل فان الرجل قد أفادنا في خاتمة تفسيره انه مالكى ، شافعي ، نابلى الموطن ، وان اسم تأليفه : " التأويل فى معالم التنزيل " وانه فرغ من تحبيره بنابل "صبيحة يوم الاثنين فى أول يوم من رجب سنة 1144 أربع وأربعين ومائة وألف ... وكتب بنابل المحروسة حفظها الله من جميع المكاره والأفات " وانه أجاز لكل مطلع على كتابه كاسبا وقارئا وناظرا وسامعا " أن يصلح ما يرى من الخلل ويصفح عما فيه من النقص والخطأ لأنه لا ينبغي الاتصاف بالكمال الا الكبير المتعالى " (36) .
وقد انتهى الكتاب الينا في أصله المخطوط مبتورا اذ تبتدى ورقته الاولى - بحكم ما هو عليه - بآية : " ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض " قال مفسره :
" ولو شاء الله لانتصر منهم يعنى ولو شاء الله لأهلكهم بغير قتال وكفاكم امرهم (ولكن) يعني ولكن أمرهم بالقتال " ليبلو بعضكم ببعض " يعنى فيصير من قتل من المؤمنين الى الثواب ومن قتل من الكافرين الى العذاب " والذين قاتلوا في سبيل الله " يعنى الشهداء وقد قاتلوا وهم المجاهدون في سبيل الله" فلن يضل أعمالهم " يعنى فلن يبطلها بل يوفيهم ثواب أعمالهم التى عملوها لله تعالى . قال قتادة : ذكرنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد ، وقد فشت فى المسلمين الجراحات والقتل " سيهديهم " يعنى ايام حياتهم فى الدنيا الى أرشد الامور ، وفي الآخرة الى الدرجات العلى . " ويصلح بالهم " ويرضى اعمالهم ويقبلها . " ويدخلهم الجنة عرفها لهم " بين لهم منازلهم فى الجنة حتى يهتدوا الى مساكنهم لا يخطئونها ولا يستدلون عليها كأنهم ساكنوها منذ خلقوا فيكون المؤمن أهدى الى درجته ومنزله وزوجته وخدمه منه الى منزله وأهله فى الدنيا . هذا قول أكثر المفسرين ونقل عن ابن عباس : " عرفها لهم " : طيبها لهم من العرف وهو الريح الطيبة وطعام معرف ، مطيب " (37) ويقول فى ختام كتابه : تم كتاب " التأويل في معالم التنزيل " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة الا بالله الله العلى العظيم ، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيئين وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين صلاة دائمة الى يوم الدين على يد فقير الخلق الى عفو الخالق المفتقر الى عفو الله وغفرانه وأرغبهم فيما لديه وأضعفهم بنية ورتبة أبو الحسن على بن عمر بن محمد بن سالم معتوق شهر قريش ، النابلى منشأ ومسكنا المالكى مذهبا ، الأشعري اعتقادا تاب الله عليه وعامله بلطفه الخفي فى الدارين بمنه وكرمه .
وكان الفراغ من نسخه صبيحة يوم الاثنين فى أول يوم من رجب سنة 1144 أربع وأربعين ومائة وألف رزقنا الله خيره ووقانا شره .
وكتب بنابل المحروسة حفظها الله من جميع المكاره والآفات ورحم الله كاتبه وكاسبه وماسكه وقارئه وناظره وسامعه ولمن دعا له بالمغفرة والرحمة ، وأودع كاتبه على كل من يقف عليه أن يصلح ما يرى من الخلل ويصفح عما فيه من النقص والخطأ لأنه لا ينبغي الاتصاف بالكمال الا الكبير المتعالى ، وفوق كل ذى علم عليم ، ومنتهى العلوم الى الله العظيم وحسبنا الله ونع الوكيل ، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما .
واعلم ان في هذه السورة لطيفة وهى أن المستعاذ به في السورة الاولى مذكور بصفة واحدة وهي انه رب الفلق والمستعاذ منه ثلاثة أنواع وهى : الغاسق والنفاثات والحاسد .
