الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الحياة الأدبية والفكرية في القرن 18 و 19، بولاية الوطن القبلي

Share

- 5 - ( " )

وقد ولد الشاعر محمد ماضور ) * ( بسليمان ليلة الاثنين 9 من شهر ربيع الاول سنة 1150 من أب عالم كان أحد العلماء المجددين للحركة العلمية بتونس بعد اندثارها بسبب الحروب الاسبانية ، وقد تفتحت عين شاعرنا على والده صاحب الامامة والقضاء وخطة التدريس بسليمان بعد أن تخرج على علماء الشرق خاصة مثل الشيخ البليدى ، والصعيدى العدوى ، والحفنى ، والطحلاوى والدرى ) 58 ( ولم يكن والد ماضور عالما مستهلكا بل كان منتجا أيضا وحمل فى سنة 1164 ه . كتبه فى حجة الى بعض أصحابه المشارقة فقرضوها وأعجبوا ) 59 ) بها . وكان الولد على شاكلة أبيه فى الاقبال على الدرس والتحصيل ولم تكن حروب الحزبين الحسينى والباشى لتؤثر على هذا الشاعر بل استطاع كأبيه أن يتجنب ويلاتها ويسلم مما لم يسلم منه أهل عصره من العلماء والادباء كابنى ولايته أبى الفداء اسماعيل التميمى ومحمد التميمى .

ويبدو أن أسرة ماضور لم تنس ما تعرض له اسلافها فى اسبانيا فلذلك لم تنحشر في الصراع الباشى والحسينى وظلت مرتبطة ارتباطا قويا بمسقط الرأس لا تتتجاوزه إقامة ووظيفا ؛ فوالد الشاعر قد هاجر ولكن من أجل التحصيل ولكنه بعد ذلك لازم مسقط الرأس ولم يتجاوزه الى غيره ولم يجذبه

بريق قصر باردو ، حتى توفى سنة 1199 ه . وكذلك ابنه محمد فبعد أن درس على والده بسليمان هاجر الى تونس العاصمة طالبا للعلم ليلة الاحد 23 من ذى الحجة 1171 . ودرس على كبار علماء الجامع الاعظم فالقرآن عن أبى يونس حمودة ادريس والعربية عن حمودة بن حسين باكير والبلاغة عن قاضى باردو والشيخ منصور المنزلى وشيخ الاسلام حسين البارودى وأبى عبد الله محمد بيرم الاول وأبى عبد الله محمد الشحمى العالم الرياضى وأبى الفضل قاسم القلشانى ) 60 ( .

وبعد تخرجه تصدر للتدريس بالجامع الاعظم . وتذكر المصادر أن والده توفى وهو ما يزال مقيما بالحاضرة وباجماع أهل بلده فارق الشاعر العاصمة ليتقلد الوظائف التى كانت لأبيه سنة 1199وان ذكرت بعض المصادر أن رجوعه الى سليمان كان سنة 1181 أى قبل موت والده بثمان عشرة سنة وقد تكون عودته تلك زيارة عاد بعدها الى العاصمة ثم كانت رجعته الاخيرة بعد موت والده . ويذكرون أنه زهد فى قريته ورغب عنها الى الحاضرة حين                                                                                                                                                                                                                                                                                                                              استقدموه ليتولى وظائف أبيه ) 61 ( واذا صح هذا الرأى فانه يدلنا على أن شاعرنا كان أزهد الناس فى الوظائف الحكومية والخطط الشرعية ، وأن التفرغ للعلوم والتدريس بالعاصمة ، وتعاطى الادب كان همه الوحيد فقد ذكروا أنه كان واسع الثقافة مبرزا فى العلوم الشرعية والعلوم التطبيقية كالفلك والحساب كما شغل نفسه بالمعارف الطبية وخواص المفردات الطبيعية وله تعليقات على ألفية ابن سينا وكان يستعمل الاسطرلاب والارباع التى اخترعها العرب ، كما كان له باع طويل فى الحساب والهندسة

ومن تآليفه : مقالته الهامة فى مراتب العلوم مختصر فى رسم القراءات ومختصر فى مخارج الحروف والدر المكنون فى رواية قالون والتطبيق فى التوثيق ومختارات أدبية ) 62 ( على انه من كل ما عرف به من معارف اشتهر بالادب شعرا ونثرا ووصفوه

بأنه سهل المأخذ ، رقيق المعانى ينم عن شاعرية مطبوعة وذوق لطيف

ولئن كان ظهور ماضور بشعره فى فترة احيائية لبعث حركة أدبية بعد اندثارها وكان من روادها المبشرين بها : الورغى وحمودة بن عبد العزيز وابن سعيد الحجرى والغراب فانه قد شذ عن سائر أدباء عصره فى شعره ونثره ذلك انه صاغ أدبه بعيدا عن أضواء القصور ، ليجعل منه مرآة صادقة لحياته الخاصة والعامة ؛ فقال ما شاء له القول فى مدح أبيه عند كل مناسبة                                                                                                                                                                                                                                                                                                                        علمية ، كما تغنى ما شاء له التغنى بعواطفه المشبوبة تغزلا مرة بصويحباته ومرة بغلمانه وأحبابه وابتعد كل البعد عن الشعر الرسمى ولم يلتفت إليه غير مرة أو مرتين اثنتين احداهما حين هدم على باى الخمارات ) 63 ( فمدحه بقصيدة وتلك لها خلفية دينية ، معذور فيها ، والثانية لم يستقبل فيها القائد ابن عياد حين مر بسليمان يجوس خلال ولاية الوطن القبلى وتغير القائد على الشاعر تغيرا كبيرا لم ينقذ نفسه من خطره الا بقصيدة اعتذارية ) 64 .

وبالرغم من ظهور ماضور فى فترة انبعاث علمى وادبى ، والظن أن أدبه سكون فيه ما في كل أدب ناشئ من ضعف وفى عصر مثقل بالانحطاط سيحمل أدبه منه الكثير مثلما رأينا ذلك فى أدب الغراب ، لكن أدب ماضور جاء بعكس ذلك فقليلا ما برزت فيه أمراض أدباء العصور الوسطى واذا استثنينا الترصيع فى شعره والسجع فى نثره فانك لن تشعر أو تكاد تشعر انك تقرأ لأديب متقدم عاش فى عصر الاحياء من لدن انبعاثه . وما دمنا فد قمنا بعمل تحت مركز البحوث فى خصوص شعر ماضور فسوف لا نقف كثيرا عنده وسيكون اهتمامنا ينثره أكثر من شعره . تميز ماضور بالمقطوعات القصيرة وعدم تطويل قصائده الا نادرا ولعل أطول ما نظم مدائحه فى والده كقصيدته الرائية التى أنشدها فيه غب ختمه لتفسير القرآن عليه ومطلع القصيدة ) 65 (

تفسير أشواقى لديك يحرر

فعساك تختم بالوصال وتجبر

وقصيدته الثانية فى والده أيضا عند ختمه لتفسير الخازمى وأولها ) 66 ( :

تفسير ما حل بالأحشاء من وصب لخازن الحب قد يفضى الى النصب

والكثير من شعره قصائد قصيرة ومقطوعات كتلك التى مدح بها أهل سوسة جوابا على أهجية الغراب لهم . ووصفه للقهوة وفيه نكتة ) 67 ( :

حبشية جاءتك من يمن شامية تختال فى الصين

سخينة الحسن لها مرشف فيشفى صدى قلبك فى الحين

ولئن كان شعراء عصره قد كفوا بالتشطير والتضمين فانه بلغ من الاندماج أسلوبا إن صح التعبير حتى ليلبس على القارىء . من ذلك تضمينه عجز بيت بشار :

يا قوم أذنى لبعض الحى عاشقة والاذن تعشق قبل العين أحيانا

وقصيدة ماضور : ) 68 (

يا ظبية أشعلت فى القلب نيرانا وخلفتنى مع الاشواق حيرانا

بالسمع أهواك لا عن رؤية سبقت فهل أراك وأشكو منك أشجانا

صبرى ودمعى لما حملت من شغفى هذا تلاشى وهذا صار غدرانا

يا شمس حسن تبدت فى ملاحتها هلا قرنت بذاك الحسن إحسانا

ما إن ذكرتك إلا صرت من طرب من طيب ذكراك ولهانا و نشوانا

من العجائب إني ما شربت ولا شممت خمرا وقد أصبحت سكرانا

روحى ابشارة ما بالوصل بشرنا ومن جميلك بالرضوان هنانا

أذني هوتك وعينى ما رأت شبحا ) والأذن تعشق قبل العين أحيانا (

وانظر الى هذه الأبيات وقد ضمنها تشطيره لبيت مشهور : (69 )