وأما فى هذه السورة فالمستعاذ به مذكور بصفات ثلاث وهى : الرب والملك والاله ، والمستعاذ منه آفة وهي : الوسواس " .
ثم يقول فى الآخر : " وعن ابن عباس رضي الله عنهما كان صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين يقول : أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامه ومن كل عين لامه ويقول : هكذا كان ابراهيم يعوذ ابنه اسماعيل واسحاق " ه . (38) .
ولئن سقط أول هذا الأصل النفيس فان خاتمته تشير الى تأثر مؤلفه بالطريقة الجاحظية فى الاستطرادات التى لم تكن متوقعة فقد شفع خاتمة كتابه بفقرة استهلها بقوله كما رأينا و" اعلم " ليقف وقفة قصيرة عند الاستعاذة فى سورة الفلق و " الناس " منبها على وجه المقارنة بين السورتين وكانه ابى الا ان يجعل آخر كلامه حديثا للرسول فى خصوص ما كان يعوذ به ابنى بنته الحسن والحسين . وكل ذلك لا شك كان تبركا به وتحلية لتفسيره ، الذى أرى انه من خير ما فسر المفسرون باعتباره عملا مدرسيا يقوم على التبسيط والتوضيح والاقتصار على المهم فى الرواية وتوخى الشرح المبسط والتفسير المقرب بعيدا عن التفاصيل فى الجزئيات اللغويه التى طالما أضاعت المفسرين وانستهم غايتهم فى أعمالهم ، فأضاعوا المضمون لهاثا وراء الاشكال اللغوية فى كثير من الاحيان . والذى أرجحه أن الشيخ معتوق النابلى كان مشتغلا بالتدريس وكان له تلاميذه ومريدوه وبالتالى قدم تفسيره بطريقة مدرسية ناجحة ، وليس هذا بغريب فلقد عرف علماء المغرب العربي باختلافهم عن علماء الشرق لعنايتهم الشديدة بالجانب المدرسي فيما كانوا يكتبون والعناية بالطرق البيداغوجية فى ما كانوا لتلاميذهم يقدمون . وبالاجمال فان تفسير النابلى نفيسة علمية ما أحراها بالنشر وتقديمها لتلاميذنا عملا علميا سهل التناول فى غير تعقيد أو التواء ، وتبسيطا فى العرض دون بساطة أو ابتذال بحيث يخرج الدارس بعد القراءة الممتعة السهلة بدراية وتدبر للتأويل فى معالم التنزيل ، يقوى الحافز العلمي فى المبتدى ، ويمكن المعارف القرآنية فى نفس الدارس المتبصر خالصة نقية من أباطيل الاسرائيليات الخرافية والأكاذيب والملفقات الدخيلة .
وبالاجمال فان الحركة العلمية للقرنين الماضيين اتجهت اتجاها دينيا فى شعب ثلاث الدراسات الفقهية والتفسير والمباحث القضائية ثم التصوف ويعتبر الطابع العام فى ثقافة أولئك العلماء على اختلاف مشاربهم وتدل الاصول المخطوطة على طرافة فى البحث العلمى وعلى عقلية مبتكرة نفاذة .
وتبقى العلوم الرياضية وتندرج فى هذا الجانب المعرفي لولايتنا ولكنها فيها كسائر الجهات التونسية بل وكحالها فى أقطار المغرب العربى يقل المقبلون عليها والمتعاطون لها لانها علوم ظلت بعيدة عن أن تكون أساسا مقررا ضمن المواد العلمية فى الجامعات الاسلامية وبالتالى ظلت مناطا لاصحاب الهوابات ولمن كانوا متعطشين للعلوم من حيث هى علوم سواء كانت دينية أو دنياوية ولسنا هنا بصدد النسج الدعائى حتى نزعم بأن العلوم الرياضية قد كانت منتشرة بين علماء ولاية نابل لتلك الفترة أو أن نزعم بأنها مزدهرة وشابه فى عقول علماء تونس أو أقطار المغرب العربي بحجة ظهور قبادو أو الشحمى فى تونس أو على النورى فى صفاقس أو القلصادى فى باجة أو ماضور في ولاية نابل ؛ فان الحركة العلمية وأى حركة اخرى لن تعد كذلك الا اذا كونت طابعا أما أن تكون بصمات وخاصة إذا كانت علامات باهتة فانها وقتئذ لا تعدو أن تكون بقايا وظلالا أو هي بذورا أولية وتباشير جائز أن يعتورها أحد الفجرين كذبا أو صدقا .