الله يعلم أن الروح قد تلفت فى ود حبك يضنيها ويغويها

والنفس بالحب كادت أن تطير هوى شوقا إليك ولو أنى أهنيها

ونظرة منك يا سؤلى ويا أملى تشفى النفوس وترويها وتحييها

وساعة من وصال إن سمحت بها أعز عندى من الدنيا وما فيها

) لا يعرف الشوق إلا من يكابده ) يحرقة ما لها نار تدانيها

ولا درى الحب إلا من يجربه ) ولا الصبابة الا من يعانيها (

وللشاعر القاضى طرائف وغرائب فى غزله وفى علاقاته بالنساء والغلمان وإن صدق شعره لتؤكده حلاوة صياغته ولطافة تعبيره . وعندى أن ماضور هو آخر شاعر تونسى صادق العواطف أحب الجنسين على نحو ما كان شعراء القرن الرابع يفعلون وقدم تجاربه بأمانة ، والظن عندى انه لم يكن يذيع بعض شعره بدليل أن نسخ ديوانه المخطوط والمتداول بين الناس يخلو من بعض الشعر الغلمانى الذي يكنه بعض المجاميع الخاصة عند بعض أقربائه ) 70 ( فقد اشتمل على مقطوعات وقصائد هى أشبه بالمذكرات الخاصة ولا شك أنها كانت شخصية ولم يعرفها الناس إلا بعد موته

ولم يكن شعر ماضور الغزلى عذرى الطابع دائما بل نجد النزعة المادية أحيانا تطفو لتنم عنها أقواله كهذه المقطوعة : ( 71 )

ما بالها بخلت برد سلامها سلمى ولم تحفل برعى ذمامها

وتثاقلت عني وكانت قبل ذا تسعى الى بعزمها وغرامها

واستوبلت مرعاى وهو المنتقى واستبعدت مرماى فى أوهامها

إن غرها بي جهلها بمكانتى فمن التأدب تركها لملامها

أو صدها الواشى على فانما مغزاه أن يحظى بما فى حزامها

ولا شك أن العجز الاخير فى المقطوعة منفى عن الذوق الشعرى السليم . على أن ماضور يبقى رغم ذلك مجيدا وموفقا فى أنظامه ومنهجه فى الانتفاع بما خلف الاقدمون اذ يماشى المعانى احتذاء حينا فى ذكاء وحينا سالخا مختلسا ولم يكن أهل عصره أقل منه دراية ولا أقل معرفة بمخبأته وهذا نص أقدمه كما ورد بأصل المجموع ( 72 )

الحمد لله ،

ومن نظم الاديب الناظم المرحوم أبى عبد الله محمد ماضور الاندلسى السليمانى :

جاد باللقيا بصحن الجامع يا له من بدر تم طالع

عسل بالصحن يشتاق له كل ذى عين بقلب صادع

وقال أيضا :

لقيت بصحن الجامع اليوم أهيفا

جميل المحيا كامل الظرف والحسن

فلله ما أحلى وأبهاه منظرا

فلا تعجبوا ان الحلاوة فى الصحن !

" قلت : ورأيت فى كتاب سماه مؤلفه محاسن الشام لما استوعب من الكلام ، ومدحته شعراء الوقت بقصائد الى أن قال : وما أحسن قول الشاب الظريف محمد بن العفيف فى غلام يتثنى فى صحن الجامع

تمشى بصحن الجامع الشادن الذى على قده أغصان النقا تثنى

فقلت وقد لاحت عليه حلاوة ألا فانظروا هذه الحلاوة فى الصحن

" فانظر الى الشيخ ماضور كيف أخذ جل اللفظ والمعنى .

٥ وفى الكتاب المذكور قول القيراطى - رحمه الله - من معانيه البديعة

الجامع الاموى أضحى حسنه حسنا عليه فى البرية أجمعا ) 73 (

حلوه اذ حلوا فانظر صحنه تلقاه أصبح للحلاوة مجمعا

فانظر الى ماضور كيف تصرف وانظر الى الناقد كيف تتبع خطاه ؛ ولماضور فى هذا الباب مداخل وتصرف يعجبك فيه قوة طبعه ولطف شاعريته قدر إعجابك بسعة إطلاعه ومتانة تكوينه فى فترة إحيائية كنا نعتقد جميعا أنها بداية إن وحد فيها المحسن قل أن يوجد فيها المجيد البارع ولا شك أن خططه الشرعية كالقضاء والعلمية كالتدريس ، والصوفية كمشيخته فى الطريقة العيساوية وما كان يجد فيها من " حضرات " بالغلمان والشباب وقد تكون بالنساء ايضا كل ذلك ترك في شعر ماضور ضربا من الممارسات الواقعية أتيحت لعواطف كعواطفه وطبع كطبعه الاندلسيى الموروث فأنتج هذا النتاج وأفرز قلمه هذا الافراز .

) يتبع (

اشترك في نشرتنا البريدية