ومما لا جدال فيه أن تلك العوارض الرياضية كانت بقايا ولم تكن تباشير واذا لما كانت دعوة محمود قبادو لها معني ولكان وضعنا الحضاري اليوم على غير ما هو عليه من الملاحقة الحضارية المنهوكة ، تلك حقيقة يجب أن نعترف بها ومن غالط نفسه حرى بأن يغالط أطباءه ولطالما غالطنا أنفسنا وغالطنا أطباءنا ولست أدرى متى يمن الله علينا بالسلامة .
(10) أما الوجه الآخر من الثقافة لذلك العصر فالحركة الادبية وأول ما يلاحظ فيها هو تأثرها بالحركة العلمية العامة وظهور الادب الديني تيارا فى شعراء ولاية نابل لا يخفى . وقد احتضنت كغيرها من الولايات عديدا من الشعراء ولم يعدموا الطرافة ولم تخطئهم الجدة فى كثير من الاحيان ومن أشهرهم محمد ماضور السليماني من مدينة سليمان الاندلسية ومحمد المنزلى وأحمد المنزلي من منزل بوزلفة واسماعيل التميمي من منزل تميم وأحمد القليبي من قليبية ولعله هو الفبجى (39) وقاضى باردو الحاج قاسم الزوارى
على عهد على باشا الاول (*) . وقد كان للثقافة الدينية الاثر المهم فى انتاجهم مما جعله ينطبع بها انطباعا غير أن ذلك الطابع يمثل مميزات وسمات تستند الى مبادئ كلية للدين الاسلامى وتتمثل خاصة في تاريخ الدعوة الاسلامية وحياة الرسول وما جد له من أطوار ، وكان هذا الاتجاه مصطبغا بألوان عاكسة لحياة وظروف ذلك العصر ، وأيضا عصر أولئك الشعراء بسبب ما حف بهم من مصائب وأمراض وفتن مبيرة ادت بهم الى الاستغراق الكلى فى المناجاة وضروب الاستغاثات استنجادا بالرسول وأصحابه والاولياء ، وكان عنصر الرهبة والخشيه متغلبين على نفوس أولئك الشعراء وهم فى هذا اللون يلتقون بمعظم شعراء تونس لذلك العصر .
ومن ابرز شعراء هذا اللون الادبي محمد المنزلي فقد تفرغ الى هذا الغرض من الشعر ؛ ومن آثاره الشعرية : 1 - ديوانه المخطوط بالدار الوطنية تحت رقم 910 ويضم أشعارا بالفصحى وأخرى بالعامية . 2 - البردة مخطوطة أيضا وهي تشطير لميمية البصيرى وتوجد ضمن مجموع تحت رقم 566 3 - سفينة شعرية مخطوطة بالدار الوطنية تحت رقم 1956 وقد ورد فى ورقة الديوان الاولى : " بسم الله الرحمن الرحيم ، وبه نستعين ، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وسلم " . للشيخ المنزلى نفعنا الله ببركته (40) :
لا تغفل عن التوحيد هى أفضل الأذكار
لا تغفل عن ذكر الله مولانا هو الغفار
لا إله إلا لله وأكثر من التكرار
ويسترسل على هذا النسق حتى يقول :
وارحم من أنشأ النظام يا رحيم يا غفار
ألامام المنزلي أسكنه فى خير دار
ثم بعد ذلك نراه يستغرق استغراقا فى مدح الاولياء ولا سيما عبد القادر الكيلانى ، جاعلا نفسه خديما له طاعة وتبعية مما يدلنا على انه امام فى الطريقة القادرية ، وشيخ من شيوخها ؛ ولئن كان شعره سهل المأخذ إلا أنه بناء ضعيف ولعل روعة شعر المنزلى لا تكمن فى الشعر الفصيح وانما فى شعره العامي وأزجاله فمن ورقة الديوان 11 تبتدئ مجموعة قصائده هذه وكلها خفيفة الجرس رقيقة التعبير تغشاها بكائية حارقة ، خاصة فيما قاله فى جلول ، لكنه ينكب بعد ذلك ليتجه الى الشعر الفصيح . وقد جاء التمهيد الى أزجاله بما يلى وفي الديوان نفسه :
" بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وسلم . ومن كلام الشيخ سيدي محمد الامام المنزلي رحمه الله تعالى آمين " (41) . ثم يسوق قصيدة عامية فى مدح جلول لعله عبد القادر الجيلانى والقصيدة من أروع ما كتب فى ديوانه يقول فى مستهلها :
ناديت وأرغب فى الحي ونيران قلبي اشعيله
والقلب مصهود بالكى ودموع عيني هميله
جلول يا كامل الزى يا ولد خيرة الجليله
ياغيك تلفا على هي راكب جارى عتيله
تحمي وليدك من الغي في كل ضيق الشتيله
عروبي
ناديت والقلب محروق ونار الهوى فى كنيني
ناديت على سيد معشوق جلول مصباح عيني
عروبي
القلب بهواه معلول وحبه ساكن فى الجواجى
وأنا من الحب مشغول للقاه عيني تراجى
بالله يا صاحب القول ارفع بصوتك وناجي
اذا سمعت ذكر جلول نبرا ولو كنت واجى
والقصيدة طويلة وكلها توسل وبكاء وشوق على صاحبه جلول ، ختامها :
نرجو بالكم اتملوا من دمعكم يا عيوني
نرجو بالكم تكلوا على البكا ، ساعدوني
بابا فويدر بكلو مغيب ولا حال هونى
يا زاير الشيخ قلو مفابيع حبك كوونى
ويستمر محمد المنزلي بقية ديوانه مرة فى مناجاة الرسول ومرة فى عبد القادر الجيلانى ، وأجمل شعر قاله فى جلول الذى هو عبد القادر الجيلاني فيما يظهر ( 42 ) :
أمولاى عبد القادر الجيلاني أغثنى أغثنى يا سرور جنانى
أجول بفكرى فى بديع بيان وأرتع فى روضاتها بجناني
وأطرز نظمى طرز حلة عسجد وقد رصعت فى طرزها بجمان
وأجمع من وصف الحبيب جواهرا وأنظمها فى عقدها بلساني
لأن فؤاد من هواه متيم ومن كاسه شاقي الغرام سقاني
عرفت هواه قبل أن اعرف الهوى فما مال قلبي في هواه لثانى
وهذه القصيدة طويلة وكان الشاعر قطع على نفسه الوفاء بالبقاء في الطريقة القادرية وأن لا يحيد عنها مدى حياته :
عرفت هواه قبل أن اعرف الهوى فما مال قلبي في هواه لثانى
والقصيدة طويلة ولم يحل طولها دون جودتها وهى كسائر القصائد الصوفية فيها امتزاج واستغراق وابتهال ، وتعكس عواطف صوفي منتم نابع انتماؤه من اعتقاد خالص وكان تلك الطرق فى ذلك الوقت تنزل منزلة الاحزاب المذهبية اليوم فيها تعصب وتبعية وافراط فى الانتماء والدعوة لها والنضال دونها ( 43 ) :
بشراك يا تابع القادرية تلق المنى والكؤوس الهنية
بشراك يا تابعا للطريقه طريقة الغوث قطب الحقيقه
واعتقاد كلى بسلامة المتمسك وبنجاته حين تعز النجاة (44):
يا شيخي يا جيلانى يابن رسول الله
بالله ما تنسانى يابن رسول الله
هى نسيم الشوق من ذلك الحمى وهز غصن العشق والحب قد نما
يا شيخ طال شوقي زدنى تكرما وأشف هموم العانى بعينية تراه
بالله لا تنسانى يابن رسول الله
والقصيدة كلها على هذا النحو نفسا منسقا وبناء .
ويبدو أن لمحمد المنزلي باعا فى فن التشطير وقدرة كبيرة فيه ؛ فقد تصدى لميمية البوصيرى فشطرها وبرز عليه فيها مما يدل على طول باعه فى الشعر الديني ، ويذكرنا فيه بمحمد الصغير داود حين شطر قصيدة البردة لكعب بن زهير يقول محمد المنزلي في مطلع تشطيره الرائع (45) :
الحمد لله منشى الخلق من عدم على جلائل ما أسدى من النعم
والشكر لله حمدا لا نفاد له ثم الصلاة على المختار فى القدم
أمن تذكر جيران بذى سلم أسهرت ليك بالأشواق فى ألم
أو من عبورك عن وادى العقيق ضحى مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة بنشر طيب بدا من ذلك الحرم
أم أشرق النور من ذاك المقام دجى وأومض البرق فى الظلماء من إضم
ويسترسل محمد المنزلي في هذا التشطير المتفنن دون تكلف أو إعياء أو هروب للاغراب لضيق باع حتى يختم عمله بقوله مسجلا اسمه فيه على نحو ما يفعل الشاعر فى شعره العامي وهذا موقف من المواطن التى تأثر فيها الشعر التونسى الفصيح بالشعر العامي :
وما تألق برق المزن أو بزغت شمس وما لاح بدر فى دجى الظلم
ورد رضاك لعبد تابع الجيلى يبدى ثنائي بمنشور ومنتظم
عامله بالعفو والغفران والطف به محمد المنزلي وأغمره فى النعم
وفي هذا الاتجاه الديني تبدو سفينة (46) محمد المنزلي الشعرية خير السفائن مناجاة وألطفها جوازا وأكثرها سحرا ، فقد تنقل فيها من الابتهالات وضروب الاستغفار الى الوقوف المعتبر إزاء بعض المنشآت التاريخية وبعض الاشخاص باعتبارهم منائر لجواز سفينة وأخيرا برسوبها أو على الأصح ترسو به فيجمد نفسه على اليابسة الأمينة واذا به عند الرسول نزيل .
واذا بنشده في قصة المعراج ملاحم نبوية وبطولات ومواقف فيها عبرة ، وفيها عظة وتشد منشدها شدا الى المدارسة والتأمل ، والقصيدة تعطينا صورة لما وصل اليه الشاعر التونسي من هذا التدفق الموحى وهذا الاستغراق لروحى التصوفي كما تدلنا دلالة واضحة على تمكن محمد المنزلي من ناصية لقوافى طول نفس ، وسهولة بناء شعري على نحو من الاستجابة والتداعى يدعو الى الاستغراب ؛ على أن هذا الاستغراب قد يصبح عند الدارس اعجابا إذا عرف منزلة شعراء تونس ودورهم في الشعر الدينى حتى انك لتجد دواوين كاملة كلها فى الدين والتصوف ولكن رغم ذلك فان معراجية محمد المنزلي تبقى فريدة باعتبارها قصة شعرية كاملة تحكى رحلة الرسول ليلة المعراج (47) وهي طريقة لا فى الادب التونسى فقط بل فى الادب العربي وتقدم أكبر دليل على أن الشعر القصصى ليس بغريب فى أدبنا وقد جاءت قصيدة متحررة من وحدة القافية والبحر باعتبار تنويعاته فيهما ، واذا فلنا بأن هذه القصيدة تمثل لوحات مسرحية شعرية ما كنا نبعد لما فيها من تلك المقومات فى تنوع النغم وتكوين المواقف والاضفاء الحوارى عند كل موقف وعند كل لقاء في تلك الرحلة المحمدية . وقد نظمها محمد المنزلي بمناسبة مولده صلى الله عليه وسلم (48). وقد أرخ لهذه القصيدة بتاريخ 1192 ه وقد أشير الى شاعرنا فى بعض مقومات الابيات الى انه كفيف . ( يتبع )

